هامنت.. الفنُ خلاص الأرواح المُعذَّبة
- محاورة مع «شات جى بى تى» ورؤية هجينة تبحث فى رمزية وجماليات فيلم «هامنت»
- «هامنت» فيلم يذكّرنا بأن العبقرية قد تكون محاولة نجاة والفن ليس استعراضًا بل مقاومة للمحو
- كيف نحيا بعد أن يموت من نحب؟ .. شكسبير يجيب بالكتابة بتحويل الفقد إلى نص
- أداء بطلة الفيلم «جيسى باكلى» يمنح العمل الفنى عمقه الإنسانى ويصنع رابطًا عاطفيًا قويًا مع الجمهور
أبكتنى أجنِس «جيسى باكلى» مرتين بقوة الانجذاب والتأثر، بسطوة التماهى وسقوط جدار الوهم الفنى بينى وبين الشاشة. فى المرة الأولى شاهدتُ فيلم «هامنت» برفقة صديقة، جالسًا بهدوء وصمت تابعتُ هذا العصف الإبداعى، المأساة التى تتقطر فى دمى مشهدًا بعد آخر، الجمال القادم من جحيم الفقد. قاومتُ دموعى بخجل القروى أمام صديقة تجهل ميراث الصعيد الثقيل، فيما كنتُ أسألنى فى صمت: ألا تزال لدىّ قدرة على البكاء؟ ألم أهدر مياه دموعى كلها أمام خسارات فادحة ومشابهة فى هذه الحياة؟
هكذا ضبطتنى طفلًا صغيرًا يبكى أمام فيلم، مصدقًا ما يرى وما يسمع، جاهلًا بأدوات السينما المخادعة ومهارات الأداء والتقمص. أى امرأة أنتِ يا «أجنِس» لتغسلى روحى من غبار العمر، وتعيديننى إلى بكائيات الطفولة والوهم العذب؟ أى فنانة أنتِ يا «جيسى باكلى» لتتجسدى سؤالًا وجوديًا يضرب قلبى بسوط الوجع الأبدى، كاشفة عن هشاشتنا وإنسانيتنا المعذبة لحظة يختطف الموت من نحب.
فى المرة الثانية كانت مشاهدتى الفيلم اختيارًا واختبارًا. كنت واعيًا بما جرى لى من قبل، ذلك الوعى الذى توهمته منقذًا، غير أننى وبسحر غامر سقطتُ مسروقًا، ومأخوذًا وباكيًا، ولأننى بلا رفقة هذه المرة، تركتُ للطفل فى روحى أن ينتحب بصوت خفيض، مربوطًا فى سقف الحنين إلى كل من أحببتهم ورحلوا فى قطارات الغياب الأبدى.
ما الذى يخلقه فينا الفن الجميل؟ ما الذى تمدنا به القصيدة، الرواية، الفيلم، اللوحة، النغمة، وكل إبداع حقيقى صانع للتوتر والتأمل والاستفهام؟ أليست قصة الإنسان منذ البدء مع الفن هى سيرته مع السؤال والنجاة والقلق الوجودى، بحثًا عن ملاذ وتأويل لخوفه وغموض عالمه وعذابات روحه فى مواجهة المستتر والمبهم داخله وحوله، فوقه وتحته؟
ما الذى أفعله إذًا الآن وأنا ضحية فيلم واحد وصاحب بكائيتيْن فى أسبوع واحد؟ ليس من حل سوى الهروب إلى «جميلة»، الشخصية الافتراضية التى أنشأتها بالتخصيص عبر «شات جى بى تى». استدعيتها بلقب الناقدة السينمائية والأدبية المحترفة، هندستُ دورها ووجهتُ معارفها بمدخلات واضحة وسياقات محددة ووافية. حاورتها عن الرواية والفيلم، المعنى والرمز، عن الوهم الفنى والانغماس التام، عن المتشابه والمتخيل، التاريخى والواقعى، وروح الأدب والفن، عن الخلود باللغة، ومقاومة المحو بالفن، عن حضور الأسطورة وغياب الطمأنينة. لم تكن محاورة بقدر ما كانت لعبة ذهنية ولغوية وتوليدية، قاطعتها مرارًا بأسئلة عن أسئلة، وبإجابات عن التباسات، وصححتُ لها ما قالته خطأ وهلوسة. مؤكدًا عليها توليد الإجابة لا استعارتها، وباحثًا عن تأويلاتها الأصيلة وجدتنى أمام نص توليدى تم بناؤه بأسئلة قصدية، وتحريره برؤية تستهدف مقالًا هجينًا يجمع وعى البشرى وأسئلته، وإجابات النموذج اللغوى الكبير وأنماطه التعبيرية، وها هو بين أيديكم النص الذى ولد عبر «شات جى بى تى» فى ليلة أضاءت فيها الجميلة «أجنِس» القلب والوقت بدموع تشبه دموع الملائكة، لو أن الملائكة تبكى:

الخلود عبر اللغة
يذكّرنا فيلم «Hamnet/ هامنت» بأن العبقرية قد تكون، فى جذورها، محاولة نجاة. وأن الفن، فى أعمق طبقاته، ليس استعراضًا، بل مقاومة للمحو. بين الشجرة والخشبة، بين الحرف الناقص والكلمة الخالدة، يتكوّن جسر رفيع اسمه الحب. وعلى هذا الجسر يمشى الفيلم، ببطء وتأمل، ليقول إن ما يُدفن فى التراب قد يجد طريقه إلى الخلود عبر اللغة.
فى رواية «هامنت» للكاتبة الإيرلندية «ماجى أوفاريل» لا نقرأ إعادة سرد لسيرة وليم شكسبير، بل نشهد تشريحًا رقيقًا للجرح الذى سبق المجد. العمل لا ينشغل بالعبقرية بوصفها إنجازًا، بل بوصفها أثرًا لاحقًا لفقد شخصى عميق.
فى روايتها تنطلق أوفاريل من حقيقة تاريخية بسيطة.. شكسبير كان له ابن اسمه «هامنت»، توفى صغيرًا. ومن هذا التفصيل المقتضب، تبنى أوفاريل كونًا كاملًا من الحدس والأسطورة واللغة. الاسم نفسه يصبح لغزًا، فهناك حرف واحد يفصل بين اسم الابن وعنوان المسرحية «هامنت/ هاملت»، حرف يفصل بين الجسد الذى غاب والنص الذى بَقِى. هذا الحرف ليس تفصيلًا لغويًا؛ إنه فجوة وجودية، مقبرة صغيرة محفورة داخل كلمة.
فى إنجلترا القرن السادس عشر، لم يكن ثمة فصل صارم بين الاسمين؛ كانا يُستعملان أحيانًا بالتبادل. لكن الرواية تمنح هذا التشابه وزنًا رمزيًا هائلًا. حين يكتب الأب مسرحية «هاملت»، هل يكتب عن أمير دنماركى فحسب، أم يكتب مرثية مستترة لطفل رحل؟ هل كان النص محاولة واعية للخلود، أم فعل نجاة غير محسوب من هاوية الحزن؟
اللغة هنا ليست أداة تعبير باردة، بل طقس استحضار. كل جملة فى المسرحية تبدو وكأنها محاولة لإبقاء الصوت حيًا، لإعطاء الاسم جسدًا آخر. فى هذا المعنى، يصبح الفن ضربًا من القيامة اليومية: ما يموت فى البيت يعود على الخشبة، وما يُدفن فى التراب يُبعث فى الكلمة.

أجنس كاهنة الطبيعة
فى قلب الفيلم تقف أجنِس، كإعادة تخييل لزوجة شكسبير الحقيقية. وتاريخيًا، كان اسمها «آن هاثاواى»، لكن فى الوثائق القديمة «عصر الملكة إليزابيث الأولى ١٥٥٨/١٦٠٣» ظهر اسم أجنِس أيضًا بصيغة «Agnes» فى بعض السجلات. هذا الاختلاف التاريخى فى كتابة الاسم هو ما استندت إليه الرواية والفيلم عندما اختارا إعادة تخيّل شخصية زوجة شكسبير باسم «أجنِس»، ما يمنح العمل بعدًا أدبيًا مستلهمًا من الواقع التاريخى.
فى الفيلم يعاد تخيل زوجة شكسبير بملامح أسطورية عبر الممثلة والمغنية الأيرلندية «جيسى باكلى»، صاحبة الأدوار المركبة والدرامية، حيث تحول الشخصيات إلى كيانات حية، وعلى المستوى العاطفى، يخلق أداؤها رابطًا عاطفيًا قويًا مع الجمهور يصل حد التورط فى حبها كرمز ساحر لامرأة تضىء روحها فى عتمة الحزن، امرأة تتألق فى بكائها، ويصبح حضورها فى أى مشهد مركز الجاذبية.
فى المقابل يجسد الممثل الأيرلندى «بول ميسكال» شخصية شكسبير. ولا يقدّم «ميسكال» صورة شكسبير العبقرى، بل يقدمه بوصفه أبًا وزوجًا يواجه الفقد، إنسانًا عاديًا تتشقق روحه قبل أن تتجلى مأساته عبر الأدب. .

ذاكرة الطبيعة
الزوجة «أجنِس» فى الفيلم ليست زوجة عبقرى «شكسبير؛ بقدر ما هى كيان مستقل، ممتد إلى الأرض، قارئ للنبضات والرياح والأعشاب. المؤلفة أوفاريل ترسمها كامرأة تعرف العالم بحواسها، لا بالكتب. تقرأ المرض قبل أن يُرى، وتشعر بالخطر قبل أن يُسمّى. إنها أقرب إلى كاهنة وثنية، إلى أم كونية تحمل فى جسدها ذاكرة الطبيعة.
علاقتها بابنها ليست مجرد رابطة أمومة؛ إنها وحدة عضوية، كأنهما جذر واحد انشق إلى فرعين. حين يدخل الطاعون البيت، لا يبدو حدثًا صحيًا وطبيًا فحسب، بل قوة كونية تعيد ترتيب المصائر. تحاول «أجنِس» أن توقف الزمن بيديها، أن تؤجل النهاية، أن تعيد التوازن إلى عالم اختلّ. لكن الموت، كريح لا تُرى، يسبقها بخطوة.
فى هذا السياق، تبدو «أجنِس» قريبة من أمهات الأساطير: ديميتر التى تبحث عن ابنتها فى الفصول، أو إيزيس التى تجمع أشلاء أوزيريس لتعيد تشكيل الجسد. الفقد عندها ليست حادثة، بل شقّ فى نسيج الكون. ومع ذلك، لا تنهار فى صخب؛ تنغمس فى الصمت، فى الحقول، فى العشب. الطبيعة تصبح ملاذًا ومرآة، وتتحول الأم إلى امتداد للأرض نفسها.
على الضفة الأخرى يقف الأب «شكسبير»، ليس كرمز ثقافى، بل كرجل مرتبك أمام كارثة شخصية. بينما تغوص «أجنِس» فى الحقول، يلوذ هو بالمدينة؛ بينما تواجه هى الموت بالصمت، يواجهه هو بالكلمات. قد يبدو هذا هروبًا، لكن الفيلم يُعيد تعريفه بوصفه شكلًا آخر من أشكال البقاء.
المسرح بالنسبة إليه ليس ترفًا، بل مختبر للألم. السؤال الشهير «أن نكون أو لا نكون» لا يخرج هنا من تأمل فلسفى بارد، بل من قلب فقد طفلًا. كيف يُستأنف الوجود بعد غيابٍ لا يُحتمل؟ كيف يُعاد ترتيب المعنى حين يتداعى البيت؟
الكتابة، فى هذا المنظور، ليست تعويضًا، بل محاولة لتشكيل فوضى الحزن فى هيئة يمكن احتمالها. النص ليس إنكارًا للموت، بل طريقة لحمله. وهكذا يصبح المسرح فضاءً يختبر فيه الأب حدود الفقد، ويعيد تمثيل ما لا يمكن احتماله فى الحياة اليومية.

مركز الدائرة الصامت
«هامنت» ليس شخصية كثيرة الكلام فى الرواية، لكنه المحرك الرئيس. وجوده يملأ البيت، وموته يفرغه. ومع ذلك، لا يختفى الطفل تمامًا. يتحول إلى حضور شبحِى، ليس بالمعنى المرعب، بل بالمعنى الوجدانى. كما يظهر شبح الأب فى مسرحية «هاملت»، يظهر الابن فى الرواية كشبح فنى يلاحق الأب، يحفّز الكتابة، يملأ الكلمات بصدى غير مرئى. الانعكاس هنا بليغ: فى المسرحية، الابن يطارد ذكرى الأب؛ فى الرواية، الأب يطارد ذكرى الابن.
ومن أجمل ما تبنيه الرواية تلك الثنائية بين الطبيعة والمسرح. أجنِس تنتمى إلى الحقول، إلى الأشجار والرياح، إلى الدورات الموسمية التى لا تتوقف. شكسبير ينتمى إلى الخشبة، إلى الضوء الصناعى، إلى الجمهور. يبدو العالمان متباعدين: عالم صامت عضوى، وعالم صاخب مصنوع.
لكن فى المشهد الأخير، حين تدخل أجنِس المسرح وتشاهد العرض، يحدث الامتزاج. الخشبة تتحول إلى أرض ثانية، والمسرحية إلى موسم يتكرر. الممثل الشاب الذى يؤدى دور هاملت يلمع للحظة فى عينيها كأنه ابنها. لا لأن الوهم يسيطر عليها، بل لأن الفن يمتلك قدرة على إعادة تشكيل الحضور.
هنا نكتشف أن المسرح ليس عكس الطبيعة، بل صورتها الأخرى. كما تنبت الشجرة كل ربيع، يُبعث الطفل كل ليلة عرض. الفن لا ينكر الموت، بل يعيد صياغته فى دورة جديدة. الطبيعة تمنح الحياة والموت، والمسرح يمنحهما معنى.

اعتراف بلا كلمات
حين تقف «أجنِس» أمام خشبة المسرح، تعكس ملامحها غضبًا صامتًا. تظن أن زوجها حوّل الفقد إلى مادة فنية، وأنه خان الحزن بتحويله إلى عرض. لكن مع تقدم المشاهد، يتغير شىء عميق. تدرك أن النص ليس استغلالاً، بل اعتراف. أن المسرحية ليست سرقة لذكرى الطفل، بل محاولة لحفظها.
تكتشف أن زوجها لم ينسَ؛ بل لم يعرف كيف يعيش إلا وهو يستحضره. الفن هنا يصبح خلاصًا للروح المعذبة، واعتذارًا طويلًا، غير منطوق. خلال ذلك لا تتبادل «أجنِس» الكلمات مع «شكسبير»، لكن يحدث تصالح صامت بين طريقتين لفهم العالم: الحدس واللغة، الأرض والمسرح، الصمت والكلام. ليس ثمة منتصر؛ ثمة تعانق.
ورغم أنها ليست كاتبة أو أديبة، إلا أن «أجنِس» تكتب بطريقتها. حين تعيد ترتيب الأعشاب، حين تحفظ أسماء النباتات، حين تصمت وتستدعى الذاكرة، تمارس كتابة جسدية. هى نص موازٍ لنص الزوج. هو يكتب على الورق، وهى تكتب فى الذاكرة وفى الجسد.
المخرجة «كلوى تشاو: تنتمى فنيًا إلى تقاطع ثقافتين، إذ وُلدت فى الصين واستكملت مسيرتها فى الولايات المتحدة، ما منح رؤيتها بعدًا إنسانيًا عابرًا للحدود. حازت جائزة الأوسكار عام ٢٠٢١ عن فيلم «أرض الرُحّل». يتسم أسلوبها بمزج دقيق بين الواقعية والشاعرية، وتركّز على الإنسان الهامشى، على الوجوه الصامتة والتفاصيل الصغيرة، وتمنحها مساحة للتنفس داخل كادرات واسعة مفتوحة على الطبيعة.
فى فيلم «هامنت»، الزمن نفسه يبدو كأنه يتنفس مع الشخصيات، آخر القرن السادس عشر يحمل معه عبق الحزن والخسارة. الفيلم ينجح فى جعل مأساة العائلة ملموسة، كل نظرة وكل صمت يحمل ثقلاً عاطفيًا، لكن أحيانًا التركيز على اللحظات الرمزية يبطئ السرد، وتختفى بعض الشخصيات الثانوية فى الظل مقارنة بالبطلين. المشاهد الموسيقية والبصرية، رغم جمالها، تميل أحيانًا للمبالغة، ما يبعدنا عن إحساس الواقعية اليومى. ومع ذلك، هذا التوتر بين الشعرية والواقعية يمنح الفيلم طابعًا فريدًا؛ رحلة وجدانية بين الحزن والجمال، تجعلنا نشعر بأن كل لحظة خسارة ليست مجرد حدث، بل تجربة إنسانية عميقة تتردد صداها بعد أن يغطى الظلام الشاشة.
أخيرًا، «هامنت» ليست قصة عن الطاعون الذى خطف الابن، ولا عن عبقرية شكسبير. إنها قصة سؤال بسيط وقاسٍ: كيف نحيا بعد أن يموت من نحب؟ الأم تجيب بالاتصال بالأرض، بالانغماس فى دورة الطبيعة. الأب يجيب بالكتابة، بتحويل الفقد إلى نص أدبى. هكذا يتحول الخاص إلى كونى، والجرح الشخصى إلى إبداع خالد. ليس لأن الألم جميل، بل لأن الإنسان لا يملك سوى أن يحوّل خسارته إلى معنى.