مقبرة الأفكار.. لماذا أصبح الكتاب المصرى ابن موت؟
- لا نجد الآن كتابًا واحدًا يمكن أن يعيش لأكثر من عام
- أصحاب هذه الكتب العابرة يزاحمون أصحاب الكتب الجادة
تشغلنى الكتب منذ سنوات بعيدة.
بينى وبينها علاقة خاصة، نسجتها حالة شغف مبكرة، كنت أقف أمام بائع الصحف على كوبرى «الزرقا» متلهفًا، وراغبًا فى اقتناء كل ما لديه، لكن كان ضيق ذات اليد يمكننى من شراء كتاب واحد بين الحين والآخر، فلم يكن متاحًا لى أن أشترى كل ما أريده، ما جعلنى فى مرحلة لاحقة أقتنى كل الكتب التى فاتنى شراؤها فى وقتها.
بعد سنوات، وعندما أصبحت طالبًا فى مدرسة «إمام ناصف الثانوية»، وأصبحت أتردد على مكتبة بيت الثقافة، وجدت نفسى أمام كنز من الكتب، كنت كل أسبوع أستعير ثلاثة كتب مرة واحدة، أنتهى من قراءتها لأستعير غيرها، وخلال سنوات الثانوية الثلاث قرأت تقريبًا معظم المكتبة، أدب وتاريخ وسياسة وفكر ودين، وكل ما تتخيله أو لا تتخيله.
عندى أصدقاء من الكتب عاشوا معى سنوات عمرى.
قرأت كتاب خالد محمد خالد «أفكار فى القمة» وأنا فى الثانية عشرة من عمرى، فقررت أن يكون رفيقى، وما زلت أحتفظ به، يتنقل معى من مكتبة إلى مكتبة، ومن بيت إلى بيت، ومن مكتب عمل إلى مكتب عمل، أجعله قريبًا منى ولا أستغنى عنه.
وقرأت له كتابه «محمد والمسيح.. معًا على الطريق» ومن شدة حبى له، قررت أن أقتنى كل طبعاته، وأعتقد أن جميعها لدىّ، رغم أن الطبعات واحدة، لا إضافة جديدة ولا حذف ولا تعديل، ومن حبى له لا أفرط فى أى طبعة من طبعاته لأحد.
اقتنيت كتاب «محمد.. الرسالة والرسول» لنظمى لوقا وأنا فى الخامسة عشرة، فأصبح أكثر من صديق، بل أصبح نظمى نفسه رفيق نفسى وعقلى، فقد تحدى الجميع، فكتب وهو المسيحى ما أنصف به الإسلام، مقتنعًا بأن السلام الذى يسعى إليه البشر هو أن يتقبلوا بعضهم بعضًا على ما هم عليه.. فجميعنا أبناء الله نعبده جميعًا.. ويقبلنا جميعًا كما نحن.
وفى الثامنة عشرة حصلت على نسخة مصورة من رواية «أولاد حارتنا» من صديق كان قد سبقنى إلى كلية الإعلام بعام، حدثه عنها أستاذنا الدكتور سليمان العطار، صورها له، وأذكر أننى قرأتها فى ليلة واحدة، كانت ليلة عيد الأضحى، وما زلت أذكر الحالة التى كنت عليها وأنا أسافر فى صفحاتها، بينما تتردد فى غرفتى أغنية العظيمة السيدة أم كلثوم «القلب يعشق كل جميل»، للدرجة التى أصبحت الرواية والأغنية متلازمتين عندى لا تفترقان.
يمكننى أن أعدد لكم مئات الكتب التى تحتل فى حياتى مساحة الصداقة، وتعيش إلى جوارى بحيوية وتجدد، «على هامش السيرة» لطه حسين»، و«التفكير فريضة إسلامية» للعقاد، و«حوار مع صديقى الملحد» لمصطفى محمود،و«فى صالون العقاد كانت لنا أيام» لأنيس منصور»، و«قنابل ومصاحف.. قصة تنظيم الجهاد» لعادل حمودة، و«الطاغية» للدكتور إمام عبدالفتاح إمام، و«الأفيال» لفتحى غانم»، و«تجديد الخطاب الدينى» لنصر حامد أبوزيد، و«خريف الغضب» لهيكل»، و«من واحد لعشرة» لمصطفى أمين، و«فقه السيرة» للشيخ محمد الغزالى.. وغيرها كثير.
بعد كل هذه السنين أسأل نفسى: لماذا يعيش كتاب ويموت آخر؟
فقد أنتجنا ملايين الكتب، يحتفظ بعضها لنفسه بالبقاء والخلود، فكثيرة هى الكتب التى يكون عمرها أطول من عمر كتابها وقرائها جميعًا، بينما تتبخر كتب أخرى فلا يبقى لها ذكر من أى نوع، تتلاشى كما يتلاشى الدخان فى الهواء.
الإجابة يمكن أن تكون سهلة وبسيطة ولا تحتاج إلى جهد فى تحليل وتفسير هذه الظاهرة، فالكتاب يعيش بما يحمله من أفكار وقضايا وأسلوب، بينما تختفى الكتب التى بلا قيمة.
المعادلة بسيطة وليست معقدة إذن.
معادلة تضمن للكتاب الذى يحمل قضية إنسانية وفكرة مختلفة وطرحًا جديدًا ورؤية مغايرة أن يبقى ويتجدد، تتداوله الأجيال المتعاقبة دون أن تمله أو تهجره.
وتحرم الكتاب الذى يفتقد هذه العناصر من البقاء إلا بالقدر الذى تسمح له به فى السوق.
لو طبقنا هذه المعادلة على الكتب التى صدرت فى مصر خلال السنوات الأخيرة، سنجد أنها أصبحت مختلفة بدرجة كبيرة.
فالكتب التى يتم إنتاجها الآن ومنذ سنوات يمكننا التعامل معها على أنها «بنت موت».
التعبير دقيق فيما أعتقد، كان يراودنى وأنا أتتبع حركة النشر خلال السنوات الماضية.
لدينا فى مصر الآن، وكما فى الدول العربية أيضًا حركة نشر نشطة وضخمة لا تتوقف، تقذف المطابع من أرحامها كل عام عشرات الآلاف من الكتب، وكثير منها فى الحقيقة متميز، وتتوافر له كل عناصر البقاء والخلود، لكنها لا تصمد كثيرًا، فسرعان ما يطويها النسيان، ربما يصمد كتاب أو اثنان أو ثلاثة أو بالكثير أربعة بعض الوقت، لكنه لا يصمد كثيرًا.
ففى الوقت الذى صمد فيه كتاب على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم» مائة عام، فقد صدر فى طبعته الأولى فى العام ١٩٢٥، ولا يزال يقبل عليه القراء حتى الآن وتتوالى طبعاته.
وفى الوقت الذى استطاع كتاب طه حسين «فى الشعر الجاهلى» أن يعيش هو الآخر مائة عام، فقد صدرت طبعته الأولى فى العام ١٩٢٦.
فإننا لا نجد الآن كتابًا واحدًا يمكن أن يعيش لأكثر من عام، فبعد أن يصدر ويتداوله القراء يطويه النسيان، ولا تجد ناشره يطبعه مرة أخرى، ولا تجد قارئًا يطلبه أو يحرص على اقتنائه.
لقد أصبح عمر الكتاب المصرى قصيرًا.
هذه حقيقة، تأكدت منها فى جلسات جمعتنى مع عدد من الناشرين الشباب، بل وجدت أن هذا الأمر يشكل هاجسًا لديهم يؤرقهم ويقلقهم ويؤثر على تجارتهم، لأنهم يعتبرونه يهدد سوق النشر ويؤرق سوق صناعة الكتب.
أدرك كثير من الناشرين هذه الحقيقة، تأكدوا منها بعد أن اختبروها، ما يدفعهم إلى أن يطبعوا من معظم الكتب نسخًا لا تزيد على ٥٠٠ نسخة، بل إن كثيرًا من الكتب يطبع منها الناشرون الآن مائة نسخة فقط، لأنهم يعرفون أن الكتاب لن يعيش أكثر من أسابيع، بعدها سيصبح مهجورًا لا يلتفت إليه أحد، فلماذا يتكلفون عناء طباعة ألف نسخة، رغم أن رقم الألف هزيل للغاية فى بلد فيه ما يقرب من ١٢٠ مليون مواطن.
ولأننى لا أتخيل أو أسبح فى نظرية لا وجود لها، فقد حاولت البحث عن سبب، بعيدًا عن مستوى الكتب ومستوى من يكتبون الآن، فحتى لو سلمنا أن هناك آلاف الكتب تافهة وبلا قيمة، فلدينا على الأقل مئات الكتب القيمة التى يمكن أن تضمن لنفسها بقاءً وخلودًا.
فى اعتقادى أن اعتماد الناشرين على معرض الكتاب واعتباره موسمًا سنويًا للكتاب سبب رئيسى من أسباب هذه الظاهرة.
فالناشرون تقريبًا لا ينتجون طوال العام كتبًا جديدة، بل يركزون إنتاجهم كله ليعرضوه فى المعرض على أساس أنه السوق الأساسية التى تضمن لهم البيع فى درجته القصوى، فهناك دور نشر تصدر مائة كتاب مرة واحدة، وأعتقد أن أقل دار نشر تصدر ما يقرب من عشرين كتابًا على الأقل.
هذه الحالة من الزحام تجعل الكتب تأكل بعضها، هناك كتب كثيرة تتوه، لا يعرف الناس عنها شيئًا، بل لا يعرفون أنها صدرت من الأساس، ما يجعلها تولد ميتة.
المشكلة الأكبر أن الناشرين يدخلون المعرض بهذا الكم من الكتب، يبذلون جهدًا خارقًا فى الترويج لها والتسويق لدى القراء، لكنهم وبعد أن ينتهى المعرض الذى يستمر لأقل من أسبوعين، يبدأون فى التعامل مع كتبهم وكأنها أصبحت بضاعة قديمة، لا ينظرون إليها على أنها سلعة يمكن أن تعيش لأكثر من أسبوعين، وكأنهم يرفعون شعار «الكتاب الذى لا يباع فى المعرض فلن يشتريه أحد بعد ذلك».
يخرج الناشرون من المعرض ليبدأوا البحث عن عناوين جديدة، يستعدون لإصدارها فى المعرض المقبل، ورغم أن هناك ناشرين يصدرون كتبًا فى موسم الصيف، لكن عددها قليل ولا يذكر، فقد أصبح المعرض بالنسبة لهم صنمًا معبودًا، ولا يريد الناشرون أن يشركوا معه أحدًا.
هناك سبب ثانٍ لهذه الظاهرة فيما أعتقد، وهو الكتاب العابرون.
يحلو لمن يتابعون أخبار الإصدارات الجديدة ويطالعون أغلفة الكتب التى تصدر أن يمارسوا شيئًا من القلش على ما يحدث، فإذا كان كل هؤلاء جميعًا يكتبون فمن الذى يقرأ.
للأسف الشديد هذه حقيقة لا يمكن أن نتجاهلها أو نتهرب منها، فهناك رغبة عارمة فى الكتابة، وفى الوقت الذى أقر فيه بحق كل من يريد أن يكتب أن يفعل ذلك، لكن هذه الحالة المسعورة من الكتابة أورثتنا مؤلفين لا سوق لهم، وهؤلاء لا يترددون عن الدفع من أجل ظهور كتبهم، ولأن هناك من يدفع فقد ظهرت دور نشر تقبل نشر أى وكل شىء، وهى لا تطبع من هذه الكتب إلا قدرًا يسيرًا، تضمن ربحها من الكتاب، ويحصل الكاتب على نسخ من كتابه ليثبت لنفسه ولمن حوله أنه أصبح كاتبًا لا يشق له غبار.
الأزمة أن أصحاب هذه الكتب العابرة يزاحمون أصحاب الكتب الجادة، ولديهم فى الغالب وقت فراغ ينفقونه فى الترويج لهذه الكتب على اعتبار أنها شىء مهم، رغم أنها لا تحمل أى قيمة.
أعرف أن كثيرين من هؤلاء سيغضبون مما أقول، لكن للأسف الشديد فكما يقول كثيرون إن الصحافة أصبحت مهنة مَن لا مهنة له، فإن الكتابة نفسها أصبحت مهنة مَن لا مهنة له، اقتحمها دخلاء كثيرون، والدخلاء لا يدخلون مهنة إلا أفسدوها.
خلال السنوات الماضية تضخمت ظاهرة أعرف أنها كانت موجودة قبل ذلك، لكنها حاصرتنا حتى الاختناق وهى كتب الموضة.
فقبل ثورة يناير كانت هناك موضة الكتب الساخرة، ورغم أن للكتابة الساخرة كتابها وروادها إلا أننا وجدنا كتابًا مجهولين ثقيلى الظن يقتحمون هذه السوق، ما أفقد الكتابة الساخرة رونقها وبهاءها، وأصبحت كتابات مرذولة يحجم القراء عنها بسبب المستوى الذى وصلت إليه.
وبعد الثورة ظهرت موضة كتب الرعب، وتخصصت أكثر من دار فيها، لكن كما سبق وحدث مع الكتابة الساخرة، حدث مع كتب الرعب التى أصبحت مباحة لكل عابر سبيل، ففقدت هى الأخرى رونقها وبهاءها، وفقد القراء الثقة فيها.
لا أحد يمكنه أن يواجه موضات الكتابة، لكنها فى النهاية أضرت ضررًا بالغًا بسوق الكتاب، وأفقدت القراء شغفهم به.
كان هناك ما هو أكثر، فقد أضرت ظاهرة «البيست سيلر» بسوق الكتاب.
ورغم أن هناك من سيختلف معى، ويقول بالعكس فالكتب الأكثر مبيعًا أحدثت حالة من النشاط والرواج فى سوق الكتاب، وهو ما سأوافق عليه مؤقتًا، فرغم أن هذا صحيح، لكن اكتشف القراء أن حكاية «البيست سيلر» ليست إلا عملية نصب، وأن الناشرين يطبعون أعدادًا قليلة من الكتب ويهتمون بوضع أرقام مزيفة تشير إلى طبعات الكتاب على غير الحقيقة، ثم إن الكتب التى حظيت بتصنيف الأكثر مبيعًا، لم تكن على الدرجة المناسبة من الأهمية والقيمة، ما أفقد القراء جانبًا آخر من جوانب الثقة فى سوق الكتاب.
إننى لا أمارس طقسًا وعظيًا أوصف فيه المشكلة دون الإشارة إلى أزمة كبيرة نعانى منها فى صحافتنا، فالصحافة الثقافية الآن متراجعة إلى حد كبير، ولا تقوم بدورها الذى يجب عليها فى الترويج للكتب بما يليق بها.
يتلقى المحررون فى الغالب أخبارًا جاهزة عن الكتب التى تصدر، ويكتفون بنشرها دون معرفة ما فى هذه الكتب، وقد أدركت دور النشر حالة الكسل المهنى التى يعانى منها محررو الصحافة الثقافية، فاكتفوا بإرسال مثل هذه الأخبار دون أن يرسلوا بالكتب للمحررين، وأصبحت هناك منظومة مصالح تضم الناشرين والمحررين الثقافيين، وهى منظومة فى معظمها فاسدة وعبثية.
فى معرض الكتاب الماضى اقنتيت معظم ما صدر عن دور النشر، أصحابها يتكرمون بإرسالها إلىّ، وقفت أمام عدد كبير منها، تصفحت بعضها، فأدركت أن لدينا كنزًا هائلًا، مجهود خرافى بذله كثيرون من المؤلفين، لكن لا أحد يشعر بها، وكأنها لم تصدر، فقررت أن نفسح المساحة طوال العام لعرض هذه الكتب والحوار مع مؤلفيها، فالصحافة الثقافية لا بد أن يكون لها دور فى إطالة عمر الكتب، وليس معقولًا أن يكون دورها هو أن تنشر عنها أخبارًا والسلام.
وكما غابت الصحافة الثقافية عن حركة الكتب والتأليف، غابت حركة النقد أيضًا عن الأعمال الأدبية، لن أحدثكم عن المجاملات وكتابة الأصدقاء عن بعضهم البعض والترويج للكتب من خلال الشلل الثقافية التى نعرفها ونعرف أهدافها ونضع أيدينا على تفاصيل البيزنس والمصالح فيها، فهذه قضية أخرى، ثم إن هذه الكتابات مشمومة نعرفها من رائحتها، لكننى أتحدث عن غياب حركة نقد حقيقية عن رصد وتقديم الحالة الإبداعية فى مصر.
قد يعتبر البعض أننى أبالغ فيما أقول، أو أننى أصور المسألة على غير حقيقتها، لكننى أقول لكم وبصدق إننا أمام أزمة حقيقية تعانى منها سوق الكتاب فى مصر.
ففى الوقت الذى أعترف فيه بأن لدينا محتوى مهمًا، وكتابات قيمة، وكتبًا تقدم أفكارًا ورؤى لها ثقلها، إلا أن السوق فاسدة تمامًا، ولا أقصد بالسوق هنا عمليات البيع والشراء، فالسوق أوسع من ذلك، ويمكننا إذا أعدنا النظر فى عملية إنتاج الكتب واستعادة حالة الترويج الاحترافية لها، فإننا يمكن أن نضع أمام القراء مئات وربما آلاف الكتب ذات القيمة التى يمكن أن تعيش، وأن يطول عمرها ليتجاوز أعمار من يكتبون ومن يقرأون.
كل ما أخشاه أن نستسلم لهذه الحالة، حتى نصل إلى مرحلة يصبح فيها الكتاب سلعة لا قيمة لها، تنتهى بمجرد خروجها من المطابع، إننا فى حاجة إلى صناعة حالة كاملة نعيد من خلالها المجد للكتاب المصرى، لدينا أسباب نعرفها، ويمكن أن يكون لديكم أسباب أخرى، وأعتقد أننا عندما نعرف السبب سيبطل العجب، ونخرج من هذه الحالة العبثية إلى معادلة صحيحة فى سوق الكتاب.. وما أحوجنا بالفعل إلى ذلك.