سقوط وكلاء السماء.. نهاية دولة «الملالى» التى أهانت الإسلام وأزعجت المسلمين
- لا أستبعد أن تكون أمريكا ومن خلفها إسرائيل تباركان معًا ما تقوم به إيران ضد دول الخليج
- الجماعات الدينية السياسية سنية كانت أو شيعية لا يمكن أن تحافظ على الدول التى تسيطر عليها
قد لا يحمل خبر اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئى للبعض دلالة نهاية دولة الملالى التى تأسست عام ١٩٧٩، عندما هبط الخمينى على أرض مطار طهران قادمًا من منفاه فى باريس.
هذا البعض الذى أتحدث عنه لا يزال يعانى من ضلالات الاعتقاد بأن الله سينصر دولة الملالى لأنهم وكلاء الله على الأرض، هكذا قدموا أنفسهم.. وهكذا تحدثوا عن دورهم فى نصرة الإسلام ومساعدة المسلمين، وعليه فإن هذا الاغتيال سيكون- حتمًا- بداية جديدة يتم البناء عليها.
العمليات العسكرية على الأرض لن تشغلنا هنا كثيرًا.
أو على الأقل لن تشغلنا حرب المعلومات عن العمليات العسكرية التى لن تضع أمامنا الصورة الصحيحة أبدًا، فكل طرف يرسم الصورة التى يريدها وتروق له وتريح أنصاره وتجعلهم يهتفون له.
ما يشغلنا بالفعل هو ما الذى قاد إيران إلى هذا المصير؟
وكيف لثورة قامت هناك قبل ٤٧ عامًا أن تنتهى إلى كل هذا الخراب؟ رغم أنها كانت تعد شعبها ومن ورائه المسلمين أنها جاءت للعمل من أجل الإسلام وبعث الروح فيه من جديد.
لقد تم التعامل مع هبوط الخمينى على أرض مطار طهران على أنه يماثل هبوط الإنسان على القمر.
كان هناك من يراوده حلم أن هذا نظام جديد، استخدم الثورة سعيًا وراء التغيير، من أجل بناء مجتمع جديد على أسس مختلفة تكون فى صالح المواطن الإيرانى، لكن بعد شهور قليلة تبخر الحلم تمامًا، وبدأت إيران تعرف المواطن الذى يطلب اللجوء لأنه لا يستطيع أن يعيش فى بلده.
وبعد ٤٧ عامًا يمكننا أن نعرف ودون أن نستنطق الأرقام أن من بين كل ١٥ مواطنًا إيرانيًا ترك مواطن بلده فرارًا بنفسه وماله وعائلته ومستقبله، فإيران تحت حكم الملالى لم تكن بلدًا آمنة لمواطنيها.
كان يمكن لملالى إيران أن يتفرغوا لبناء بلدهم؟
لكن من قال إن ثورتهم قامت من أجل ذلك؟
لقد قرروا أن يكونوا رسل الله إلى الأرض وتعاملوا على هذا الأساس.
لكنهم على أرض الواقع كانوا رسلًا على مزاجهم الخاص وطبقًا لهواهم.
فلو أنهم أبلغوا دعوة الله التى زعموا أنها وكلاءها على حقيقتها، وعملوا على التمكين لرسالتها كما أرادها الله، لما توفقنا أمامهم واعترضنا طريقهم، لكنهم قرروا أن يبلغوا دعوتهم هم، وأن ينشروا رسالتهم هم، وهى رسالة لا يمكن أن يُقرّها الله، ولا يرضاها لعباده، فقد أرادوا أن يجعلوا الجميع على شاكلتهم.. رغم أن الله منحنا الحرية أن نكون مختلفين.
فى ٤ فبراير ٢٠١١ وبينما أحداث ثورة يناير تتفاعل على الأرض المصرية، وقف على خامنئى يخطب الجمعة بعد انقطاع استمر سبعة شهور لم يخطب الجمعة فيها ولم يوجه كلمة واحدة لشعبه، لكن المناسبة فيما يبدو كانت مهمة بالنسبة له.
المفاجأة أن خامنئى ألقى خطبته باللغة العربية، أرادها أن تصل مباشرة إلى المواطنين فى مصر دون أن تمر على ترجمة، أو يكون بينه وبينهما وسطاء.
صادر خامنئى ثورتى مصر وتونس، اعتبر أنهما زلزال تلا الثورة الإسلامية فى إيران.
الثورة المصرية من وجهة نظر خامنئى كانت إذن ابنة شرعية لثورة الملالى وامتداد لها، وهو لم يقل هذا الكلام للمجاملة، ولكنه كان يقصده تمامًا، فقد كانت من بين أحلامه أن تدين له مصر كما تدين له غيرها.. لأنه يعرف أنه إذا دانت له مصر، تدين بعدها الدنيا لما يريده.
يؤكد «خامنئى» بنفسه عملية النسب بين ثورة مصر وثورة إيران، يقول: إن أحداث اليوم فى شمال إفريقيا، فى مصر وتونس وبعض الدول الأخرى لها مغزى خاص بالنسبة لنا، هذا ما كان يقال دومًا عن اليقظة الإسلامية لدى قيام الثورة الإسلامية الكبرى للأمة الإيرانية، وهذا ما يظهر اليوم.
وأضاف: الشعوب الأخرى تراقبنا، وبالنسبة إليهم أهم ما حققته الثورة الإسلامية هو استقلالنا السياسى ومقاومتنا للأعداء، إن ثورتنا أصبحت مصدر وحى ونموذجًا بسبب استمراريتها واستقرارها وإصرارها على المبادئ.
رأى «خامنئى» أن الانتفاضات العربية يمكن أن تؤدى إلى فشل السياسات الأمريكية فى المنطقة.
قال مرشد إيران: الأحداث فى مصر وتونس مهمة جدًا، وتعبر عن زلزال حقيقى، وما يجرى فى المنطقة بإمكانه استعادة الكرامة للأمة الإسلامية.
وخاطب الشعبين المصرى والتونسى: لا تتراجعوا حتى إقامة نظام شعبى على أساس الديانة الإسلامية؟
وفى تحريض مباشر، قال: رجال الدين يجب أن يلعبوا دورًا نموذجيًا عندما يكون الشعب خارج المساجد ويردد شعارات عليهم تأييدها، وإن شاء الله ينضم جزء من الجيش إلى الشعب.
تعامل خامنئى وكأنه يقود ثورة مصر.
وجه كلامه إلى الأزهر، قال: الوضع الراهن يتطلب من الأزهر أن يتخذ موقفًا بارزًا مما يجرى فى مصر.
وحذر من تدخل الولايات المتحدة الأمريكية فى التحركات الشعبية فى مصر، قال: ليس من حق أمريكا التى دعمت عميلها لمدة ٣٠ عامًا أن تتدخل فى الشأن المصرى.
ووجه كلامه إلى المتظاهرين فى الميادين: لا تثقوا بما يلعبه الغرب وأمريكا من دور، فهم كانوا قبل أيام يدعمون النظام المصرى، ولا تثقوا بالدور الأمريكى والأوروبى، لأنهما مستعدان لتبديل عميلهما بعميل آخر.
وبخروج كامل عن أى لياقة سياسية أو دبلوماسية قال خامنئى: من يحكم اليوم مصر ومنذ ٣٠ عامًا لم يعارض الحرية فحسب، وإنما كان عميلًا وخادمًا للصهاينة، مصر كانت تحمل راية مواجهة المد الصهيونى، لكنها فى ظل مبارك فرضت الحصار على الفلسطينيين فى غزة، ولولا تبعيته للصهاينة لم يكن بإمكان الكيان الصهيونى فرض الحصار على غزة.
لم أكن أبدًا ممن يميلون إلى نظام الملالى، ولم أكن يومًا من المخدوعين الذين يروجون له كنظام يعمل من أجل الأمة الإسلامية، وأنه كنز استراتيجى لا يجب أن نستغنى عنه، كنت أعتبره طوال الوقت نظام طائفة، يعمل من أجل مصالحها، ويتمدد من أن أجل أن يكون أكثر قوة لتمكين فكرته هو، وأى كلام عن الإسلام لديهم فلا محل له من الإعراب عندى.. فقد أهان الإسلام وأزعج المسلمين.
لكن فى هذه اللحظة التى تعامل فيها المرشد الإيرانى مع مصر وكأنها دولة تابعة له، كرهت كل ما يمثله، لم أكن غافلًا عن أهداف من قاموا بالثورة الإيرانية، ولم أكن متغافلًا عن خطتهم فى تصدير ثورتهم، وصبغ العالم من حولهم بصبغتهم الخاصة، لكنها لحظة كاشفة للغاية.
المرشد الإيرانى يعلن أن ثورة مصر التى قام بها الشعب من أجل الخلاص- كما كان يعتقد- هى امتداد للثورة الإيرانية.
كان التعبير فاجرًا، وإعلان التشفى واضحًا، والرغبة الملعونة فى السيطرة والاستحواذ بادية، لم يستطع إخفاءها، وهو ما جعلنى أنظر إلى مقتله فى الساعات الأولى لبداية الحرب الأمريكية الإسرائلية- الإيرانية بشكل مختلف.
حتى الذين خططوا للحرب لم يتوقعوا صيد المرشد الأعلى للثورة الإيرانية لا بهذه السرعة ولا بهذه البساطة، كانوا يعرفون أنهم سيصلون إليه، فهم يهدفون إلى إسقاط النظام، ولا يسقط نظام إلا بعد أن تتهشم رأسه، كانوا يعتقدون أن الرأس ستكون صلبة وعنيدة ومنيعة وحصينة ومحصنة، لن يكون الوصول إليها سهلًا، لكنهم فازوا بالرأس فى الساعات الأولى للحرب.
أصحاب السيناريوهات التقليدية كانوا يعتقدون أن رأس المرشد ستكون الرأس الأخيرة التى ستسقط، لكن يبدو أن اختراق إيران النظام والدولة أكبر مما نتخيل، لذلك سقط المرشد مبكرًا ربما دون أن يقصد من رصدوه وترصدوا له، وهو ما أفقد الحرب دراميتها، التى كانت ستمتدها من تعقب المرشد ومحاولات الإيقاع به حتى لحظاتها الأخيرة، لكن كلمة النهاية نزلت قبل أن يكتب المحاربون كلمة البداية.
رحل المرشد ولم يبق إلا بعض من الجعجعة وكثير من العشوائية.
أما الجعجعة فقد بدت لى فى البيان الذى صدر عن فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيرانى.
قال الفيلق فى بيانه إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجبهة المقاومة تمثلان شجرة طيبة وقوية لا تزعزعها التهديدات أو الخسائر، وأن هذه الأحداث تزيدهما قوة وصلابة.
ووثق البيان رسالة قادة ومقاتلى جبهة المقاومة إلى مرشدهم الأعلى، يقولون له: «يا إمامنا، نحن باقون على العهد الذى قطعناه معك، وسنواصل بكل قوتنا النضال ضد الاستكبار العالمى والصهيونية الدولية، وسنبقى أبواب النار مفتوحة عليهم، ولن يهدأ لنا بال حتى هزيمة العدو».
وفى أكبر نبرة جعجعة يمكن أن تسمعها، يقول المقاومون: لم يعد للعدو أمن فى أى مكان فى العالم حتى داخل منازله.. فالنضال مستمر حتى انتقام المظلومين فى العالم والشهداء العظام من الظالمين والمستكبرين.
لا أعرف على وجه التحديد أين كان المقاومون ساعة اغتيال المرشد؟
لماذا لم يستعدوا، لماذا لم يحاربوا كدولة يعرفون أنها مستهدفة، لماذا لم يطبقوا ما أمرهم به القرآن بأن يعدوا ما استطاعوا من القوة وركاب الخيل ليرهبون بها عدو الله وعدوهم؟
إيران فى كل الأحوال لم تكن دولة، كانت فقط طائفة، جماعة لها فكرها وهدفها أخضعت شعبًا لما يقرب من نصف قرن، أرهبت خصومها بالاستبداد فى الداخل، وبالإرهاب فى الخارج، لكنها لم تصمد عندما دخلت فى حرب منظمة، ورغم ما نراه فإنهم لن يصمدوا طويلًا، والشواهد السابقة تؤكد ذلك وتدعمه.
أما العشوائية التى أتحدث عنها، وهى ناتجة أيضًا عن عقلية جماعة تدير وليست دولة تحكم وتنظم، فكانت فى رد الفعل.
كان يمكن لإيران أن تتجنب دول الخليج فى رد فعلها، لكنها اختارت فيما أعتقد الطريق السهل والساذج فى وقت واحد.
أما عن كونه سهلًا فهى تعرف أنها لن تقدر على إسرائيل ولن تقف فى وجه أمريكا رغم جعجعتها وزعمها أنها يمكن أن تفعل ذلك، لذلك اختارت أن تضرب دول الخليج، فهى فى متناول يدها.
ما فعلته إيران ليست قلة حيلة فقط ولكنه غدر كامل.
فما قامت به دول الخليج فى الشهور الماضية يشير إلى أنها بذلت كل ما تقدر عليه من جهد حتى تتجنب إيران الضربة، وأعلنت بشكل واضح أنها ترفض أن تستخدم القواعد الأمريكية على أرضها لاستهداف إيران، وكانت هناك حتى اللحظات الأخيرة قبل الضربة اتصالات دبلوماسية بين قادة ومسئولى الخليج مع قادة ومسئولى إيران، لكن قادة الحرس الثورى غضوا الطرف عن ذلك، وبدأوا من اللحظة الأولى فى توجيه الضربات للجار الذى لم يخن.
أما كون هذا الرد ساذجًا، فإن إيران تعتقد أنها عندما تقوم بضرب دول الخليج، وتنزع عن أهله الأمن، وتقذف فى قلوبهم بالخوف، فإنهم سيقومون بالضغط على العدو الأمريكى والإسرائيلى لإيقاف الحرب، وهو تصور سطحى جدًا، فالكل يعرف أن أمريكا لا حليف لها إلا إسرائيل، ومهما فعلت دول الخليج وبذلت من أموال لكسب ود الأمريكان فلن يكونوا حلفاء حقيقيين، وكأن بإيران كانت تلعب بورقة تعرف جيدًا أنها محروقة، لكنها أصرت عليها.
لقد ادعت إيران أنها لا تستهدف داخل دول الخليج إلا المصالح الأمريكية وتمركزات القواعد العسكرية التى تخصها، لكن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا، فقد وصلت صواريخ إيران إلى مناطق سكنية واستهدفت مدنيين، وهو ما يشير إلى أنها فقدت رشدها، وحتى الطريق السهل الذى اختارته لم تسكله بشكل صحيح.
لن تصبر دول الخليج على استهدافها، ولن تصمت على العصف بأمنها واستقرارها الذى هو رأسمالها، وليس بعيدًا أن تتحول هذه الدول إلى طرف ضد إيران، وبذلك تكون طهران التى كانت قادرة على تحييد دول الخليج قد كسبت خصمًا جديدًا.
لا أستبعد أن تكون أمريكا ومن خلفها إسرائيل تباركان معًا ما تقوم به إيران ضد دول الخليج، فها هو المحور الشيعى يضرب المحور السنى، وها هو المحور السنى يرد على المحور الشيعى، فالمسلمون يضربون بعضهم البعض، ولا ناقة لنا ولا جمل فيما يحدث، وساعتها نكون كمن يقوم بإخصاء نفسه.
إننى لا أؤيد أمريكا فى أى شىء تفعله فى منطقتنا، وبديهى أننى ضد كل ما تمثله إسرائيل، لكننى فى الوقت نفسه ضد تصرفات النظام الإيرانى التى أوردت الجميع موارد التهلكة، وها نحن الآن نقف على الأطلال التى تخلف وراءها الحرب.
لا أدعى علمًا بالغيب، لكننى لا أميل إلى من يتفاءلون بأن إيران يمكن أن تربح هذه الحرب، حسابات القوة وتوازناتها على الأرض تقول عكس ذلك، لقد قدمت إيران نفسها لقمة سائغة للأمريكان، وإن لم تتحطم إيران ويزول نظام الملالى اليوم، فإن ذلك حتمًا سيحدث غدًا.
السيناريو الأقرب هو أن أمريكا الآن تبحث عن موديل أحمد الشرع فى سوريا، حاكم يكون تابعًا لها بشكل كامل، يتولى مقاليد الحكم فى إيران، وتستطيع من خلاله أن تحصل على كل ما تريده، وما ترغب فيه إسرائيل بالطبع، وهو سيناريو مرهون بالداخل الإيرانى ومدى تقبله لما ستسفر عنه الأحداث، لكنه ليس مستبعدًا أبدًا.
السيناريو الآخر، الذى هو أشد إيلامًا أن تتحول إيران إلى دولة مفككة تحكمها الفوضى، وتدخل بذلك إلى النفق الذى دخلته العراق من قبل، وقد جربت أمريكا هذا السيناريو من قبل، وأعتقد أنه لا مشكلة لديها فى أن تجربه مرة أخرى، على الأقل ستتخلص من القلق الذى تسببه «طهران»، ولن يشغلها بعد ذلك أن تعم الفوضى أرجاء الدولة التى كانت تنادى بالموت لها منذ نصف قرن.
يبقى السؤال هو: لماذا وصلت إيران إلى ما وصلت إليه؟
والإجابة واضحة وبسيطة، فالتجارب تقول إن الجماعات الدينية السياسية سنية كانت أو شيعية لا يمكن أن تحافظ على الدول التى تسيطر عليها وتحكمها، لأنها لا تدير الأمور بما تقتضيها السياسة ومتطلبات الاقتصاد، ولكنها تميل إلى أن تحكم الناس على طريقة وكلاء السماء، الذين يملكون وصاية على الناس، يجعلون الدين فى خدمة السياسة.. وليذهب كل شىء بعد ذلك إلى الجحيم.
ما يحدث فى إيران الآن يعتصر القلب، يحطم الروح، فالمدنيون الأبرياء هم من يدفعون الثمن، أما من يحكمون فهم يعملون من أجل المجد وهم أحياء وهم أموات أيضًا.. وهؤلاء عند الله لا يزِنون شيئًا، لأن الله لا يحب من يهدمون الحياة ويفرطون فى أرواح الأبرياء.







