الثلاثاء 06 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

عورة جيل.. البريطانى علاء عبدالفتاح يكشف خطايا جيل يناير

حرف

لم أكن فى أى وقت من المعجبين لا بعلاء عبدالفتاح ولا بما يفعله ولا بما يمثله أيضًا. 

الأمر لا يتعلق هنا بالسياسة، ولا بموقفه من الأنظمة المتعاقبة، ولا بخطيئته الكبرى فى التحريض على قتل ضباط الجيش والشرطة، ومن بعدها خطيئته بالدعوة إلى التجمهر لكسر قانون التظاهر. 

الخطيئة الأولى وهى التحريض لن نقف أمامها كثيرًا، فقد أصبح ما كتبه معروفًا ومنتشرًا يعرفه الجميع، ولست فى حاجة إلى إعادته عليكم، فليس من الحكمة تدوير سقطاته وبذاءاته وسفالاته وسفاهاته. 

ولكننى سأتوقف عند ما جرى منه ومن رفاقه فى نوفمبر ٢٠١٣. 

كانت مصر وقتها تواجه بعد إعلان خارطة الطريق فى ٣ يوليو ٢٠١٣ مظاهرات واعتصامات تقوم بها جماعة الإخوان الإرهابية احتجاجًا على ثورة ٣٠ يونيو وقرار الشعب المصرى بالتخلص من جماعة الإخوان ومندوبها فى قصر الاتحادية محمد مرسى. 

كانت الحاجة ملحة إلى إجراء عاجل لمواجهة المظاهرات التى لم تعطل الحياة فقط فى مصر، ولكنها كانت تشكل خطرًا على الأرواح والمنشآت والممتلكات العامة والخاصة، بل امتد الخطر إلى أن المظاهرات الإخوانية كانت تمس هيبة الدولة ذاتها. 

كانت الإجراءات الحركية فاعلة على الأرض. 

قوات الشرطة تبذل كل جهدها لمحاصرة هذه المظاهرات. 

وكان المواطنون بحماس ووعى وطنى يشاركون فى التصدى لهذه المظاهرات، ومن يعود إلى هذه الفترة سيعرف أن هناك وفى عدد من المناطق الشعبية استطاع المواطنون حصار عناصر الجماعة الإرهابية وحالوا بينهم وبين الخروج فى مظاهرات كان القصد منها التخريب وإرباك الدولة وإنهاكها. 

لكن هذا كله لم يكن كافيًا، فقد تصرفت الجماعة وقتها بمعادلة صفرية. 

فلكى تبقى.. لا بد أن يزول كل شىء. 

ولم يكن لديها أدنى مشكلة فى أن تجلس على دولة تنتشر فيها الفوضى ويعم فى أرجائها الخراب. 

بادرت الدولة إلى إصدار قانون تنظيم الحق فى الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣، وهو القانون المعروف شعبيًا بـ«قانون التظاهر». 

كانت لدى الدولة المصرية رؤية ووجهة نظر وفلسفة فى إصدار هذا القانون، فلم يكن مقبولًا أن تترك الدولة ظاهرة التظاهر لتتحول إلى أعمال عنف، وتعطيل مسيرة الوطن، وتخريب المنشآت العامة، والاعتداء على الممتلكات. 

كان علاء عبدالفتاح من بين من تصدوا لقانون التظاهر، دعا إلى مظاهرات بغرض إسقاط القانون كما قال، وشارك فى وقفة أمام مجلس الشورى، وتم القبض عليه فى ٢٨ نوفمبر ٢٠١٣. 

من هنا يمكن أن نمسك بما يمثله علاء عبدالفتاح.

تعامل معه كثيرون داخل مصر وخارجها على أنه مناضل، يسعى للتصدى للسلطة، ويقف ضد رغبتها فى منع المواطنين من التظاهر للتعبير عن أنفسهم. 

لكن عندما نتأمل الصورة، سنجد أن علاء لم يكن فى هذه اللحظة إلا مراهقًا سياسيًا، لا يعرف على وجه التحديد ما الذى يجب عليه، وما الذى يجب أن يتجنبه. 

لقد خرج قانون التظاهر، ليس لمنع التظاهر بوجه عام، ولكنه كان فى وقتها قانون الضرورة، الحاجة للأمن والاستقرار فرضت اللجوء إليه. 

وكان أداة من أدوات الدولة فى مواجهة جماعة الإخوان الإرهابية، ومنعهم من نشر الفوضى والتخريب، لكن علاء الذى يتعامل مع نفسه على أنه معارض أبدى، وضع نفسه فى الخانة نفسها التى يقف فيها الإخوان، ونزل ليدافع عن حقهم فى التظاهر، رغم أنهم فى هذه اللحظة لم يكونوا أبدًا مواطنين لهم حقوق المواطنين نفسها، ولكنهم كانوا خصومًا وأعداء يسعون إلى هدم الدولة. 

فهل كان علاء يعى ذلك؟ 

أغلب الظن أنه كان يعرف ما يفعله. 

وهنا لا بد أن نتوقف معًا عند نص الاعتذار الذى كتبه وقدمه إلى المجتمع البريطانى الذى رفض وجوده فى لندن ويطالب الآن بترحيله، بعد إصدار قرار عفو عنه فى مصر وسفره إلى لندن كمواطن بريطانى. 

كان علاء قد تم الحكم عليه بخمس سنوات سجنًا فى قضية أحداث مجلس الشورى التى شارك فيها لكسر قانون التظاهر، وكانت التهمة هى التظاهر دون تصريح طبقًا لما كان يحتمه قانون التظاهر، وتم الإفراج عنه فى مارس ٢٠١٩، ووضع تحت المراقبة، بحيث يقضى ١٢ ساعة حرًا و١٢ ساعة يقضيها فى قسم الشرطة لمدة خمس سنوات أخرى. 

بعد عدة أشهر وفى ٢٩ سبتمبر ٢٠١٩ تم القبض عليه مرة أخرى، وكانت التهمة هذه المرة هى نشر أخبار كاذبة والعمل على تحقيق أهداف جماعة إرهابية، وفى ١٩ نوفمبر ٢٠٢٠ قضت محكمة جنايات القاهرة بإدراج اسمه فى قوائم الكيانات الإرهابية لمدة ٥ سنوات. 

جرت محاولات عديدة للإفراج عن علاء، وتم استخدام كارت حصوله على الجنسية البريطانية التى أخذها من والدته بالميلاد، ووصلت ذروة الأحداث فى العام ٢٠٢٢. 

وقتها كانت مصر تنظم مؤتمر المناخ «كوب ٢٧»، وكنا نعرف أن هناك ترتيبات لإصدار قرار عفو عن علاء، لكن ما جرى أثناء مؤتمر المناخ عطل قرار الإفراج، فقد عمدت أخته سناء بالتعاون مع الناشط حسام بهجت إلى تنظيم مؤتمر بدعم خارجى على هامش مؤتمر المناخ للحديث عن قضية علاء، وجرت فى هذا المؤتمر مشادات كلامية بين سناء والنائب عمرو درويش على خلفية تأكيده أن علاء سجين جنائى وليس سياسيًا. 

كان المؤتمر الذى سعى فيه الثنائى «سناء- بهجت» محاولة لإفساد مؤتمر المناخ والتشهير بالدولة المصرية، ما اعتبرته الدولة محاولة من أسرة علاء للى ذراعها، ما لم تسمح به الدولة المصرية التى ترفض تمامًا التعامل معها بهذه الطريقة. 

تواصلت بعد هذه الواقعة محاولات الحكومات البريطانية للإفراج عن مواطنها، ما استجابت له الدولة المصرية، بل وصدر قرار برفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر، وبمجرد وصوله إلى لندن، وجد مفاجأة كبيرة فى انتظاره، وهى مفاجأة صنعها أرشيفه الخاص، ففيه كتابات عنصرية تحض على الكراهية، وهذه المرة ضد البريطانيين أنفسهم، وهو ما دفع المعارضة البريطانية إلى التنديد بقرار رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر، وانتقاد استقدامه لشخص إرهابى، إذ كان لا بد أن يتعرف على خلفيته قبل أن يتصدى إلى حمايته واستقباله والترحيب به على الأرض البريطانية.

وجد علاء نفسه فى مأزق كبير، وكان لا بد أن يتصرف بما ينقذ به نفسه. 

لم يلتفت علاء عبدالفتاح إلى ما سبق وقاله فى حق مصر وجيشها وشرطتها ورئيسها، وتحريضه الواضح على قتل الضباط، ولم يفكر فى أن يقدم اعتذارًا فى أى مرحلة من مراحل صراعه من أجل الخروج من السجن. 

لكنه فعلها عندما وجد البريطانيين غاضبين مما كتبه فى حقهم، فكتب اعتذارًا مطولًا باللغة الإنجليزية، ونشره مشفوعًا بقوله إنه كتبه باللغة الإنجليزية، لكنه سيعود ويكتب ما حدث من كواليس، وكأنه يريد أن يصنع خط رجعة أمام من يتابعونه من الجمهور المخدوع به والمخدوع فى حقيقته.. فهو يمارس المناورة طول الوقت حتى وهو فى مأزق كبير. 

فى نص اعتذار علاء ما يمكننا الإمساك به واعتباره تفسيرًا واضحًا للجيل الذى يمثله، وهو الجيل الذى نطلق عليه فى الأدبيات السياسية «جيل يناير». 

يقول علاء نصًا فى بيان اعتذاره عن التغريدات التى وصفها بأنها تاريخية، وتاريخية هنا لزمانيتها وليس لتأثيرها أو أهميتها أو قيمتها: أشعر بأسف بالغ لبعض التغريدات التى كتبت فى سياق مناوشات كلامية على الإنترنت، دون أدنى اعتبار لتأثيرها على الآخرين، كان علىّ أن أكون أكثر وعيًا. 

ويضيف علاء الإضافة التى يمكننا التعامل معها على أنها صلب الحكاية كلها: بالنظر إلى الماضى أرى كتابات شاب أصغر سنًا، غارقًا فى ثقافات الإنترنت العدائية، يستخدم أسلوبًا ساخرًا وصادمًا فى عالم التواصل الاجتماعى الناشئ والمضطرب. 

مؤكد أن علاء لم يكن يقصد كشف عورات جيله، ومؤكد أنه لم يعمد إلى تفسير الخلل الذى أصاب هذا الجيل، وهو الخلل الذى أورثنا فوضى وتخريبًا وخسائر مادية بالمليارات، فقد كان مهتمًا فى المقام الأول بالدفاع عن نفسه، وتبرئتها أمام من ينعتونه بالإرهابى الدولى، بعد أن بذلوا جهدًا كبيرًا فى الإفراج عنه، إنهم بالنسبة له الحائط الأخير الذى لن يجد له سندًا سواه، ولذلك بذل جهدًا خارقًا للتأكيد أنه يؤمن بكل ما يؤمنون به بداية من الدفاع عن اليهود إلى النضال من أجل حقوق المثليين. 

لكنه يقدم لنا ببساطة تفسيرًا واضحًا لما قام به جيله. 

يعترف علاء بأنهم كانوا صغارًا، أطفالًا بلا وعى ولا إدراك. 

وجد هؤلاء الأطفال أنفسهم أمام أداة جديدة هى الإنترنت، أداة تغلب عليها العدائيات فى النقاش وفى المواجهة وفى المقاومة، فهى ليست وسيلة للتواصل، بقدر ما هى وسيلة للمناوشات. 

من وجدوا أنفسهم أسرى لهذه الأداة استسلموا لأسلوبها الساخر والصادم، فى عالم يعترف هو بأنه لم يكن ناشئًا فقط، ولكنه كان مضطربًا أيضًا. 

هل يمكننا أن نصف جيل علاء الذى بدأ يتفاعل فى المجال العام قبل سنوات من ثورة ٢٥ يناير بأنه جيل مضطرب؟ 

نستطيع أن نفعل ذلك بالطبع، ليس لأننا نفهم ذلك من سياق كلام واحد من قادة هذا الجيل ورموزه، ولكنه لأنه هو نفسه من يعترف بذلك ويؤكده فى سياق الدفاع عن نفسه، فالأخطاء التى ارتكبها، والتى يطلب الصفح عنها لم تكن متعمدة، ولكنها كانت لأنه مضطرب وضحية لأداة استخدمها وهى بدورها أداة مضطربة. 

على ضوء ما قاله علاء عفو الخاطر، فلا أعتقد أنه كان يقصده لذاته، ولكنه فعل ذلك دفاعًا عن نفسه وتبرئة لها، ومحاولة فى استجلاب تعاطف البريطانيين مع ضعفه واضطرابه وعدم مسئوليته عن أفعاله، أعتقد أنه لا بد أن تكون وقفتان: 

الوقفة الأولى تخصنا نحن متابعى الشأن العام والفاعلين فى المجال الصحفى والسياسى، فقد ظللنا نتعامل مع جيل يناير بجدية شديدة، لا تتناسب فى الحقيقة مع حقيقته، فنحن لسنا أمام شباب واعٍ، يعرف ما يريده جيدًا، والدليل على ذلك هو انحيازاته المتناقضة والمضطربة، فقد تعاملوا مع أنفسهم على أنهم مناضلون، وفى عرفهم فإن المناضل لا بد أن يكون معارضًا أبديًا للدولة والنظام، بل لا بد له أن يقف فى صف كل من يناهض الدولة حتى لو كان يختلف معه. 

لقد كان علاء عبدالفتاح ورفاقه من جيل يناير من المعارضين للإخوان عندما كانوا فى السلطة، بل هناك تصريحات موثقة لعلاء وغيره من شباب هذا الجيل طالبوا فيها بضرورة فض اعتصامى رابعة والنهضة بالقوة، لكن عندما بدأت جماعة الإخوان فى مناهضة الدولة والوقوف فى وجهها، تحول هؤلاء الشباب إلى دعم وتأييد للجماعة، وما نزولهم للاعتراض على قانون التظاهر إلا تأكيد أنهم يقفون فى أى صف يكون ضد الدولة والسلام. 

لم يتوقف الأمر عند هذا، فخلال السنوات التى أعقبت ثورة ٣٠ يونيو، دافع شباب يناير عن الإخوان، ولم يقفوا فى صف الدولة أيضًا، وكان من الطبيعى أن توجه إليهم تهمة دقيقة جدًا وهى العمل على تحقيق أهداف جماعة إرهابية. 

ما يدهشك ويثير سخريتك أن سلوك هؤلاء الشباب لم يكن عن عقيدة ولا عن اقتناع بما تقوم به الجماعة الإرهابية، ولكنهم فعلوا ذلك من أرضية اضطرابهم التى اعترف بها علاء، فهم لا يناصرون الإخوان ولكنهم يعارضون الدولة، ولم يكن فارقا معهم أن هذه المعارضة تصب فى مصلحة جماعة إرهابية، فما دام ينظر إليهم الجميع على أنهم معارضون للنظام، فكل شىء يهون من أجل ذلك. 

الوقفة التى أقصدها هنا هى وقفة سياسية وفكرية، نضع خلالها جيل يناير فى حجمه، فهو جيل غشيم وجاهل ومضطرب، لا يملك فهمًا لما يجرى من حوله، تحركهم أجسادهم وعضلاتهم وانفعالاتهم، ولا مكان للعقل ولا للمنطق على الإطلاق فيما يفعلونه. 

هذا الدرس يجب أن يصل إلى الأجيال الجديدة، التى يمكن أن يكون من بينها من يريد أن يسير على طريق ونهج جيل يناير، فها هو واحد من أبرز رموز هذا الجيل ينهار تمامًا، ويعترف بأنه كان عيلًا صغيرًا، وأعتقد أن الدول لا يمكن أن يستقيم حالها عندما يقودها الصغار. 

الوقفة الثانية التى أعتقد أنها مهمة للغاية هى وقفة يجب أن تكون من أبناء جيل يناير نفسه. 

إننى لا أعتبر ما فعله علاء عبدالفتاح فى اعتذاره وقفة مع النفس، ولا هو مراجعة لأخطائه أو خطاياه، ولكنه محاولة للهروب من مأزق وجد نفسه فيه، فهو يقف فى الحياة عاريًا تمامًا من أى دعم أو مساندة، من دافعوا عنه وسعوا إلى الإفراج عنه، هم أنفسهم من يتهمونه بأنه إرهابى ومحرض على العنف والقتل. 

الوقفة التى أقصدها لا بد أن تكون وقفة حقيقية، يعيد فيها هذا الجيل النظر إلى خطاياه وإلى كل ما ارتكبه من أخطاء، يفتش فى عوراته التى كشفها علاء عبدالفتاح دون أن يقصد، أن يعيد النظر فى أفعاله التى أضاعت أعمار كثيرين دون طائل. 

إننى ما زلت أرى على الساحة الصحفية والسياسية شبابًا ينتمون إلى جيل يناير يسيرون على الطريق نفسه، يرددون الكلام نفسه، ويستعيدون الأحلام القديمة البالية نفسها، ويعتقدون أنهم يمكن أن يكونوا قادرين على تحقيق ما فاتهم، رغم أن التجربة تؤكد لهم أنهم كانوا يطاردون سرابًا.. بل لم يكونوا هم أنفسهم سوى سراب. 

لم يفعل علاء عبدالفتاح من وجهة نظرى شيئًا إيجابيًا فى حياته، لكن يمكننى اعتبار اعتذاره شيئًا إيجابيًا، لأنه وضع أيدينا على الداء الحقيقى الذى يعانى منه هذا الجيل، وهو أنه كان مضطربًا فيما فعله، مستسلمًا لأداة غاضبة تحكمها المناوشات التى لا مكان فيها للعقل. 

فهل يلتقط شباب يناير الخيط، ويجلسون مع أنفسهم جلسة مراجعة واعتراف بما ارتكبوه من خطايا فى حق الوطن والمواطنين؟ 

أتمنى أن يفعلوا ذلك.

لأنهم إن لم يفعلوه فسيخسرون كل شىء.. هذا إن لم يكونوا قد خسروا كل شىء بالفعل.