هؤلاء اشتغلونا.. بعض من أسرار كتابى «هؤلاء علمونا»
- نجيب محفوظ اقتبس رواية «الطريق» من عمل أمريكى بعنوان «ساعى البريد يدق الجرس مرتين»
- توفيق الحكيم استخدم نصوصًا أدبية فرنسية فى رواياته وقصصه القصيرة دون أن يذكر المصدرالأصلى
- يحيى حقى أخذ من الكاتب الإيطالى «بوكاتشو» ولم يذكر الأصول الأجنبية لبعض نصوصه
- بعض النقاد لا يقرأون الروايات التى يتحدثون عنها
هذا كتاب لم أتمكن من نشره حتى الآن، ولا أظن أنه سوف ينشر يومًا ما، لأسباب بسيطة منها تعقيدات النشر الحالية، وقد كنت أتصور أن الناشرين سوف يتهافتون عليه لأنه سوف يثير جدلًا كبيرًا، لكن المؤكد أن الناس لم تعد تقرأ إلا الفضائح والتفاهة، وسطور صفحات التواصل الاجتماعى التافهة، إنها نفس الحاسة التى جعلتنى أعرف الأفلام السينمائية التى تم اقتباسها من النصوص الأدبية والسينمائية العالمية، فمثلما اتجه كتاب السيناريو فى بلادنا إلى الروايات العالمية والأفلام لاقتباس مئات القصص وتحويلها إلى السينما المصرية، فإن كبار الكتاب فى مصر لجأوا أحيانًا إلى نفس الموضوع، تم ذلك بشكل ضيق مقارنة بالاقتباس السينمائى، لكنه أمر موجود يتغافل عنه النقاد، أو لعلهم لا يعرفون لأن الكثيرين منهم لا يقرأون.

كنت ذات يوم فى محاضرة وسمعت ناقدًا كبيرًا وأيضًا مسئولًا ثقافيًا مقربًا من الدولة يتحدث أن إسماعيل فى رواية «قنديل أم هاشم» ليحيى حقى قد سافر إلى ألمانيا، فعلقت عليه فورًا، وصححت له المعلومة وقلت له: «بريطانيا»، ما يعنى أن هؤلاء النقاد لا يقرأون الروايات التى يتحدثون عنها ومن السهل عليهم رؤية الأفلام، وتلك الخيبة لاحقتنى وأنا أتابع أعمال الأساتذة الكبار الذين تعلمت منهم وأنا فى بداية حياتى، وما زال الناس يتعاملون معهم كأنهم عمالقة الكتاب، أنا لا أشكك فى شىء رغم أننى اكتشفت أن هؤلاء الكبار قد رجعوا إلى روايات، أو أفلام عالمية وهم يكتبون لنا بعض الروايات المصرية المعروفة، تعالوا مثلًا نبدأ برواية «الطريق» لنجيب محفوظ، فهناك نقاط تشابه واضحة جدًا بين الرواية وبين رواية أمريكية مشهورة تحمل عنوان «ساعى البريد يدق الجرس مرتين» كتبها جيمس كان عام ١٩٣٤ وتحولت إلى فيلم عام ١٩٤٢، وتدور حول شخص يتجه إلى العمل فى موتيل صحراوى يمتلكه رجل عجوز وزوجته الشابة، ولأن الشاب هارب من العدالة فإنه يعمل فى هذا المكان النائى، وسرعان ما تقوم بينه وبين المرأة علاقة محرمة، عندما تشتد هذه العلاقة تطلب منه قتل زوجها فى حادث مدبر يصعب اكتشاف أسبابه، ويقوم بتنفيذ الأمر ثم يكتشف أن المرأة على علاقة برجل آخر، وإنها كانت تستخدمه لتحقيق هدفها، بالطبع هناك تغيرات ملحوظة فى الرواية المصرية التى تدور أحداثها فى فندق قديم بشارع كلود بك، ورغم هذا فإن عدد النزلاء قليل وتصبح كريمة عشيقة للنزيل القادم من الإسكندرية وتدفعه إلى قتل زوجها، المضحك أن نقادنا قاموا بتأويل هذا النص دون أن يدركوا العلاقة بين الرواية المصرية والأمريكية التى أخرجها تاى جارنيت وبطولة جون جارفيلد ولانا ترنر، أى أن عصب القصة متشابه وأيضًا المصائر، لكن نقادنا قالوا إن صابر الرحيمى كان يبحث عن أبيه الذى يمثل الرب المنشود، على كل فإن الجريمة يتم اكتشافها وتكون المصائر متشابهة، الجدير بالذكر أن مصطفى محرم قام بإعادة كتابة نفس الرواية فى فيلم آخر وجعل الزوجة تدفع بعشيقها للقتل من أجل إرضاء عشيق آخر.

عندما قرأت رواية «الحب الضائع» للدكتور طه حسين بحثت عن أى تقارب بين النص الإذاعى الذى استمعنا إليه فى نهاية الستينيات من بطولة عمر الشريف والذى كتبه يوسف جوهر للإذاعة دون الإشارة إلى ذلك، لم أجد أى تشابه بين الرواية الصغيرة، محدودة الصفحات وبين المسلسل الإذاعى، أو حتى الفيلم الذى أخرجه بركات، وكانت الرواية تدور على لسان فتاة فرنسية تعيش فى إحدى القرى، وتتحدث عن ثقافتها الديكارتية وتنمو فكريًا مع السنوات، إنها فتاة فرنسية تمثل تلك الثقافة وتتحدث عن الأشخاص الذين فى حياتها حتى تصير ناضجة وتتعرف على رجل تتزوجه وفى السطور الأخيرة من الرواية تعرف أن هذا الرجل قد وقع فى حب امرأة أخرى، أى أن المسلسل الإذاعى والفيلم لم يتوقفا سوى عند السطور الأخيرة من الرواية، ترى لماذا تعمد طه حسين أن يكتب عن شابة فرنسية وعن أبناء تلك الثقافة ومن أين استقى تلك الحكاية خاصة أنها تدور على لسان امرأة، وساورتنى الأفكار أن الكاتب إما أنه ترجم هذه الرواية أو أنه قام بتأليفها، لكن على كل حال فالعمل الأدبى لا يمت بأى صلة إلى ما نعرفه عن ثقافة طه حسين، وأرجح أن يكون النص مكتوبًا من الكاتب الفرنسى أندريه جيد الذى ترجم له طه حسين بعض أعماله، ثم تنبهت فى كتابى إلى ما فعله توفيق الحكيم فى الكثير من رواياته والقصص القصيرة حيث رجع إلى نصوص أدبية فرنسية وكتبها باللغة العربية دون أن يذكر المصدر الأساسى، وقررت التخلى عن الحرج وأن ألتزم بالمعرفة التى وصلت إليها، فهناك رواية فرنسية مكتوبة عام ١٩١٨ للكاتب جورج أونيه التى تنتمى إلى الروايات الشعبية، وهو نوع من الروايات كان الأوربيون يميلون إلى متابعتها لفترة طويلة من الزمن وصنع أجيال كبيرة، هذه رواية شاهدناها فى السينما المصرية ثلاث مرات: الأولى إخراج بركات ١٩٥٢ بعنوان «ارحم دموعى»، والثانية إخراج بركات أيضًا عام ١٩٦٦ باسم «ليلة الزفاف» علما بأن المجموعة القصصية المأخوذ عنها هذا الفيلم لتوفيق الحكيم كانت تحمل اسم «ليلة الزفاف»، أما الثالثة فهى فيلم «حب وكبرياء» إخراج حسن الإمام عام ١٩٧٢، الأمر باختصار فى هذه الأعمال تدور حول رجل ميسور فى إحدى القرى الريفية معجب بفتاة من أسرة ميسورة أيضًا تعانى الآن من إفلاس اقتصادى، ولهذا السبب يوافق أهلها على أن تتزوج ابنتهم من التاجر الثرى إنقاذًا للوضع الاقتصادى، وفى ليلة الزفاف وبكل جراءة غير شرقية تبلغ العروس زوجها بأنها تحب رجلًا آخر، وبكل اللطف يبلغها أنه على الزواج الاستمرار بعض الوقت حتى لا تثار الأقاويل، وخلال هذا الوقت تقع الزوجة فى حب عريسها وتعتدل الأمور، وقد توقفت عند مسألة الشرف فى الريف المصرى فماذا يمكن لأى رجل أن يفعل ليلة زفافه إذا أبلغته عروسه بأنها تحب رجلًا آخر، بالتأكيد لن يكون سلوكه مثل هذا الزوج، لكن لتوفيق الحكيم الحق فى أن يبقى النص كما هو عليه لكنه أبدًا لم يذكر المصدر الأساسى، ومن حسن حظه أن جورج أونيه غير مقروء فى اللغة العربية، وكان على من يهتمون بالسينما كشف الأمر دون أن يكون ذلك مفضوحًا.

لم يتوقف توفيق الحكيم عند هذا الأمر، بل إن الكثير من أعماله الأدبية كانت مصادرها فرنسية أو عالمية مثل أسطورة «بيجماليون»، وأيضًا رواية «تاييس» تأليف أناطول فرانس التى صاغها بشكل آخر تحت اسم «الرباط المقدس»، كما اقتبس أسطورة «فاوست» وحوله إلى امرأة، وأيضًا رجع إلى نصوص سينمائية كتبها جان بول سارتر وآخرون، وصاغها فى قصة قصيرة بعنوان «طريد الفردوس»، ولا يمكن أبدًا فهم توفيق الحكيم دون الرجوع إلى مصادره العالمية، وقد ركزت على ذلك فى الفصل الخاص بالكاتب سواء فى مسرحياته أو أعماله النثرية.

لا يكفى أبدًا أن نتحدث عن أصحاب هذه الإبداعات من أجل عمل كتاب يمثل هذه الظاهرة، فالأستاذ يحيى حقى رجع إلى مسرحية «الخاطبة» تأليف ثورنتون وايلدر وهو يكتب النص الأدبى «إفلاس خاطبة» علمًا بأن هذا النص موجود أساسًا ضمن كتاب «ديكامريون» للكاتب الإيطالى القدير بوكاتشو، ولم يذكر كاتبنا أى أصول لمثل هذا النص الذى رأيناه كثيرًا فى السينما العالمية والمصرية، بالإضافة إلى الدراما الإذاعية.
هناك كتاب كثيرون أعلنوا عن إعجابهم بروايات عالمية وهم يكتبون لنا رواياتهم المصرية مثلما فعل يوسف السباعى فى روايته «فديتك يا ليلى» التى هى بمثابة تعبير عن إعجاب الكاتب برواية «حذار من الشفقة» للكاتب الألمانى ستيفان زفايج.
أحسست وأنا أكتب سطور هذا الكتاب بأننى أدوس بقوة فوق الأشواط، فأنا أتحدث عن أساتذة علمونى أنا شخصيًا، والتقيت بعضهم فى أواخر حياتى، كما قرأت لهم أغلب ما كتبوا، لكن للأسف الشديد فإن من أطلقوا على أنفسهم أسماء النقاد، أو من حصلوا على الشهادات الاجتماعية الكبرى لم يصلوا إلى حد المعرفة التى تجعلهم يعرفون أصول تلك النصوص الأدبية، وكنت أقصد بتلك الكتابة أن أنبه إلى حقيقة موجودة قد لا يتم كشفها طوال الأجيال القادمة طالما أننا لم نتوصل إليها فى حياتنا، بما يعنى أننى لم أقصد أبدًا أن أمس قيم هؤلاء الأساتذة بل يهمنى الرجوع إلى جذور الكتابات، مثلًا لقد اتجه نجيب محفوظ نحو الرواية الإنجليزية «رباعية الإسكندرية» وهو يكتب رواية ميرامار، لكن لم يقترب أحد من هذه المقارنة أبدًا فالروايتان تدور أحداثهما على ألسنة أربع من الشخصيات يقيمون فى فندقين يطلان على محطة الرمل بالإسكندرية، المسافة بينهما عدة أمتار، كل شخصية تحكى عما دار فى الفندق وجهة نظرها، نجيب محفوظ اختار أربع شخصيات مثلما فعل الكاتب البريطانى لورانس داريل، فهل إذا ذكرنا ذلك فإننا نسىء إلى كاتبنا الكبير، أم أن المقارنة شىء وجوبى عند قراءة النصوص الأدبية أيًا كانت.






