القبر المفتوح.. تحقيق فى وقائع استشهاد يوسف السباعى
- أطلق عليه إرهابى أسود 3 رصاصات فى رأسه فأرداه قتيلًا
- أيدى التطرف الفلسطينى اغتالت يوسف السباعى فى قبرص
- فى 16 فبراير وصل يوسف السباعى إلى نيقوسيا لحضور مؤتمر التضامن الإفريقى الآسيوى
- شُوهد المتهمون الثلاثة يرتادون الملاهى الليلية والبارات بصحبة فتيات الملاهى
- بعد عملية الاغتيال أعلن الرئيس السادات عن أنه يسحب الاعتراف بوجود قبرص
- أرادت الجماعات الفلسطينية المتطرفة إرهاب كل من يفكر فى الاقتراب من إسرائيل
- صدام حسين لم يكن بعيدًا عما جرى ليوسف السباعى وأبدى تفهمه لحادث الاغتيال
- دم يوسف السباعى لم يضع فهو دم باقٍ وشاهد على جريمة متجددة
- سعت مصر إلى السلام من أجل الأرض والناس لكن خصومها بضيق أفقهم أضاعوا الناس والأرض
ما الذى يمثله الكاتب والروائى يوسف السباعى فى ضمير المصريين والعرب الآن؟
رحل المثقف الكبير منذ ما يقرب من 50 عامًا، على وجه التحديد 48 عامًا، فقد اغتالته ثلاث رصاصات غادرة صباح يوم 18 فبراير 1978 فى قبرص.
وقتها كان السباعى يشغل منصب سكرتير منظمة التضامن الأفرو آسيوى ورئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة الأهرام، بعد رحلة طويلة وشاقة قضاها بين دروب الصحافة والسياسة والجيش.
نعرفه الآن كاتب روايات لا تزال تطبع وتوزع على نطاق ليس كبيرًا، لكنه ليس صغيرًا أو محدودًا أيضًا.
ونعرفه مصدرًا لأفلام سينمائية شهيرة، لعل أشهرها «أرض النفاق» المأخوذ عن روايته المدهشة بنفس الاسم والتى تحولت إلى مسلسل تليفزيونى من سنوات قليلة.
ونعرفه كذلك مؤسسًا لعدد من المؤسسات الثقافية مثل نادى القصة واتحاد الكتاب، وعاملًا ومؤثرًا فى مؤسسات كانت فاعلة مثل منظمة التضامن الأفرو آسيوى التى كان سكرتيرًا لها، وهى المنظمة التى سال دمه على هامش مؤتمرها الذى كانت تعقده فى قبرص.
نكتفى بأن نقول إن يوسف مات شهيدًا، وراح ضحية للإرهاب.
لكنّ كثيرين لا يعرفون شيئًا عما جرى له، ولا لماذا قتل؟
وهل مات فارس الرومانسية -كما يلقب- لأنه صاحب الرئيس السادات فى رحلته إلى القدس فى العام 1977؟
يحلو لمن يكتبون عن الرئيس السادات أن يصفوه بأنه شهيد السلام.. وهذا حقيقى لا يمكن لأحد أن يشك أو يشكك فيه.
لكن الإنصاف يقودنا إلى أن نقول إن يوسف السباعى كان أول شهيد لأول عملية سلام فى الشرق الأوسط، فقد صحب الرئيس السادات فى رحلته إلى القدس فى نوفمبر 1977، وبعد ما يقرب من أربعة أشهر قتل، لا لشىء إلا لأنه سافر فى رحلة السلام، كما أعلن من قتلوه.
الاغتيال كان حادثة درامية اختلطت فيها السياسة بالإرهاب، وتعانقت المشاعر الإنسانية الراقية بمشاعر الغضب والرفض لما قامت به مصر، ورغم أن الحادث كان واضحًا وضوح الشمس، فإنه فى داخله غموض كبير لا يزال.
فى هذا التحقيق الموسع نحاول معًا أن نعرف ما جرى، ليس لتقليب المواجع، ولا لاجترار الماضى، ولكن بحثًا عن رسالة مؤداها أن من يعملون من أجل السلام دائمًا يدفعون الثمن.. فطوبى لهم.. وطوبى لمن يحيون ذكراهم.

صباح ١٩ فبراير ١٩٧٨ خرجت جريدة الأهرام وعلى صدر صفحتها الأولى عناوين صاخبة تقول: اغتيال يوسف السباعى فى جريمة سوداء بيد التطرف الفلسطينى فى قبرص.. إرهابيان يقتحمان قاعة اجتماعات مؤتمر التضامن ويطلقان ٣ رصاصات تصيب السباعى فى رأسه.. الإرهابيان يحتجزان عددًا من الرهائن ويستقلان طائرة لجهة غير معلومة.. ومصر تعلن عن أنها ستواجه الغدر بالإجراء الحاسم.. وغضب عنيف فى مصر رفضًا للإرهاب السياسى.
أما الخبر الذى وثق الجريمة فجاء على النحو التالى:
اغتالت، أمس، أيدى التطرف الفلسطينى يوسف السباعى، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام وسكرتير عام منظمة التضامن الإفريقى الآسيوى، بينما كان فى طريقه إلى قاعة اجتماعات مؤتمر التضامن المنعقد فى فندق هيلتون بالعاصمة القبرصية.
أطلق عليه إرهابى أسود ٣ رصاصات فى رأسه فأرداه قتيلًا، بينما كان يهم بدخول قاعة الاجتماع فى الطابق الأول من الفندق، على حين قام إرهابى ثانٍ بتغطية القاتل مهددًا الموجودين فى قاعة المؤتمر بالقنابل اليدوية التى نزع فتيلها، وقد سقط السباعى مضرجًا فى دمائه على حين قام الإرهابيان باحتجاز عدد من أعضاء المؤتمر- ٢٠ شخصًا – داخل كافيتريا الفندق تحت التهديد المباشر، وكان بينهم وزير داخلية قبرص، و«فاسوس ليساريدس» رئيس الحزب الاشتراكى القبرصى.
أكد «ليساريدس» بعد أن أطلق المختطفون سراحه أنهما فلسطينيان، على حين ذكر أحد الرهائن العرب بعد الإفراج عنه أن أحدهما اسمه أبوخليل، والآخر زايد.

كما صرح وزير خارجية قبرص لمراسل الإذاعة البريطانية بأن القاتلين ذكرا أنهما ينتميان إلى جبهة الرفض.
وقبل الساعة الثالثة من بعد ظهر أمس أفرج الإرهابيان اللذان لم تكن قد عُرفت على وجه التحديد جنسيتهما عن السيدات الست الرهائن، ثم أفرجا عن ممثلى الكتلة الشرقية فى المؤتمر، واحتفظا بـ١٤ رهينة هم ممثلو الدول العربية وبينهم ٤ مصريون هم حسين رزق السكرتير الخاص ليوسف السباعى، وإدوارد الخراط مساعد السكرتير العام لمنظمة التضامن، وبهيج نصار عضو لجنة السلام، وكمال بهاء عضو اللجنة المصرية فى المنظمة، بالإضافة إلى عثمان بنانى مندوب المغرب، والسيد المغربى مندوب السودان، وسليمان حداد الملحق العسكرى السورى فى قبرص، وعبدالمحسن أبوميزر المتحدث باسم منظمة التحرير الفلسطينية، وزكريا عبدالرحيم يحيى من المنظمة، وجورج بطل عضو الحزب الشيوعى اللبنانى، وسليم كوبز سكرتير عام الحزب الاشتراكى اللبنانى، والدكتور مصطفى حداد ومصطفى أمين من سوريا، والسيد كولومبو رئيس وفد الصومال فى المؤتمر، والسيد عزيز الشريف الوزير العراقى السابق، والذى كان قد عرض عليهما قبوله كرهينة والإفراج عن الباقين.

وفد طلب الإرهابيان أن توضع تحت تصرفهما طائرة خاصة تقلهما مع الرهائن إلى جهة غير معلومة.
وبالفعل تم نقل الإرهابيين والرهائن فى سيارة نصف أتوبيس يصحبهما وزير الداخلية القبرصى «كرستو دواوس فنجامين»، ووزير الخارجية القبرصية إلى مطار لارنكا.
كما وصل المطار الرئيس القبرصى «سبيروس كبريانو» ليتابع المفاوضات مع الإرهابيين.
أصرت السلطات القبرصية على السماح للمسلحين وحدهما بمغادرة الجزيرة شريطة ألا يأخذا معهما أيًا من الرهائن، كما طلبوا منهما ترك أسلحتهما، ولم يوافق المسلحان على هذا المطلب غير أن أحد المسئولين فى الحكومة القبرصية صرح بأن السلطات ستمنع إقلاع الطائرة إذا احتفظ المسلحان بالرهائن.
وكان المسلحان قد أعلنا عن أنهما سيقتلان إحدى الرهائن فى الساعة ٤.٢٠ بعد ظهر أمس إذا لم يسمح لهما بمغادرة الجزيرة بسلام، ولكن مضى الوقت المحدد دون أن يقتل أى شخص.
وبعد مفاوضات استمرت خمس ساعات ونصف الساعة غادرت مطار لارنكا فى الساعة الثامنة والنصف مساء طائرة خاصة تُقل الإرهابيين و١١ من الرهائن بعد إطلاق سراح ستة منهم، من بينهم «ليساريدس» و«بنجامين» وزير داخلية قبرص والملحق العسكرى السورى فى نيقوسيا، وعزيز شريف وجورج بطل، وسليم كوبز.
ولم يعرف على الفور الجهة التى ينوى الإرهابيان الاتجاه إليها، ثم ذكرت وكالات الأنباء أن الملحق العسكرى السورى فى نيقوسيا اتصل بالسلطات السورية يطلب بناءً على طلب الإرهابيين السماح لهما بالهبوط فى دمشق.
وقبل الواحدة صباحًا بقليل أعلنت سلطات مطار أثينا عن أن الطائرة اقتربت من المجال الجوى لليونان، وطلبت السماح لها بالهبوط فى أثينا الساعة الواحدة وعشر دقائق صباحًا، وعندما رفضت السماح لها غيّرت طريقها إلى اتجاه عدن.
هنا يمكننا أن نستمع من الكابتن «ميللنج» الذى تطوع لقيادة الطائرة التى أقلعت بالإرهابيين فى رحلة الهروب فى تمام الساعة الثامنة والنصف من نفس يوم الحادث.
فى التحقيقات قال «ميللنج»: دخل المتهم الأول سميح خضر غرفة القيادة، وفور الإقلاع فى نحو الثامنة والنصف مساءً أمرنى بالتوجه إلى طرابلس ليبيا، ولما رفضت ليبيا هبوط الطائرة بها، أمرنى بالتوجه إلى عدن، غير أن السلطات هناك لم تسمح لنا بالهبوط فى أراضيها وأطفأت أنوار ممرات الهبوط بالمطار، فتوجهنا إلى مطار جيبوتى التى سمحت بهبوط الطائرة للتزود بالوقود.
ويضيف: كان المتهم الأول- سميح خضر- يتحدث معى طوال الرحلة باللغة الإنجليزية، واعترف لى بأنه وزميله المتهم الثانى حضرا إلى قبرص لقتل يوسف السباعى وبأنه- أى المتهم الأول- هو الذى قتله لأنه خائن وجاسوس ولا يساند القضية العربية.
فى افتتاحية الأهرام بالصفحة الأولى كتب على حمدى الجمال: سقط يوسف السباعى أمس شهيدًا، ضحية لتدبير تميّز بالنذالة والجبن، هذه الرصاصات الثلاث التى أطلقها الجانيان أصابت رجلًا حارب دفاعًا عن فلسطين وشعبها عام ١٩٤٨، لم تقتله فى ذلك الحين رصاصات العدو، ولكن قتلته رصاصات مجرمة وهو يحارب بقلمه، كاتبًا وصحفيًا وقصاصًا وروائيًا دفاعًا عن الحق العربى.

ويضيف الجمال: إذا كان صحيحًا أن مرتكبى هذه الجريمة النكراء ينتميان إلى منظمات إرهابية متطرفة- تزعم أنها تعمل باسم فلسطين- فنحن ندين هؤلاء الذين يسيئون إلى نضال الشعب الفلسطينى.
فى مقاله «صور من يوم مقتل يوسف السباعى» يكتب حمدى البطران فى ٣١ مايو ٢٠٠٢ بجريدة القاهرة عن رد الفعل المصرى على الحادث.
فى القاهرة عُقد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة ممدوح سالم، وكان من رأيه أن اغتيال يوسف السباعى ربما يكون جزءًا من حملة إرهابية تستهدف المسئولين المصريين الذين رافقوا الرئيس السادات فى أثناء زيارته للقدس عام ١٩٧٧، وطلب رئيس الوزراء من الدكتور بطرس غالى وزير الدولة لشئون الخارجية والقائم بأعمال وزير الخارجية فى ذلك الوقت، أن يتخذ الاحتياطات الواجبة للمحافظة على سلامته، وتقرر إيفاد عبدالمنعم الصاوى وزير الثقافة ووزير الإعلام للسفر إلى قبرص للإشراف على ترتيبات عودة جثمان يوسف السباعى، وكانت المعلومات أمام مجلس الوزراء أن الطائرة المختطفة عليها اثنتا عشرة رهينة، وأنها تستعد للهبوط فى جيبوتى، وعلى الفور اتخذ مجلس الوزراء قرارًا بإرسال وحدة من رجال الكوماندوز لتخليص الرهائن بالقوة المسلحة، وسرعان ما أفادت الأنباء بأن الطائرة عادت إلى قبرص، وعند ذلك طلب من رجال الكوماندوز التوجه إلى قبرص.
حاول بطرس غالى مناقشة رئيس الوزراء فى خطورة القرار وضرورة موافقة السلطات القبرصية على فكرة تحرير الرهائن بالقوة المسلحة على أراضيها، ولكن ممدوح سالم لم يستمع إليه، يبدو أنها كانت تعليمات الرئيس السادات التى لم يناقشه فيها أحد، ولم يبين له أى من مستشاريه خطورة القرار وتأثيره على سلامة القوات والعلاقات الدولية.
تم بالفعل إرسال وحدة من قوات الكوماندوز مكونة من ستين فردًا بقيادة العميد نبيل شكرى قائد قوات الصاعقة المصرية إلى قبرص، والقيام بعملية تحرير الرهائن بالقوة المسلحة دون تغطية دبلوماسية كافية، الأمر الذى أدى بالسلطات القبرصية إلى التعامل مع القوات المصرية بالسلاح وقتل عدد كبير من خيرة أبناء وحدة الكوماندوز المصرية.
بدأت المفاوضات الجديدة بين الخاطفين و«ليساريدس» من أجل السماح لهما بمغادرة قبرص، بقيت القوات المصرية فى المطار نحو ساعة، وعندما تأكد للقوات أن الخاطفين سيغادرون قبرص، قامت فى الساعة الثامنة والنصف يوم ١٩ فبراير بإخراج سيارة عسكرية من الطائرة واتجهت نحو الخاطفين، وتم القبض عليهم، وعندما دخلت القوات القبرصية وقامت بالانقضاض على مجموعة الصاعقة سقط من القوات المصرية خمسة عشر شهيدًا وثلاثة عشر جريحًا، وأغلق مطار قبرص بسبب ما جرى فيه، وصدرت التعليمات إلى بطرس غالى للسفر إلى قبرص، ووجد بطرس غالى نفسه أمام مهمة فى دولة لا يستطيع الوصول إليها بسبب إغلاق المطار، ولم يكن أمامه إلا الوصول عن طريق مطار عسكرى فى قاعدة بريطانية فى «أكروتيرى»، وكان عليه الاتصال بالسفير البريطانى للسماح له باستخدام المطار العسكرى للهبوط فى قبرص.
وجد السفير البريطانى صعوبة فى إجراء اتصال تليفونى بلندن، وتدخل رئيس الوزراء ممدوح سالم وأصدر أوامره لإدارة التليفونات الدولية التابعة لوزارة المواصلات بأن تحظى مكالمات السفير البريطانى مع لندن بالرعاية والأولوية العليا.
ووافقت بريطانيا على السماح لبطرس غالى بالهبوط فى قاعدتها العسكرية فى قبرص، ومن القاعدة البريطانية حملته طائرة هليوكوبتر إلى الرئيس «سبيروس كبريانو»، وبدأت المفاوضات الرسمية مع القبارصة.
فى بداية المفاوضات طلب الرئيس «كبريانو» من بطرس غالى إبعاد السفير المصرى حسن شاش من المفاوضات، وقال إن السفير كذب عليه، وقال «كبريانو» إن رئيس الوزراء ممدوح سالم طلب الإذن بهبوط طائرة فيها وزير الثقافة والإعلام، وإذ بها قوات كوماندوز ومعدات حربية وسيارات، ولم يكن الوزير موجودًا فيها.
وأصدر الرئيس القبرصى تعليماته للسفير المصرى بعدم مغادرة القوات المصرية الطائرة، وإلا فإن القوات القبرصية ستطلق النار عليهم، وأقسم «كبريانو» أمام بطرس غالى على الإنجيل أن هذا ما حدث، وبالتالى أقسم بطرس غالى على نفس الإنجيل أن ممدوح سالم أخبر سكرتير «كبريانو» بأن مجموعة من قوات الصاعقة سيحضرون إلى قبرص، وأن حكومة قبرص وافقت على ذلك، وأن السلطات القبرصية وافقت على بقاء الطائرة المصرية، وكان فى إمكانها عدم السماح لهم بالهبوط أو إصدار الأوامر إليهم بمغادرة المطار.

وقال بطرس غالى لرئيس قبرص إن العنف الذى جوبهت به القوة المصرية لا يتناسب مع التراخى الذى حدث وقت اغتيال يوسف السباعى، وقال إن مهمته ليست إخراج القوات المصرية من قبرص فقط، ولكنها أيضًا المحافظة على العلاقات الطيبة بين البلدين، وطلب منهم طلبين.
الأول هو تسليم الخاطفين إلى الحكومة المصرية لمحاكمتهم.
والثانى ضرورة إعادة رجال الصاعقة المصريين مع أسلحتهم ومعداتهم فورًا.
وكان بطرس غالى، يعلم بحكم خبرته القانونية، أن هذا محال بحكم قواعد القانون الدولى، وأخبر ممدوح سالم، رئيس الوزراء، بذلك ولكنه سخر منه ومن القانون الدولى، وعندما طرح الأمر على القبارصة أخبروه بأن تسليم الخاطفين إلى الحكومة المصرية يتطلب موافقة البرلمان القبرصى على ذلك بحكم أن الجريمة ارتكبت على أرض قبرصية، وانتقل بطرس غالى إلى البند الثانى وهو عودة رجال الصاعقة المصريين بأسلحتهم، وهنا انفعل «كبريانو» وقال إنه ينبغى مغادرة القوات البلاد دون أسلحتها.
لم يوافق بطرس غالى، وكحل وسط تم الاتفاق على أن توضع الأسلحة فى صناديق مغلقة وتوضع فى سيارات يقودها قبارصة إلى القاعدة البريطانية فى قبرص، وبالفعل وضعت الأسلحة فى الصناديق وتم حمل الشهداء والجرحى إلى الطائرة فى الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، وفى مطار القاهرة كان فى استقبالهم كل مجلس الوزراء بكامل هيئته، وكان قد اتخذ قرارًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قبرص، ولم يعلن القرار إلا بعد عودة بطرس غالى ومعه رجال الصاعقة والرهائن المصريين.
فى اليوم التالى أقيمت جنازة عسكرية للشهداء، واجتمع الرئيس بقوات الصاعقة فى قاعة الشهيد عبدالمنعم رياض بمبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، وتمت ترقية العميد نبيل شكرى قائد قوات الصاعقة إلى رتبة اللواء، ومُنحت الأوسمة لباقى القوات المشاركة، وقيل وقتها إن وحدات من القوات السورية أرسلت للمشاركة فى تحرير الرهائن وقتل الخاطفين قبل أن يتكلما، وقيل وقتها إن الإرهابى كارلوس كان وراء الجريمة، وتبادلت بعض الدول العربية الاتهامات.
أعتقد أن شهادة حسن شاش سفير مصر فى قبرص هنا مهمة، وهى الشهادة التى جمعتها من مداخلاته العديدة فى فيلم الجزيرة الوثائقى الذى قدمته لتوثق حادث اغتيال يوسف السباعى وكان عنوانه «رحلة بلا عودة فى قبرص».
يقول شاش: أخذت السيارة وذهبت إلى المطار، وجدت «الرئيس القبرصى «كبريانو» يقف فى البرج وحوله عدد من وزرائه، وكانت قد جاءتنى برقية من مصر تقول إن وزير الإعلام سوف يأتى ليتفاوض فى موضوع الرهائن، أبلغت كبريانو، فقال لى خذ معك وزيرًا من الحكومة لتستقبل وزير الإعلام، لكن المفاجأة أننا وجدنا طائرة غريبة، كانت طائرة عسكرية، فأوقفها القبارصة فى آخر المطار.
ويضيف شاش: ذهبت مع الوزير القبرصى ودخلنا الطائرة، فوجدت ضابطًا يتجه نحوى ويسألنى: فين الملحق العسكرى؟ فقلت له: أنا السفير، فقال لى: نحن مكلفون بعملية فدائية لتخليص الرهائن من المختطفين، فعدت إلى «كبريانو» فوجدت وجهه أحمر ومنزعجًا جدًا، وقال لى غاضبًا: هل تريدون احتلال قبرص؟ قلت له: بل جئنا للمساعدة فى تخليص الرهائن، فقال: نحن دولة محترمة، وما يحدث لا يليق، فقلت له: وعد شرف ألا ينزل أحد من الطائرة المصرية إلا بإذنك.
ويستكمل شاش شهادته: لم تمر سوى ٥ دقائق، حتى وجدنا سيارة جيب تنزل من الطائرة، وبدأ أفراد القوة فى الاشتباك وإطلاق النيران، فأصبح القبارصة ضدنا، وأصابهم هلع، وبدأوا فى الضرب، فقتلوا ١٥ عسكريًا مصريًا، وألقوا قنبلة على مقدمة الطائرة فتفحمت ومات الطيارون.
ويضيف شاش: وعرفت أن الوزير بطرس غالى قادم ليتفاوض فى موضوع الرهائن، ولأن المطار كان مغلقًا فنزل فى قاعدة عسكرية إنجليزية، قابلته وذهبنا إلى الرئيس «كبريانو» الذى كان يشعر بالحرج، وطلب ألا أشارك فى التفاوض لأنه كان يعتقد أننى كذبت عليه، لكنه تفهم الأمر بعد ذلك وشاركت فى المقابلة.

أما بطرس غالى فيقول: دخلت الطائرة المتجهة إلى قبرص، ووصلنا حوالى الساعة ١٢، وتعجبت لأنى وجدت فى الطائرة مجموعة من الصاعقة، فهل كان الهدف هجومًا جديدًا؟ سألت الضباط، فقالوا: عندنا تعليمات.
ويضيف بطرس: قابلت رئيس قبرص فوجدت يده ترتعش، فاستنتجت أنه مثلى لم ننم، فهو تعبان وأنا أيضًا، وبدأنا مناقشة طويلة استمرت حتى الساعة ٥، قلت له لقد جئت لإنقاذ العلاقات الدبلوماسية بيننا، ولا نريد أن يؤدى هذا الحادث إلى قطع العلاقات، وطلبت منه أن يعود أعضاء الصاعقة إلى مصر، فقال لى يمكن أن يعودوا دون أسلحتهم، ولم تكن لدىّ ثقافة عسكرية لأعرف دلالة ذلك، أخبرت قائد المجموعة بطلب القبارصة، فرفض، وقال معنى ذلك أننا هُزمنا، لا بد أن نعود بأسلحتنا، أخبرت الرئيس القبرصى بذلك، فقال: ولكن القاعدة العسكرية البريطانية لن تقبل بدخول أسلحة، فتم الاتفاق أن نخرج الأسلحة فى صناديق.
ويختم بطرس كلامه: وصلنا القاهرة فوجدت الوزارة كلها موجودة فى المطار وعلى رأسها ممدوح سالم رئيس الوزراء، سألنى: لماذا تأخرت؟ قلت له: العملية لم تكن سهلة، فأخبرنى أن مصر قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع قبرص، فقلت له: يا نهار أبيض.. لقد قلت لهم إننى جئت للحفاظ على هذه العلاقات، ووافقوا على إخراج رجال الصاعقة بناء على ذلك، وفى اليوم التالى أعلن الرئيس السادات عن أنه يسحب الاعتراف بوجود قبرص.
فى ١٨ فبراير ٢٠٠٣ وبعد عملية الاغتيال بما يقرب ٤٥ عامًا تحدث اللواء عبدالحميد خليفة الذى شارك فى عملية تحرير الرهائن ضمن فرقة الكوماندوز المصرية للزميلة ابتسام عبدالفتاح.
يقول خليفة: قبل إقلاعنا لتنفيذ المهمة وصلت أخبار أن القتلة اقتادوا الرهائن إلى مطار «لارنكا»، وأخذوا طائرة «DC ٨»، وحاولوا التوجه إلى دول أخرى، ولم تسمح لهم أى دولة بالهبوط إلا جيبوتى التى سمحت لهم بالنزول خارج مطارها فقط للتزود بالوقود، فانتظرنا فى مطار شرق القاهرة حتى تتحدد وجهتهم، وعرفنا أنهم عادوا مرة أخرى إلى مطار «لارنكا» بقبرص، وكنا وضعنا خطة الهجوم واحتمالاتها، وأقلعت الطائرة «C ١٣٠» العسكرية، وبداخلها السيارة الجيب التى سوف نستخدمها لتقليل زمن الوصول إلى الطائرة التى على متنها الرهائن والإرهابيون بمطار «لارنكا».
عندما وصلت الطائرة المصرية إلى مطار «لارنكا» حدد القبارصة لها مكانًا معزولًا، وتمكن الكابتن يحيى الرفاعى قائد الطائرة من تحديد مكان طائرة الإرهابيين، والتقط محادثاتهم بالبرج، وعرف أنهم ينوون الإقلاع إلى العراق أو سوريا، وهنا نظر قائد المجموعة اللواء نبيل شكرى إلى رجاله وعرف من عيونهم الإصرار على القتال، فأصدر أوامره بالتعامل.
ويحكى خليفة عما جرى: كانت الخطة أن أنزل ومعى المجموعة ونقتحم الطائرة بالسيارة الجيب، وباقى مجموعات الحماية تحاصر الطائرة المستهدفة خشية هروب الإرهابيين من أحد أبواب الطائرة أو فتحات الطوارئ، وبمجرد نزولنا من طائرتنا سمعنا طلقات نيران من مدرعات منتشرة فى أماكن مختلفة بالمطار، فاعتقدنا أنها مساعدة لنا، وعندما وصلنا إلى الطائرة المستهدفة اقتحمناها على الفور، وخاصة أن السلم كان موجودًا، وكان من خلفى البطل المرحوم منير عبدالحميد، فألقى الإرهابى قنبلة يدوية مرت من فوق رأسى، وسقطت بينى وبين البطل الشهيد منير عبدالحميد، انبطح الإرهابى على أرضية الطائرة، وأخرج المسدس ويده ترتعش وزاوية المسدس أمامى، فعاجلته بدفعة وأخذت مسدسه، وأصبح مجردًا من السلاح، فاستسلم فى الحال وفعل زميله مثله.
نجحت العملية عند هذا الحد، كان المخطط أن يعطى خليفة باقى المجموعة إشارة بتمام التنفيذ، لأنه إذا لم يعطِ تمامًا خلال ٦٠ ثانية سيعتبرونهم شهداء، ويرسلون اثنين آخرين للمهمة، ويتكرر الأمر حتى تنجح المهمة، لكن حدثت مفاجأة لم تكن فى الحسبان.

يقول خليفة: كانت المفاجأة أن المجموعة التى استشهدت ومنها الأبطال سيد جلال وعماد الصفتى وياسر البحيرى وأصيب عوض الجمال ومدحت عثمان من الخلف بواسطة المدرعات القبرصية، ودارت معركة شديدة بين قوات حرس الحدود القبرصية ومجموعة الاقتحام الثانية، الأبطال مصطفى الشناوى ومدحت عثمان ويحيى عزب وأحمد إبراهيم الذى أصيب فى ذراعه اليمنى فأمسك سلاحه بيده اليسرى، واستمر فى القتال، بالإضافة إلى الأبطال محمد البيلى وفؤاد نجم وعادل عبدالله الذى أبلى بلاء حسنًا.
قامت المجموعة الثانية من الفرقة المصرية بقيادة العميد نبيل شكرى وحسن مرسى والمرحوم السيد صادق ومحمود رزق باقتحام طائرة مجاورة، وقام نبيل شكرى بتهديد القبارصة بأنه فى حالة عدم إيقاف النيران سوف نضطر إلى تدمير المطار بمن فيه.
يقول خليفة: أثناء الاشتباكات أدركت أن الكشافات العديدة ببرج المراقبة تجعلنا هدفًا سهلًا للمدرعات القبرصية، فأطلقت النيران على كشافات البرج، وتصادف تواجد «كبريانو» الرئيس القبرصى، فأيقنوا أننا بدأنا فى خطة مهاجمة المطار وتدمير كل شىء، فأعطوا أوامرهم لمدرعاتهم بإيقاف الضرب والانسحاب الفورى.
يلخص خليفة ما حدث بقوله: دارت معركة استمرت قرابة ٥٠ دقيقة، وسقط لنا ١٥ شهيدًا و١٥ جريحًا، إذ أطلقوا صاروخًا أصاب طائرتنا التى كانت فى انتظارنا لنقلنا إلى القاهرة بعد تنفيذ المهمة، فاستشهد البطل يحيى الرافعى قائد الطائرة وطاقمها، والتى كان من المفترض أن نستخدمها فى العودة وكانت خسائرهم ٢٥ فردًا ما بين جريح وقتيل.
ويعلق خليفة بما نعتبره طبيعيًا جدًا من أبطال الجيش المصرى: بصفتى أحد المشاركين فى هذه العملية، وأصبت بـ٥ رصاصات و٢٧ شظية، لكننى فخور بما جرى، فقد كان ما حدث يستحق، ولو كان من أجل رهينة واحدة، فهى كرامة مصر وعزتها، ونفتديها بالروح وبالدم حتى لو كان من أجل مصرى واحد.. فهذا شعارنا دائمًا.
لم يكن هذا ما فعلته مصر فقط، فقد كانت حريصة على أن تكون موجودة فى التحقيقات ومتابعة مُحاكمة المتهمين.
بعد ١١ عامًا من الاغتيال وفى ١١ مارس ١٩٨٩ تحدث المستشار عدلى حسين على صفحات مجلة «آخر ساعة» مع سهير الحسينى.
وقبل أن تسأل عن عدلى حسين وعلاقته بحادث اغتيال يوسف السباعى، سأقول لك إنه وقتها فى العام ١٩٧٨ كان ما زال يعمل فى سلك القضاء، وسنجده يجيبنا بنفسه.
يقول: كنت المصرى الوحيد الذى حضر محاكمة هؤلاء المجرمين، وكان ذلك بتكليف من وزير العدل فى مصر، وقد وصلت إلى مطار «لارنكا» فى صباح يوم الجمعة ٣ مارس ١٩٧٨، وفى اليوم التالى مباشرة حدد لى موعدًا مع مستر «توزناريدس» النائب العام القبرصى ومساعده، حيث شرحا لى الإجراءات القانونية المتعلقة بالحادث وبإجراءات التحقيق والمحاكمة، وأكدا لى أن السلطات القبرصية مهتمة بالإسراع فى محاكمة المتهمين والانتهاء من القضية فى أقرب وقت.
يشرح عدلى حسين تفاصيل الجريمة كما عرفها.
تبين من التحقيقات التى أُجريت أن المتهم الأول هو سميح محمد أحمد خضر من مواليد ١٩٥٠، كهربائى ويحمل جواز سفر أردنيًا، وقد حضر بالطائرة إلى قبرص قادمًا من بلجراد - أثينا صباح يوم ١٣ فبراير ١٩٧٨، ونزل بفندق كينيدى بنيقوسيا وحجز غرفة أخرى فى نفس اليوم باسمه بفندق تشرشل، وانتقل إلى الفندق الأخير فى اليوم التالى.
ووصل المتهم الثانى زايد حسين أحمد العلى، ٢٦ عامًا، صانع أحذية ويحمل جواز سفر كويتيًا، ومعه شخص يدعى سمير رياض عاطل يحمل جواز سفر عراقيًا إلى نيقوسيا بالطائرة صباح يوم ١٤ فبراير ١٩٧٨ قادمين من العراق - روما – أثينا، ونزلا معًا بالغرفتين المتداخلتين ٥٠٧ و٥٠٨ بالطابق الخامس من فندق هيلتون، وظلا معًا حتى غادر المتهم الثالث نيقوسيا فى الثامنة من صباح يوم السبت ١٨ فبراير قبل وقوع الحادث بثلاث ساعات.
شُوهد المتهمون الثلاثة معًا خلال الفترة من ١٤ إلى ١٨ فبراير يرتادون الملاهى الليلية والبارات بصحبة فتيات الملاهى، حيث كانوا ينفقون ما يعادل مائتى جنيه مصرى فى الليلة الواحدة فى احتساء الخمور.

فى ١٦ فبراير وصل يوسف السباعى إلى نيقوسيا لحضور مؤتمر التضامن الإفريقى الآسيوى الذى بدأ أعماله يوم ١٧ فبراير وأقام بالغرفتين المتداخلتين ٥٢٥ و٥٢٦ بنفس الطابق الخامس بفندق هيلتون.
فى حوالى الساعة العاشرة صباحًا يوم السبت ١٨ فبراير نزل السباعى من غرفته متوجهًا إلى قاعة المؤتمر بالطابق الأرضى من الفندق الذى كان قد بدأ جلسته برئاسة مستر «ليساريدس» نائب سكرتير المنظمة ورئيس الحزب الاشتراكى القبرصى، وأثناء وقوف يوسف أمام محل بيع الصحف والكتب المجاور لقاعة المؤتمر أُطلقت عليه ثلاث رصاصات، أصابته فى رأسه وفخذه ويده اليسرى وذلك من الناحية اليمنى فلقى مصرعه.
شُوهد المتهم الأول- سميح خضر- يقتحم قاعة المؤتمر شاهرًا بيده مسدسًا وبيده الأخرى قنبلة يدوية منزوعة صمام الأمان، وذلك أثناء إلقاء المندوب السوفيتى كلمته وهدد الحاضرين، وأجبر ثلاثة من الحراس الخصوصيين لرئيس الحزب الاشتراكى على التخلى عن أسلحتهم ثم أطلق رصاصة واحدة تجاه أحد أعضاء الوفود لتهديده حينما حاول جمع أوراقه من على منضدته.
وتحت هذا التهديد اصطحب هذا المتهم رهائنه إلى كافيتريا الفندق، وفى نفس الوقت شُوهد المتهم الثانى- زايد العلى- بصالة مدخل الفندق على مسافة قريبة من مكان الحادث يمسك بيده مسدسًا وباليد الأخرى قنبلة يدوية وهدد شرطيين مسلحين للتخلى عن سلاحيهما، واقتادهما مع مجموعة من نزلاء الفندق، كانوا يجلسون بمدخل الفندق، إلى البار من بابه الأمامى، ثم توجه بهم من الباب الخلفى للبار إلى الكافيتريا المواجهة له لينضم إلى المتهم الأول برهائنه.
داخل الكافيتريا تحدث المتهم الأول إلى الرهائن باللغة الإنجليزية، وذكر أنهما قدما خصيصًا إلى قبرص لقتل يوسف السباعى بدعوى أنه جاسوس وخائن للقضية العربية، ولأنه كتب مقالاته فى جريدته ضد الفلسطينيين بعد عودته من زيارة القدس التى رافق خلالها الرئيس السادات.
بعد ذلك قسّم المتهمان الرهائن إلى فريقين، الأول يشمل الرهائن المصريين والعرب، والثانى يشمل الأجانب، ثم أخليا سبيل الأجانب وأوثقوا باقى الرهائن بأربطة العنق.
طلب المتهمان حضور الرئيس القبرصى وجميع السفراء العرب، فأُخبرا بأن رئيس الدولة خارج البلاد، وتولى مستر «ليسارديدس» رئيس الحزب الاشتراكى والذى كان ضمن الرهائن الحديث معهما، وعندما حضر الملحق العسكرى السورى قبل المتهمان احتجازه بدلًا من مستر «ليسارديدس» حتى يتولى الاتصال بالمسئولين القبارصة، وبعد فترة وجيزة عاد ومعه مستر «بنيامين» وزير الداخلية حيث دارت المفاوضات مع المتهمين اللذين طلبا طائرة تقلهما مع الرهائن إلى خارج البلاد.

يقول حسين: لأن إجراءات التحقيق والمحاكمة فى قبرص تقوم على أساس النظام «الأنجلوسكسونى» الذى يكتفى بجمع الأدلة المادية وسماع الشهود- فقانون البلاد لا يعرف الجريمة السياسية- لذلك لم تتطرق التحقيقات إلى استيضاح الظروف التى نزل فيها يوسف السباعى بنفس الطابق الذى كان قد نزل به المتهم الثانى، وهل ذلك تم مصادفة أم أُنزل بهذا الطابق بناء على رغبته أم بناء على اختيار إدارة الفندق أم بناء على طلب جهات الأمن بنيقوسيا؟ ولم يظهر كذلك من التحقيقات ما إذا كان المتهمان قد نزلا مع السباعى صباح يوم الحادث بنفس المصعد وتتبعاه إلى حيث تم اغتياله بالقرب من قاعة المؤتمر أم لا؟.
وتبين من معاينة مكان إقامة المتهمين ويوسف السباعى بالطابق الخامس من الفندق أنه كان يمكن لهما أن يرتكبا جريمتهما فى أى وقت يكون فيه بغرفته دون أن يكتشف أمرهما بسهولة ما دامت لا توجد حراسة خاصة لغرف أعضاء الوفود، غير أن المتهمين عمدا إلى ارتكاب جريمتهما بالمكان الذى وقعت فيه بهدف لفت الأنظار والدعاية.
وذكر المتهمان فى بداية التحقيق أنهما ليسا بحاجة إلى محامٍ يدافع عنهما وأنهما سيدافعان عن نفسيهما، وحين أفهمهما القاضى أن القانون يحتم أن يكون لهما محامٍ يدافع عنهما لأنهما يواجهان تهمة عقوبتها الإعدام، طلب المتهم الثانى- زايد العلى- محاميًا من ليبيا أو الجزائر أو العراق أو عدن، فأفهمه القاضى أن ذلك غير جائز قانونًا، وحينئذ وافق المتهمان على تعيين محامٍ قبرصى لهما، فعيّن لهما مستر «ليفكوس لاريدس» المحامى وزير العمل القبرصى السابق ومن حزب المعارضة.

تقدم ممثل الادعاء بقرار كتابى باللغة الإنجليزية منسوب للمتهم الأول سميح خضر يذكر فيه أنه لا ينتمى لأى منظمة، وأنه قام بهذا الفعل من أجل تحرير فلسطين، وأنه حينما قرأ فى الصحف أثناء وجوده بيوغوسلافيا أن يوسف السباعى سوف يحضر مؤتمر التضامن الإفريقى الآسيوى بقبرص حضر مع زميله المتهم الثانى خصيصًا لقتله، لأنه جاسوس لأمريكا وإسرائيل، ولأنه كتب فى صحيفته بعد عودته من زيارته لإسرائيل مع الرئيس السادات أنه شاهد أثناء الزيارة شرطيًا إسرائيليًا يبكى متأثرًا من مقابلته للمصريين، وأنه شعر بالحزن لهذا الشرطى ونسى جميع الفلسطينيين والسوريين والمصريين الذين قُتلوا خلال الحرب مع إسرائيل، كما أنه لم يكتب عن الفلسطينيين الذين بلا وطن ولا أهل ولا طعام.
وأضاف المتهم الأول فى إقراره أنه كان قد ادخر المال أثناء عمله فى بعض البلدان فى مجال الكهرباء واستخدمه لتنفيذ اغتيال السباعى.
وقد تحرر هذا الإقرار بخط يد مفتش الشرطة بإملاء المتهم الأول وتوقيعه.
وقد طعن محامى المتهمين فى هذا الإقرار خلال التحقيق بأنه حُرر باللغة الإنجليزية التى لا يجيدها المتهم المذكور على غير رضائه، وأنه أُخذ من المتهم بالمخالفة للقواعد القضائية المعمول بها.
لم يتطرق التحقيق الابتدائى إلى فحص دوافع ارتكاب الجريمة فحصًا دقيقًا، ولا البحث عن الشركاء الآخرين للمتهمين ومَن خلفهم، وهل ينتمون إلى منظمة ما ومَن هم قياداتهم وأعضاؤهم وأهدافهم وانتماءاتهم؟ وكيف تم تمويل هذه العملية وكيف خططوا ودبروا لها؟
كما لم يتعرض التحقيق لبحث مصدر أسلحة المتهمين، وهل حضرا بها إلى قبرص أم حصلا عليها من داخل البلاد؟ كذلك لم يسأل التحقيق عن كيفية اختفاء المسدس الآخر الذى كان يحمله أحد المتهمين بعد القبض عليهما.
يقول عدلى حسين: طرحت هذه الاستفسارات على مَن قابلتهم من المسئولين القضائيين القبارصة، فقالوا لى إنهم لا يسعون فى تحقيقاتهم طبقًا للنظام القانونى القبرصى إلى الخوض فى مثل هذه المسائل ما دام أنه قد تحققت لديهم جريمة قتل متوافرة الأركان والأدلة، ولأن مثل هذه الجريمة الحالية تعتبر جريمة عادية فقانون البلاد لا يعرف الجريمة السياسية.
فى البداية تلا ممثل الادعاء المساعد الأول للنائب العام قرار الاتهام ضد المتهمين بأنهما قتلا يوسف السباعى عمدًا مع سبق الإصرار، فرد كل مهما بأنه غير مذنب.
بعد ذلك ألقى الادعاء كلمة عن القضية فقال: إن التعصب فى السياسة يؤدى إلى نتائج وخيمة وكثيرًا ما تتورط دولة ثالثة محايدة رغم إرادتها من نزاع يؤدى إلى مغامرات مؤلمة، وأنه كثيرًا ما هزّت الحياة الدولية فى السنوات الأخيرة حوادث العنف والإرهاب، وأن مسئولية مجابهة هذه الحوادث لا تقع على عاتق المجتمع الدولى فقط، بل إنها مسئولية القوانين والمحاكم فى كل دولة على حدة أيضًا.
وأضاف أن سلطة الاتهام لن تخوض فى البحث عن أهداف المتهمين من ارتكابهما للجريمة ولا التعرض للونها السياسى، لأن ذلك غالبًا ما لا يمكن معرفته، وهذا ما لا يجب أن يكون له تأثير على المحكمة فى توقيع العقاب المقرر فى القانون عليهما.
ثم قال إن هذا الحادث أضاف لمشكلات قبرص مشكلات أخرى هى فى غنى عنها، وحرم قبرص من صديق قديم وفى هو المرحوم الأديب يوسف السباعى الذى ظل خلال اثنين وعشرين عامًا متحمسًا لنضال الشعب القبرصى، وكان موته فى هذه الجزيرة التى أيدها بكل إخلاص.
تقدم الادعاء للمحكمة بستة وأربعين شاهدًا من شهود الإثبات، هم جميع من تم سماع أقوالهم بالتحقيق الابتدائى، فضلًا عن أربعة شهود آخرين جدد استعان بهم الادعاء لمواجهة النقاط التى كان يثيرها الدفاع أثناء المحاكمة.
ومن أبرز الشهود «ستافرينوس» الطبيب الشرعى الذى قام بفحص الجثة، وقرر أنه قام بذلك فى الساعة الرابعة والنصف مساء يوم الحادث ١٨ فبراير، فتبين له أن الجثة بها ثلاث إصابات نارية، الأولى حدثت بالرأس نتيجة دخول حوالى ٣ سم وفتحة خروج ٤ سم من الناحية اليسرى للرأس، والإصابة الثانية حدثت من مقذوف نارى بمعصم اليد اليسرى خلّفت جرحًا سطحيًا، أما الإصابة الثالثة فحدثت أيضًا من مقذوف نارى أصاب الفخد اليمنى من الناحية اليمنى، واخترق العضلات ليصيب الفخذ اليسرى ويخرج من الناحية الأخرى المقابلة.
وأثناء المحاكمة استشعر ممثل الاتهام أن الدفاع يتجه إلى الإيحاء بأنه ربما تكون الرصاصات التى صرعت يوسف السباعى قد خرجت من مسدس أحد رجال الشرطة خلال الحادث، على أساس أن الشرطة القبرصية ربما يكون تسليحها بمسدسات «التوكاريف» المماثلة للمسدس الذى استُعمل فى الحادث، ولذلك قدم ممثل الاتهام للمحكمة الشاهد «سيروكولاس» الشرطى المكلف بإمساك سجلات أسلحة الشرطة، والذى أكد أن هذه النوعية من المسدسات ليست مسجلة بسجلات أسلحة الشرطة.
بعد انتهاء ممثل الادعاء من تقديم جميع أدلة ثبوت الجريمة، وجّه رئيس المحكمة حديثه للمتهمين بجلسة ٢٤ مارس ١٩٧٨ بأن المحكمة أخذت بعين الاعتبار وجهة نظر الاتهام، ووجدت أن هناك أدلة ضدهما وشرح أن القانون القبرصى يتيح لهما فى سبيل الدفاع عن نفسيهما ثلاثة حقوق:
الأول: أن يتوجها إلى منصة الشهود، وفى هذه الحالة يحلفان اليمين ويتعرضان لأسئلة كل من الادعاء والدفاع والمحكمة.
الثانى: أن يدليا بأقوالهما بدون حلف اليمين وهما بقفص الاتهام وفى هذه الحالة لا توجه لهما أى أسئلة.
الثالث: أن يلزما الصمت وعدم الكلام نهائيًا.
وفضل المتهمان الحق الثانى لهما، ثم أخرج المتهم الأول سميح خضر من جيبه ورقة وقرأها باللغة العربية ونصها كالآتى: أنا برىء.. أنا لم أقم بأى عمل إجرامى حتى توجه إلىّ هذه التهمة، لقد اشتركت فقط فى أخذ الرهائن من قبرص إلى خارج البلاد.
بدأت المحكمة فى سماع مرافعة الدفاع عن المتهمين، الذى سلك فى هذا السبيل السعى لإقناع المحكمة بأن القاتل شخص آخر غير المتهمين، إذ إن أحدًا من الشهود لم يذكر أنه شاهد أيًا منهما وقت ارتكابه الجريمة، كما ذهب إلى القول بأنه لم يثبت قيام اتفاق جنائى بين المتهمين حتى يعاقبا معًا، وأن ركن الإصرار غير قائم فى حق المتهمين، لأن التحقيق لم يكشف عن ذلك وتطرق إلى القول بأن المتهم الأول لا يعرف الإنجليزية جيدًا، ولذلك فإنه لا يمكن معرفة قصده، وكذلك المتهم الثانى، ثم أشار الدفاع إلى أنه لم يثبت أن أيًا من المتهمين قد أطلق الرصاصة التى أصابت رأس المجنى عليه والتى تسببت فى وفاته، وأنه ربما تكون بعض آثار الجريمة قد ضاعت من مكان الحادث.
وذكر الدفاع أن التحقيق الابتدائى كان به قصور فى بعض النواحى يستفيد منه المتهمان، وأنه تبين من فحص المقذوف الذى عثر عليه بغرفة المؤتمر أنه أطلق من مسدس الشرطى من عيار ٣٨ مم، وأنه عثر على طلقة حية من نفس العيار على المحفة التى حملت عليها جثة المرحوم، وأن كل هذه الأمور تلقى ظلالًا من الشك على القضية وطالب ببراءتهما.
واستمعت المحكمة إلى مرافعة الادعاء، فرد على جميع النقاط التى أثارها الدفاع، وقال إن الأدلة متوافرة قِبل المتهمين على ارتكابهما الجريمة معًا، وأنهما حضرا خصيصًا إلى قبرص لقتل الأديب يوسف السباعى بعد أن خططا معًا لتنفيذها، وطالب فى نهاية مرافعته بتوقيع عقوبة الإعدام على المتهمين.
تأجل النطق بالحكم لجلسة ٤ أبريل ١٩٧٨ حيث حكم بإعدام المتهمين، وبعد فترة خُفف الحكم من قبل رئيس الجمهورية فأصبح أشغالًا شاقة مؤبدة.
ويسجل المستشار عدلى حسين ملاحظاته التى وثقها عن المحاكمة فى نهاية حواره، وجاءت على النحو التالى:
أولًا: قوة الحراسة على المؤتمر كان قوامها ستة أفراد، غير أن التحقيقات لم تكشف حقيقة وحجم هذه الحراسة على المؤتمر وأعضاء الوفود ولا نوعية حجم تسليح الأفراد.
ثانيًا: اعترض ممثل الادعاء أكثر من مرة على أسئلة الدفاع التى هدفت إلى كشف تفصيلات هذا الموضوع، لأنه يمس أمن الشرطة وهو ما لا يجوز كشف النقاب عنه.
ثالثًا: شهد «ايانسى يانجوبوى» سائق سيارة الإسعاف بأنه تلقى إخطار الحادث فى الحادية عشرة والنصف صباحًا، أى بعد ارتكاب الحادث بحوالى ساعة كاملة، فانتقل مسرعًا إلى فندق هيلتون ومعه «خرالامبوس» وحملا المجنى عليه إلى المستشفى على الرغم من أن يوسف السباعى كان متوفيًا وقت حمله.
رابعًا: شهد مستر «اندرياس هيكويتى» طبيب مستشفى نيقوسيا المركزى بأن سيارة الإسعاف وصلت إلى المستشفى بالمجنى عليه متوفى فى الساعة الثانية عشرة إلا الربع صباحًا، وأن محاولاته لإعادة الحياة إليه قد باءت بالفشل، وأوضح أن الوفاة حدثت قبل وصول المجنى عليه إلى المستشفى بنحو ١٥- ١٦ دقيقة.
خامسًا: كان من الطبيعى أن يتأخر الإسعاف فى ظل الظروف التى وقعت فيها جريمة إرهابية بهذا الشكل.
يبقى السؤال هنا هو: لماذا تم اغتيال يوسف السباعى؟
وهل لم يكن يعرف أنه مستهدف بعد مشاركته فى زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل فى نوفمبر ١٩٧٧؟
يمكننا أن نستعين هنا بفيلم الجزيرة الوثائقى عن اغتيال يوسف السباعى، والذى شارك فيه عدد من أطراف الحادث من الرهائن والمسئولين القبارصة والمصريين أيضًا.
أما لماذا تم الاغتيال، ومن قام به؟
فقد أعلنت منظمة «أبونضال» الفلسطينية مسئوليتها عن الحادث، لكنها لم تكشف عن الجهة التى كلفت وموّلت وحمت.
وأبونضال هو صبرى البنا المولود فى ١٦ مايو ١٩٣٧، انضم مبكرًا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وعيّنه أبوإياد عام ١٩٦٨ كممثل لمنظمة التحرير فى الخرطوم ثم فى العراق.
وفى العام ١٩٧٤ انشق صبرى البنا عن حركة فتح، وأسس ما عرف باسم حركة «فتح المجلس الثورى»، وهو ما دفع ياسر عرفات إلى إصدار حكم بالإعدام عليه.
تنقل أبونضال بين العراق وسوريا وليبيا، وقضى آخر أيامه فى العراق، حيث وجدت جثته بشقته فى بغداد فى صيف العام ٢٠٠٢، ووقتها أعلنت السلطات العراقية عن أنه انتحر، وكان دليلها فى ذلك الرصاصة التى وجدوها مستقرة فى رأسه، بينما رجحت جهات عديدة أن النظام العراقى تخلص منه بعد أن أصبح عبئًا عليه.
لسنوات طويلة ظل النظام العراقى ينفى علاقته بمقتل يوسف السباعى، لكن فى ١٧ أبريل ٢٠١٢ نشرت جريدة «الصباح» العراقية وثيقة تؤكد أن صدام حسين لم يكن بعيدًا عما جرى ليوسف السباعى.
وضعت الجريدة عنوانًا كاشفًا لتقريرها «صدام حسين أبدى تفهمه لاغتيال يوسف السباعى».
تقول الجريدة: كانت هناك علاقة واضحة بين منظمات حكومية عراقية وجماعات فلسطينية متنوعة على رأسها جماعة «أبو نضال»، وكانت لهذه المنظمات مقار تدريبية داخل العراق، وحظيت برعاية مهمة من السفارات العراقية فى الخارج لسنوات طويلة.
قرر صدام حسين استضافة أبونضال فى بغداد، لكنه تخلص منه بعد ذلك، حيث أصدر أوامره إلى المخابرات العراقية لقتله، بعد أن ضيقت الولايات المتحدة عليه الخناق فى مجلس الأمن، وطالبته بتسليم أبونضال على خلفية اتهامه بالمشاركة فى عمليات إرهابية دولية.
لكن أين نجد مسئولية صدام حسين عن اغتيال يوسف السباعى؟
هنا تظهر لنا الوثيقة التى انفردت جريدة الصباح بنشرها، وهى تحمل رقم ١٩٧٨BAGHDA٠٠٧٢٨_d، ومرسلة من محطة بغداد إلى واشنطن فى ٥ أبريل ١٩٧٨ أى بعد ما يقرب من شهرين من اغتيال السباعى، وجاء فيها أن رأس النظام الرئيس صدام حسين صرح بتفهمه الأسباب التى دعت إلى عمليات الاغتيال الأخيرة، وأهمها اغتيال الكاتب والوزير المصرى يوسف السباعى فى قبرص من قبل جماعة أبو نضال.
ردد من قتلوا يوسف السباعى كلامًا كثيرًا عن خيانته القضية الفلسطينية، وعن ميله إلى إسرائيل، وأعتقد أن هذا لم يكن السبب الحقيقى، فقد أرادت الجماعات الفلسطينية المتطرفة إرهاب كل من يفكر فى الاقتراب من إسرائيل، ولم يكن يوسف السباعى فى الغالب إلا رأس الذئب الطائر، وكان قتله رسالة للآخرين.
الواقع يقول إن يوسف السباعى لم يكن بعيدًا أبدًا عن القضية الفلسطينية، وهو ما بدا فى أعماله الروائية.
فى كتابه «مصر فى قصص كتّابها المعاصرين» يستعرض محمد جبريل ما كان فى رواية يوسف السباعى «طريق العودة»، التى كتبها يوسف فى العام ١٩٥٦، وتبدأ أحداثها فى خريف ١٩٤٨ قبيل المعارك الحاسمة التى انتهت إليها عمليات القتال الأولى فى فلسطين.
بطل الرواية هو إبراهيم الضابط بسلاح المهندسين الذى لم يختلف إحساسه بالمشكلة الفلسطينية عما كان يحس به الكثير من المصريين، فهو يتابعها فى عناوين الصحف والأخبار والمقالات، ثم ينصرف عنها إلى مشكلات أخرى عامة وخاصة، لكنه يشارك فى الحرب وعندما يصل إلى أرض المعركة يدرك أنها حرب سياسية قبل أن تكون أى شىء آخر.
بطلة الرواية هى نهى، فتاة من نابلس فقدت ذويها أثناء اعتداءات العصابات الإرهابية الصهيونية، صادفها الضابط المصرى عبدالرحمن فى أحد معسكرات اللاجئين، وأعجبه فيها طيبتها وهدوءها، فسألها أن تعيش مع أسرته لتؤنس وحدة زوجته، وترعى معها شئون البيت والأولاد، وتعبر نهى عن موقف الفلسطينيين بقولها: كان معنا عصا وكان معهم مدفع، والمدفع يغلب العصا، وتضيف مؤكدة: إذا كان معى مدفع فلن أضل أبدًا، سيكون طريق العودة إلى بيتى واضحًا، وكانت نهى هى الهزة التى صحا بتأثيرها إبراهيم على حقيقة القضية الفلسطينية، إنه يحارب إسرائيل ليساعد الآلاف من الفلسطينيين ومن بينهم فتاته على العودة إلى بلادهم.
لم تكن هذه هى الرواية الوحيدة التى تناول فيها يوسف السباعى القضية الفلسطينية، بل فعل ذلك فى روايته «ابتسامة على شفتيه» التى أصدرها فى العام ١٩٧١.
ويشير عدد من الكتاب الذين تحاوروا مع السباعى إلى ما قدمه للقضية الفلسطينية.
يقول علاء الدين وحيد فى مقاله «عائدون وحدها لا تكفى»: ويموت يوسف السباعى فى جزيرة قبرص فى ١٨ فبراير ١٩٧٨ برصاصات فلسطينية إرهابية، والحجة أنه كان مع أنور السادات فى زيارته لإسرائيل فى العام السابق.
ويضيف: يوسف السباعى نفسه الذى يعد أكثر الأدباء العرب لا المصريين فحسب اهتمامًا بالقضية الفلسطينية، دفاعًا عنها ووقوفًا معها، فعل ذلك فى قصته وروايته ومقالته وأعد «عائدون» لتنتجه ماجدة فيلمًا سينمائيًا، ليس هذا فحسب، فإلى السباعى يرجع الفضل عن طريق إشرافه على منظمة التضامن الآسيوى الإفريقى إلى حصول منظمة التحرير الفلسطينية على عدة مكاسب عالمية، منها مقعد دائم للمنظمة بالسكرتارية الدائمة للمؤتمر، واعتراف الكثير من الدول حتى الاشتراكية منها بها، وكذلك، وهو ما يعرفه الكثيرون، كان السباعى هو الذى رتب أول دعوة لياسر عرفات لزيارة عاصمة إحدى القوتين العظميين فى العالم وهى موسكو.
وتقول الفنانة والكاتبة التشكيلية لوتس عبدالكريم التى شاركت فى فيلم الجزيرة الوثائقى، وكانت مقربة من يوسف السباعى وصديقة له: لم يترك يوسف السباعى بابًا يدافع فيه عن الفلسطينيين إلا وطرقه، صحيح أنه لم يخصص كتابًا من كتبه للدفاع عن القضية الفلسطينية بشكل كامل، لكنه كان دائمًا وأبدًا يشيد بالشعب الفلسطينى ويطلب له الخلاص.
ويقول الكاتب الصحفى مأمون غريب فى مقاله «كالأشجار مات واقفًا»: فى آخر لقاء رأيته فيه أجريت معه حوارًا صحفيًا، وكان هذا الحوار هو آخر الأحاديث التى أدلى بها الأديب الكبير للصحافة، وكان ذلك عقب مبادرة السلام التى قام بها الرئيس الراحل أنور السادات، ذهبت إليه فى الأهرام وكان كلامه عن المبادرة محددًا.
قال السباعى لمأمون: فى الجانب الآخر وقف الإخوة الأعزاء رفاق الأمس والغد يطلبون رءوسنا ويهدرون دمنا، لقد تعودنا منهم إهدار الدم بعد القبلات والمطالبة بالرأس بعد الأحضان، وإذا حفظ الله رءوسنا من الإطاحة فإنها ما زالت تنتظر القبلات، وإذا صان الله دمنا من الإهدار، فأذرعنا مفتوحة لعناقهم، حفظهم الله ممن أراد أن يطيح برءوسهم وأن يهدر دمهم، وفتح الله عيونهم على الحق لأنها قضية وطن وليست لعبة شطرنج، إنها قضية أولئك الذين أبصرناهم فى الأرض المقدسة يهتفون للرجل الشجاع لأنه أسمع العالم صوتهم، إن الشعب المصرى كجزء من الأمة العربية، يتحرك بكل الثقة والإصرار وهو واضح فى حركته فى طريق السلام العادل، ملتزم بالحق العربى فى أرضه المقدسة، وحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وإقامة دولته.
ويقول غريب: ما كنت أدرى أن رصاصات غادرة سوف تطيح بحياته عندما ذهب إلى قبرص فى مؤتمر يدعو للسلام، ولكنهم غدروا به بلا مبرر، وأشعلوا أغصان الزيتون نارًا، وقضوا على حياة إنسان محب للحياة والسلام، وظل طوال حياته يدافع عن القضية الفلسطينية، وأهمية أن يعود أهل فلسطين إلى بلادهم التى أخرجوا منها تحت تهديد السلاح وبمخططات الإرهاب الصهيونية وقدرات الاستعمار العالمى، ذهب الرجل ضحية لما كان ينادى به من السلام العادل.
فى زحام هذه التفاصيل أجدنى أبحث عن إجابة لسؤال أعتقد أنه مهم، فهل وقع اغتيال السباعى فجأة، أم أنه كانت هناك مقدمات لذلك؟
الإجابة يمكن أن نجدها بين سطور من كانوا معه، وتحدث بعضهم فى فيلم الجزيرة الوثائقى.
فمن بين ما أفصحوا عنه نعرف أنه كانت هناك تهديدات معلنة من بعض المنظمات الفلسطينية لجميع من رافقوا الرئيس السادات فى رحلته إلى إسرائيل، وهو ما جعلهم يترددون فى عقد مؤتمر منظمة التضامن الأفروآسيوى فى قبرص.
يقول محمد صبيح الذى كان أمينًا عامًا مساعدًا لجامعة الدول العربية: طلبنا أن يكون الاجتماع فى موسكو أو برلين، لأنه يمكن أن تكون هناك حماية أكبر، لكن لم تستجب هذه الدول، وحاولنا بكل السبل ألا نذهب إلى قبرص، لكن يوسف السباعى كان فارسًا، وقال لى: لا أريد أن يقولوا إن يوسف السباعى جبن ولا يريد أن يحضر.. سنذهب ونشارك.
ويقول نورى عبدالرازق السكرتير العام لمنظمة التضامن الأفروآسيوى: الأستاذ السباعى قبل السفر إلى قبرص أخبرنى بأن هناك تهديدات من بعض المنظمات الفلسطينية، وأنهم أعلنوا عن أنهم يستهدفون جميع الذين رافقوا الرئيس السادات فى رحلته بعمليات اغتيال.
ويضيف مرسى سعد الدين: سمعت بالفعل أن هناك قائمة اغتيالات، وكنت أنا ضمنها، لأننى كنت ضمن الوفد الذى ذهب مع الرئيس السادات إلى إسرائيل، وذهبت إلى القدس بعد ذلك ضمن اللجنة السياسية، وكنا نعرف أنهم يخططون لاغتيال من ذهبوا، وكان على رأس القائمة يوسف السباعى.
كان يوسف السباعى فيما يبدو مستهينًا بالتهديدات والإشارات التى استهدفته بالاغتيال، وهو ما يظهر من شهادة حسن شاش سفير مصر فى قبرص أثناء الحادث.
يقول شاش: اندهشت بشدة من عقد المؤتمر فى قبرص، لأنها فى هذا الوقت كانت مخترقة من جميع أجهزة المخابرات، الموساد والمخابرات الإنجليزية، وقبل أن يصل يوسف السباعى كان مع الرئيس السادات فى الولايات المتحدة، وحاولت أن أتحدث معه تليفونيًا، لكننى لم أجده، ورد على كمال بهاء مساعده وسألنى عن حالة الأمن فى قبرص، وعندما وصل السباعى كنت فى انتظاره فى مطار لارنكا، لاحظت أن وجهه شاحب وعليه آثار البرد والهزال، قلت له: ما الذى أتى بك وأنت مريض؟ فرد: أعمل إيه.. الشغل عايز كده.
يضيف شاش: قلت له لقد جئت لك بحارس الأمن الخاص بى حتى يكون معك، لأنى غير مطمئن لإجراءات الأمن فى الفندق، فقال لى: أمن إيه يا شيخ.. الحارس الله.
كان يوسف السباعى مؤمنًا بأنه ابن قدره، بل تنبأ بمصيره، فكل من كتبوا عن حادث اغتياله أشاروا إلى ما جاء فى روايته «طائر بين المحيطين» التى كتبها فى العام ١٩٧١ حيث كتب ضمن أحداثها على لسان بطله: ماذا سيكون تأثير الموت علىّ؟ وعلى الآخرين؟ لا شىء، ستنشر الصحافة نبأ موتى، كخبر مثير، ليس لأنى مت، بل لأن موتى سيقترن بحادثة مثيرة.
لم يكن السباعى يكتب عن نفسه، لكن الأقدار جعلته هو بطل روايته.. وكتبت له الموت فى حادثة مثيرة.
لم يكن اغتيال يوسف السباعى مجرد عملية اغتيال بسبب موقف سياسى، لكنها كانت كاشفة لعقلية عربية لا تستطيع أن تدرك حقيقة قضيتها، فقد سعت مصر إلى السلام من أجل الأرض والناس، لكن خصومها بضيق أفقهم أضاعوا الناس والأرض ولا يزالون يفعلون ذلك.
وقد يكون عزاء يوسف السباعى هو ما كتبه رفاقه الكبار، ففى نفس يوم استشهاده كتب توفيق الحكيم تحت عنوان «ارقد على صدر مصر».
يقول الحكيم: إنا لله وإنا إليه راجعون، وما تدرى نفس بأى أرض تموت، ولا على أية صورة تأتى المنية، وما كان أحد ممن عرف يوسف السباعى وقلبه المفعم بالحب لكل الناس يتوقع أن تخترق هذا القلب العطوف طلقة جائرة، ولكننا فى زمن تُخطف فيه الأرواح بغير ذنب، وتصدر فيه الأحكام بغير دفاع، ولقد آمن يوسف السباعى واطمأن، لأنه أيقن أن ضميره نقى لا تشوبه شائبة وأن نفسه بيضاء صافية، فمضى إلى حتفه بمرحه المعهود، وتفاؤله المشهود، غير مصدق أن فى الإمكان أن يكون له عدو يتربص له بالدمار، وما خطر قط له على بال أن مصر هى المقصودة بالتدمير، وأن المتربصين لها ولأبنائها البارين المخلصين كثيرون، لقد كان صدرك أيها العزيز علينا وعلى بلادك هو الموضع الذى استقرت فيه الرصاصة الموجهة إلى مصر التى ملأت فؤادك وصفحات كتاباتك.. ارقد أيها المصرى الشريف على صدر أمك مصر، بعد أن قمت بواجبك نحوها، ابنًا وإنسانًا وكاتبًا.

ويكتب إحسان عبدالقدوس: لا أستطيع أن أكتب عن يوسف السباعى وكأنه مات.
ويسأل: لماذا يوسف السباعى؟ إنه دائمًا صديق الجميع، صديق كل الاتجاهات والتنظيمات السياسية، وكان مقلًا فى كتاباته السياسية، فإذا كتب فهو لا يريق الدم ولا يحرض.
ويكتب يوسف إدريس: دقة خبر على التيكرز، طلقة فى منتصف الرأس، انتهاء ربع قرن من الزمان ونحن فى خلاف جذرى فى الرأى، والمذهل رغم هذا حب جذرى، علاقة غريبة على بنى البشر، لا يتصورها إنسان، ولكنها فعلًا واقع حى نعيشه ونتنفسه والناس من حولنا فى ذهول، فجيعتى الشخصية فيك مزدوجة يا يوسف، فالأمر أنى فقدت الصديق والحبيب، والأدهى أنى فقدت ند الرأى، بكائى عليك مزدوج، فأنا أبكى لا الإنسان فيك وإنما روح الإنسانية التى كانت تقطر كل مواقفك وعلاقاتك بلمسة الإنسان، مزدوج لأنى لن أكون صريحًا مع أحد مثل صراحتى معك، حادًا مع أحد مثل حدتى معك وحدتك معى، مدللًا مع أحد مثلما كنت تدللنى ككاتب وأدللك كإنسان، يا ربع قرن كامل من عمرى عشته فى عمرك، لقد كنت أؤثر يا يوسف أن تقول أنت رثائى، وأن أموت أنا على كتفك، لا أن أحملك أنا إلى اللحد الأخير على كتفى.
أما الرثاء الذى كان حزينًا ومفعمًا بالمشاعر فكتبه الكاتب الكبير عبدالرحمن الشرقاوى الذى كان يرافق السباعى فى قبرص، لكنه يوم اغتياله تأخر عن الخروج معه من الفندق لدقائق، ومن يعرف فلو خرج معه لكان إلى جواره شهيدًا.

كتب الشرقاوى فى ٢٤ فبراير ١٩٧٨ فى جريدة الأهرام تحت عنوان «حزن يوم الفرح»: كان يوم السبت يوم خشوع القلوب لله سبحانه وتعالى، فهو يوم ذكرى سيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الناس فى خشوع، والناس فى فرح، ولكن يد الغدر والإثم أبت إلا أن تقتلع الفرح من القلوب وتأبى إلا أن تصرف الناس عن الخشوع، يد الغدر والإثم تمتد فى يوم هو أعز الأيام على المسلمين لتقيم المأتم فى كل نفس، مسلمة وغير مسلمة، بكى الناس يوم الفرح، الاستشهاد هو أعظم ما يتوج حياة الفناء، الاستشهاد ذكرى فى الدنيا ومغفرة فى الآخرة، لكل أجل كتاب، جاء أجل يوسف السباعى يوم ذكرى سيدنا محمد عليه السلام، ذهب ليقتل رغم تحذير الأحباء والمخلصين، بكاه كل الناس.
ويهتف الشرقاوى: يا أبا حجاج.. هل ما زلت تشفق على إسماعيل ابنك لأنك عشت تخشى عليه من يوم موتك، لأنك بقيت سنة كاملة بعد وفاة أبيك محمد السباعى لا تصدق أنه رحل، وتتوقع أنه سيعود إليك رغم أنف عزرائيل أو نائب عزرائيل، فقد كان قدر إسماعيل يوسف السباعى أن يستقبل والده الذى سافر إلى نيقوسيا يوم الجمعة ١٧ فبراير ١٩٧٨، وتنطلق إلى قلبه رصاصات الغدر ليعود إلى القاهرة يوم الأحد ١٩ فبراير مسجى فى نعشه الأخير، ويجتر إسماعيل خوف أبيه من اللحظات التى كان يشفق عليه من مواجهتها.
ويضيف الشرقاوى: لم يكن الشارع المصرى ولا أحد من عارفى يوسف السباعى ولا هو نفسه، يتوقع أن تنطلق الرصاصات عليه من الذين أطلقوها، لم تكن قبرص التى اغتيل فيها هى قبرص «مكاريوس» صديقه، الذى كان قد رحل وحل مكانه رئيس آخر، وأكدت المصادر المختلفة أن الجريمة وقعت تحت أعين رجال الأمن القبارصة وأن أحدًا لم يتحرك، وقيل إن أحد رجال البوليس القبرصى كان يقف على مسافة أقل من عشرة أمتار.. وضاع دم يوسف السباعى.
الحقيقة أن دم يوسف السباعى لم يضع، فهو دم باقٍ وشاهد على جريمة متجددة، فهذا قدر الذين يعملون من أجل الحياة، لا يفهمهم أصحاب العقول المغلقة والقلوب المتحجرة، يحولون بينهم وبين ما يسعون إليه، دون أن يعرفوا أن محبى الحياة هم الخالدون، فما زلنا نذكر يوسف السباعى لكن لا أحد يعرف من قتلوه.
قوانين الحياة تشير إلى أن يوسف السباعى لم يكن أول من دفع حياته من أجل السلام، ولن يكون الأخير، وكأنى بقبره الذى دفن فيه لا يزال مفتوحًا.. فقد كتبت الأقدار على هذا القبر أن يظل مستعدًا لاستقبال من يدفعون حياتهم ثمنًا من أجل المبادئ.
لقطة تظهر بعض ضحايا الغارة المصرية على مطار لارنكا الدولى







