كانت أكبر من مؤامرة.. أخطر كتاب مصرى فى ربع قرن عن أحداث 25 يناير
- أجندة واشنطن بالنسبة لمصر قامت على اختطاف التحركات الاحتجاجية واستبدال حكم حسنى مبارك برئيس جديد للدولة عميل ومنصاع لها يحافظ لواشنطن على مصالح القوى الخارجية
- جون كيرى: الثورة المصرية سرقت بيد الإخوان المسلمين من الشباب الذين أطلقوها
- الحكومة الأمريكية دعمت سرًا عناصر مصرية لتلعب دورًا محركًا من وراء انتفاضة المصريين فى يناير 2011
- تنصيب الإخوان على حكم مصر كان استراتيجية مدروسة ومعتمدة لإدارة أوباما
- الاتصالات كانت تتم بشكل منتظم خلال التسعينيات بين مسئولين أمريكيين والإخوان المسلمين
- الإخوان تلقوا دورة تدريبية على استخدام التكنولوجيا الحديثة لإحداث التغيير السلمى
- إدارة أوباما ثابرت على مساعدة الإخوان للتمكين لهم فى الشرق الأوسط وبعد أحداث الربيع العربى قدم قادة الدول الغربية للإخوان الدعم السياسى الذى كانوا قد وعدوهم به
- واشنطن استغلت العلاقة مع جماعة الإخوان للضغط على المجلس العسكرى
هذا كتاب صدر منذ عشر سنوات.
وأعتقد أنه بسبب أهميته تم إخفاؤه وطمس ملامحه عمدًا.
فى يناير 2015 جلس الكاتب الكبير الراحل عاطف الغمرى ليكتب مقدمة لعمله البحثى التوثيقى «اختطاف الثورة.. وثائق المؤامرة من 25 يناير إلى 30 يونيو».
لم يكن الغمرى متحاملًا على ثورة يناير أو رافضًا لها، وهو ما يظهر لنا من كتابين أصدرهما: الأول هو «مصر تستعيد روحها.. ثورة 25 يناير وإعادة بناء الدولة» وصدر فى العام 2012.
والثانى هو «الثورة والمؤامرة.. 25 يناير بداية الطريق إلى التغيير» وصدر فى العام 2013.
لكنه وبعد ما توافرت له وثائق ومستندات وقراءات متعمقة بدأ فيما يمكن اعتباره عملية نقد شاملة لجانب المؤامرة فى الثورة، وأعتقد أنه كان هناك دافع قوى لما قام به، فقد كان له مقال أسبوعى ثابت فى باب الرأى بجريدة الأهرام، لكنه فوجئ بمنع مقاله فى العام 2012 بأوامر مباشرة من مكتب الإرشاد إلى رئيس تحرير الأهرام وقتها، ليتأكد أن شعارات الجماعة كلها مجرد سراب لا حقيقة فيها أو وراءها.
أدرك الغمرى أن شيئًا مما كان يبشر به على هامش ثورة يناير ليس حقيقيًا، فالثورة التى نادت بالحرية، أصبح فى ظلها محرومًا من الكتابة بأمر صدر من الطبقة الحاكمة، وهو ما جعله يتأكد أن لهذه الثورة وجهًا آخر قبيحًا ومشوهًا، وعندما استغرق فى التفاصيل أدرك أن ما تعرضت له مصر كان أكبر من مجرد مؤامرة، بل كان محاولة اختطاف كاملة للثورة.

اقتحام عناصر الجماعات الإسلامية مقار جهاز الأمن الوطنى «أمن الدولة سابقًا» خلال أحداث ٢٥ يناير
فى بداية مقدمته لكتابه نعرف كيف كان حاله.
يقول: تشابكت الخيوط وساحت الوقائع فى بعضها وانزاحت الفواصل، بين ما كان قد سكن العقل، وبين ما تلتقطه العين، وما يلح على الأذن، فتشتت الأفكار، وتعددت الرؤى، وتناثرت الروايات، وحلت الشكوك مكان اليقين، وبدأ الكل يرتاب فى الكل، وخيمت على مرمى البصر كتل داكنة من سحابات لم ينحصر أثرها فى ضبابية الرؤية، بل تعداها إلى حيرة العقل عن استيعاب ما يتدافع أمام النظر، وفى مواجهته من أشياء تقبلها البعض بحسبانها المنطق، وتعامل معها آخرون كأنها زيف وضلالات.
برغم ضبابية هذه الفقرة التى بدأ بها عاطف الغمرى كتابه، وتعبيرها عن تشتته هو شخصيًا، إلا أنه يمسك بطرف الخيط الذى قرر أن يغزل من خلاله قصته.
فخلال عامى ٢٠١٣ و٢٠١٤ كان هناك جدل حول ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وهل كانت ثورة حقيقية؟
ووصل الحال بالبعض أن يوصمها بأنها صناعة أمريكية، وتلحق بها فى ذات التصنيف بقية الثورات فى دول عربية أخرى، فقد كان الغرب أول من أطلق عليها «انتفاضات الربيع العربى»، وتجاوزت الشكوك حدود النظرة التى كان ملؤها الريبة من البعض تجاه البعض، إلى أن أصبح منهم من يكاد يشك فى نفسه.
لا ينكر عاطف الغمرى أنه كانت هناك صفحة مضيئة وزاهية لما جرى فى ٢٥ يناير، كونها صحوة وطنية بعثت فى نفوس المصريين شعورًا دافقًا بقيمتهم، وقدرتهم على تغيير واقعهم وإصرارهم على أن تستعيد مصر روحها، وأن ينفضوا عن أنفسهم وصفًا ألصق بهم طوال عشرات السنين بأنهم شعب لا يثور، مستسلم لواقعه البائس، حتى ولو كان رافضًا له فى أعماقه.
لكنه رصد أن هناك سحابات من الجدل الصاخب بدأت ترخى ستارًا أسود على المشهد، تكاد تتوارى وراءه لحظات مضيئة من التاريخ بهرت العالم، بتوالى تصريحات رؤساء دول وحكومات فى الغرب، يعبرون عن فرط انبهارهم بثورة المصريين، ووصف بعضهم لما جرى فى ٢٥ يناير بأنه نبت من تراث حضارى عمره آلاف السنين، فى أرض مصر التى ألهمت الدنيا.

أمام هذه الصورة التى رسمت بخطوط شديدة التعقيد، بدأ عاطف الغمرى ومن خلال مراجع ومصادر أمريكية وغربية متعددة لها وزنها وتخصصها فى مجال الحصول على معلومات موثقة وتحليلها وتفكيك الخيوط التى تشابكت وتعقدت، وكونت الصورة الغائمة لما جرى فى ٢٥ يناير، وبثت شكوكًا كان لها ما يعززها من مبررات.
من الجهد البحثى خلف المعلومات وما ترتب عليه من نتائج يمكننا أن نخوض معًا رحلة طويلة مع عاطف الغمرى، الذى أنتج لنا كتابًا يمكننى التعامل معه على أنه أخطر كتاب صدر فى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، وربما لخطورته أهيل فوقه التراب، فلم يلتفت له كثيرون، رغم أنه صدر عن مركز الأهرام للنشر.
داخل قاعة صغيرة بمبنى وزارة الخارجية الأمريكية فى واشنطن، وفى يوم ٢٠ نوفمبر ٢٠١٣ عقدت جلسة محدودة تحت مسمى «منتدى الأمن الدولى» رأسها «جون كيرى» وزير الخارجية الأمريكى الذى قال للمجتمعين: الإخوان المسلمون اختطفوا الثورة من المصريين الذين قاموا بها.
لم تكن كلمة «اختطاف» غريبة ولا مستهجنة، فقد وردت فى كتابات لأكثر من عشرين مؤلفًا ودارسًا لأحداث الثورة فى مصر، ضمن ما اطلع عليه عاطف الغمرى وهو يعد كتابه.
كان الذين وصفوا ما حدث فى ٢٥ يناير ٢٠١١ فى مصر بأنه «اختطاف» من كبار الخبراء والمتخصصين من الولايات المتحدة وأوروبا وكندا، قد عكفوا بحكم دورهم كخبراء ومتخصصين على إعداد دراسات علمية مجردة من أى اعتبارات سياسية، ولم يكتفِ الكثيرون منهم بتحصيل معلوماتهم من وثائق ومصادر فى بلادهم، بل زادوا على ذلك بالتردد على مصر ودول عربية أخرى فى زيارات متكررة من بعد ٢٥ يناير، وتابعوا أحداثها ميدانيًا، والتقوا بالعديد من أطراف المشهد المصرى، ومنهم قيادات وأعضاء فى تنظيم الإخوان.
كلمة «جون كيرى» تسربت إلى بعض المواقع الصحفية فى الولايات المتحدة الأمريكية، والتقطها الكاتب الأمريكى «دانييل جرينفيلد» عضو مركز الحرية فى نيويورك والمتخصص فى شئون الحركات الإسلامية فى الغرب.
استعرض «جرينفيلد» ما قاله «كيرى» فى اجتماعه بمنتدى الأمن الدولى.
قال «كيرى»: إن الثورة المصرية سرقت بيد الإخوان المسلمين من الشباب الذين أطلقوها، وإن هؤلاء الشباب الذين كانوا فى ميدان التحرير لم يكونوا مدفوعين بأى أيديولوجية ما، لكن ما دفعهم إلى الثورة هو ما رأوه من تطورات تجرى أمامهم فى هذا العالم المتداخل فى بعضه، وأنهم أرادوا أن تتاح لهم فى بلدهم فرصة للتعليم والتوظيف، وأن يكون لهم مستقبل، لا أن تحكمهم حكومة فاسدة حرمتهم من كل ذلك، هذا ما دفعهم للثورة، التى سرعان ما اختطفت منهم، على يد التنظيم الوحيد المنظم جيدًا فى الدولة، وهو تنظيم الإخوان المسلمين.

لم تكن هذه هى المرة الأولى التى ينتقد فيها كيرى الإخوان وتصرفاتهم فى مصر.
ففى سبتمبر ٢٠١٣ قال: إن الجيش فى مصر استعاد الديمقراطية عندما اعتقل محمد مرسى من أجل إيقاف العنف المتزايد.
يعلق «جرينفيلد» على ما قاله وزير الخارجية الأمريكى بقوله: إن ما ذكره كيرى هو أمر منطقى من وجهة النظر الدبلوماسية، لكنه يصطدم بكل المواقف التى اتخذها أوباما ومعاونوه فى مواجهة عزل مرسى ودور الإخوان، لكن يفهم أن أحدًا فى مصر لن يستمع إلى ما تقوله الدبلوماسية الأمريكية، طالما كان موقف الإخوان مماثلًا لموقف أمريكا، وأن السبيل الوحيد لنزع فتيل هذه القنبلة السياسية هو التنصل من الإخوان المسلمين، لكن هذا شىء يرفضه أوباما وجون ماكين الداعم للإخوان، ومن الغريب أن كيرى كان يظهر سلوكًا يتسم بالكفاءة فى فهم السياسة الخارجية بأكثر من فهم هذين الرجلين أوباما وماكين اللذين خاضا سباق انتخابات الرئاسة عام ٢٠٠٨.

يذهب عاطف الغمرى إلى أن الدراسات الغربية اتفقت على أن اختطاف الثورة فى مصر وانتفاضات الربيع العربى كانت عملية وضعت لها الولايات المتحدة خطة من اليوم الأول لانطلاقها، والترتيب لدفعها إلى يد وكيل، يكون بمثابة الواجهة التى تتستر وراءها الولايات المتحدة، وحددت الخطة أن يكون الإخوان هم الوكيل فى مصر.
يقول «سوشو دوفسكى» مؤسس ومدير مركز الأبحاث الدولية فى كندا والأستاذ بجامعة «أوتاوا»: إن أجندة واشنطن بالنسبة لمصر قامت على اختطاف التحركات الاحتجاجية واستبدال حكم حسنى مبارك برئيس جديد للدولة، عميل ومنصاع لها، يحافظ لواشنطن على مصالح القوى الخارجية، وجاء حكم محمد مرسى نظامًا بالوكالة عن أمريكا فى مصر، ولم يكن الإخوان يمثلون أى تهديد مباشر لمصالح واشنطن الاستراتيجية والاقتصادية فى المنطقة، فلهم تاريخ طويل من التعاون مع أجهزة مخابرات الدول الغربية بدءًا ببريطانيا التى يرجع دعمها للإخوان إلى علاقة أجهزة مخابراتها السرية معهم منذ الأربعينيات، ثم تطورت علاقتهم فى الخمسينيات مع المخابرات المركزية.
ويضيف «دوفسكى»: واصلت المخابرات المركزية دعم تنظيم الإخوان، واستخدامه للإطاحة بعبدالناصر، واستمر تحالف الإخوان والمخابرات المركزية ضد عبدالناصر من ١٩٥٣ وحتى ١٩٧٠، وظلت الروابط السرية قائمة بينهما لما بعد عصر عبدالناصر.

ويصل «دوفسكى» إلى ٢٠١١، فيقول: ومن بعد ٢٥ يناير ساندت الولايات المتحدة حكم الإخوان فى مصر بعد أن وصلوا إلى السلطة، وإذا كانت واشنطن قد أظهرت تأييدًا لحركات معارضة للإخوان وقدمت لها دعمًا من خلال منظمات أمريكية مثل «فريدوم هاوس» وغيرها، فإنها أرادت بذلك خلق انقسامات سياسية، وفوضى تفتت الوضع السياسى فى مصر، وبذلك تستطيع صناعة مناخ من التشوش فى الحركة المجتمعية لإثارة انقسامات طائفية واجتماعية، للحيلولة دون تواجد حكومة وطنية ذات سيادة حقيقية فى مصر.
إلى جانب «دوفسكى» يستعين الغمرى بكتابات آخرين ليؤكد ما ذهب إليه من اختطاف الإخوان للثورة لصالح الولايات المتحدة.
يظهر لنا «جون برادلى» وهو بريطانى من أبرز خبراء الشرق الأوسط، ومن الصحفيين القلائل الذين تميزت كتاباتهم بدقة المتابعة للربيع العربى، وكان توقع من قبل ٢٥ يناير أن تحدث انتفاضة شعبية فى مصر ضد حكم مبارك فى كتابه «داخل مصر».
فى كتابه «بعد الربيع العربى» حذر برادلى من أن متطرفين خطرين يختطفون الثورة.
وقال: إن الإسلاميين- الإخوان على وجه الخصوص- ركبوا موجة الثورات العربية، واختطفوها، ثم نفذوا ثورة مضادة شاركت فيها دول خارجية، وأن كل ما قيل عن الربيع العربى كان خطأ، فالإسلام السياسى اختطف ثورات الربيع العربى عبر الشرق الأوسط كله.
ويلجأ الغمرى إلى «دانييل جرينفيلد» مرة أخرى، وينقل عنه قوله: إن تمسك إدارة أوباما بدعم الإخوان كان بقصد استخدامهم للاستيلاء على الربيع العربى فى الشرق الأوسط بأكمله.
ويقول «جوشوا ستاشر» فى كتابه «الحاكم المستبد.. قوة النظام فى مصر وسوريا» والصادر فى أبريل ٢٠١٢: إن الإخوان فى مصر اختطفوا ثورة ٢٥ يناير وانحرفوا بها.

وفى كتابه «الإخوان: عدو أمريكا الكبير القادم» شرح مؤلفه «إريك ستيلكيبك» كيف أن إدارة أوباما احتضنت الإخوان بصورة واضحة، ورتبت اجتماعات مع ممثلين لهم يقيمون فى أوروبا، وكان لدى إدارة أوباما إصرار على دعم الإخوان للاستيلاء على السلطة فى الشرق الأوسط، وعندما انطلقت انتفاضات الربيع العربى بادر قادة الغرب بتقديم دعمهم السياسى للإخوان، وهو ما انتهى إلى إسقاط حكومات فى المنطقة، واستيلاء الإخوان وحلفائهم على السلطة.

ويعلق الغمرى على ما كتبه الكتّاب الغربيون بقوله: لم تكن تفاصيل تمكين الإخوان من الحكم تطبيقًا للخطة الأمريكية لاختطاف الثورة فى مصر انطباعات لأشخاص أو متابعين لما كان يجرى، لكنها كانت حصيلة بحوث ودراسات ومؤلفات لخبراء ومتخصصين.
يشير الغمرى إلى أن خطة اختطاف الثورة فى مصر وضعت خلال الثمانية عشر يومًا الأولى فى ميدان التحرير من ٢٥ يناير وحتى ١١ فبراير.
فى هذه الفترة القصيرة عقد أوباما ٣٨ اجتماعًا مع مساعديه لمناقشة ما يجرى فى مصر أولًا بأول، وذلك بعد أن فوجئت الولايات المتحدة بالثورة بالصورة التى انطلقت بها، وبأهدافها المصرية الخالصة، ووجدوا أنفسهم غير جاهزين للتعامل معها بالشكل الذى تمت به، وتأكد ذلك من توجيه لجنة المخابرات بالكونجرس اللوم لإدارة أوباما وللمخابرات المركزية لفشلها فى توقع هذه الأحداث.
وجدت أمريكا نفسها فى مأزق- والتعبير استخدمه هنرى كيسنجر- إذ كيف للولايات المتحدة أن توازن بين تأييدها لثورة تنادى بالديمقراطية وبين مصالحها الاستراتيجية واحتمال تأثير هذه الثورات عليها.
فى هذا الوقت كشف عدد من الكتاب ومراكز الفكر السياسى عن المناقشات التى جرت داخل إدارة أوباما، واستدلوا على ذلك بانقسامات تسربت أخبارها فى وجهات النظر داخل دائرة مساعدى أوباما ومستشاريه.
هذه الانقسامات اعترفت بها هيلارى كلينتون فى كتابها «خيارات صعبة» الذى صدر فى العام ٢٠١٤، وقالت إن إدارة أوباما انقسمت على نفسها فى أعقاب ثورات الربيع العربى.

ويكشف الكاتب «نيكولاس كيشن» فى دراسته «تناقضات الهيمنة: أمريكا والربيع العربى» أنه لم يحدث أن شهدت مناقشات مجلس الأمن القومى بالبيت الأبيض توترًا كالذى حدث فى المناقشات حول الربيع العربى، والتى بدت وكأنها صراع بين وجهات نظر متعارضة ومختلفة حول المصالح الأمريكية ذات الأهمية والاستراتيجية والحيوية فى المنطقة.
كان البروفسور «مايكل شوسو فسكى» مؤسس ومدير مركز الدراسات الدولية بكندا أحد من تابعوا أجندة أوباما لمصر، ووصفها بأنها كانت خطة العمل على اختطاف الثورات واستبدال نظام مبارك برئيس منصاع، وهو ما تحقق بنظام مرسى الذى كان نظامًا بالوكالة عن أمريكا فى مصر.
وكانت هناك مؤشرات على التوجه نحو أجندة الاختطاف.
فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» فى ١٨ مارس ٢٠١٣ مقالًا لـ«بارى روبن» قال فيه: الآن نستطيع أن نتأكد من أن دفع أوباما للإخوان نحو السلطة تم باستراتيجية واعية ومتعمدة.
ونشرت «واشنطن بوست» فى مارس ٢٠١١ أن إدارة أوباما تتخذ خطوات تميز بين مختلف الحركات الإسلامية، أى بين الإخوان، وتنظيم القاعدة، وكانت أمريكا تعرف أن الإخوان سيصلون إلى الحكم، لكن وصولهم للحكم لم يأتِ نتيجة جهود ذاتية للإخوان، بل كان للإدارة الأمريكية الدور الأكبر فى ممارسة الضغوط، وتهيئة الأوضاع التى تمهد لهم طريق الوصول إلى الحكم.

تكشف الوثائق الأمريكية، التى حصل عليها عاطف الغمرى واعتمد عليها فى كتابه، أن الخطط التنفيذية لتغيير النظام فى مصر كانت جزءًا من التحرك على الأرض للتغيير بنفس الطريقة وذات الأدوات فى بقية الدول العربية.
بدأت هذه الخطط تأخذ شكلًا جديًا فى عام ٢٠١٠ عقب الانتهاء من المذكرة السرية التى كلف أوباما كبار مساعديه بإعدادها، وكانت التحركات التحضيرية لها قد بدأت فى مصر منذ عام ٢٠٠٨، وذلك طبقًا لما كشفت عنه البرقيات الثمانى السرية التى أرسلتها السفيرة الأمريكية فى القاهرة إلى وزارة الخارجية فى واشنطن.
الواقع أن طرح فكرة تغيير النظام فى مصر سبق ذلك بكثير، وبالتحديد فى عام ٢٠٠١، عندما كلفت الإدارة الأمريكية «مايكل لادين» العضو البارز فى معهد «أمريكان إنتر برايز» بإعداد خطة تطبق على مدى عشر سنوات لتغيير العالم العربى كله من داخله، وكان قد تأكد هذا التفكير فى عام ٢٠٠٣ على لسان الرئيس جورج بوش وهو يعلن قبل أسبوع من غزو العراق، فى كلمته أمام معهد «أمريكان إنتر برايز» عن تصوره للهدف الأبعد مدى من حرب العراق، وهو أن يكون العراق بعد تغييره نموذجًا يطبق فى باقى دول المنطقة.
كانت خطة التغيير التى أعدتها الولايات المتحدة لمصر تحمل اسم الخطة «A»، لكن الأحداث اتخذت لنفسها مسارًا آخر أحبط هذه الخطة، فقد اتخذت الأحداث لنفسها مسارًا آخر غير خطوات الخطة، فبعد نزول حوالى عشرين مليونًا من المصريين إلى الشوارع، أصبحنا أمام ثورة جماهيرية متكاملة الأركان، لها تصور يخصها، وتوجه يعبر عنها، فانقلبت الحسابات الأمريكية رأسًا على عقب وأصيبت إدارة أوباما بالارتباك ودب الانقسام فى صفوفها، وبنهج تآمرى بدأت تفكر الإدارة الأمريكية فى وسائل أخرى، للاستحواذ على المشهد البادى أمامها فى مصر، لتنتقل إلى الخطة «B».
فى ٢٨ يناير ٢٠١١ نشرت صحيفة «تليجراف» البريطانية تقريرًا كشفت فيه أن الحكومة الأمريكية دعمت سرًا عناصر مصرية لتلعب دورًا محركًا من وراء انتفاضة المصريين فى يناير ٢٠١١، ولتشارك فى خطط تغيير النظام، وهو الدور الذى بدأته هذه العناصر من الشباب فى عام ٢٠٠٨، أى قبل ثلاث سنوات من أحداث ٢٠١١.
وأشارت الصحيفة البريطانية كذلك إلى أن السفارة الأمريكية فى القاهرة ساعدت أحد هؤلاء الشباب بصفة خاصة للسفر إلى الولايات المتحدة وحضور مؤتمر للنشطاء والسياسيين عقد فى نيويورك، وحرصت السفارة على إخفاء شخصيته عن المصريين، وعند عودته إلى القاهرة فى ديسمبر ٢٠٠٨ أبلغ هذا الناشط دبلوماسيين أمريكيين أن تحالفًا من جماعات معارضة قد تم بالفعل لإسقاط نظام مبارك وقيام حكومة ديمقراطية فى عام ٢٠١١.

لم يعلن أحد عن اسم هذا الناشط، لكن وثائق السفارة الأمريكية بالقاهرة أشارت إليه كثيرًا.
ففى ٣٠ ديسمبر ٢٠٠٨ أرسلت السفيرة الأمريكية «مارجريت سكوبى» برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية قالت فيها إن جماعات من المعارضة وضعت خططًا سرية لتغيير النظام وحددت تاريخًا للتنفيذ فى سبتمبر من نفس العام.
كان عنوان البرقية «ناشط من حركة ٦ أبريل يزور الولايات المتحدة وتغيير النظام فى مصر»، وقالت فيها: هذا الناشط من حركة ٦ أبريل، أبلغنا بأن قوى متعددة معارضة اتفقت على الإسهام فى وضع خطة مكتوبة لانتقال السلطة فى مصر، تتضمن إيجاد رئاسة ضعيفة ورئيس وزراء وبرلمان بسلطات أقوى، قبل إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة فى ٢٠١١.
وتساءلت «سكوبى» فى برقيتها عما إذا كانت مثل هذه الخطة غير الواقعية يمكن أن تنجح، أو أن يكون لها وجود.
نصحت «سكوبى» المسئولين فى واشنطن بعدم الكشف عن هوية الناشط القادم من مصر، لأنه قد يتعرض للعقاب لدى عودته إلى القاهرة.
وتضيف «تليجراف» أن المظاهرات التى قامت فى مصر وشاركت فيها حركة ٦ أبريل، والتى برز اسمها من خلال «فيسبوك» قد جذبت إليها أعضاء عديدين من الشباب المتعلمين المعارضين لحكم مبارك.
وبعد ذلك قالت وثائق ويكليكس إن المسئولين بالسفارة الأمريكية كانت بينهم وبين هؤلاء النشطاء اتصالات منتظمة طوال عامى ٢٠٠٨ و٢٠٠٩، وكان الدبلوماسيون الأمريكيون يعتبرونهم ضمن أكثر مصادر المعلومات التى يعتمدون عليها عن انتهاكات حقوق الإنسان.
كان أوباما يشعر بالقلق من تراجع قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على الأحداث فى المنطقة، وهو ما دفعه إلى اختطاف الانتفاضات العربية لصالح أمريكا.

يشير الغمرى إلى أن خطة الاختطاف كانت قد استقرت على اختيار تنظيم الإخوان وكيلًا لها.
ويستند على ما كتبه البروفسور «والتر رسل ميد» وهو من كبار الخبراء السياسيين الأمريكيين فى دراسته «فشل الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط».
يقول «والتر»: كانت لإدارة أوباما استراتيجية عالمية فى الشرق الأوسط، جرت صياغتها بعناية ودقة، هذه الاستراتيجية تقوم ببساطة على العمل مع جماعة إسلامية معتدلة، كالإخوان المسلمين فى مصر، لكن أوباما أخطأ فى قراءة وتقدير قدرات هذه الجماعات ونضجها السياسى، فلم تكن جماعة الإخوان ومحمد مرسى مؤهلين فى هذا الوقت للحكم، وقد فشلوا فى فهم حدود التفويض الممنوح لهم بالحكم، وعجزوا عن إدارة الاقتصاد، وإدارة الدولة بكفاءة.
وفى نفس الاتجاه نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» فى عام ٢٠١٣ تقريرًا مطولًا تحت عنوان «أوباما بدأ القفز على الربيع العربى»، جاء فيه: لقد ثبت أن تنصيب الإخوان على حكم مصر كان استراتيجية مدروسة ومعتمدة لإدارة أوباما، وكانت هذه الاستراتيجية قد نضجت من قبل بدء أحداث الربيع العربى.
قبل ذلك بما يقرب من عامين كانت صحيفة «واشنطن بوست» وفى مارس ٢٠١١ قد نشرت تقريرًا أشارت فيه إلى أن إدارة أوباما اتخذت بالفعل خطوات للتفرقة بين مختلف التيارات فى المنطقة التى تدعو لحكومة إسلامية، وأن البيت الأبيض أمر فى فبراير ٢٠١١ بإجراء تقييم داخلى، انتهى إلى الاقتناع بوجود خلافات أيديولوجية كبيرة بين هذه التيارات وبعضها، مثل الإخوان المسلمين فى مصر، وتنظيم القاعدة، وإن هذا التقييم هو الذى سيوجه مسار الولايات المتحدة فى المنطقة.
ويضيف التقرير أن مضمون هذا التقييم يوحى بأن الحكومة الأمريكية تعلم أن الإخوان هم الذين سيكونون فى السلطة، وأنها وجدت فى هذا أمرًا جيدًا بالنسبة لها.
ويؤكد تقرير «واشنطن بوست» أن الإخوان المسلمين على وجه الخصوص سيستنتجون من هذا التصرف أن أمريكا ليست عدوهم، وسوف يتولى أحد أعضاء الإخوان من غير القيادات النقل لزميل آخر له: كنا نظن طوال سنوات أن الولايات المتحدة كانت ضدنا، ولكننا نرى الآن أن الأمريكيين هم فعلًا أصدقاؤنا.
ويعلق الغمرى على ذلك بقوله: ما جرى فى ٢٥ يناير ٢٠١١ كان ثورة، وهو ما اتفقت عليه كل مراكز الدراسات السياسية فى أوروبا والولايات المتحدة، لكن ما حدث من تعثر للثورة وعدم تحقيق أهدافها المعلنة ليس لخطأ فى الثورة ذاتها، وإنما نتيجة خطط مضادة، وضعت تفاصيلها فى خارج بلادنا لاختطاف الثورة، ودفعها خارج المسار الطبيعى، وكان لا بد لنجاح هذه الخطط من وكلاء فى الداخل، وهو الدور الذى أداه الإخوان، فكان ما جرى فى ٣٠ يونيو من استعادة للثورة من مختطفيها هم ووكلاؤهم.

فى ٢٠١١ نشر «ويليام انجدال» دراسته «ثورة مصر.. والتدمير الخلاق لإقامة شرق أوسط كبير».
و«انجدال» لمن لا يعرفه هو خبير متخصص فى علم استراتيجية المخاطر، وتستعين به عديد من المؤسسات السياسية كمستشار لها، ونشر كتبه باللغات الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والتركية والتشيكية والكورية.
يقول «انجدال» فى دراسته: بعد تغيير النظام فى تونس، لحقت به وبسرعة حركة احتجاج جماهيرية انطلقت فى مصر يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ ضد حكم مبارك، وبخلاف الانطباع الذى ساد وقتها بأن إدارة أوباما حاولت فى البداية المحافظة على بقاء نظام مبارك، إلا أن واشنطن فى الحقيقة كانت تدير خططًا فى مصر والدول الأخرى فى المنطقة، لتغيير الأنظمة من سوريا إلى اليمن والأردن، فى عملية اعتبرها البعض تنفيذًا لمشروع التدمير الخلاق.
يشير «انجدال» إلى أن التخطيط الأمريكى لهذه العملية بدأ تحركاته منذ عام ٢٠١٠، لإعداد المسرح لدفع عناصر جرى تجهيزها لهذا اليوم، لتكون فى صدارة قيادة التحركات السياسية، كخطوة نحو الوصول إلى الحكم، وقد فوجئت إدارة أوباما بأن الثورة المصرية اتخذت لنفسها مسارًا يختلف كلية عما توقعته، وهو أن تكون هذه الحركة الاحتجاجية محدودة، بحيث يمكن التحكم فيها عن طريق أشخاص وجماعات ستؤدى دورها بالوكالة عن الولايات المتحدة، إلا أن خروج حوالى عشرين مليونًا من المصريين فى مختلف المدن والقرى فى أنحاء مصر، كان يعنى فى نظرها أن الثورة على هذه الصورة يمكن أن تضع على قمة السلطة قيادات وطنية تنتج سياسات، قد تكون لها نتائج ليست فى صالح السياسة الأمريكية، وهو ما يقلب التخطيط الأمريكى للتغيير رأسًا على عقب.
بدأت الولايات المتحدة فى تغيير خطتها، وعن ذلك يقول «انجدال»: إن تنفيذ الخطة السرية لتغيير النظام كانت قد شاركت فى إعدادها وزارة الدفاع ووكالات المخابرات، وعدد من مراكز البحوث مثل «راند».
بدأ السيناريو -كما يصفه «انجدال»- بتنظيم دورة تدريبية على استخدام التكنولوجيا الحديثة لإحداث التغيير السلمى، والذى تم من خلالها تدريب أعضاء من تنظيم الإخوان المسلمين يخفون حقيقة هويتهم الإخوانية، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الشباب منهم أعضاء فى حركة ٦ أبريل.
وانطلقت دعوات المصريين لتظاهرات عامة فى ٢٥ يناير عن طريق «فيسبوك»، شاركت فيها مجموعات ممن جهزتهم الولايات المتحدة لتحريك الشارع خدمة لمصالحها ومنهم أعضاء قياديون فى حركة ٦ أبريل.

قبل الخطة كان هناك تجهيز للأرض.
ففى مايو ٢٠٠٩ قدم الباحثون فى مؤسسة «راند» تقريرًا إلى وزارة الدفاع يتعلق بالأوضاع فى مصر، وكان من بين توصياته: ينبغى على الحكومة الأمريكية تشجيع المنظمات غير الحكومية لتوفير التدريب للنشطاء، بما فى ذلك إرسال توجيهات لهم حول كيفية إنشاء الائتلافات، وكيفية التعامل مع الخلافات الداخلية فيما بينها حول الإصلاح الديمقراطى، ويمكن أن تتولى هذا التدريب مؤسسات أكاديمية أمريكية أو منظمات غير حكومية مرتبطة بالأحزاب السياسية الأمريكية مثل المعهد الجمهورى الدولى أو المعهد الوطنى الديمقراطى لتزويد قيادات الحركة النشطة بكيفية تسوية خلافاتها سلميًا وديمقراطيًا.
تضمنت الاستراتيجية، التى أشارت لها مؤسسة «راند»، تعليمات لقيادات هذه التحركات بالاستخدام الخلاق لوسائل الإعلام، وتحفيز حماس الشباب وتقديم خدمات اجتماعية لتعبئة قطاعات من السكان غير المسيسين وخلق حركات جديدة بديلة.
وفى مايو من العام ٢٠٠٩ أيضًا وقبيل زيارة أوباما إلى القاهرة، استضافت هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية فى واشنطن عددًا من الشباب المصريين من النشطاء السياسيين الذين تولت رعايتهم منظمة «بيت الحرية».
وهنا يمكن أن نتوقف قليلًا عند منظمة «بيت الحرية».
فقد كان لها دور فى مشروع تغيير الأنظمة من صربيا إلى جورجيا وأوكرانيا وغيرها من البلاد التى شهدت ما عرف بالثورة البرتقالية.
وتحت عنوان «صناعة أسراب الحشد الجماعى فى عصر ثورة الإنترنت» ينقل عاطف الغمرى عن «جون ستانتون» صاحب كتاب «أسراب الحشد الجماعى» قوله: الأسراب- مثلما هو الحال فى أسراب النحل- هى علميًا مخلوقات تتحرك وفق سلوك جماعى، حسب قواعد كامنة فى أنظمتها الطبيعية، ويصف المتخصصون فى علم الأحياء حشود الأسراب من الحيوانات أو ما يماثلها فى السلوك بأنها تتحرك معًا فى نفس الاتجاه، وتأتى سلوكياتها بطريقة متسقة، وفى الظروف التى تحيط بها تعقيدات بالغة، يميل الكائن البشرى للتصرف بطريقة الأسراب، والتحرك وفق سلوك مشترك.
وينقل الغمرى عن دراسة أعدها الجنرال المتقاعد «رسل هوارد» والخبير الاستراتيجى «سيسيل هان بيترسون» بعنوان «ثورات الإنترنت أضفت حياة جديدة على تكتيكات الأسراب»، والتى نشرت فى ٢٠١٣ قولهما: إن اكتساح الأسراب هو تكتيك مميز يتوجه نحو أهداف معينة باستخدام وحدات مستقلة مرنة منفصلة عن بعضها، وأن هذه الوحدات تتحرك بطريقة يسنها تنسيق للهجوم من عدة اتجاهات فى نفس الوقت، وميزة استخدام تكتيك الأسراب تتحقق عندما تتمكن شبكة تضم هذه الوحدات من استخدام قوة متصاعدة لا تهدأ فى مواجهة قوات متفوقة يمكنها الرد بهجمات مضادة.

وتشير الشواهد الواقعية إلى أن أسلوب الأسراب يستخدم الآن من جانب الميديا ووسائل الاتصال عبر الإنترنت لأداء دور بالغ الأهمية، وحشد مجموعات متنوعة، بعضها منظم وبعضها الآخر ليس منظمًا على الإطلاق للهجوم السربى الاكتساحى على أهداف مطلوبة بطريقة سرية وفعالة.
يربط الغمرى بين نظرية الأسراب وبين جماعة الإخوان المسلمين فى فصل مهم من كتابه عنوانه «داخل كهف الإخوان».
يقول: لم يكن عصيًا على الملاحظة التقارب فى أسلوب الحشد الجمعى للأفراد بين أسراب النحل وبين تحريك مجاميع الإخوان المسلمين فى الشارع، مدفوعين بسوط الإيحاء بأن هذا مطلب دينى صحيح، لكن منطلق كل منهما فى تحركه الجمعى مختلف عن الآخر، فنظرية الأسراب الأمريكية هى خلاصة دراسات سياسية واجتماعية وعلمية لخدمة أهداف استراتيجية فى دول أخرى، أما حركة الأسراب الإخوانية فهى مبنية على مبدأ محورى فى الهيكل التنظيمى للجماعة، وهو مبدأ السمع والطاعة، الذى يخلق حركة تلقائية لدى الأفراد بالانصياع للتعليمات الصادرة إليهم دون أن يعملوا عقولهم فى السؤال عن السبب.
ويضيف الغمرى: وقد اعترفت قيادات إخوانية انشقت عن التنظيم، وكذلك عدد من شباب الإخوان الذين خرجوا على الجماعة عقب ثورة ٢٥ يناير، بأن الاستنكار والغضب وربما الإقصاء كانت جزاء من يجرؤ على السؤال، عملًا بما كان يقال لكل من يسأل: إنك لا تعرف ما الذى تعرفه القيادة.
بهذا المنطق عندما قررت الجماعة اللحاق بثوار التحرير يوم ٢٨ يناير، فقد وصلت الرسائل الإلزامية إلى الأعضاء بالانضمام فى هذا اليوم للمتظاهرين، وتنقلت الرسائل عبر السلسلة التنظيمية، وكما يقول العضو الناشط عمرو البلتاجى: اتصل بى رئيس أسرتى تليفونيًا فى وقت مبكر ليبلغنى بالأمر، وهكذا تم الاتصال بمعظم الأعضاء بالتليفون، والذى يعتبر الوسيلة الأسرع للاتصال فى الحالات الطارئة.
يقول الغمرى: وهذا التنظيم الهرمى السرى القائم على مبدأ السمع والطاعة هو الذى أسهم فى ظهور جماعة الإخوان فى عام ٢٠١١، باعتبارها أكثر القوى السياسية تنظيمًا بالمقارنة بمعظم الأحزاب السياسية، وهو ما هيأ لهم فرصة الانقضاض على الثورة وعلى الموقف السياسى فى الشارع.

ويضيف: وخلال فترة تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون الدولة كان الإخوان يتعاملون مع المجلس ضمن ممثلين آخرين للأحزاب والقوى السياسية، إلى أن انتهى شهر العسل بينهم وبين المجلس العسكرى، عندما دفعوا عناصرهم الذين التحقوا بتجمعات المشاركين فى الثورة لإطلاق شعار «يسقط حكم العسكر»، ولكى تتناقله حناجر الأسراب، كقوة ضغط على المجلس، ومع تصاعد الضغوط التى مارسها الإخوان بترتبيات محسوبة، أمكن إفساح المجال أمامهم لامتلاك مقومات التأثير على المجلس العسكرى، ليصلوا فى النهاية إلى وضع يمارسون فيه طريقتى التهديد والابتزاز.
فى كتابه «السياسة الأمريكية والإخوان المسلمين» يقول «ستيفن بروك»: من المهم ملاحظة أنه بالرغم من عدم ظهور صياغة رسمية للسياسة الأمريكية تجاه جماعات الإسلام السياسى، فإن الاتصالات كانت تتم بشكل منتظم خلال التسعينيات بين مسئولين أمريكيين والإخوان المسلمين، وأكدت مصادر عديدة أن الحكومة الأمريكية وخاصة وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية قد بدأتا فى إقامة حوار مع الإخوان فى مصر فى منتصف التسعينيات، وأن السفارة فى القاهرة أجرت اتصالات حذرة مع الإخوان.
وفى كتابه «أمريكا والإسلام السياسى» يقول مؤلفه «فواز جرجس» إن هذه الاتصالات كانت جزءًا من مساع لتقييم احتمالًا المستقبل فيما بعد انتهاء حكم حسنى مبارك.
ويذكر «جيلز كيبل» الخبير الفرنسى فى شئون الإسلام فى كتابه «الجهاد وانتشار الإسلام المتشدد» أن مبارك غضب بشدة عندنا اكتشف هذه الاتصالات بين الإخوان والأمريكان، وعبّر عن غضبه فى حوار أجرته معه الصحفية الأمريكية «مارى آن ويفر» عندما قال لها: إن حكومتكم تجرى اتصالات مع هؤلاء الإرهابيين من جماعة الإخوان، وهذه الاتصالات تدور بصورة سرية ودون علمنا.

وفى برقية أرسلت بها السفارة الأمريكية من القاهرة فى ربيع ٢٠٠٩ وقبل زيارة مبارك إلى واشنطن تلخيص لوجهة النظر المصرية تجاه التقارب الأمريكى الإخوانى، تقول البرقية: إن مبارك ومستشاريه مقتنعون الآن بأن إيران تعمل على إضعاف مصر عن طريق خلق خلايا لحزب الله ودعم الإخوان المسلمين وإشاعة عدم الاستقرار.
وفى يونيو ٢٠٠٩ عندما أعلن أوباما فى جامعة القاهرة عن أن «أمريكا تحترم حق أصحاب الأصوات السلمية والملتزمة بالقانون فى العالم فى الاستماع إليهم حتى ولو كنا نختلف معهم، وأننا نرحب بكل الحكومات المنتخبة سلميًا»، أشار الصحفى الأمريكى «ديفيد إجناتيوس» فى الـ«وشنطن بوست» إلى أن هذه العبارات تمت صياغتها للإشارة إلى الإخوان المسلمين بالتحديد.
وفى هذا الوقت أقدم أوباما على تصرف لم يسبقه إليه أى رئيس أمريكى، حين طلب من الرئيس مبارك دعوة أعضاء من الإخوان لحضور خطابه بجامعة القاهرة، ولم تكن البيانات الرسمية للبيت الأبيض تتضمن أى إشارة صريحة للإخوان المسلمين، لكن المسئولين بالبيت الأبيض كانوا فى جلساتهم الخاصة لا يستبعدون التعامل مع الإخوان، وذكر أحد أعضاء طاقم البيت الأبيض أن أوباما أوضح فى مناقشات خاصة إمكانية المشاركة مع من وصفتهم صحيفة «نيويورك تايمز» بأطراف ليست علمانية، وهو وصف دبلوماسى للإخوان المسلمين.
ويذهب «إريك ستكلبيك» فى كتابه «الإخوان العدو الأكبر لأمريكا» إلى أن إدارة أوباما ثابرت على مساعدة الإخوان للتمكين لهم فى الشرق الأوسط، بزعم أنهم سيكونون معاونًا لها ضد إرهاب تنظيم القاعدة، وبعد أحداث الربيع العربى قدم قادة الدول الغربية للإخوان الدعم السياسى الذى كانوا قد وعدوهم به، وقت سقوط الأنظمة القائمة بتسهيل وصولهم إلى الحكم ومساندة نفوذهم فى عدد من الدول.
وراء كواليس العلاقة بين الولايات المتحدة وتنظيم الإخوان جرت ممارسات غير معلنة يشوبها تحيز استثنائى فى معاملة أعضاء الجماعة، لم يحظَ به الأمريكيون أنفسهم.
وقد كشفت وثائق أمريكية ظهرت فى العام ٢٠١٤ أن وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت تعليمات بإعفاء عناصر تنظيم الإخوان من إجراءات الكشف الأمنى بمطار كيندى الدولى فى نيويورك، ومعاملتهم باعتبارهم من كبار الشخصيات.
منحت هذه المعاملة الخاصة التى وصفت بمجاملة فى موانئ السفر للإخوان فى مارس وأبريل ٢٠١٢، وتشير الوثائق إلى أن وزارة الخارجية ومسئولى الأمن وفروا وسائل الترحيب بأعضاء جماعة الإخوان، وحزب الحرية والعدالة حتى من قبل وصول الإخوان للحكم فى يونيو ٢٠١٢، بل إن أحد الزوار الإخوان وهو «عبدالموجود الدرديرى» اصطحبه مرافقون أمريكيون أثناء مروره بنقطة التفتيش فى مطار كيندى، ثم تفادى «الدرديرى» تفتيشًا آخر يتم فيه المسح الإلكترونى لحقائب الركاب الذين قد يمثلون خطرًا أمنيًا.

عقب ذيوع أمر هذه التعليمات الحكومية التى تقدم معاملة متميزة لوفود جماعة الإخوان لا يحصل عليها الأمريكان، بدأت المصادر العاملة فى خطوط الطيران والجمارك تكشف المزيد من التفصيلات.
يكتب «ألكس نيومان» مراسل مجلة «ذا نيو أمريكان» أن الانتقادات للمعاملة الخاصة التى يلقاها الإخوان الذين يزورون الولايات المتحدة بتوصيفهم من كبار الشخصيات سرعان ما انتشرت فى وسائل الإعلام، خصوصًا بعد تسرب الوثائق الحكومية عن هذا الوضع، ومن بينها وثائق الإدارة الأمريكية للجمارك وحماية الحدود، والتى كشفت عن استثناء وفد إخوانى زار الولايات المتحدة فى أبريل ٢٠١٢ من إجراءات التحقيق والتفتيش، وهو استثناء يطبق فقط على كبار الزعماء الأجانب والمسئولين فى الحكومة.
ويكشف مسئول فى هذه الإدارات عن أن السفارة الأمريكية بالقاهرة كانت تسهل لهم سرعة استخراج تأشيرات الدخول، وتطلب من سلطات الجمارك فى مطارات الولايات المتحدة ضرورة تقديم مختلف أشكال المجاملة لهم.
ووصف مسئول أمريكى هذه المعاملة للإخوان بأنها غير عادية.
هذه المعاملة الاستثنائية دفعت المحللين للشعور بالانزعاج، بالنظر إلى تنظيم الإخوان المثير للجدل، وتحالفهم مع جماعات مدرجة فى الولايات المتحدة كتنظيمات إرهابية.
وبالرغم من تنبيه المحللين لتاريخ الإخوان فإن إدارة أوباما قدمت لهم دعمًا فائقًا.
وبالرغم من أن المسئولين فى الإدارة الأمريكية يعلمون جيدًا أهداف الإخوان طوال عشرات السنين الماضية، وقدم مدعون فيدراليون فى عام ١٩٩١ وثيقة خلال محاكمتين لأعضاء من تنظيم الإخوان كدليل على استهدافهم دولة الولايات المتحدة ذاتها، فإن البيت الأبيض استضاف فى ٢٠١٤ عضوًا قياديًا بالإخوان يُدعى أنس التكريتى، واجتمع به الرئيس أوباما ونائبه جو بايدن.
وصفت التقارير المنشورة فى واشنطن أنس التكريتى بأنه عراقى الأصل يحمل الجنسية البريطانية، وكان والده رئيسًا لجماعة الإخوان فى العراق، وأنه يمارس نشاطًا لصالح الإخوان فى لندن، وأثار ظهور التكريتى فى البيت الأبيض دهشة كثيرين فى واشنطن، وقالوا إنه يرأس منظمة قرطبة فى لندن، وهى المنظمة التى اعتبرها رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون فرعًا سياسيًا للإخوان.
ومن أخطر ما كشفه كتاب عاطف الغمرى هو ما قامت به الولايات المتحدة لاحتواء شباب جماعة الإخوان المسلمين ومحاولة إعادتهم إلى صفوف التنظيم بعد الخلافات والانشقاقات العديدة التى حدثت فى جدار الجماعة قبل وبعد ٢٥ يناير.
يشير عاطف إلى أن عيون أجهزة المخابرات ومراكز البحوث السياسية والاستراتيجية فى الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن تجربة الإخوان منذ صعودها وحتى سقوطها، وما كان يدب من خلافات داخل الجماعة بين قياداتها وبين بعض من الشباب الذين تضاعفت تحفظاتهم تجاه مواقف قياداتهم السياسية والوطنية.

خشيت الولايات المتحدة من أن تؤثر الخلافات والانقسامات داخل الجماعة على علاقتها بالتنظيم، ولذلك أعدت مؤسسة «راند» تقريرًا محوره العمل على استقطاب شباب الإخوان واحتوائهم خدمة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة.
تقرير «راند» كان مختلفًا عن كل التقارير التى صدرت عن الإخوان فى الولايات المتحدة، لأنه اهتم بدراسة الشباب داخل الجماعة، وحدد الهدف منه بأنه يسعى إلى رسم صورة كاملة عما يجرى من تحولات داخل قطاع الشباب فى الجماعة، لوضعها أمام صانع القرار الأمريكى حتى يمكن للولايات المتحدة أن تطور سياستها وعلاقتها مع الإخوان بناء على هذه التحولات الداخلية.
التقرير مكون من ٦٩ صفحة واستند إلى مئات المصادر والمراجع.
يقول: هناك انقسامات بين الأجيال تمثل تحديًا أساسيًا لتماسك التنظيم، وطبقًا للمسح الشامل لواقع شباب الإخوان الذين نزلوا إلى الشوارع مشاركين فى ثورة ٢٥ يناير دون موافقة قيادات الجماعة، فقد جرى تهميشهم فى هيكلة التنظيم، فإننا نقدم توصيات عن الكيفية التى يجب أن تتصرف بها الولايات المتحدة بشأن علاقة الشراكة بينها وبين الإخوان.

ينطلق التقرير من حقيقة أن جماعة الإخوان واجهت عددًا من التحديات من أبرزها الانقسامات الجيلية داخل التنظيم، فالشباب الذين كانوا فى صفوف من تحركوا من تلقاء أنفسهم طلبًا للتغيير فى مصر، ظلوا مهمشين فى التدرج السياسى فى الجماعة، مع احتكار القيادة للقرار فى أضيق نطاق، وإحاطة ما يدور بينهم وما يفعلونه بالسرية الكاملة، ولم يعد يخفى على أحد استياء الشباب، بالرغم من أن من هم تحت سن الـ٣٥ عامًا، يمثلون الشريحة الأكبر فى عضوية الإخوان، لكن مشاركتهم فى التنظيم محكومة بمبدأ السمع والطاعة، مما يهبط بفاعلية دورهم إلى ما يماثل عجلة فى عربة، يريدها ويريدهم القادة الأساسيون، وقد غرس هذا الوضع بذور انقسام كبير داخل الجماعة.
ويرصد تقرير «راند» أن الانقسامات بين الأجيال داخل جماعة الإخوان ظهرت فى مناقشات داخلية حول أربع نقاط:
أولًا: التوفيق بين مختلف المهام المختلف عليها للجماعة، فكثيرون من الشباب الذين انشقوا عن التنظيم لديهم تحفظات حول عدم الفصل بين النشاط الدعوى والنشاط السياسى.
ثانيًا: الموقف من القضايا الاجتماعية، ومنها المساواة بين الرجل والمرأة وحقوق الأقليات.
ثالثًا: الرؤية والإيقاع المتواضعان لدى القيادات الرئيسية تجاه التغيير الذى تتطلع إليه الكوادر من الشباب.
رابعًا: تصلب القيادات وتهميشهم لأصوات الشباب.

وأوصى التقرير الأمريكى بضرورة اهتمام الولايات المتحدة بالشباب بما يستحقونه، وليس بسبب ما يمثلونه من تحدٍ لتماسك تنظيم الإخوان، ولكن أيضًا باعتبارهم قناة محتملة لتوسيع شراكة أمريكا مع الجماعة.
سأل الفصل الأول من التقرير: من هم شباب الإخوان؟
وأجاب بأن شباب الإخوان هم الذين اختلفوا مع قيادات الجماعة، وأظهروا أنهم أكثر ثورية منهم، فتصرفات القيادات يشوبها الحذر والتلكؤ بعكس ديناميكية الشباب، وهو ما يمكن أن يخلق انشقاقات مستقبلية فى صفوف الجماعة، وبالرغم من أن الفصائل التى انشقت عن الإخوان تعبر عن قطاع لحق به تطور مهم، إلا أن من المهم كذلك النظر إلى الذين ظلوا مرتبطين بالتنظيم وبالولاء له، ولمبدأ السمع والطاعة.
يحدد تقرير «راند» أسماءً من رموز من الشباب الذين شاركوا كأفراد من تلقاء أنفسهم فى ثورة ٢٥ يناير، وهم إسلام لطفى ومحمد القصاص، والذى اختير ممثلًا لشباب الإخوان فى ائتلاف شباب الثورة، وهو الائتلاف الذى تكون كمظلة للتنسيق والتفاعل بين الشباب من جهة وبين السلطة الانتقالية من جهة أخرى فى الأيام الأولى بعد الثورة.
وكان لطفى والقصاص وزملاء لهما مثل محمد عباس وعبدالرحمن الهريدى قد انفصلوا عن التنظيم بعد تشكيلهم حزبًا سياسيًا فى مخالفة لنظام العضوية السياسية بجماعة الإخوان، والتى تفرض عليهم عضوية حزب واحد فقط هو الحرية والعدالة.
أشار الباحثون -الذين أعدوا التقرير- إلى أنه رغم أن الأعضاء المنشقين عن التنظيم من أصحاب المهارات والعقول المتنورة من الشباب، وقد انفصلوا عن الجماعة بسبب جمود القيادة وانعدام مرونتها وفقدان الشباب الفرصة للوصول إلى مراكز قيادية، لكن تركيز الضوء على المنشقين قد يحجب الرؤية عن قطاعات الشباب الذين ظلوا على التزامهم بمبدأ السمع والطاعة، حتى وإن كان بينهم من يشارك المنشقين آراءهم لكنهم مع ذلك فضلوا البقاء داخل الجماعة.

ويؤكد التقرير أن معرفة الولايات المتحدة الأمريكية بهذا التنوع بين شباب الإخوان، سيحقق لها مكاسب كبيرة، وهذه المكاسب لا تأتى فقط من كون جناح الشباب أداة مهمة لتوسيع نطاق الارتباط بين الولايات المتحدة والإخوان، بل أيضًا لأن أعضاء فى جناح الشباب سوف يصبحون مستقبلًا قادة هذا التنظيم فى بلد يعد حيويًا بالنسبة للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
ويكشف التقرير ما ذهبنا إليه وذهب إليه آخرون من أن الجماعة دخلت الثورة متأخرة، وأنها لم تؤيدها إلا بعد أن تأكدت من نجاحها.
تحت عنوان «دور شباب الإخوان فى الثورة» يقول تقرير «راند»: طالب النشطاء من شباب الجماعة بالخروج فى تظاهرات فى ٢٥ يناير، لكن واجهتهم القيادات برفضها الانضمام للثورة، مبررة ذلك بالخوف من تعرض القيادات للاعتقال، قبل أن تكون المظاهرات قد وصلت إلى مرحلة حشد تجمع جماهيرى مؤثر يبرر للإخوان الإقدام على هذه المخاطرة.
ويضيف التقرير: وبالرغم من تحفظات القيادات على خروج الأعضاء فى التظاهرات، فإن قطاعات من شباب الإخوان بذلوا ضغوطًا قوية للسماح لهم بالاشتراك، واضطرت القيادات أخيرًا للموافقة، ولكن بشرط أن تكون مشاركتهم بصفتهم الفريدة وليس بكونهم أعضاء يرفعون شعارات الإخوان، وأن يغادروا ميدان التحرير قبل الساعة الخامسة مساء، وهو موعد الحظر الذى فرضته قيادة الإخوان، وقد التزم الشباب بالشرط الأول، لكن أغلبهم تجاهلوا الشرط الثانى، وبعد مرور ثلاثة أيام على الثورة تجاوزت قيادات الإخوان الشروط المفروضة، إلى التأييد للثورة بعد تأكدهم من نجاحها.
ويبرز التقرير ما قاله محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد والمتحدث الرسمى باسم الجماعة من أن الإخوان قادرون على السيطرة على شبابهم، ويشير إلى أن هذه النظرة كانت من أسباب الانقسامات التى أدت ببعض الشباب إلى رفض منطق الهيمنة على العقول، وقد تفاقمت الانقسامات مع انتفاضة ٢٥ يناير حين زادت توقعات الشباب من أن الدور الذى قاموا به ولو بشكل فردى فى الثورة سوف يؤهلهم لشغل موقع أكبر فى اتخاذ القرارات فى الجماعة.
وكان عدد من شباب الإخوان البارزين قد تقدموا لقياداتهم بمطالب فى مؤتمر عقد فى القاهرة فى مارس ٢٠١١ للسماح لهم بالتصرف الذى يلائم ظروف بلد يمر بثورة، بعد مشاركتهم فى مظاهرات لم يكن التنظيم قد صرح لهم بالمشاركة فيها، ولم تظهر القيادات تسامحًا تجاه هذا التصرف المستقل من الشباب ولم تسمح لهم بالتصرف دون إذن من القيادة، وردت على موقفهم بإنكار وجود أى كيان يسمى «شباب الإخوان المسلمين» وسحب التنظيم تمثيل الإخوان من ائتلاف شباب الثورة.
لا يميل تقرير «راند» بشكل مطلق لتوصيف شباب الإخوان بأنهم تقدميون.
يقول: من تبسيط الأمور القول بأن شباب الإخوان بصفة عامة أكثر تقدمية من قياداتهم، لأن بين الشباب عناصر محافظة جدًا فى نظرتها للقضايا الاجتماعية بخلاف مجموعة الشباب الثوريين الذين وصلوا إلى موقف صدام مع قيادات الإخوان.
تواصل الأمريكان مع الإخوان تواصلًا استراتيجيًا كاملًا، وظهر تعاونهما من خلال البيانات الودية من جانب السيناتور «جون ماكين» بشأن دور الإخوان فى حل أزمة احتجاز نشطاء أمريكيين يمثلون منظمة «فريدوم هاوس» و«معهد الصندوق الوطنى للديمقراطية»، والذين اتهموا بممارسة نشاط فى مصر دون ترخيص رسمى، وتم رفع حظر السفر عنهم، وهو ما دعا شخصيات أمريكية لتقديم الشكر للإخوان، بسبب ما وصفوه بدور الإخوان فى تسهيل خروجهم من مصر، بالرغم من محاولة الإخوان نفى دورهم فى إنهاء هذه الأزمة.
وفى صيف ٢٠١١ بدأ المسئولون الأمريكيون فى إجراء اتصالات مع ائتلاف شباب الثورة الذى ضم فى صفوفه شبابًا من تنظيم الإخوان، وطلبت الحكومة الأمريكية عقد اجتماعات مع قيادات من حزب الحرية والعدالة الذين ترددوا فى البداية خشية التأثير على صورة موقفهم من الثورة، ولكنهم غيروا موقفهم فى أغسطس ٢٠١٢، وعقدوا اجتماعات مباشرة مع مسئولين أمريكيين، مثلهم فيها أعضاء من التنظيم، ومن حزب الحرية والعدالة.
وطبقًا لما ذكره مسئول بالسفارة الأمريكية بالقاهرة فإن مسئولين بالسفارة كثيرًا ما عقدوا لقاءات منتظمة مع أعضاء من الجماعة، ومن حزب الحرية والعدالة، بطريقة تزيد كثيرًا عن أى لقاءات لهم مع أعضاء فى أى أحزاب أخرى.
وفى إشارة إلى الضغوط الأمريكية على مصر لصالح الإخوان دعت هيلارى كلينتون المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أن يفى بوعده، بتسليم السلطة لمن يفوز فى انتخابات ديمقراطية، حتى ولو أدت إلى انتخاب مرشح الإخوان المسلمين، وكانت الولايات المتحدة تعلم أن الفوز سيكون للإخوان باعتبارهم الجماعة الأكثر تنظيمًا.
وبمجرد إعلان فوز محمد مرسى بعثت الولايات المتحدة الرجل الثانى فى وزارة الخارجية «ويليام بيرنز» لمقابلة مرسى، وبعد قليل سافرت هيلارى كلينتون، ووزير الدفاع باينتا إلى القاهرة واجتمعا مع مرسى.
ويختم تقرير «راند» رصده لما حدث فى مصر بين الأمريكان والإخوان بقوله: إن الارتباط بين الولايات المتحدة والجماعة وفر للجانبين فرصة لتبديد أى سوء تفاهم، وتحديد القضايا التى يهتمان بها فى السياسة الخارجية، وبدء التنسيق بينهما حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما أن الشراكة مع الإخوان كانت بمثابة رسالة موجهة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بأن الولايات المتحدة تربطها علاقات أخرى داخل مصر، وهو ما يزيد من قدرتها على الضغط على قادة القوات المسلحة.
ويضيف التقرير فى النهاية: ساعدت اللقاءات المنتظمة بين الأمريكان والإخوان على طرح أسئلة عديدة عن مواقفهم السياسية، ومنها طلب توضيح موقفهم من إسرائيل، وفى إطار تطور العلاقة بينهما أصبحت اللقاءات توفر للولايات المتحدة معلومات تحتاجها أيضًا لتبادل الآراء حول مسائل بعينها، مثل الأمن فى سيناء، وهى نفس المسائل التى اعتاد المسئولون الأمريكيون مناقشتها مع المجلس العسكرى فى مصر.
ويهتم عاطف الغمرى بعدة دراسات عن الإخوان وجماعات الإسلام السياسى عكف أصحابها خلال فترة حكم مرسى على الدراسة التحليليلة المستقبلية لوجود الإخوان فى الحكم، وإدارتها للدولة، وتوصلوا إلى توقعات بانعدام قابلية الإخوان للاستمرار فى الحكم وقرب سقوط تجربتهم.
الكاتبة «كارى روسفسكى ويكهام» خاضت هذه المهمة، وجمعت حصيلة جهدها فى كتابها «الإخوان المسلمون وتطور الحركة الإسلامية»، وهو الكتاب الذى كتب عنه الباحث «ديريل مكين» تحليلًا مطولًا بعنوان «صعود وسقوط الإخوان المسلمين».
أنهت «ويكهام» كتابها قبل أن يصدر محمد مرسى إعلانه الدستورى فى ٢٦ نوفمبر ٢٠١٢، وقبل نزول الملايين من محبى الحرية إلى الشوارع فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مطالبين برحيل مرسى وزمرته عن الحكم، ولذلك تساءلت فى كتابها عما إذا كان الإخوان سيقدرون أو لا يقدرون على محاولة اختطاف سعى مصر للانتقال ديمقراطيًا، وهو السؤال الذى استمر طرحه فى فترة حكم مرسى.
ويقول «ديريل مكين» فى تحليله لكتاب «ويكهام» إن أحد المتظاهرين فى ثورة ٣٠ يونيو لخص تجربة الإخوان فى الحكم بهذه العبارة: لقد كنا تحت احتلال من جانب الإخوان، وهو أسوأ من الاحتلال البريطانى.







