الأربعاء 18 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

المركوبون زهنيًا.. ما جرى فى أكبر عملية لاستلاب العقل العربى

حرف

- لا يمكن أن يرسم المثرثرون على المقاهى ومن خلف شاشات شبكات التواصل الاجتماعى منظومة الأمن القومى المصرى العربى

أخرج المحرر الصحفى المجتهد الذى يتابع أخبار الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية هاتفه ليتواصل مع أحد الخبراء الاستراتيجيين، سأله عن توقعه لنهاية كل هذا الذى يحدث على الأرض. 

ضحك الخبير وقال له: إذا كان من بدأ هذه الحرب «يقصد ترامب» لا يعرف على وجه التحديد لا متى ولا كيف يمكن أن تنتهى هذه الحرب.. فهل يمكن أن نعرف نحن متى وكيف تنتهى.. كل السيناريوهات مفتوحة.. وليس علينا إلا أن ننتظر. 

كلام الخبير صحيح جدًا.. ودقيق جدًا أيضًا. 

دخل ترامب هذه الحرب ولديه هدف محدد. 

أن ينفذ الخطة الكبرى لتفتيت المنطقة وإضعافها وإرهاق أنظمتها وتكسير جيوشها، وذلك كله حتى لا تكون هناك أى قوة أخرى فى المنطقة إلا إسرائيل. 

أعتقد أننا لا نحتاج إلى دليل لنتأكد من ذلك. 

فالسيناريو يمضى منذ عقود إلى هذه الوجهة دون تراجع، وحتى لو حدث بعض التراجع فإنه لا يعنى أبدًا أن المشروع انتهى، لأنه ليس مشروع شخص ولكنه توجه مؤسسى لدى الولايات المتحدة، ومن ورائها الغرب كله، قد تختلف الوسائل، لكن الهدف يظل فى النهاية واحدًا. 

ورغم وضوح هذا الهدف ودقته والعمل من أجل تحقيقه مهما كان الثمن ومهما طال الوقت، إلا أن خطاب ترامب السياسى المعتاد مراوغ، وهى مراوغة فيما أعتقد ليست عفوية تتناسب مع شخصيته، فهذا الرجل ليس عفويًا أبدًا، فكل ما يفعله مقصود، وكل ما يقوله متعمد، حتى تناقضاته فى خطاباته العلنية مقصودة. 

ترامب لا يستطيع ببساطة- هو أو غيره- أن يحدث العالم بحقيقة مقصده. 

لا يمكن أن يقول للناس إنه يريد تدمير دول الشرق الأوسط وجيوشها من أجل أن تبقى إسرائيل وحدها القوية والمسيطرة والموثرة وحائزة السيادة والتصرف كما تريد فيما تريد. 

لكنه يمكن أن يمرر الأمر بالمبالغة فى الخطر الذى تمثله إيران على إسرائيل، يقنع نفسه ويقنع الآخرين بأنه لم يحرك جيشه وأسطوله وقواته ويطلق صواريخه إلا من أجل مواجهة هذا الوحش الكاسر المدمر المتوحش الذى يريد أن ينقض على إسرائيل، والذى يسبب الضرر البالغ كذلك لأمريكا وشعبها.. بل يقتل مواطنيها. 

فعلها جورج بوش قبله وهو يدمر أفغانستان والعراق.. نسخ رواية كاملة لخطر هذه الدول، وكيف أنها مصدر للإرهاب ولا بد من القضاء عليها. 

ولأنه كان يحتاج لغطاء سياسى وإنسانى معقول، قال إنه ذاهب فوق قراره بمواجهة الإرهاب، إلى نشر الديمقراطية فى هذه الدول، وتحرير شعوبها من سطوة وسيطرة استبداد حكامها، ووقتها اخترع حكاية الأسلحة الكيماوية التى يملكها العراق، وهو ما لم يثبت حتى الآن، لكنها كانت الحجة التى اعتمد عليها فى تنفيذ مخططه. 

وفعلها بعد ذلك أوباما عندما وقف بقوة خلف ما يسمى بثورات الربيع العربى، هذه الثورات التى تم التخطيط لها وتدريب الشباب عليها، كان يريد هو الآخر أن يخلخل الدول التى قامت فيها الثورات، وأن يمهد الأرض لتصل جماعة الإخوان إلى الحكم، فقد قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون عملاؤها على كراسى السلطة. 

لم يعلن أوباما أو غيره وقتها عن الهدف الحقيقى من وراء سعيهم إلى إشعال الثورات فى تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، لكنه ردد الكلام العقيم عن حق الشعوب ونشر الديمقراطية، وهو ما سار خلفه كثيرون وصدقوه.. وكانت النتيجة كما نرى.. تخريب عام وشامل وإسقاط لدول لا تزال شعوبها تعانى، وأعتقد أنها ستظل تعانى طويلًا. 

الأمر مختلف شيئًا ما فى حالة إيران. 

فكما أن هناك أهدافًا خفية لأمريكا وإسرائيل من وراء هذه الحرب. 

فهناك أيضًا أهداف خفية لإيران من وراء كل ما قامت به خلال العقود التى تلت ثورتها الإسلامية. 

أهداف إيران لم تكن تختلف أبدًا عن أهداف إسرائيل. 

أرادت أن تكون هى القوة الأكبر والأهم والأكثر سيطرة فى المنطقة، بدأت بفكرة تصدير الثورة، ثم لعبت من خلال الفكرة الشيعية داخل الدول العربية، وبدأت تمد يدها فى لبنان من خلال حزب الله، وفى فلسطين من خلال حماس، وفى اليمن من خلال الحوثيين، وفى العراق من خلال الحشد الشعبى، وفى سوريا من خلال دعمها نظام بشار ليس فى مواجهة الثورة التى دعمتها فى دول أخرى، ولكن لأن دول الخليج هى من كانت تقف فى مواجهة نظام بشار، فقررت إيران أن تواجهها من خلال دعمها ومساندتها ووقوفها فى ظهر بشار. 

لقد كانت إيران حاضرة فى قلب مشهد الفوضى الكبير فى مصر بعد أحداث ٢٥ يناير، وكانت عناصر مخابراتها موجودة فى أحداث فتح السجون. 

لكل منهما- إيران وإسرائيل- هدفه الخفى إذن. 

ولكل منهما نفس الطريقة فى تحقيق هذا الهدف، وهى طريقة النصب باسم الدين، استخدامه فى تعمية الأتباع وحشدهم لتأييد كل ما يقومون به، وتطويعه ليكون الغطاء الذى يصبغ الهدف بصبغة أخلاقية وقيمية، يعرف من يقومون بذلك أنه غطاء قوى ونافذ وقادر على كسب التأييد بلا عناء. 

إننى أتعجب بشدة من هؤلاء الذين يناصرون إيران الآن ولا يجدون شيئًا مشينًا فيما تفعله بدول الخليج، لكننى أتفهم لماذا يفعلون ذلك، إنهم ينظرون إليها على أنها دولة إسلامية تقف فى مواجهة إسرائيل ومن ورائها أمريكا، وهذا وحده يكفى لأن يقفوا خلفها، لأنهم بذلك يقفون خلف الإسلام. 

هذه هى الخدعة الكبرى. 

إن دول الخليج مثلها مثل إيران تمامًا، دول إسلامية؟ 

فلماذا يصمت من يناصرون إيران عن الهجوم عليها، وهو هجوم لا مبرر له إلا محاولة هدم هذه الدول وإضعافها وإفقادها أهم ميزاتها، وهى ميزات الأمن والاستقرار والقدرة على جذب الاستثمارات، وتوفير فرص الحياة على الوجه الأكمل لمواطنيها ومن يقصدونها. 

إن ضرب إيران دول الخليج، والاعتداء عليها بكل ما تملكه من قوة، لم يكن صدفة ولا هو رد فعل على الضربات التى وجهتها لها أمريكا وإسرائيل بداية من ٢٨ فبراير الماضى، يبدو لى أن إيران فقط وجدت أن فيما يحدث لها ذريعة لتنفيذ ما كانت تريده وتخطط له من عقود، لذلك فأنا لا أصدق أبدًا إيران فى كل ما تقوله أو تزعمه أو تدعيه. 

القضية واضحة جدًا بالنسبة لى، وبالنسبة لكثيرين. 

إننى أرفض أن تقوم الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بضرب إيران، لأننى أرفض الهدف الذى تتحرك من أجله إسرائيل وتساعدها فيه أمريكا. 

لكن هذا الرفض لا يمكن أن يكون مبررًا أبدًا لقبول أى شىء تفعله إيران.

لقد حاولت القيادات الإيرانية تبرير الضربات الموجهة للخليج، بأنها تقوم بذلك لأنها تستهدف مصالح أمريكا وقواعدها التى يتم الضرب من خلالها، وازدادت البجاحة فقال أحد المسئولين الإيرانيين إنه مستعد لتشكيل لجنة للوقوف على الأهداف التى يتم ضربها فى دول الخليج للتأكد من أن جميعها أهداف تخص الأمريكان، وهو ما رد عليه مسئولون خليجيون بهدوء، فهم لا يريدون لجنة ولا يحتاجون لمن يبحث ويفتش لتحديد الأهداف المضروبة، لسبب بسيط جدًا وهو أنهم يعرفون ما الذى فعلته إيران، ولماذا؟ 

ستنتهى الحرب. 

هذا أمر لا شك فيه.. طالت أيامها أو قصرت ستنتهى، ومهما كان ما ستخلفه وراءها فإنها ستصبح جزءًا من التاريخ، وأعتقد أن كثيرين كتبوا وسيكتبون عنها بالحق وبالباطل، وهى كتابات لها أهلها والمتخصصون فيها، وكل من سيكتب سيفعل ذلك من زاويته وبانحيازه الفكرى والسياسى، لذلك فإن الحقيقة لا يمكن أن نعرفها أبدًا مهما بذلنا من جهد. 

لكن ما يشغلنى الآن بالفعل هو ما أعتبره ظاهرة تفشت وبقوة فى مجتمعنا، وهى ظاهرة تتعلق بالعقل العربى الذى أصبح مستلبًا تقريبًا بالكامل. 

الاستلاب ببساطة هو حالة من التبعية الفكرية. 

وببساطة أكثر فالشخص المستلب هو الذى يقع أسيرًا لفكرة معينة، أو تابعًا لجماعة بعينها، أو منقادًا خلف قوة تملك القدرة على توجيه تفكيره وسلوكه كما تشاء، لأنها تملك فى النهاية بين يديها المصلحة التى يسعى إليها. 

صاحب العقل المسلوب فى الغالب لا يفكر، ليست لديه القدرة على أن يستغل عقله فيما خلقه الله وهو التفكير، هو فى الغالب يركنه تمامًا، يعطله، لا يلجأ إليه، حتى يصبح مكانًا مهجورًا تمامًا. 

ورغم أن الدين يجب أن يكون وسيلة للتنوير، إلا أن هناك من يستخدمه لاستلاب عقل الأتباع، حتى يكونوا خاضعين تمامًا له. 

شىء من هذا حدث فى حرب غزة التى بدأتها حماس فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وانتهت بدمار وتدمير كامل لكل وأى شىء.. بل أصبحت القضية الفلسطينية ذاتها فى خبر كان. 

وشىء من هذا يحدث الآن فيما يتعلق بحرب إيران التى لم تبدأها، هذا صحيح تمامًا، لكن من قال إنها كانت بعيدة عن الأسباب التى جعلتها تندلع وبكل هذه الشراسة. 

فى كل مرة يسير المستلبون فى طريق أن الانتصار حليفهم. 

فقد انتصرت حماس كما تنتصر إيران الآن، يرسمون صورة خاصة بهم وحدهم، تجدهم خارج السياق تمامًا، وكأنهم لا يسمعون ما نسمع، أو يرون ما نرى، أو يشاهدون بأعينهم ما نشاهد. 

المشكلة أن هؤلاء لا يكتفون بما يقولونه، هم فى النهاية أحرار فى أن يتركوا عقولهم لمن يركبها ويجعلها تابعة وذليلة ومنسحقة، بل يخرجون من كهوف وهمهم ليقطعوا الطريق على من يخالفونهم الرأى، فيسبون ويلعنون ويوزعون الاتهامات وكأنهم يملكون الحق المطلق، وإذا حاولت أن تناقشهم بالعقل والمنطق لا تجد منهم آذانًا صاغية، فكم سيطر من استلبوهم على عقولهم صبوا فى آذانهم ترابًا فلا تجدهم ينصتون إلى ما يقال حتى لو كان حقًا. 

الرؤية بالنسبة لنا واضحة، وكما سبق أن قلت فإن المعيار الأساسى لنا هو الأمن القومى المصرى والعربى. 

ولا يمكن أن يرسم المثرثرون على المقاهى ومن خلف شاشات شبكات التواصل الاجتماعى منظومة الأمن القومى المصرى العربى، فهناك الكثير الذى لا يعرفه الناس ولا يدركون خطورته، لذلك يتحدثون منطلقين من هواهم وهوى من يركبون عقولهم. 

كنت من بين متحدثين مع وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى على هامش الإفطار الذى استضاف فيه مجموعة من الصحفيين والإعلاميين. 

كان السفير عبدالعاطى عائدًا لتوه من رحلته الخليجية التى زار فيها ٤ دول خارجية والأردن، وتعذرت زيارته إلى البحرين والكويت لأسباب أمنية، وتحدث معنا عن لقاءاته مع قادة هذه الدول. 

سألته: هناك حملات على السوشيال ميديا تستهدف مصر وتنتقد الموقف المصرى، وهناك من يحمل علينا بشكل عنيف، فهل لهذه الحملات صدى لدى قيادات الخليج؟ 

نفى وزير الخارجية أن يكون لهذه الحملات أى صدى لدى قيادات دول الخليج، وأكد أن هؤلاء القادة يعرفون جيدًا ما الذى قامت وتقوم به مصر فى المحافل العربية والدولية من أجل إيقاف هذه الحرب ورد الاعتداء عن الدول الخليجية، ويقدرون هذا الدور تمامًا، ولا يمكن أن تؤثر مثل هذه الحملات على العلاقات التى تربط مصر بهذه الدول. 

تحدث وزير الخارجية حديثًا عامًا للموجودين بعد ذلك أكد فيه ثوابت الموقف المصرى الرافض لما تقوم به إيران ضد الدول الخارجية. 

إذا أراد من يهاجمون مصر أن يعرفوا الموقف المصرى على حقيقته فلا بد أن يسمعوا ما قاله وزير الخارجية، وعليهم أن يراجعوا جيدًا الخطاب الرسمى المصرى، من خلال ما قاله الرئيس وأثبتته الخارجية المصرية من الساعة الأولى للعدوان الإيرانى على دول الخليج، فقد أدانته مصر ورفضته وانتقدته بقوة. 

لكن من قال إن هؤلاء ينتظرون كلام العقل والمنطق، إننا أمام حالة استلاب كاملة للعقل على شبكات التواصل الاجتماعى، وهى حالة نعرف أسبابها، فلسنوات طويلة والجماعات الدينية تلعب دورًا فى تسطيح هذا العقل واحتلاله، وهو ما يرتب دورًا على كل العقلاء أن يتحدثوا ولا يخشوا شيئًا، فمصيبتنا أننا أمام حالة استلاب العقل التى نعانى منها. 

والمؤسف أننا نعانى من حالة أخرى تسيطر على العقلاء وهى حالة خوف شديد من الحديث والمواجهة والشرح والتوضيح، يفعلون ذلك إيثارًا للسلامة، رغم أن الحق يقتضى منا أن يقوم كل منا بدوره مهما كانت العواقب. 

فهل نتحرك أم نترك العقل العربى مسلوبًا ومركوبًا بهذه الطريقة؟ 

أعتقد أننا فى حاجة إلى أن نواجه أنفسنا بما نحتاجه.. وأن نقرر ما الذى يجب علينا فعله، وإلا سنجد أنفسنا فى مهب ريح عاتية لن نقدر عليها أبدًا.