المحرر العام
محمد الباز

تجريدة سيد قطب.. محاكمة رباعية للأب الروحى للإرهابيين فى العالم

حرف

- تعرف على فتاة جميلة وغنية وتقدم إلى أهلها لخطبتها فلم يقبلوه إذ رأوه دميم الوجه ثقيل الدم لا مال له ولا جاه كذلك كانوا قد سمعوا عنه أنه شديد السرف

- سيد قطب كانت فى حياته قصص حب عديدة فاشلة

- نسى الآيات والأحاديث الكثيرة التى قيدت القتال المطلوب بأنه لمن قاتلنا

- نظرية الدولة الإسلامية كما وضعها المودودى وكما أعاد صياغتها سيد قطب تمثل النظرة الأحادية والاستبعاد لبعض النصوص دون نظر إلى النصوص الأخرى أو الروح العامة للإسلام

- جمال البنا يجرد سيد قطب من كل ميزة ويعريه تمامًا حتى من مسحة الإيمان

- كتاب «معالم فى الطريق» كتاب عشوائى لا منهج فيه

- كان يهتم بالسفاسف والقشور دون اللباب إذ حمل على الأمراض الاجتماعية من منظور أخلاقى فندد بالغناء والموسيقى والرقص وما شابه بينما اعتبر مطالب العمال ومظاهراتهم نوعًا من الفوضى المأخوذة عن الشيوعية

- حاكمية سيد قطب محض تشويه لحاكمية المودودى التى استلهمها من آيات القرآن والسنة وعصر الصحابة

- المفهوم القطبى للحاكمية يخالف جوهر الإسلام فهو «تجريد» للعقيدة عن مضمونها

ما بين حالة التعظيم التى تصل إلى حد التقديس التى يحيطها بها أتباعه ومريدوه، وحالة التحقير الشديد والاتهام بأنه مصدر الإرهاب الأكبر فى العالم التى يتبناها خصومه ومعارضوه تضيع حقيقة سيد قطب الأب الروحى للإرهابيين فى العالم أمس واليوم وغدًا. 

فى لحظة مفصلية وبعيدًا عن حالة الاستقطاب حول قطب، أعتقد أننا فى حاجة لأن نفهم لماذا أصبح سيد قطب على ما هو عليه عندما كان يعيش ويكتب ويخطط لهدم الدولة، والآن وهو فى ذمة التاريخ يحاول مريدون إحياءه ويريد معارضوه دفنه حتى لا يبقى له أثر. 

وأنا أعمل على شخصية سيد قطب خلال إعدادى لموسوعة القتلة، وجدت محاكمات عديدة لسيد قطب، لا تنطلق من أرضية الأيديولوجية الملونة، بقدر ما تتحرك من أرضية علمية موضوعية محايدة، وهى محاكمات يشارك فيها باحثون وعلماء وكتاب وأدباء. 

من بين هذه المحاكمات اخترت أربع شهادات عليه، تصب جميعها فى تجريد سيد قطب من كل قيمة علمية، ومن كل فضل فكرى، وهو ما يشير إلى أنه تمت صناعته لتحقيق هدف سياسى، باعتباره رمزًا يلتف حوله مَن تسعى الجماعة الإرهابية إلى تجنيدهم. 

استغلت الجماعة الإرهابية إعدام سيد قطب، فصنعت منه صنمًا مقدسًا، معتقدة أنها يمكن أن تهزم به الدولة، وفى هذه المحاولة أضيفت له سمات وصفات أبعد ما تكون عنه. 

فى هذه المحاكمات وضع سيد قطب فى حجمه تمامًا، بعيدًا عن التهويل والتهوين، وأعتقد أنك بعد أن تقرأ ستغير قناعتك، من يؤيدون سيعيدون النظر فيه إذا سمحوا لعقولهم أن تعمل وتفكر، ومن يعارضونه سيزدادون قناعة برأيهم فيه. 

الآن يمكننا أن نقرأ معًا. 

حسين أحمد أمين: قصة زواج فاشلة صنعت منه عدوًا للمجتمع كله

حسين أحمد أمين

فى ١١ أغسطس ٢٠٠٣، وفى جريدة «الحياة» اللندنية، نشر حسين أحمد أمين ما يمكننا اعتباره خواطره الشخصية عن سيد قطب، وفى هذه الخواطر سنجد مفتاحًا مهمًا يمكننا من الدخول به إلى عالم الأب الروحى للإرهابيين الإسلاميين على مستوى العالم. 

يبدأ حسين أحمد أمين خواطره عن سيد قطب بقوله: «يا سلام يا حسين، كلما جلست إليك وأغمضت عينى خُيل إلىّ أنى جالس إلى سيد قطب، الصوت نفسه، النبرة نفسها، اللهجة والطريقة فى الحديث نفسها، شىء غير معقول»، هكذا كان زوج أختى عبدالعزيز عتيق يقول لى، وهو ما أكده غيره أيضًا فيما بعد، غير أننى لا أستطيع أن أحكم بنفسى، خصوصًا أننى لم أستمع قط إلى تسجيل لصوت سيد قطب، وأننى لم ألتقِ به إلا وأنا فى الثامنة أو التاسعة من العمر حين كان صوتى بالتأكيد مختلفًا عما أصبح عليه بعد ذلك. 

بعد هذه الدخلة الدرامية يحكى حسين: 

«كان سيد قطب- على نحو ما ومن دون قصد منه- سببًا لأكثر أيام دراستى مجدًا». 

«كان صديقًا حميمًا لزوج أختى، وهو الذى اقترح على عبدالعزيز عتيق- حين قرر الزواج- أن يتقدم لخطبة إحدى ابنتى أحمد أمين، ثم كان أن بات يتردد على دارنا لزيارة أبى فى صحبة عتيق، وكان الاثنان وقتئذ يصدران من حين إلى آخر سلسلة من الكتب تحت عنوان (المحفوظات الجديدة) كل منها يحوى مجموعة من القصائد التى يسهل على طلبة المدارس الثانوية قراءتها، وفى آخرها تمثيلية شعرية طويلة (من ثلاثين إلى أربعين صفحة) عن أحد أبطال المصريين أو العرب، كرمسيس الثانى أو عبدالرحمن الداخل أو الناصر صلاح الدين، أو رفاعة الطهطاوى، ولمسا منى إقبالًا على قراءة السلسلة وحفظ عدد من قصائدها. قال لى سيد قطب يومًا: إن أنت حفظت تمثيلية (صقر قريش) كاملة أعطيتك خمسين قرشًا». 

«وكان أن حفظتها وأخذت القروش الخمسين منه، ثم حدث خلال السنة الأولى من دراستى بالمدرسة النموذجية الثانوية أن أعلن مدرس اللغة العربية أنه اختار لفصلنا تمثيلية (صقر قريش عبدالرحمن الداخل)، لتمثيليها فى حفلة نهاية السنة الدراسية، ثم قال إنه سيقرأها علينا أولًا ثم يوزع الأدوار، وإذ بحث فى أوراقه عن الكتاب ليقرأ منه، تبين أنه نسيه فى حجرة المدرسين، فأمر أحد الطلبة أن يحضره من مكتبه هناك، غير أننى أسرعت بالوقوف لأعلن بلهجة غير المكترث أنه لا حاجة لإحضار الكتاب نظرًا إلى أننى أحفظ التمثيلية برمتها، وعهد المدرس إلىّ من دون تردد بدور عبدالرحمن إلى جانب مهمة الملقن لسائر الممثلين». 

«لم يكن ثمة ما يوحى فى تلك الفترة من حياة سيد قطب- وهو الذى يقال إنه من أصل هندى- بنزعة إسلامية متطرفة أودت بحياته فى نهاية المطاف، كان أديبًا قصصيًا، وشاعرًا من تلاميذ عباس محمود العقاد ومن المدافعين عنه ضد انتقادات محمد سعيد العريان وإسماعيل مظهر، يدعوه (إمام المدرسة الجديدة فى الشعر) غير أنه كان ناقدًا أدبيًا من الطراز الأول، وهو ما يجعلنى كلما تذكرت الآن تحوله بكليته إلى النشاط الإسلامى وتفسير القرآن وإلى العداوة الضارية لمجتمعنا الجاهلى أفكر فى حسرة نيتشه على تحول باسكال من العلوم الرياضية إلى الدين».

«لم يكن قبل سفره العام ١٩٤٨ إلى الولايات المتحدة لدراسة إدارة التعليم يختلف كثيرًا عن غيره من الأدباء والشعراء، لا فى نمط حياته ولا فى أسلوب تفكيره، بل ولا عرف عنه وقتها تمسك صارم بأهداب الدين، لم يتزوج قط، غير أننى أعرف أن صديقه عبدالعزيز عتيق بعد زواجه من أختى أراد أن يرد له الجميل (أو الانتقام منه) فسعى فى أمر تزويجه، وعرّفه بفتاة من أسرة غنية أعجبته، وتقدم إلى أهلها لخطبتها فلم يقبلوه، إذ رأوه دميم الوجه ثقيل الدم لا مال له ولا جاه، كذلك كانوا قد سمعوا عنه أنه شديد السرف، يتقاضى مرتبه أول كل شهر فينفقه كله فى يومين أو ثلاثة، ثم يدور على أصدقائه لاقتراض جنيه من هذا وجنيه من ذاك». 

ويطرق حسين المساحة الساخنة فى حياة سيد قطب، فيقول: أما ما حدث له خلال الأشهر القليلة التى أمضاها فى الولايات المتحدة فقطع بسببه بعثته وعاد إلى مصر لينضم إلى جماعة «الإخوان المسلمين» ويصبح فى فترة وجيزة علمًا من أعلامها، وقطبًا من أقطاب الثورة الإسلامية- فلغز لم يستطع أحد كشف النقاب عنه، ولا هو فسره فيما بعد فى أحاديثه عن نفسه، كل ما يمكن أن يقال فى هذا الصدد هو أنه أصيب بخيبة أمل فى حضارة الغرب، وأنه انزعج إزاء فساد الأخلاق فى المجتمع الأمريكى وإزاء انحياز الأمريكيين ضد العرب إبان الحرب الفلسطينية الأولى العام ١٩٤٨. 

قاد اللغز الذى عاد به سيد إلى مصيره، يقول حسين: عاد إلى مصر فشرع يهاجم نظام التعليم فيها وتأثره بالاستعمار البريطانى، داعيًا إلى مناهج دراسية أكثر تمسكًا بالمفاهيم الإسلامية، وفى العام ١٩٥١ انضم إلى جماعة الإخوان، وكوّن فى الوقت نفسه علاقات وثيقة مع بعض الضباط الأحرار الذين كانوا يدبرون ثورة ضد النظام الملكى، خصوصًا مع كمال الدين حسين الذى سعى بعد نجاح الثورة- ولكن من دون جدوى- إلى إقناع عبدالناصر بتعيين سيد قطب وزيرًا للتعليم، عندئذ قطع سيد قطب علاقته بالضباط الأحرار وبهيئة التحرير التى كان أول من عُين أمينًا لها، وكرس وقته للدعاية لحركة الإخوان المسلمين والإشراف على تحرير جريدتهم، غير أن عبدالناصر لم يمهله، فبعد محاولة اغتياله فى الإسكندرية فى خريف ١٩٥٤ ألقى القبض على سيد قطب بتهمة التحريض على هذه الجريمة فلم يفرج عنه إلا فى العام ١٩٦٤، وسرعان ما ألقى القبض عليه مرة أخرى العام ١٩٦٥، بتهمة تدبير محاولة أخرى لاغتيال عبدالناصر، وكان أن حكم عليه هذه المرة بالإعدام، وشنق فى أغسطس ١٩٦٦. 

فى خواطره عدّد حسين أحمد أمين، الذى كان يكتب بعفوية شديدة، خيبات سيد قطب المتعددة، فهو لم يتحقق عاطفيًا عندما رفضت الفتاة التى حاول أن يرتبط بها، وكانت فى حياته قصص حب عديدة فاشلة، ولم يتحقق اجتماعيًا عندما وجد نفسه مرفوضًا من عائلة رأت أنه لا يرقى إلى أن يكون صهرًا لها، ولم يتحقق مهنيًا، فبعد أن كان يمنى نفسه بأن يصبح وزيرًا فى حكومة الثورة رفضه عبدالناصر ولم يمكنه مما يريد. 

ودون مزيد من شرح يمكننا أن نفهم أن هذه الخيبات جميعها ترجمها سيد قطب فى طاقة غضبه تجاه المجتمع الذى كان من وجهة نظره يستحق الحرق، ولم يكن ذلك إلا لأنه لم يتحقق فيه بالدرجة التى كان يتمناها، هذا غير خطابه الموجع الذى أرسل به إلى أحمد أمين، والد حسين، يشكو له فيه حالة التجاهل التى وجدها من كبار الكتاب، فلم يُشد به أحد، ولم يهتم به أحد. 

وتخيلوا أن هذا الكائن المحطم تمامًا قرر أن يحطم كل شىء فى طريقه انتقامًا لنفسه وليس أكثر من هذا.

يوسف القرضاوى: هكذا ضل سيد قطب عن منهج الإسلام الصحيح

يوسف القرضاوى

محاولة تشريح سيد قطب التى قدمها لنا حسين أحمد أمين لن تغنينا عن توثيق بعض من وجوه النقد التى وجهت إليه، والتى تؤكد أن سيد قطب لم تكن له القيمة التى احتلها، والتى ربما يكون إعدامه هو السبب فيها، فلو لم يتم إعدامه أعتقد أن كثيرًا مما حصل عليه ما كان يمكن أن يصل إليه، وتخيلوا أن سيد قطب لم يتحقق أبدًا إلا فى حالة واحدة وهى موته. 

انتقاد سيد قطب جاء من أحد أقطاب الإخوان وهو يوسف القرضاوى، الذى كتب كثيرًا عن سيد، وأهال التراب على ما وصل إليه من أفكار. 

يتحسس القرضاوى طريقه إلى سيد قطب فيقدم بين يديه قوله: لا أملك إلا أن أُقدر لسيد قطب إخلاصه وحماسه فى الدفاع عن قضيته، وأحيى قلمه البليغ على ما قدمه من اعتبارات لها وزنها وتأثيرها، تؤيد وِجهة نظره، وتهاجم المخالفين هجومًا حاد النبرة، عالى الصوت، من شأنه أن يخوفهم، ويخرس ألسنتهم فلا تنطق، وأقلامهم فلا تكتب.

ويستدرك القرضاوى قبل أن تفهم أنه يقره على ما قاله، فيقول: ومع هذا كله أود أن أناقش فى هدوء ما ساقه الأديب الكبير رحمه الله مبديًا هذه الملاحظات الأساسية:

أولًا: لم يكن الأستاذ دقيقًا فى عرضه لفكرة خصوم الجهاد الهجومى على العالم، فلم يقل واحد من هؤلاء- ابتداء من محمد عبده ورشيد رضا وشلتوت ودراز وخلَّاف وأبى زهرة والسباعى والغزالى وعبدالله بن زيد المحمود، ومن بعدهم- باعتبار الإسلام نظامًا محليًا مقصورًا على وطن بعينه، فمن حقه أن يدفع الهجوم عليه فى داخل حدوده الإقليمية.

بل اعتبره كل هؤلاء دعوة عالمية، من حقها أن تبلغ إلى العالمين، وأى وقوف فى وجهها، أو صد عن سبيلها، أو عدوان على الدعاة إليها، يجعل لها الحق فى الجهاد، تأمينًا لحرية الدعوة، ومنعًا للفتنة الصادة عنها، وهذا معنى «حتى لا تكون فتنة»، أى حتى لا يفتن أحد ولا يضطهد من أجل عقيدته، بل يجب أن يكون الناس أحرارًا فيما يختارون لأنفسهم. 

ثانيًا: رفض الأستاذ قطب فكرة فى غاية الوضوح والجلاء، وهى: أن الإسلام بطبيعة دعوته العالمية الإيجابية، وبصفته دعوة إلى تحرير البشر من الطواغيت، وتحرير الإنسان من العبودية للإنسان، وأنه ليس دينًا مغلقًا على نفسه، أو قانعًا بالعزلة فى أرضه، لا بد لدين بهذه القوة أن تقاومه الجاهليات الحاكمة بأمرها فى بلاد الله، وِفقًا لسنة التدافع بين الخلق، فهو بهذا مضطر أن يخوض المعركة دفاعًا عن رسالة الحق والخير والعدل والتوحيد، وعن أصحابها، ويواجه المعتدين، وهو يعتقد أنه يقاتل فى سبيل الله، وأعداؤه يقاتلون فى سبيل الطاغوت، ولو تركه خصومه يسمع دعوته، ويبلغ رسالته، ما دخل معهم هذه الحرب، فهم الذين اضطروه إليها، وهو ما ذكره القرآن فى قوله «كتب عليكم القتال وهو كره لكم». 

ثالثًا: أعلن الأستاذ سيد أن الدعوة إلى الإسلام يمكن أن تكتفى بالجهاد بالبيان واللسان حين يخلى بينها وبين الأفراد، تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع المؤثرات المادية والسياسية، فهنا «لا إكراه فى الدين» أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولًا بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من هذه الأغلال.

وأقول للأستاذ: إن عصرنا هذا قد أتاح لنا أن نخاطب عقل الإنسان وقلبه فى أنحاء العالم، بوسائل شتى، بالإذاعات الموجهة، والقنوات الفضائية، وشبكة الإنترنت، والرسائل المكتوبة بشتى اللغات، وهذه تحتاج منا إلى جيوش جرارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدرَبين، القادرين على مخاطبة الناس بلغاتهم، وبلسان عصرهم، وأساليب زمنهم، عن طريق الصوت والصورة، والكلمة والحركة، والكتاب والنشرة، والمجلة والصحيفة، والحوار والتحقيق الصحفى، والعمل الدرامى، والصور المتحركة، وكل ما يشد الناس إلى الإسلام، وهذا الجهاد السلمى الضرورى لم نقم فيه بواحد من الألف مما هو مطلوب منا، فلسنا فى حاجة إلى إعلان الحرب على القوى السياسية التى تحكم العالم، لأنها لم تعد تستطيع أن تمنع إنسانًا يشاهد فضائية، أو يسمع إذاعة، أو يدخل شبكة الإنترنت.

رابعًا: نسى الآيات والأحاديث الكثيرة التى قيدت القتال المطلوب بأنه لمن قاتلنا، ونهتنا عن الاعتداء، وكيف هان على سيد قطب- وهو رجل القرآن- الإعراض عن هذه الآيات كلها وغيرها بدعوى أنها جاءت لمرحلة ثم انتهى أمرها، وبطل مفعولها؟ أو حكم عليها بالإعدام باسم «النسخ»؟ أو أى اسم آخر؟ والأصل فيما أنزل الله تعالى من النصوص، هو: البقاء والخلود واستمرار العمل بها، ما لم يوجد يقين قاطع لا شك فيه بنسخ هذا النص، وإنى لأتهيب كل التهيب أن أقول عن آية من كتاب الله، مكتوبة فى المصاحف، متلوة بالألسنة: هذه آية ملغاة، أو كانت مطلوبة فى مرحلة، ثم تجاوزها الزمن. 

خامسًا: إن سيد قطب بتوجهه هذا وتفكيره هذا يعادى العالم كله، من سالمه ومن حاربه على حد سواء، من عاهده ومن لم يعاهده، ويتحدى العالم كله، ويستفز العالم كله ليقف ضد المسلمين، فهم خطر على العالم كله إذا ملكوا القوة والقدرة، ترى ماذا سيكون مصير العالم لو ملك المسلمون ما تملكه أمريكا اليوم من قوة عسكرية، وقوة اقتصادية، وقوة علمية وتكنولوجية، وأسلحة نووية؟ إنهم لا شك سيُخضعون العالم كله لسلطانهم، وهذا ما تريده أمريكا اليوم: إخضاع العالم لفلسفتها وإرادتها.

سنقول: نحن نخضع العالم لسلطان الحق والخير، لا لإذلال البشر، ولا لانتهاب خيراتهم، ولا لإكراههم على ما نريد، وأمريكا تزعم ذلك أيضًا، تقول: أنا أريد أن أشيع فلسفة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. أريد أن أعلم الدنيا حضارتى، بل أسعى لأفرضها عليها، وأسوقها إليها سوقًا لأن فى ذلك خيرها وسعادتها. 

سادسًا: كان الأستاذ سيد قاسيًا شديد الوطأة على مخالفيه، فهم- عنده- المهزومون روحيًا وعقليًا، الموسومون بالسذاجة والبله، الغافلون عن منهج الإسلام وطبيعة دعوته، ومخالفوه هؤلاء هم أعلام الأمة وعمالقة الفكر والفقه والدعوة: محمد عبده، رشيد رضا، جمال الدين القاسمى، محمد مصطفى المراغى، محمود شلتوت، حسن البنا، مصطفى السباعى، محمد عبدالله دراز، عبدالوهاب خلاف، محمد أبوزهرة، على الخفيف، محمد يوسف موسى، محمد الغزالى، سيد سابق، عبدالله بن زيد آل محمود، محمد مصطفى شلبى، مصطفى زيد، وغيرهم وغيرهم، من العلماء الأعلام، الذين انتقلوا إلى رحمة الله، وفى الأحياء كثير من أهل العلم والفكر والدعوة، ممن لا يقل فضلًا عن هؤلاء الأموات. 

لا أعرف على وجه التحديد ما الذى يمكن أن يكون عليه سيد قطب لو أنه عاد إلى الحياة مرة أخرى، وجلس معنا الآن ليقرأ ما كتبه القرضاوى عنه، إنه ينزع عنه صفة العلم والفقه والدراية بالعلوم الإسلامية، ويتعامل معه على أنه مجرد أديب، لقد ضاع عمر سيد قطب، كما أصبح موته بلا قيمة، فحتى الأفكار التى تركها لجماعته ترفضها الجماعة. 

رفضها الهضيبى حتى لو كان هذا الرفض بدفع أمنى، وعندما وضع كتابه «دعاة لا قضاة». 

وفعلها القرضاوى بدافع التطور الذى حدث فى الحياة. 

فسيد ليس إلا أفكارًا بالية لم تصلح فى زمانه، وطبيعى أنها لا تصلح الآن. 

جمال البنا:  العقد النفسية التى شكلت شخصية قطب

جمال البنا

جمال البنا شقيق مؤسس الجماعة، دخل إلى سيد قطب من مساحة مختلفة، لكننى أعتقد أن الهدف كان واحدًا وهو تجريد سيد قطب من أى إضافة، وأفهم أن يفعل جمال البنا ذلك، فرغم عدم انتمائه للجماعة إلا أنه كان متحيزًا لشقيقه، ويرفض بالطبع أن يقال إن هناك من تجاوزه، حتى لو كان هذا التجاوز فى التفكير والقتل وسفك الدماء. 

فى دراسته «سيد قطب والمودودى... دولة إسلامية بلا نظام» يذهب جمال البنا إلى أنه فى كثير من الحالات تكون للنظرية جاذبيتها الخاصة، وتفرض نفسها على الواقع لمحض الإيمان بها، دون نظر إلى مدى تلاؤمها مع الواقع، والمنظر هنا يكون كالخياط الذى يصنع رداء ويلزم الناس أن يكونوا على مقاس هذا الرداء، أو أنه يكون مثل قاطع الطريق فى الميثولوجيا اليونانية الذى كان له سرير هو أداة تعذيبه، فمن كان أقصر منه شده لكى يكون بطوله، وإذا كان أطول بتره حتى لا يطول عليه. 

ويجزم البنا الشقيق بأن الإخوان المسلمين لم يكن من طبيعتهم على الأقل فى وقت حسن البنا أن ينساقوا فى هذا التيار فيجرفهم إلى ما تجرف النظريات أصحابها، وإنما عرف ذلك عن الاشتراكية التى استهدفت الحكم وتورطت فى السلطة، وخضعت تمامًا لأسوأ صور إفساد السلطة، ووقعت مهمة التنظير لدولة إسلامية على عاتق مفكرين أولهما من الهند وثانيهما من مصر، هما أبوالأعلى المودودى وسيد قطب. 

ويتعجب البنا لأن أحدًا من هذين لم يبدأ حياته كداعية إسلامى، ولكن كصحفى له اهتمامات أدبية. 

فكان سيد قطب ناقدًا أدبيًا ويعد الابن البكر للعقاد الذى لم يعرف عنه- رغم عبقرياته- اتجاه إسلامى. 

كما أن المودودى كتب عن مصطفى كامل فى مصر، وقام بترجمة كتاب قاسم أمين «المرأة الجديدة» فى الدول الأوروبية فى مستهل حياته، ونقرأ فى ترجمة لحياته كيف استكشف الإسلام. 

ويعقد البنا مقارنة بين قطب والمودودى، فقد اقتحمت حياة هذين الكاتبين عوامل خاصة دفعت بهما إلى الإسلام، حيث وجدا الوفاق فرضيهما الإسلام دعاة، وارتضيا الإسلام دعوة، وعكف كل واحد منهما على صياغة نظريته. 

كان الذى دفع المودودى إلى الاسلام هى قضية المسلمين الهندوس فى القارة الهندية، وكيف يكون مصير المسلمين عندما تظفر الهند باستقلال، ويتولى الحكام الهندوس الذين عرفوا بتعصبهم الدينى وعداوتهم التاريخية للإسلام، ولكنها كانت قضية مصير، وقد دفعت بالمودودى لكى يوغل فى تنظيره الإسلامى، لأن الحل الوحيد الذى بدا له هو «دولة إسلامية». 

وكانت القضية التى أدت بسيد قطب إلى الإسلام هى حركة الضباط الأحرار، ووقوع الانقلاب العسكرى فى ٢٣ يوليو وعلاقة الحركة بالفكر الإسلامى وبدعوة الإخوان المسلمين، وتلك أيضًا لم تكن قضية جزئية، ولكنها قضية مصير وأثارت انشقاقًا فى المجتمع المصرى كما أظهرت الحاجة إلى تنظير إسلامى. 

وكان الأول من الاثنين هو المودودى الذى ولد فى ١٩٠٣ والذى صدرت صحيفته «ترجمان القرآن» سنة ١٩٣٢، وجعل شعارها «احملوا دعوة القرآن وحلقوا بها فوق العالم»، وفى ٢٦ أغسطس سنة ١٩٤١ أسس الجماعة الإسلامية من ٧٥ رجلًا اجتمعوا من مختلف بقاع الهند بناء على دعوة وجهها المودودى عن طريق مجلته وانتخبوه أميرًا لها. 

وعندما تكونت باكستان سنة ١٩٤٧ انتقل المودودى إليها وحدثت بينه وبين حكومة الدولة الوليدة صراعات، وقبض عليه عدة مرات، ففى مارس سنة ١٩٥٣ حكم عليه بالإعدام وعدل إلى السجن مدى الحياة، وفى سنة ١٩٥٥ صدر عفو عنه وأطلق سراحه، وفى سنة ١٩٦٤ حظرت الحكومة الجماعة الإسلامية واعتقلت المودودى وثلاثة وستين من قياداتها، ولكن المحكمة العليا حكمت بعدم دستورية هذا الإجراء فأفرج عنهم، وفى يناير ١٩٦٧ اعتقلت الحكومة المودودى ولكنها أفرجت عنه بعد شهرين بقرار من المحكمة العليا، وفى أول نوفمبر ١٩٧٢ وبعد واحد وثلاثين عامًا من الكفاح قدم الإمام المودودى طلبًا إلى الجماعة بإعفائه من منصبه كأمير لها لأسباب صحية، وعكف على البحث والقراءة حتى وافته المنية فى سبتمبر ١٩٧٩. 

أما الثانى وهو سيد قطب فقد ولد فى موشا إحدى قرى صعيد مصر سنة ١٩٠٦، وتخرج فى مدرسة دار العلوم التى تعد أفضل كلية تدرس الأدب العربى والثقافة الإسلامية سنة ١٩٣٣، واشتغل بالتدريس وأظهر منذ الصغر نبوغًا، كما كانت له شخصية قوية طموحة، وحرر فى عدد من المجلات أبرزها مجلة «الرسالة» وهى أشهر مجلة أدبية فى مصر، بل وحرر افتتاحياتها، كما كتب فى مجلة «الشئون الاجتماعية» وفى صحف أخرى عديدة، وفى سنة ١٩٤٠ ترك التدريس ونُقل إلى الوزارة وأصدر وقتئذ كتابه «العدالة الاجتماعية فى الإسلام»- التاريخ الصحيح لصدور الكتاب هو ١٩٤٩- الذى نال شهرة مدوية وأرسلته الوزارة فى بعثة إلى الولايات المتحدة لدراسة المناهج، ويبدو أن هذه الرحلة أعطته انطباعًا سيئًا عن الحضارة الأمريكية، وفى الوقت نفسه فإنه ككاتب عربى «درعمى»، كان لا بد أن يقترب من الموضوعات الإسلامية خاصة القرآنية التى هى أصل البلاغة العربية، فأصدر عددًا من الكتب عن التصوير الفنى فى القرآن الكريم ومشاهد القيامة. 

وحدثت حركة الجيش فى ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ وكانت له صلة سابقة ببعض ضباطها، وتصور أنه سيقوم بدور فى توجيه الحركة فى الاتجاه الإسلامى خاصة وأنه قد اتصل بالإخوان، وأًصبح كاتبًا بارزًا فى صحفهم، ولكن ضباط الحركة كانوا أكثر دهاء، وما كان يمكن أن يقبلوا شخصية قوية لها استقلالها مثل سيد قطب، ولو كانوا مخلصين لما وجدوا من هو أفضل لوزارة التربية والتعليم- كانت لا تزال المعارف-، ولو طلبوه مثلما طلبوا الشيخ الباقورى لأوقعوا الإخوان فى مأزق، ولكنهم على كل حال آثروا السلامة فبدأ نوع من الجفاء، اشتد مع توتر العلاقات ما بين الإخوان والحركة. 

وفى سنة ١٩٥٣ انضم سيد قطب بصفة رسمية للإخوان بدعم وتأييد المستشار حسن الهضيبى المرشد العام، ودخل فى دوامة الصراعات ما بين الإخوان وضباط الجيش، وما بينه وبين الأجنحة المتصارعة داخل الإخوان المسلمين، الذين وصلت الخصومة بينهم إلى درجة احتلال فريق منهم المركز العام والحيلولة دون وصول الآخرين إليه، وانتهى الأمر بالصدام المحتوم مع الجيش واعتقال قيادات الإخوان المسلمين بعد حادثة المنشية. 

وفى ١٨ نوفمبر ١٩٥٤ اُعتقل سيد قطب وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا وأمضى سجنه فى مستشفى السجن لسوء حالته الصحية. 

وفى سنة ١٩٦٥ حقق مع سيد قطب ومجموعة كبيرة من الإخوان بدعوى التورط فى مؤامرة قلب نظام الحكم، ويرى الكثيرون أنها كانت مؤامرة من أحد الأجهزة الأمنية التابعة للمشير عامر لإيهام عبدالناصر بتقصير أجهزة وزارة الداخلية ويقظتهم، وحكم على سيد قطب وبضعة من الإخوان المسلمين بالإعدام وأعدموا. 

ويضع جمال البنا ظاهرتى المودودى وقطب على مائدة تشريحه، فيرى أن الظروف وضعتهما فى مواجهة تطورات وتغيرات جسيمة أحدثت بلبلة وتطلبت اجتهادات جديدة كما دلت على أزمة النظام القائم سواء كان فى الهند أو كان فى مصر، وكانت هذه الظروف هى التى دفعت بالمودودى وسيد قطب إلى تقصى حل جذرى، حل يبرأ من الترقيع أو التعديل ولا يتسم بمهادنة ومهاودة، أو يأخذ أسلوب التسويات، حل يكون فيه من القوة والإبداع والأصالة ما يقوى على انتشال الناس من مأزق الإحباط أو الشك أو الانهزام، ويقدم وضعًا جديدًا يخلص من ضعف ووهن وتضارب الوضع الراهن. 

كان الأول من هذين المفكرين توصلًا إلى إبداع نظرية الدولة الإسلامية هو المودودى، لأنه: 

أولًا: رغم تحولاته الفكرية فى مستهل شبابه لمدة قصيرة فإنه سار فى خط مستقيم فى الثقافة الإسلامية، ونفض اليدين من أى اهتمام آخر سواها، حتى توغل فيها وفرض نفسه على مشيخة الهند، فى حين أن سيد قطب شغل طويلًا بقضية النقد الأدبى أو إصلاح التعليم، ولم يبدأ تحوله الإسلامى إلا فى فترة متخلفة، ولم يعتبر نفسه أو تعتبره المشيحة الإسلامية واحدًا منهم. 

ثانيًا: أن إيمان المودودى بالإسلام كان إيمانًا عميقًا له الطبيعة الهندية التى تقدس الدين، وكان وراءه أجيال من علماء وفقهاء ومحدثين وقادة من الهنود أفنوا أعمارهم فى خدمة الإسلامة، ولما لم يكن عربيًا فإن القرآن الكريم بدا له كما بدا للصحابة الأوائل قبل أن تتبدله الألسن، وبالطبع فإنه أتقن العربية، وتوفر له من التقوى والالتزام بالعبادات ما كانت مصداقًا لدعواه وأقواله، أما سيد قطب فإن توجهه الإسلامى أخذ طابع المفكر أو المنظر أكثر مما أخذ طابع المؤمن، وكان إبداعه الإسلامى نتيحة تفكير بينما كان الإبداع الفكرى للمودودى نتيجة إيمان، أما الحرارة الإيمانية عند سيد قطب فكانت كما لاحظ أحد المؤرخين له «رومانتيكية» واستمدت كثيرًا من قوتها من الأسلوب الأدبى والفنى. 

ثالثًا: أن المودودى ألقى فى سنة ١٩٣٩ خطبتين فى لاهور ضمنهما فكرته عن الدولة الإسلامية التى لم يدخل عليها تغييرًا يذكر حتى مات، وطبعت هاتان الخطبتان فى كتيب بعنوان «منهاج الانقلاب الإسلامى ونظريات الإسلام السياسية»، فى حين أن التوجه الإسلامى لسيد قطب بدأ مع بداية الخمسينيات، أما تنظيره للدولة فكان فى الستينيات. 

رابعًا: أن المودودى كوّن الجماعة الإسلامية سنة ١٩٤١ وحاول أعضاؤها المؤسسون أن يطبقوا على أنفسهم المنهج الذى ينهجه المسلم الملتزم بحيث يكونون نواة للدولة، أما سيد قطب فإنه انضم إلى الإخوان المسلمين فى سنة ١٩٥٣، ودخل فى دوامة الصراعات. 

خامسًا: أن فكر المودودى سلك طريقه فى الفترة التى تلت مقتل حسن البنا، ومن الثابت أن بعض الإخوان افتتحوا فى سكة راتب «خلف المركز العام فى الحلمية» مكتبة باسم مكتبة الشباب المسلم استوردت وطبعت كتابات المودودى، وأولها الكتيب الخاص بمنهاج الانقلاب الإسلامى. 

سادسًا: أن المشاكل ما بين المسلمين والهندوس فى شبه القارة الهندية والاضطرابات العنيفة وما أسفرت عنه من تكوين باكستان فى النهاية وحركة الهجرة المأساوية كل هذا حدث فى الثلاثينيات والأربعينيات، قبل أن تحدث حركة الجيش فى مصر سنة ١٩٥٢، وكانت هذه الأحداث من العوامل التى دفعت بالمودودى إلى إبداع نظرية إسلامية للدولة. 

سابعًا: أن كتابات المودودى للدولة تتبع الطرق الحديثة فى معالجة الموضوعات وتصنيفها وتفنيد ما قد يوجه إليها من نقد، كل هذا بمنهج يسير على غرار المعالجات العلمية فى حين أن كتاب «معالم فى الطريق» أشبه بشلالات من الفكر تنثال وتسقط على الواقع لكى تذهب به دون أن تحدد طريقة البناء. 

قبل أن أترك لكم جمال البنا ليعلق على هذه المقارنة بين المودودى وسيد قطب، لا أخفيكم أننى أشفقت على سيد قطب بشدة، فهو الرجل الذى أضاع فى الأوهام عمره، فالبنا الشقيق هنا يجرده من كل ميزة، ويعريه تمامًا حتى من مسحة الإيمان، وحتى كتابه الذى أصبح عنوان حياته «معالم فى الطريق» يتعامل معه على أنه كتاب عشوائى لا منهج فيه.

صحيح أن جمال البنا عندما يقول: لهذه الأسباب فإننا نرى أن المسئول عن إبراز الصورة الجديدة للدولة الإسلامية- التى أصبحت النموذج الذى تتبعه كل الهيئات الرافضة الجديدة كجماعات الجهاد وحزب التحرير أو الجماعات الإسلامية- هو أبوالأعلى المودودى، فإنه لا يضيف إلى المودودى شرفًا، فهو يضعه على رأس قائمة من القتلة، لكنه فى النهاية يجرد قطب من كل شىء. 

مضى جمال البنا فى طريقه لتوضيح فضل المودودى على القتلة، فاستعرض بعضًا من أفكار كتبه. 

ففى كتيب «منهاج الانقلاب الإسلامى» نجد خصائص الدولة الإسلامية كالآتى: 

أولًا: ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين فى الدولة نصيب من الحاكمية، فإن الحاكم الحقيقى هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة لذاته تعالى وحده، والذين من دونه فى هذه المعمورة إنما هم رعايا فى سلطانه العظيم. 

ثانيًا: ليس لأحد من دون الله شىء من أمر التشريع، والمسلمون جميعًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا ولا يقدرون أن يغيروا شيئًا مما شرع الله لهم. 

ثالثًا: الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذى جاء به النبى من عند ربه، مهما تغيرت الظروف والأحوال، والحكومات التى بيدها زمام هذه الدولة لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث إنها تحكم بما أنزل الله وتنفذ أمره تعالى فى خلقه. 

وفى كتابه «الحكومة الإسلامية»، وهو من الكتابات المتأخرة للمودودى، عرض القضية كالآتى: 

أولًا: المطالبة بالحكومة الإسلامية والدستور الإسلامى تنبع من الشعور الأكيد بأن المسلم إذا لم يتبع قانون الله، فإن ادعاءه الإسلام باطل لا معنى له. 

ثانيًا: يقرر القرآن أن الله تعالى هو مالك الملك، ومن ثم فهو صاحب الحق فى الحكم بداهة، كما يقرر أن تنفيذ أوامر أحد غيره، أو حكم أحد سواه فى أرضه وعلى خلقه، إنما هو باطل وكفران مبين، والصواب أن يحكم الحاكم بقانون الله ويفصل فى الأمور بشريعة الخالق بوصفه خليفة لله ونائبًا عنه فى أرضه. 

ثالثًا: وبناء على هذا سلب الإنسان حق التقنين لأنه مخلوق ورعية، عبد ومحكوم، ومهمته تتركز فى اتباع القانون الذى سنه مالك الملك، وقد أباح الإسلام بالطبع مزاولة الإنسان الاستنباط والاجتهاد وتفريعاتهما الفقهية، لكنه شرط ذلك بألا يخرج عن إطار حدود الله، كذلك أعطى المؤمنين حق التقنين فيما لم يدر فيه حكم صريح من الله ورسوله، على أن تراعى فى التقنين روح الشريعة ومزاج الإسلام، لأن سكوت الشارع عن إصدار حكمه فى بعض المسائل يعنى أن للمؤمنين الحق القانونى فى سن أحكامها وضوابطها، لكن الأمر الأساسى الذى لا غمة فيه ولا خفاء أن من يترك قانون الله ويؤمن بقانون آخر وضعه بنفسه أو شرعه له غيره من البشر إنما هو طاغوت باغ خارج عن طاعة الحق، وأن من يبغى الحكم بهذا القانون الوضعى ويعمل على تنفيذه فهو باغ عات عن أمر ربه أيضًا. 

رابعًا: الحكومة الصحيحة العادلة فى أرض الله هى التى تتأسس وتحكم بالقانون الذى بعثه الله على أيدى أنبيائه واسمها الخلافة. 

خامسًا: كل ما يصدر من أعمال من قبل أى حكومة تقوم على أساس شرعة أخرى غير شرعة الله وقانونه الذى جاء به الأنبياء من لدن رب الكون والله باطل لا قيمة له ولا وزن، مهما اختلفت هذه الحكومات فيما بينها من تفاصيل فى الشكل والنوع، وحكمها غير شرعى البتة، فإذا كان مالك الملك الحقيقى لم يعطها سلطانًا فأنى لها أن تكون حكومات شرعية. 

سادسًا: القرآن الكريم يرى كل ما تقوم به الحكومات محض عدم لا وزن له ولا قيمة، وقد يقبل المؤمنون- وأعنى بهم رعايا الله الأوفياء- وجود هذه الحكومات باعتبارها أمرًا واقعًا خارجًا عن إرادتهم وقدرتهم، لكنهم لا يعترفون بها وسيلة حكم شرعية، وسلطة تفصل فى أمورهم وقضاياهم، إذ لا يحق لهم طاعة الخارجين على حاكمهم الأصلى «الله» أو قبولهم حكمًا فى مجريات حياتهم، ومن يفعل ذلك فقد خرج من زمرة المؤمنين الأوفياء مهما ادعى الإسلام والإيمان. 

ما قاله جمال البنا عن أفكار سيد قطب يجعلنا نسأل سؤالًا واضحًا وهو: ما الذى أضافه سيد قطب إلى حاكمية المودودى، ولماذا أصلًا اتجه هذا الاتجاه؟ 

ويجيبنا البنا: لقد اتجه هذا الاتجاه ردًا على سياسة حركة الجيش، وكان البديل بالنسبة له هو الحاكمية الإلهية، وكما كان لدى المودودى سبب أصيل للتوصل إلى الدولة الإسلامية فى مقابل الدولة الهندوكية، وكما أنه كان مؤهلًا ليكون المفكر الذى يبدع هذه الفكرة رغم وجود مفكرين آخرين لهم منزلة رفيعة مثل أبوالكلام أزاد، أو محمد إقبال، فإن الرواية تكررت فى طبعة مصرية مع سيد قطب، فهنا نرى حكومة تظاهرت بالعمل للإسلام، ثم انقلبت عليه شر انقلاب ممثلًا فى الهيئة التى وإن لم تقل إنها احتكرت الإسلام، إلا أنها كانت بلا جدال أعظم الهيئات تمثيلًا للإسلام، بصورة قطعت كل محاولات التصالح، وأصبح لا بد من البحث عن البديل، فوجد السبب الموضوعى، وكان سيد قطب فى مصر هو المؤهل للقيام بإيجاد البديل كما كان المودودى هو المؤهل فى الهند. 

وفى سذاجة منهجية يحاول جمال البنا تبرير المرارة التى اتسمت بها دعوة سيد قطب والانفعال العاطفى لها، بأن هذه كلها كانت ردود فعل مباشرة على تعذيب تعرض له أفضل دعاة الإسلام كما نكل بالدعوة التى ترفع لواء الإسلام، ومن ثم أخذت دعوة سيد قطب هذه الحدة والعاطفية التى لا نجدها فى كتابات المودودى الهادئة، والتى تعتمد على عرض النصوص وشرحها أو التفنيد المنطقى، وهذا السبب هو الذى جعل دعوة سيد قطب تصبح هى نفسها إحدى الهيئات الشاردة، أو قاعدة لهذه الهيئات، وهى تختلف فى هذا عن سلوك أعضاء الجماعة الإسلامية التى أسسها المودودى، وإن لم تحاول القيام بانقلاب أو ممارسة أسلوب العنف. 

لقد خان جمال البنا فى دراسته الباحث الذى حاول أن يكونه، أو حاول خداعنا به، فلم يكن الرجل يملك أدوات الباحث، بل نراه يستسلم دائمًا لصور ثابتة يتم ترويجها دون أدنى محاولة لفحصها أو تدقيقها أو نقدها. 

لكننا لا يمكن أن نتجاهل الخلاصة التى توصل إليها من دراسته، فهو يرى فى نهاية المقارنة بين المودودى وقطب أن نظرية الدولة الإسلامية كما وضعها المودودى وكما أعاد صياغتها سيد قطب تمثل النظرة الأحادية والاستبعاد لبعض النصوص دون نظر إلى النصوص الأخرى أو الروح العامة للإسلام، وهى نوع من الإسقاط البشرى على النص القرآنى وفهم المضامين الإلهية كما لو كانت مضامين بشرية.

محمود إسماعيل: قطب لم يكن مفكرًا ولا مجددًا

محمود إسماعيل

النقد الذى كان مباشرًا بالنسبة لى قام به المفكر الكبير د. محمود إسماعيل، الذى قال فى مفتتح كلامه إن سيد قطب ليس مفكرًا إسلاميًا أصلًا، وهو حكم له حيثياته ومبرراته. 

يبدأ محمود إسماعيل اشتباكه مع سيد قطب بقوله: كتب الكثير عن سيد قطب لا لأنه أسهم فى إثراء الفكر الدينى السلفى وتطويره، بل لتأثيره فى كل الحركات الدينية المتطرفة، برغم خواء تصوره وضبابية رؤيته. 

وبعد هذا الحكم القاطع حاول إسماعيل أن يبحث عن الأسباب التى جعلت سيد قطب على ما أصبح عليه. 

فقد درس سيد قطب فى كلية دار العلوم لكنه تجاوز علومها بما حصله نتيجة اتساع دائرة قراءاته، أوله بالعقاد وندد بطه حسين بما يشى بسلفيته، مارس الكتابة خصوصًا فى مجال النقد الأدبى، وإن اعتبره النقاد مقلدًا ضئيل الإبداع، اطلع على الفكر الماركسى حتى قيل إنه ألحد فى ردح من عمره، وكتب شعرًا ينم عن تجربة عاطفية فاشلة، ويبدو أن هذه التجربة غيرت مسار فكره، فبدأت علاقته بالإسلاميات حيث أنجز تفسيرًا للقرآن أسماه «فى ظلال القرآن» كما كتب مصنفات أخرى حول «إعجاز القرآن». 

عمل بالتدريس وأوفدته وزارة التربية والتعليم فى مهمة تدريبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كانت وما زالت تثير حوله الهواجس والشكوك، لكنها أثرت تأثيرًا كبيرًا على توجهاته الفكرية، إذ راعه نمط الحياة الأمريكية المتحررة، فاعتبرها نوعًا من التهتك والانحلال، الأمر الذى دفعه إلى التنديد بالحضارة الغربية، والتوجه إلى دراسة الحضارة الإسلامية باعتبارها بديلًا يمكن إحياؤه. 

عُرف بين أقرانه بالطموح الشخصى بدرجة سافرة، فتعددت صداقاته وتوطدت علاقته بذوى النفوذ، ويبدو أنه كان على صلة ما بتنظيم «الضباط الأحرار» قبل قيام ثورة يوليو ١٩٥٢، ويبدو كذلك أنه راهن على الثورة ليتولى وزارة المعارف، ويبدو أخيرًا أنه كان على صلة بجماعة الإخوان المسلمين، شأنه فى ذلك شأن بعض قيادات ثورة يوليو، ولعل هذا يفسر محنته، حين تعقدت الصلة بين الثوار وبين الجماعة إلى حد تآمر الأخيرة على اغتيال جمال عبدالناصر ١٩٥٤ فى حادث المنشية الشهير، وكانت صلته بالجماعة سببًا فى الحكم عليه بالسجن لمدة ١٥ عامًا. 

وخلال فترة سجنه أنجز كتابه الشهير «معالم فى الطريق» الذى طبقت شهرته الآفاق فى مصر وخارجها من الأقطار العربية والإسلامية، وما يثير الدهشة أن ثوار يوليو لم يشتموا فى الكتاب ما يثير الارتياب، برغم ما انطوى عليه من آراء متطرفة ذات مضمون انقلابى مضاد، بل إن بعض أفراد الجماعة تنصلوا من كونها ذات صلة بفكر مرشديها- البنا والهضيبى- برغم ما تأكد من إعجاب الأخير بها، باعتبارها تطويرًا وتجديدًا لفكر الجماعة، ومرشدًا للعمل السياسى والحركى للإخوان، إبان مرحلة عصيبة من تاريخهم، هذا على الرغم من إعلان المرشد براءة الجماعة من الاشتغال بالسياسة وانصراف جهودها إلى العمل الخيرى والتربية الأخلاقية الدينية، وفى هذا الصدد أصدر كتابه «دعاة لا قضاة» من باب التقية إبان المحنة التى حلت بالجماعة. 

وبرغم المحنة استمر العمل السياسى السرى وفق المفهوم القطبى أى التعويل على الإرهاب بهدف القضاء على النظام الناصرى، لذلك جرى اعتقال سيد قطب عام ١٩٦٥ ضمن الكثيرين من قياديى الجماعة وأعضائها وتمت محاكمته وإعدامه. 

برغم ذلك اعتبر الإخوان كتابه «معالم فى الطريق» مانيفستو الجماعة المعبر عن فكرها النظرى والمرشد الأمين فى العمل والممارسات السرية، كما كان إعدام سيد قطب ورفضه الاستتابة مؤثرًا الموت سببًا فى اعتباره شهيدًا بما يوجب على الإخوان الأخذ بثأره، كما صار كتابه هذا «دستور الحركة الإخوانية» وتنظيرها لفكرها الجديد، والأخطر أن أفكاره غدت مرجعية معظم الحركات الأصولية المتطرفة. 

ويتساءل محمود إسماعيل عن حقيقة الفكر القطبى ومدى ارتباطه بالفكر الدينى السلفى؟ 

يقول: يختلف الدارسون فى تقدير ذلك اختلافًا بينًا، فمنهم من ذهب إلى أنه إحياء لفكر المودودى خصوصًا ما يتعلق بمقولتى «الحاكمية» و«الجاهلية» ومنهم من اعتبره قراءة جديدة للفكر الإسلامى الذى يستند على القرآن والسنة أساسًا، فهو اجتهاد خاص يرقى بصاحبه إلى أن يعد مجددًا، ومنهم من ذهب إلى القول بتنوع مرجعياته وتعددها إلى حد الجزم بتأثره بالماركسية خصوصًا فى مسألة العدل الاجتماعى، ومنهم من أنكر عليه كونه مفكرًا دينيًا، بل هو فى نظرهم مجرد انتهازى متسلق يتخذ من الإسلام مطية لتحقيق طموحات شخصية، وعندنا أن جل هذه الأحكام صائبة باستثناء كونه مجددًا. 

ينزع محمود إسماعيل صفة المجدد عن سيد قطب بمنهجية واضحة. 

فقد استعار مقولات «المودودى» مؤولًا إياها تأويلًا خاصًا تحت تأثير معطيات تاريخية مغايرة، مفيدًا من ملكات نبوغه وثقافته، كذا من معطيات محنة الإخوان ومحنته، وذلك المنحى لا يجعل منه مجتهدًا مجددًا، إذ ظل سلفيًا محضًا لا يقيم وزنًا للعقل أو الاجتهاد، وكان قبل انضمامه رسميًا للجماعة يقول بالاجتهاد فى حدود المبادئ الإسلامية تلبية لحاجات العصر ومتطلباته، ثم عدل عن ذلك بعد انضمامه للحركة فقصر الاجتهاد على ولى الأمر أى فى ظل «الحاكمية الإسلامية». 

ويشير إسماعيل إلى أن حاكمية سيد قطب محض تشويه لحاكمية المودودى التى استلهمها من آيات القرآن والسنة وعصر الصحابة. 

ويضيف: وحسبنا أن المودودى قال بالشورى ورفض قدسية الحاكم «الخليفة» كما استهدف المودودى تأسيس دولة إسلامية فى الهند مجوزًا وجود نظم أخرى تحت إلحاح الضرورة، بينما جعلت حاكمية قطب الحاكم خليفة الله على الأرض، وأكسبه قدسية أبعد ما تكون عن روح الإسلام، هذا فضلًا عن اختلاف الفكر القطبى عن سائر السلفيين فى اعتبار عصر الرسول والصحابة نموذجًا ومثلًا أعلى يجب إحياؤه، إذ طمح إلى إعادة دار الإسلام وتصديها لدار الحرب بهدف تقويضها بالقوة خصوصًا أن حضارة الغرب- فى نظره- استنفدت أغراضها بما يوجب أن تحل حضارة الإسلام محلها، وبينما عول المودودى على النهج السلمى وعدم تكفير الخصوم، اعتبر قطب العالم كله- الإسلامى وغير الإسلامى- دار كفر، وجب القضاء عليها بالقوة، كما اعتبر الشرائع المدنية من قبيل الشرك بالله وجب استبدالها بالشريعة الإسلامية. 

ويستعين محمود إسماعيل برؤية جمال البنا الذى ذهب إلى أن المفهوم القطبى للحاكمية يخالف جوهر الإسلام فهو «تجريد» للعقيدة عن مضمونها، وحسبه فى ذلك التنكر لمبدأ الشورى كأساس للحكم، بما يجعل من الحاكم طاغية فى التحليل الأخير. 

ويتعلق بمبدأ الحاكمية مبدأ «الجهاد» وفى هذا الصدد خرج به سيد قطب عن مدلوله فى الإسلام، حيث عول على «الإكراه فى الدين» ومجاهدة غير المسلمين والمسلمين على السواء باعتبارهم أهل جاهلية. 

ويواصل إسماعيل إهالته للتراب على قطب فيرى أنه اقتبس مفهوم «الجاهلية» من المودودى أيضًا، لكنه غير فى مفهومه، فبينما قصره المودودى على حياة التشرذم والفرقة، ودعا إلى لم شمل المسلمين فى ظل دولة ثيوقراطية، اعتبره قطب مرادفًا للكفر، وقد أخطأ من شبه هذا الكفر بكفر الخوارج إذ من المعلوم أن خصوم الخوارج من المسلمين كانوا فى نظرهم «كفار نعمة» بينما اعتبرهم سيد قطب «كفار ملة» لذلك حمل على المسلمين وغير المسلمين فى زمنه باعتبارهم أهل «جاهلية» لا مناص من جهادهم. 

أما عن فكر قطب الاجتماعى فيرى إسماعيل أنه كان يهتم بالسفاسف والقشور دون اللباب، إذ حمل على الأمراض الاجتماعية من منظور أخلاقى، فندد بالغناء والموسيقى والرقص وما شابه بينما اعتبر مطالب العمال ومظاهراتهم نوعًا من الفوضى المأخوذة عن الشيوعية، وطرح مبدأ العدل الاجتماعى طرحًا فضفاضًا كالقول بأن الإسلام دين الفقراء، ومن ثم فتحقيق العدل منوط فقط بالقضاء على الجاهلية، وإقامة «حاكمية الله». 

ويخلص محمود إسماعيل فى نقده لسيد قطب إلى القول: لذلك- وغيره- من الخطأ اعتبار سيد قطب مجددًا فى الفكر الدينى، كما ذهب الكثيرون، بل من الخطأ اعتباره مفكرًا إسلاميًا أصلًا، إذ إن حصاد أفكاره أبعد ما تكون عن روح وجوهر الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة وتراثًا. 

ويعتبر أن ظاهرة قطب تعبر عن «فكر أزمة» و«أزمة مفكر» طموح اتخذ من الإسلام مطية لتحقيق طموحات سياسية، وكانت صيغته جماع أخلاط شتى من معارف قاصرة وثقافة متطرفة ضحلة. 

ويحمل إسماعيل أخيرًا على كتاب قطب «معالم فى الطريق» مؤكدًا أنه لا محل للأخذ بما ذهب إليه مادحوه الذين اعتبروا كتابه «معالم فى الطريق» تجديدًا لفكر، فالكتاب أضعف مؤلفاته، إذ حفل بالتأويلات الخاطئة والرؤية الضيقة، والأخطاء التاريخية الفادحة، والاعتساف من أجل تبرير ما ساق من أفكار، بعيدًا عن المنطق وبعيدًا عن الحقائق، بل حفل بالخطابية والإنشائية والمعانى الفضفاضة والأحكام المطلقة، كما أخطأ من بالغوا فى تقدير وتقويم كتاباته فى النقد الأدبى بشهادة كبار النقاد المعاصرين الذين أخذوا عليه الضحالة والافتقار إلى الإبداع والابتكار.