فاكهة المجالس.. عزت الطيرى.. عُمر من الشِعر والضحك
- أسس مع رفيـق دربه الشاعرعبدالستار سليم جماعة النيل الأدبية
بعد بلـوغ دواوينـه ٢٢ مجموعـة شعريـة، فضـلًا عن صـدور أعمالـه الكاملة، عن الهيئـة العامـة لقصـور الثقافة فى ثلاثة أجزاء، ضمت ١٦ مجموعة شعرية، يكون الشاعر عزت الطيرى قد بلغ من الإبداع عِتيًا.
فعزت الطيـرى الذى أسس منهجًــا شعريًــا متفــردًا، يمـزج فيــه بين الرومـانسيـة والفكاهة، وتميزت قصائده بالبساطة والسلاسة، لم يبرح الجنوب، حتى عندما حلم بالهجـرة، وعبر عن ذلك فى قصيــدة حواريـة، تنـم عن الأصالـة والانتماء للجذور قال فيها:

«تسافر نحو الشمال؟
ـ أسافر.
أسافر نحو الحنين/ ونحو الفتون/ ونحو الغروب
فشمس الجنوب
تتوج أوجهنا بالسواد».
إلا أنه فى النهاية عدل عن ذلك، واختار أن يظل فى الجنوب..
«تسافر نحو الشمال
ـ أسافر.
لكن لى وردة فى الجنوب/ وأغنية من زمان الطفولة
لما تزل
فوق دنيا فمى».
فمِن خلال مسقط رأسـه بنجع قطيـة بنجـع حمادى، استطاع عزت الطيرى أن يطيّر قصائده كالعصافير، لتزقزق فى سمـاء الوطن، واستطـاع «كما يقـول الشاعر ناجى عبداللطيف»، أن يكتب اسمـه بحـروف من نـور.
عـزت الطيـرى يعـد من أهم شعراء مصر المعاصرين، وهـو «الكلام للشـاعر ناجى عبداللطيف» مهتم بأشياء كالحال والبوح والتناص الشعرى والمعادل الموضوعى والمنولوج الداخلى، والسرد القصصى والحكاية الشعرية، على لسانه وعلى لسـان الآخــر، ليفسح لتجربتـه الشعريـة مناخًـا مناسبـًـا، يثـرى من خلالــه حركـة الشعر المعاصرة، ويُكسِب قصيدته مذاقًا وطعمًا يخصه هو، يسجله كعلامة مسجلة تمنحه تلك الخصوصية والذاتية، والتفرد بين أبناء جيله ومعاصريه.
تخـرج الشـاعر محمد عزت عبدالحافظ الطيرى فى كلية الزراعة، وعمل بالتدريس فى مدرسة نجع حمادى الثانوية الزراعية.
تميـز الشـاعـر عـزت الطيـرى بالروح المرحـة، حتى إنــه فى المؤتمــرات وأثنــاء الاستراحة بين فقـرات المؤتمر، كان يلتف حوله رواد المؤتمر، ســواء على مقهى أو فى مكــان محيـط بقـاعـة المؤتمــر، ليستمتعــوا بنكاتـه التى كان يلقيها، وكانت معظمهـا من تأليفـه، فقد بــرع أيضـًا بجانب الشعر فى تأليف النكات، وكان ذلك يوفــر على منسقى المؤتمر، سهولة البحث عن الشعراء وجمعهم لحضـور أمسيـة أو جلســة بحثيــة، فحيث يوجــد الشاعر عزت الطيرى، يوجـد رواد المؤتمر، فهو بحق فاكهة المجالس ومضحكها.
وتتجسـد روحـه المرحة فى العديد من قصائده، وتتجلى روحه الساخرة فى قصيدة القطط..
«قطان صغيران ينامان على عشب الريح/ ويلتحفان الجو/ لمحا فى التو
القطة تمشى/ فوق حرير الليل/ وتهمس بغناء أو/ بمواء/ أو
قال القط الأول/ يا حلوة لو/ تعطينى بعضًا من ودك/ بعضًا من حبك
بعضًا من مشمش خدك/ بعضًا من بعض حنانك لو
فأنا أهواك
فأنت القمر الأشقر/ إن أسرف فى الضو
قالت فى فزع قططى/ نو/ نو/ نو
أأنا أهواك/ أنا أهوى الكلب ولا أهواك؟!
فقال القط الثانى فرحًا: هو هو هو».
ولا يمكن أن نذكـر قصيدتـه الساخـرة «القطط»، ولا نذكر قصيدته الأشهر «عبدالقادر»، الشاهدة على خفة ظله..
«نم يا عبدالقادر
قال أبوه الكاظم للغيظ/ والمكتظ بوجد فائر/ فى ليل خميس شاعر
نم يا عبدالقادر
قالتها الأم/ بتحنانٍ/ وحنانٍ/ واستجداء ساحر
نم يا عبدالقادر
قال الطفل المستنشقُ فوح بخورٍ/ وعطورٍ/ ونداءٍ دائر/ يا ياساااااااااااتر/ يا ساترْ
ولماذا سأطالبُ/ فى هذى الليلةِ
بالنوم الباكر؟
ولماذا دخن بابا ما دخنَ/ واستلقى قلقًا
كى يهمس همس الأفلام لأمى
إذ تضحك خجلًا/ وتفك ضفائرَ تنثال وتهمى
كالغيم الماطر؟!
ولماذا أمى/ لبست ثوبًا/ أو قل لا ثوبَ؟
فلا أكمامَ/ ولا ظهرَ/ ولا ذيلَ/ سوى من بعض
خيوطٍ لحريرٍ خائر
ولماذا/ ولماذا؟ّ!
ظل الطفل الماهرُ/ يتميز صحوًا/ حتى غلب النوم الأبوين/ فناما/ فابتسم الطفل الماكر/ الآن سآوى للنوم
وشد غطاءً/ واستسلم للحُلُمِ العابر.
وفى ومضة شعرية يقول الطيرى:
قالت يا عَزت «بفتح العين»
قلت يا عِزت «بكسر العين»
قالت أخشى أن أكسر عينك!
يعـزز الشاعـر عزت الطيرى فى هـذه الومضة قـدر المحـب عنـد حبيبه، وربما من خلال هذه الومضة، يريد الشاعر أن يعلن عن قيمة الإنسان، ويرفع من شأنه.
فالعـاشق المحب عنـد الشــاعر عزت الطيـرى، ليس كمــا صــوره الشعراء بالذليل الطيـرى ترصـد الجمـال، وتحــول القُبح إلى حُسن، ويتضح ذلك فى قصيـدتـه عن العاشق التى يقول فيها..
العاشق..
ظن الصحـراء حديقـة/ ظن العاقــول الفـل/ وظن سـراب الصحراء الماء/ فمضى لسراب حديقته/ واحتضن العاقول/ وغنى لبياض الفل.
لا يقيّم الشاعر بالشهادات ولا بالجوائز، ولا بالمؤتمرات التى شارك فيها، فإذا كان على التقديرات التى حصل عليهـا الشاعر عزت الطيرى تتويجًا لمسيرته، فتاريخـه حافــل بالتقديـرات، ولكن يظــل التقديــر الأكبـر فى أنــه عندما تَذكر الطيرى، تُذكر أعمالـه «دع لى سلـوى، عـد لنــا يا زمـان القمـر، وسـرب العصافيـر يسـأل عنـك فاطمـة، السفـر إلى الشمـال»، وغيرهــا من أعمالــه الشعريــة العديــدة، التى تعد علامـات.
فالعبـرة هنـا ليس بعـدد الشهـادات أو الجـوائز، ولكن العبــرة بمـا استقر فى ذاكرة القارئ من إبداع الشاعـر، وذاكرة القـارئ حافظــة لإبـداع الطيــرى، الـذى ما زالت قصائـده تزقزق على شجرتـه الشعريـة، ما دامت فى الشعر بقية.
يذكـر أن الشـاعـر عـزت الطيـرى، أسس مع رفيـق دربه، الشاعر عبدالستار سليم جماعة النيل الأدبية، التى كان لهـا دورها الفعال فى تنشيط الحركة الأدبية فى نجع حمادى بصفة خاصة، وفى الجنوب بصفة عامة.







