محاكمة هالة الوردى.. عداء مقنع يتخفى فى ثوب حرية فكرية!
- كتابها «أيام محمد الأخيرة» مجرد فصل إضافى معاد من كتابات مستشرقين
- فى كتابها «الخلفاء الملعونون» أعادت رسم صورة الصحابة بألوان قاتمة
حين نقرأ أعمال هالة الوردى، يتبدى لنا سؤال ملحّ: هل نحن أمام جرأة فكرية تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ الإسلامى المبكر، أم أمام عداء مقنّع يتخفى فى ثوب البحث الأدبى؟
الجرأة الفكرية هى أن يفتح الكاتب نافذة جديدة على التاريخ، أن يطرح أسئلة غير مألوفة، وأن يواجه السرديات التقليدية بلا خوف، وهذه الجرأة المنهجية هى ما طوّر الفكر الإنسانى عبر العصور، من سقراط إلى ابن خلدون إلى على عبدالرازق إلى محمد أركون.
لكن الجرأة الفكرية لا تعنى أبدًا أن تتحول لغتها إلى سنون حادة، كالتى صورتها روايات مصاصى الدماء، فيختزل النقد فى أوصاف قاسية تستنزف حيوية النص وتطرحه خارج حدود البحث، ليدخل منطقة معتمة ملتبسة بين النقد والعداء!

مؤكد أن الدكتورة هالة الوردى فى كتابها «أيام محمد الأخيرة لم تأت بأى جديد»، مجرد فصل إضافى معاد من كتابات مستشرقين تناولوا السيرة النبوية والأحاديث بمنهج عدائى، ربما كتابها أكثر غلظة وتهجمًا وربما كراهية، ينطق بها كل سطر فيه، فمن أول المقدمة وهى تبحث كعادة هذا النوع من الكتابات عن الثغرات لتشويه صورة الإسلام ونبيه، واختارت الأيام الأخيرة فى حياة النبى جسرًا إلى غرضها.
وعمومًا الإسلام من الديانات التى تلاحقه دومًا حملات شرسة منظمة طول الوقت، فيها كثير من الوقاحة وقليل من المعرفة، مثلما فعل يوحنا الدمشقى فى القرن الثامن الميلادى فى الجزء الثانى من موسوعته اللاهوتية «ينبوع المعرفة»، تحت اسم «بشأن الهراطقة»، ووصفه بأنه «هرطقة مسيحية»، ومضى على دربه «أثيميوس زيجابينوس» فى القرن الثانى عشر فى مؤلفه «العقيدة الشاملة» أو «الدرع العقائدى» كما أسمته بعض الترجمات، وكتبه بتكليف من الإمبراطور البيزنطى «أليكسيوس الأول»، ولم تتوقف هذه الحملات وشارك فيها كل صنوف الكُتاب من أول رجال الدين إلى السياسيين، واستهدفت بالدرجة الأولى كتاب الله «القرآن» باعتباره حجر الأساس فى الإسلام وعموده الصلد.
والعداوة المفرطة بطبيعتها تحدث تشوهًا فى الإدراك واضطرابًا فى العقل، فكان منطقيًا أن تقع هذه الكتابات فى أخطاء ساذجة وتصورات وهمية، نهيك أن اللغة العربية عصية على أصحابها، لا يفهمون مدلولاتها الفنية والأدبية على نحو صحيح، فاستخرجوا من العبارات التى يقرأونها «معانى» لا علاقة لها بالنصوص، كما اعتمدوا على مصادر مجروحة أو ناقصة أو جزئية دون أن يختبروا صلاحيتها الفكرية والعلمية والفنية، فكانوا مثل جماعة من العميان نصبوا أنفسهم دليلًا للمبصرين، فى عملية تسلق جبل حاد التضاريس!

وحين فشلت هذه الحملات وتكسرت رماحها تمامًا على قوة النص القرآنى وحفظه وتماسكه، اضطروا إلى الرحيل قسرًا إلى السيرة النبوية والأحاديث، ووجدوا فيهما ضالتهم، التى يمكن استغلالها لتشويه صورة النبى والصحابة والنيل من الإسلام بدلًا من مواجهة النص القرآنى الذى ظل عصيًا على النقد المباشر، فالقرآن متواتر دون انقطاع، ومدون منذ لحظة نزول «اقرأ باسم ربك الذى خلق»، أما السيرة والأحاديث فقط بدأت الكتابات عنهما فى القرن الثانى الهجرى، نقلًا عن مرويات شفهية يصعب التأكد من دقتها: لفظًا ومعنى، فألف لها العرب علم الجرح والتعديل، وهو علم يعنى بدراسة أحوال عشرات الآلاف من رواة الأحاديث، وتَتبع سِيرِهم وأخلاقهم وقوة ذاكرتهم فى الحفظ، بحثًا عن مدى مصداقيتهم وثقتهم أو نقصانهم، ويحدد شروط القبول والرد فى الرواية بناء على دقتهم فى الحفظ، وهو علم فريد لا نظير له فى الثقافات الأخرى، وإن كان البوذيون قد ألفوا علمًا شبيهًا فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، لا يرقى إلى علم العرب المسلمين، وأسموه «علم نقد النصوص الدينية».
وعمومًا وجود علم الجرح والتعديل نفسه يُعد دليلًا على «ما تسلل» إلى السيرة والأحاديث من روايات كثيرة، أحيانًا متضاربة، أو ضعيفة أو مشكوك فيها.
وهذه بيئة مثالية واسعة يمكن أن يمرح فيها من يعادون الإسلام.. فأمعن مستشرقون منهم فى جمع الغرائب المسيئة، التى سجلها الأقدمون بحسن نية أو لأسباب أخرى مطمورة فى نفوسهم، وأخرجوها فى كتب مليئة بالكراهية والترهات، منسوبة إلى مصادرها، باعتبارها حقائق مؤكدة، مثلما فعل الكاتبان الفرنسيان بيير-أوجين لوميريس وجاستون دوجاريك، اللذين قالا فى كتابهما «حياة محمد حسب المأثور» الصادر عام ١٨٩٢: إنهما يرويان سيرة نبى الإسلام كما كتبها أتباعه لا يزيدون حرفًا!
وهو نقل دون نقد وتمحيص وتحليل، وهى أدوات لجأ إليها العقل الأوروبى كمسار لأى منهج بحث منذ القرن السابع عشر، لكن مع الإسلام..النقل الحرفى يكفى!

هذا بالضبط ما سارت عليه الدكتورة هالة الوردى فى كتابها «أيام محمد الأخيرة»، مع أنها أعلنت عن أن مقصدها هو تفكيك الروايات التقليدية، لكنها فى التنفيذ الفعلى ركنت إلى هذه الروايات واعتمدت عليها كليًا فى تبرير أفكارها واستنتاجاتها، أى لم تستطع أن تتجاوز التراث كما ادعت، وأعادت إنتاج الروايات نفسها، لكن بانتقاء وتأويل يخدم فكرة مسبقة مختمرة فى عقلها، لإثبات صحتها، حتى لو داست على المناهج العلمية فى البحث.
من أول سطر فى الكتاب انطلقت هالة الوردى من فرضية أن وفاة النبى كانت محاطة بصراع سياسى، وأن اجتماع السقيفة يكشف عن هذا الصراع، مع أن الصراع شىء طبيعى، وهو أصل الحركة فى الحياة منذ الإنسان الأول، صراع مع الطبيعة وصراع مع الأخر، صراعات لا تتوقف وبدرجات متفاوتة، من أول اللفظ والاحتكاك الخفيف إلى الحرب والتطهير العرقى، وعلميًا أدركنا هذا المفهوم، أو وصلنا إلى هذه الفكرة من الرصد والاختبار والتحليل، أى نرصد الوقائع أولًا ثم نختبر اتجاهاتها ومعانيها ومراميها وأساليبها، ونحلل كل حالة على حدة، لنجمعها فى نتائج ندلل عليها، لكن أن تطرح الكاتبة النتيجة أولًا، ثم تستخدم الروايات لإثباتها، فهذا يجعل الكتاب أقرب إلى نص برهانى يثبت ما افترضه مسبقًا، بدلًا من أن يكون بحثًا مفتوحًا ينطلق من النصوص إلى الاستنتاجات الجديدة، واستنتاج الصراع السياسى فى سقيفة بنى ساعدة ليس جديدًا، وأيضًا ليس شاذًا على الإطلاق فى التاريخ الإنسانى: اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا ودينيًا، فلماذا فرضت حقيقة قديمة شائعة أقرب إلى البديهية، وعملت على إثبات صحتها، دون أن تضيف تفسيرًا مختلفًا أو رؤية مخالفة، كما لو أنها تفسر الماء بالماء؟!

والأغرب أنها ربطت هذا الصراع بالإسلام، وهذا ربط من الناحية العلمية والدينية غير صحيح، فثمة فارق هائل بين تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين، تاريخ الإسلام هو تاريخ الرسالة منذ نزول الوحى على النبى إلى لحظة وفاته، بينما تاريخ المسلمين هو تاريخ من آمنوا بالدين واتبعوه إلى نهاية العالم، الأول تاريخ رسالة ونبى، والثانى تاريخ الأشخاص الذين آمنوا بهذه الرسالة، والخلط بينهما خطأ علمى فادح.
لماذا فعلتها؟
بالطبع لغرض فى نفس ابن يعقوب، وكشفت عنه اللغة العدائية والألفاظ القاسية التى استخدمتها فى إعادة إنتاج الرواية، فظهر الصراع السياسى كما لو كان صراعًا بين أفراد فى«عصابة» ذائعة الصيت وذات مكانة، وليس فى جماعة دينية على من يتولى أمرهم فى لحظة فارقة صعبة وجديدة عليهم تمامًا، ودون أن أى خبرات سابقة، وهى جماعة إنسانية فيها كل سمات الإنسان، وتصرفاتهم لا تعد بأى حال من الأحوال حجة على الدين الذى يؤمنون به، لأن الدين أيًا كان هو الحجة على أصحابه وليس العكس!
وتُصور لغة الكتاب اجتماع السقيفة ومبايعة أبى بكر بأنه أقرب إلى المؤامرة منه إلى نقاش جماعى فى أزمة مركبة انتهى إلى اتفاق.
تقول الكاتبة: وفى سردية آخر أيام محمد، نجد كل المكونات التى نجدها عادة فى نهاية كل شخصية تاريخية مؤثرة: سلطان تهاوى إثر هزيمة عسكرية مدوية أمام الجيوش البيزنطية، محاولات اغتيال استهدفته، تدخلية مفرطة لمحيطه العائلى فى شئون الحكم، وصراع حامى الوطيس فى محيطه ساعة احتضاره قَصَد به إرث ملكه وثروته الضخمة!
وفى خضم هذه الدوامة من المطامع، بقى محمد رجلًا يواجه طمع صحابته الضارى، وبهذا نصل إلى الاستنتاج الأزلى، الذى لا يمسه تغيير، والقائل إن الدين فى غالب الأحيان ليس إلا ستارًا تحتجب وراءه المطامع البشرية.

لاحظوا الألفاظ: سلطان تهاوى، هزيمة عسكرية مدوية «تقصد غزوة تبوك التى لم يحدث فيها قتال أصلًا»، محاولات اغتيال لم تبذل جهدًا فى تفكيكها وإعادة تركيبها، خاصة أن عليها تساؤلات بلا إجابات مثل ضعف بعض الأسانيد مثل رواية «الواقدى»، هل كانت المحاولة بحجر أو برمح؟، روايات قالت إن حذيفة بن اليمان كشف المؤامرة وبعضها لا يذكر ذلك، لم ترد القصة فى الصحيحين ولا فى السنن الأربعة بالرغم من خطورتها، فالحديث هنا عن محاول اغتيال النبى، لا توجد رواية موثقة عن تدخل عائلى فى شئون الحكم، صراع على الإرث والثروة الضخمة، طمع صحابته الضارى!
وأيضًا لم تر «الوردى» فى أيام المرض الذى ألمّ بالنبى فى بيت عائشة، وحرصه أن يخرج للصلاة مستندًا إلى بعض أصحابه صورة تحمل معنى الصبر والإصرار على العبادة كما حكتها الروايات التقليدية، فصاغتها فى صورة إنهاك رجل أمام المرض، لا نبى يواجه لحظة بشرية بكرامة، وعند الوفاة لم يبرز النص الصدمة الإنسانية، بل تقدمها ارتباك سياسى، وكأن موت النبى لم يكن إلا فراغًا فى السلطة.
رؤية هالة الوردى واضحة جدًا، هى لا تفكر كسيدة من الشرق، إنما كـمفكرة من الغرب تتبنى أفكار طرحها الفيلسوف الألمانى لودفيج فويرباخ، وكارل ماركس ونيتشه ونابليون بونابرت بأن الدين اختراع يخفى وراءه إرادة السيطرة، وقد نحتوا عبارات شبيهة بعبارتها الأخيرة لكن بألفاظ مختلفة..
ويبدو أن هذه هى الرؤية الحاكمة للكتاب، والتى عبرتها إلى استنتاجاتها الموضوعة مسبقًا، فانتقت من الروايات ما يرجح فكرتها..

مضت فيها وهى على يقين أن الكتاب سيثير جدلًا واسعًا فى الأوساط الفكرية والدينية، وليست هذه قراءة فى نياتها، لكن من تحليل كلامها علميًا، فكتابها كما فسرت الغرض منه فى المقدمة هو قراءة جديدة للأيام الأخيرة فى حياة النبى، بمنظور نقدى، لتحرر السيرة من الأسطورة، أو حسب ألفاظها الحادة جدًا: «اقتلاع الرجل من الأسطورة الملحمية الدينية وإرجاعه إلى الزمن البشرى»، ألفاظ عدائية شديدة الوقاحة، خالية تمامًا من أى رؤية علمية أو نقدية، لأنها محملة بالكراهية والشماتة! وهو ما يناهض أى منهج علمى صارم!
والكتاب ملىء بهذه النوعية من العبارات والألفاظ، بعضها مهين، وهو ما ينحرف بالنص من دراسة تاريخية منهجية، تقارن بين المصادر وتحلل السياق التاريخى والاجتماعى، وتضع معايير لقبول أو رفض الروايات، وينقله إلى نص جدلى درامى، بما فى الدراما من خيال وانحيازات، كما لو أنه رواية تاريخية متصلة، تعرض أحداثها فى شكل مشاهد متتابعة، فى أسلوب أدبى جذاب، من أول مشهد مرض النبى واحتضاره فى بيت عائشة، وردود أفعال الصحابة، وما حدث فى سقيفة بنى ساعدة، وتختتم بالدفن وما تلاه من أحداث مباشرة.
وما يدل على ميلها إلى الدراما ما تستخدمه من عبارات وإيحاءات توحى بالضعف والتناقض والانقسام بين الصحابة، كأنها تريد أن تظهرهم فى صورة مهينة دون أن تبرز إنسانيتهم، وبدلًا من أن ترى فى النبى إنسانًا يواجه المرض والاحتضار، أو فى الصحابة بشرًا يواجهون صدمة الفقد، تقدم الأحداث بلغة تُضخم الصراع وتقلل من المشاعر الإنسانية، وتعيد صياغة كل مشهد فى تلك الأيام بطريقة مسرحية، ليس بهدف تقريب الصورة للقارئ، بل لإبراز التوتر والريبة، كأن الهدف هو التشكيك المكثف، لا إفهام القارئ وقائع ما حدث ولو حتى على نحو مختلف، وتتجاهل البعد الروحى الذى يملأ هذه اللحظات فى الروايات الإسلامية، فلا حديث عن الطمأنينة، ولا عن معنى لقاء الرفيق الأعلى، بل تركيز على تحلل الجسد «وهى رواية لا أصل لها» والارتباك والتشرذم.
المفارقة إذن أن «الوردى» أرادت أن تكون صوتًا للتجديد، لكنها اختارت لغة تجعلها أقرب إلى الخصومة، والقضية هنا ليست فى طرح الأسئلة غير المألوفة، بل فى كيفية طرحها، فالفكر الحر لا يخشى الأسئلة، لكنه يرفض الكراهيـة، والنقد لا يعنى الإهانة، والبحث لا يعنى التشويه.

النقد الأكاديمى يبدأ من سؤال مفتوح، ويعرض الروايات المتعارضة، ويترك للقارئ مساحة للتفكير، أما العداء المقنّع فيبدأ من قناعة مسبقة، ثم ينتقى الأدلة التى تخدمها، ويستخدم لغة انطباعية عاطفية ساخنة لإقناع القارئ.
والدكتور هالة الوردى لها تجربة سابقة سامة فى كتابها «الخلفاء الملعونون»، الذى أعادت فيه رسم صورة الصحابة بألوان قاتمة، فوصف عمر بن الخطاب بالمتهور، وأبى بكر بالأقرب لكنه ليس الأوفى، وعليًا بالمظلوم، وفاطمة بالقدر المأساوى.
باختصار.. قد تُغضب الجرأة الفكرية البعض، لكنها تظل فى إطار البحث، أما العداء المقنّع فهو استهداف للدين من خلال رموزه.
بالقطع الاحترام الإنسانى لمن حمل رسالة السماء ليس قيدًا على النقد، بل هو شرط لا يمكن تجاوزه، لبيان صدق هذا النقد وعمقه، وكتاب هالة الوردى هو مثال على ما يحدث حين يستبدل بالمنهج السردى، وثمة شعرة رفيعة بين الجرأة والعداء لم تستطع أن تفرق بينهما!







