شفرة «GEN Z».. الاستغلال السياسى لجيل البراجماتية الكاملة
فى نهايات العام ٢٠١١ وجدنا أنفسنا فى مواجهة ما اعتبرناه جميعًا كارثة اجتماعية أخلاقية.
فتاة صغيرة أكملت عامها العشرين- من مواليد العام ١٩٩١- اسمها علياء المهدى، تنشر صورتها عارية على مدونتها الخاصة على موقع « بلوج سبوت»، التى أطلقت عليها اسم «مذكرات ثائرة عارية».
بدأ الجميع يفتش عن الفتاة التى كتبت على مدونتها أنها وضعت صورتها عارية على مدونتها لتعبر عن حريتها.
كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها أحد، بدأنا فى تفسير ما جرى وحمله على جناح السياسة.
فالذين يعارضون ثورة يناير قالوا إنها كانت تشارك فى الثورة، وتواجدت فى ميدان التحرير إلى جوار صديقها الذى كانت تعيش معه، وأن هذه الصورة التقطها لها بنفسه فى شقته- وهو ما أكدته ولم تتبرأ منه- وأخذوا من ذلك دليلًا على أن هؤلاء هم الذين شاركوا فى الثورة، عرايا وملحدون، وكانت علياء قد أكدت بالفعل أنها أصبحت ملحدة فى سن السادسة عشرة، وتركت بيت عائلتها لتعيش بمفردها بحثًا عن حريتها.
أما الذين كانوا يؤيدون الثورة وكل ما جاءت به، فقالوا إن علياء لم تكن منهم، وأصدرت حركة ٦ أبريل بيانًا رسميًا تبرأت منها، وقالت إنها لم تكن معهم فى أى وقت من الأوقات، وإن تصرفاتها شخصية تخصها وحدها.
عن طريق صديق مشترك، تواصلت مع صديق علياء المهدى، وكان اسمه «كريم عامر»، قدم نفسه كمدون، وأعلن هو الآخر عن إلحاده، طلبت منه أن أتحدث مع علياء.
كانت بالنسبة لى موضوعًا صحفيًا، ما فعلته دفعنى للبحث عنها لإجراء حوار معها، فلم يكن ما قالته على مدونتها مفسرة ومبررة تصرفها كافيًا أبدًا.
قال لى كريم إنه لا يملك الموافقة أو الرفض لإجراء حوار مع علياء، فهى شخصية مستقلة، والقرار لها وحدها، فهى التى تحدد ما تريده دون أى تدخل منه، حتى لو كان يستطيع أن يؤثر عليها، فإنه لن يفعل ذلك، فقد اتفقا على احترام قراراتهما واختياراتهما.
طلبت من كريم أن أتحدث مع علياء مباشرة.. فلم يمانع.
وبعد ساعة تحدثت معها، قالت كلامًا كثيرًا عما فعلته، ولما طلبت منها أن نحول هذا الكلام إلى حوار تقول فيه ما تشاء دون تدخل منى، قالت: «سورى.. أنا لا أثق فى الميديا التقليدية».
كانت هذه أول إشارة بالنسبة لى أن هناك جيلًا لا يهتم بما تنشره وسائل الإعلام التقليدية، الصحف والقنوات والإذاعات، فقد خلقوا لأنفسهم الوسائط التى يستطيعون من خلالها أن يتواصلوا مع المجتمع دون المرور على بوابات قد يقوم حراسها بغربلة وتنقية ما يقولونه.
أعتقد أننى من يومها وأنا أهتم بشكل كبير بهذا الجيل.
لا أفعل ذلك من باب الرغبة فى الوصاية عليه أو توجيهه أو تغيير أفكاره أو تعديل مساره، ولكن من أجل فهمه أكثر لمعرفة كيف يمكننا أن نتعامل معه.
بحسبة الزمن لا تنتمى علياء المهدى إلى جيل «Z»، ولكنها تنتمى إلى جيل «Y» الذى يسبقه.
أبناء جيل «Y» هم الذين ولدوا بين العامين ١٩٨١ و١٩٩٦.
أكبرهم الآن عمره ٤٥ عامًا.. وأصغرهم عمره ٣٠ عامًا.
أما أبناء جيل «Z» فهم الذين ولدوا بين العامين ١٩٩٧ و٢٠١٢.
أكبرهم عمره الآن ٢٩ عامًا.. وأصغرهم عمره ١٤ عامًا.
لأسباب معظمها قد يكون مجهولًا وملغزًا وملتبسًا تم دشت جيل «Y» الذى يُعرف أيضًا بجيل الألفية، ولن يكون غريبًا عندما تستمع ممن ينتمون لهذا الجيل أنهم مظلومون، فقد عبر عليهم المجتمع دون أن يلتفت إليهم، وذلك بعد أن أصبح الاهتمام الأكبر بجيل «Z» والنظر إليه على أنه الجيل الذى يمكن أن يكون صاحب التأثير الأكبر فى إعادة صياغة المعادلات المجتمعية فى السياسة والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية والدين والأخلاق.
يشعر جيل الألفية بأنه أصبح عجوزًا، رغم أنهم لا يزالون شبابًا، يقدرون على العمل والتغيير والتأثير، لكن يبدو أنهم استسلموا لشعور الشيخوخة المبكرة الذى يحاصرهم به المجتمع، فبدأوا يحاصرون أنفسهم به، وبدأوا ينسحبون تدريجيًا من المشهد لحساب جيل صنعته التكنولوجيا بشكل كامل.
لحق جيل الألفية بعصر انفجار التكنولوجيا، يجيدون التعامل مع الإنترنت والحواسب والتليفونات الذكية، لكنهم يعتبرون أنفسهم ليسوا أبناء أصلاء لعصر التكنولوجيا، بل يتحرجون وهم يقدمون أنفسهم على أنهم من نتاجه، فهناك ظلال ألقت بنفسها على شخصياتهم من أثر الوسائل التقليدية فى الإعلام والتواصل، ما يجعلهم أشبه بالجيل المسحور، فلا يراهم الجيل الذى سبقهم وهو جيل «X» وهم مواليد العامين ١٩٦٥ و١٩٨٠، ولا يعترف بهم جيل «Z».
السؤال الذى يجب أن نواجهه بوضوح وشجاعة هو: وهل نحن نعرف هذا الجيل «Z» الذى نتعامل معه طول الوقت على أنه جيل شيطانى؟
يتم توصيف جيل «Z» بأنه أول جيل رقمى أصيل، فأبناؤه جميعًا من مواليد الثورة الرقمية، وهو ما جعله يعيش فى عالم الإنترنت، ولا يتخيل أحدهم العالم دون إنترنت.
فى حديث جمعنى بفتاة من هذا الجيل، سألتنى: هل سيكون هناك إنترنت فى الجنة؟
لم أستغرب السؤال، لكننى أجبتها بما قالته الكتب المقدسة وكتب التراث عن الجنة، وأفضت فى شرح الآيات والأحاديث التى تصور الحياة فى الجنة، دون أن أبدى لها رأيى فى ذلك.
وجدت فتاة «Z» تستاء بشدة مما سمعته، وسألتنى ببراءة: وكيف تكون هذه جنة.. إنها جحيم دون إنترنت؟
وقبل أن ينتهى النقاش بينى وبينها، وجدتها تقول لى: أعتقد أن الله لا بد أن يفكر فى عمل «Update» للجنة، لأنها بهذه الصورة لن تكون مناسبة، فكيف يمكن لنا أن نعيش دون إنترنت.. ما الذى يمكن أن نفعله بكل هذا الوقت؟
بعيدًا عن الغرق الكامل فى عالم التكنولوجيا، فهذا الجيل وكما يرصده الباحثون يرفضون كل أشكال السلطة التقليدية، ويعلون من قدر معانى العدالة وقيم المواطنة، ويتميزون بالجرأة فى التعبير عن أنفسهم، لا يلتزمون بالأشكال التقليدية فى ترجمة مشاعرهم وطموحهم وتطلعاتهم، فهم أقرب إلى مواطنين عالميين، لا يلتزمون بالقوالب المتعارف عليها محليًا فيما يتعلق بمنظومة العادات والتقاليد.
يهتم أبناء جيل «z» بالسفر أكثر من أى شىء آخر، فقد منحتهم التكنولوجيا فرصة أكبر للتعرف على العالم من حولهم، وجعلتهم يكونون صداقات حول العالم، فهم لا يسافرون من أجل الأماكن فقط، ولكن للقاء أصدقائهم.
ولا ينشغل أبناء هذا الجيل بالسياسة، بل يميلون أكثر للتركيز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ويهتمون بالفرص العملية وتحقيق الاستقرار، لكنهم فى الوقت نفسه يطالبون بحقوقهم فى التعليم والصحة وفرص العمل، ما يمكننا اعتباره الأولوية القصوى لهم، فهم يريدون أن يعيشوا كما يريدون، وليس على المجتمع الذى يعيشون فيه «الأسرة- الدولة» إلا توفير ما يريدون، بصرف النظر عن كيفية توفير ذلك.. فالمهم لديهم أن يجدوا بين أيديهم ما يقررون أنه من حقهم.
هذا التوصيف لجيل «Z» رغم دقته، فإنه يظل جزءًا فقط مما عليه هذا الجيل، فمعايشته والحوار معه، تكشف لنا كثيرًا مما هو عليه، وأعتقد أننى بحكم الأبوة وعملى الجامعى وتفضيلى العمل مع الشباب، يمكننى أن أضيف بعضًا من الملامح لهذا الجيل، منها:
أولًا: هذا جيل يحمّل الآباء مسئولية وجوده فى الحياة، فلم يستشرهم أحد فى مسألة وجودهم من عدمه، ولم يكن لهم دور فى اختيار آبائهم ولا شكل الحياة التى يعيشونها، ولا مستوى أسرهم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى، وتأسيسًا عليه فلا بد أن توفر لهم أسرهم كل ما يريدون، ولا شأن لهم هل تستطيع هذه الأسر توفير ذلك أم يعجزون عن تمكينه منه.
فى الأجيال السابقة كنت ترى تمردًا وغضبًا من الأبناء على ما يعانونه فى الحياة، لكن لم يكن لدينا هذا التبجح فى تحميل الأسر كل شىء.
فى فيلم «٣٠ يوم فى السجن»، قدم ثلاثى أضواء المسرح سمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد اسكتشًا ساخرًا فى السجن، تقول كلماته: «لو كانوا سألونا قبل ما يولدونا، عارفين كنا نقول إيه؟ كنا نقول: اعتقونا، عشان يخلفونا فى العهد اللى إحنا فيه».
كنا نتعامل مع هذا الاسكتش على أنه ساخر وهزلى، ولم يتحول إلى ما يُشبه العقيدة، حتى جاء هذا الجيل الذى يعتبر الأسرة ليست مسئولة فقط، ولكنها مدانة، ولو تم سؤالهم قبل أن يولدوا لاختاروا عهدًا آخر ومجتمعًا آخر ليعيشوا فيه.
ثانيًا: هذا الجيل أيضًا يعتز بنفسه أكثر من الآخرين، يعتقد أن كل ما يقوله صحيح، وكل ما يفعله حق، يضيق بأى نقد، ولا يتحمل أى تصويب لما يفعله، لا يهتم بالنتائج، وهو لا يقبل التوجيه أو النصح، وتجده غاضبًا من الأوامر التى يعتبرها وصاية.
أعتقد أن هناك سمة اكتسبها هذا الجيل من تعامله مع التكنولوجيا، فقد اعتاد أن يعطى هو الأوامر للكمبيوتر أو التليفون الذكى، وهى أوامر يتم تنفيذها على الفور وفى لمح البصر، تكونت شخصياتهم بهذه الآلية، هم مَن يُصدرون الأوامر، ولذلك يكون من الصعب عليهم أن يتلقوا هم الأوامر، والأصعب أن نطلب منهم تنفيذها.
ثالثًا: يكتفى أبناء هذا الجيل ببذل الجهد، ويريدون تقديرًا كبيرًا على هذا الجهد، حتى لو لم يكن من ورائه عائد ملموس، فهم أدوا ما عليهم، وليس من شأنهم بعد ذلك أن تكون هناك نتيجة أو لا تكون.
كنت فى محاضرة لطلاب الفرقة الثالثة بكلية الإعلام، وطلبت منهم إعداد تقرير مصور، وقامت طالبة بعرض التقرير الذى بذلت جهدًا كبيرًا فى تنفيذه، وعندما انتهت توجهت إلى زملائها وطلبت منهم أن يقولوا رأيهم فيما شاهدوه.
قلت لهم: الآن.. أريد أن أسمع منكم ما الذى ينقص هذا التقرير؟
سمعت الطالبة التى كانت تقف خلفى تبكى، وتقول لى: حرام والله.. أنا لم أنم من ثلاثة أيام لأنتهى من هذا التقرير، وحضرتك تطلب منهم أن ينتقدوه.
حاولت أن أشرح لها أن نقد العمل الذى قامت به لا يمكن أن يكون انتقاصًا منه أو من مجهودها، فقد قدمت ما لديها، لكن النقد مهم لتحسين العمل، لكنها واصلت بكاءها الذى تحول إلى نحيب، وضاع كل ما قلته على الأرض، فقد رأت أنها بذلت جهدًا، ولا بد من تقديره وشكرها عليه، لا أن ننتقدها أو نتحدث عما فى عملها من عيوب.
رابعًا: يميل هذا الجيل إلى التفكيك الكامل والشامل والكلى لكل شىء، لا ينجو الدين منهم كما لا تنجو السياسة، لهم ذوقهم فيما يشاهدون من أفلام ومسلسلات، وما يقرأونه من كتب وروايات، ولهم وجهة نظر يمكننا أن نلخصها بأنه لا يعجبهم شىء.
يمكننا أن نستريح ونقول إن هذه هى سمة الشباب، فهم فى الغالب متمردون، وهذا صحيح، لكن يزيد على تمرد أبناء هذا الجيل أنهم تفكيكيون، وهو ما يشتركون فيه فى الجيل الذى سبقهم وشارك بفاعلية أكثر فى أحداث ٢٥ يناير، وهو الجيل الذى تنتمى إليه الثائرة العارية.
خلال أيام الثورة كان المنطق السائد لدى المتظاهرين الشباب هو أن يرحل مبارك.
وعندما كنا نسألهم: وماذا بعد مبارك وسقوط نظامه؟
كانوا يسارعون بالإجابة: مش مهم.. يرحل أولًا وبعد ذلك نرى ما سيكون.
لقد اعتادوا أن يفككوا أى منظومة أمامهم، لكن ما الذى يمكن أن يقوموا به بعد هذا التفكيك فهو ليس مهمًا، مع أن المنطق يقول إنه لا بد أن تعرف الطريق إلى الخروج قبل أن تعرف الطريق إلى الدخول، ولا بد أن يكون لديك تصور عن إعادة تركيب ما تقوم بتفكيكه، لكن شيئًا من هذا فيما يبدو لا يهتم به هذا الجيل.
خامسًا: يغلب على هذا الجيل الانتماء العالمى، ستجدهم على علم واطلاع بكل ما يدور فى العالم من حولهم، لكنهم ليسوا على هذه الدرجة فيما يتعلق بشئون مجتمعهم المحلى، ما يجعل انتماءهم إلى بلدانهم محل نظر ونقاش من المفروض أن يكون جادًا جدًا.
لا يملك هذا الجيل فيما أرى رؤية فى العمل السياسى ولا فى مستقبله هو داخل دولته، كل ما يهمه أن يتعلم بشكل جيد، وأن يتلقى رعاية صحية، وأن يحصل على فرصة عمل مناسبة يعيش من خلالها بالشكل الذى يريده دون أن يتنازل عن شىء حتى ولو صغيرًا، وليس لديه تصور عن بذله للجهد الذى تستلزمه هذه الفرصة.
وأعتقد أن هذه هى الثغرة التى تخطط الجماعات المناهضة للدولة للدخول من خلالها إلى هذا الجيل لتطويعه وتثويره ضد الأنظمة، ورأينا ما حدث فى المغرب من شهور وفى تونس وفى بلدان أخرى، وهم عندما يفعلون ذلك يعظمون هذا الجيل وينفخون فيه، وذلك للتغرير به لجعله أداة سياسية يحققون من خلالها أهدافهم.. ولا يخفى على أحد أن جماعة الإخوان بدأت هذه اللعبة بخبث شديد مع هذا الجيل.
رهانى أن هذا الجيل لن يستجيب لاستخدامه سياسيًا، فهو فى الأساس ليس مهتمًا بالسياسة، لكن يجب ألا نتهاون مع محاولات استقطابه، لأننا يمكن أن نجد أنفسنا فى مواجهة قنبلة مدمرة لا نقدر على مواجهتها أو علاج تأثيرها المدمر المتوقع.
إننى أحذر من اختراق هذا الجيل، وأعتقد أننا لا بد أن نعمل بشكل علمى وواقعى على احتوائه، حتى لا نجده خصمًا لنا، وهو خصم لا يستهان به.
وإذا سألتنى ما الذى يجب أن نفعله مع أبناء هذا الجيل؟
سأقول لك: لن نخترع العجلة، فلا بد أن تقوم مؤسسات الدولة بدورها الحقيقى فى احتواء هؤلاء الشباب والتجاوب معهم بناء على تكوينهم، ليس بالشو وأخذ اللقطة والبيانات الإنشائية والتصريحات الهلامية.. ولكن بالعمل الجاد لاستيعاب طاقات هؤلاء الشباب.. لا بد أن نلتفت أكثر إلى التعليم وإلى الرعاية الصحية وتوفير فرص عمل مناسبة لهم.
هل الدولة قادرة على ذلك؟
أنا على ثقة أنها قادرة، لا أشك فى هذا مطلقًا، لكن بشرط أن نبدأ العمل بشكل صحيح.. وليس على طريقة هذا الجيل فى أن نبذل جهدًا دون مراعاة ما سنحصل عليه من نتائج.
وإذا كانت لدىّ كلمة أخيرة، فهى أننا يجب أن نستيقظ قبل أن يفوت الأوان.







