الجمعة 13 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

حاضنة الأفعى... مصطفى مشهور.. أخطر إرهابى فى بر مصر

حرف

- الإرهابى مصطفى مشهور كان مشاركًا فى تفجير مبنى شركة المعاملات الإسلامية

- مصطفى مشهور واحد من أبرز أعضاء جهاز الاغتيالات التابع للإخوان وعندما تكشفت هذه الحقيقة تبين أنه كان ضالعًا فى كل أعمال العنف الإخوانية

- مشهور كان أحد أهم أعضاء التنظيم السرى لجماعة الإخوان المسلمين

- مصطفى مشهور سجن فى قضية السيارة الجيب لمدة ثلاث سنوات ثم أفرج عنه

- مشهور لم يفسر آية ولم يشرح سورة ولم يعلم الناس أمور دينهم ولم يفتهم فى أمور دنياهم

- مشهور شارك فى نسف محكمة باب الخلق لإخفاء مستندات القضايا التى اتهموا بها

- فؤاد علام: مصطفى مشهور كان من أخطر رجال التنظيم السرى بل الأخطر على الإطلاق

فى بعض مقدمات حلقات مسلسل «رأس الأفعى» يقابلنا مصطفى مشهور، المرشد الخامس لجماعة الإخوان الإرهابية، وهو يقدم رعاية معرفية وتنظيمية دقيقة لمحمود عزت، الإرهابى الذى وقف بقوة خلف أحداث العنف التى أعقبت ثورة 30 يونيو. 

أدى الدور باقتدار الفنان نضال الشافعى، نبرة الصوت وانحناءة الظهر والنظرات الثعبانية التى تكشف خبيئة نفس هذا الرجل الذى كان من أخطر الإرهابيين فى تاريخ مصر، بل هو فى تقدير البعض أخطر إرهابى فى بر مصر. 

المسلسل، الذى يعالج فى خطه الرئيسى هروب محمود عزت، وجهود رجال الأمن الوطنى فى تعقب الإرهابيين وقطع الطريق عليهم فى تدمير وتخريب مصر، يحاول رسم صورة كاملة ومكبرة لجذور العنف لدى قيادات الجماعة الإرهابية، يفعل ذلك بنعومة شديدة، ودون ابتعاد عن الخط الأساسى للمسلسل الذى هو واحد من أهم الأعمال فى تاريخ الدراما العربية. 

ما قدمه المسلسل عن مصطفى مشهور ليس إلا غيضًا من فيض، يمكننا أن نقرأ من خلال المشاهد السريعة ما الذى كان عليه مصطفى مشهور، لكننا هنا سنحاول رسم صورة مكبرة له، ليس من باب الكشف ولكن من باب الفضح لما تحاول الجماعة إخفاءه عنا، وهو كثير. 

كان مصطفى مشهور مرشح إخوان الخارج لمنصب مرشد الإخوان العام بعد وفاة عمر التلمسانى فى العام 1986، لكن إصرار إخوان مصر على ترشيح محمد حامد أبوالنصر حال بينه وبين ذلك. 

كان مشهور متطلعًا إلى المنصب، فقد كانت لديه خططه التى يريد تنفيذها على الأرض، فلم يكن راضيًا أبدًا عن أداء التلمسانى، بل كان رافضًا لمدرسته، وأعتقد أنه ما صمت على ما كان يجرى داخل الجماعة إلا لأنه تمكن من أن يؤسس لخط سرى موازٍ لعمل المرشد العام. 

كان مشهور يعرف جيدًا أن اسمه وما يرتبط به من أعمال عنف ومؤامرات قادها ضد نظام الحكم أكثر من مرة تجعله غير مرحب به فى المجال العام المصرى، وهو ما جعله يدعم اختيار حامد أبوالنصر مرشدًا، من ناحية حتى يؤكد أنه ليس راغبًا فى المنصب- وذلك على غير الحقيقة- ومن ناحية ثانية أدرك أن المرشد الجديد المريض لن يكون فاعلًا إلى درجة كبيرة، وهو ما يساعده على إكمال مسيرته السرية داخل الجماعة دون أن يعترضه أحد. 

وعندما توفى أبوالنصر فى 20 يناير 1996 قرر ألا يفرط فى المنصب، وهو ما وضح فيما ثبت على صفحة تاريخ الجماعة بأنه أصبح مرشدًا بـ«بيعة المقابر». 

مصطفى مشهور ومحمود عزت فى لقطة من مسلسل «رأس الأفعى»

فى مذكراته يقول محمد حبيب إنه عقب وفاة حامد أبوالنصر، وبعد إتمام الدفن مباشرة، دعا لاشين أبوشنب الإخوان المشيعين أمام المقبرة إلى مبايعة مشهور كمرشد عام للجماعة. 

وتساءل حبيب: كنت فى هذ الوقت فى السجن، والحقيقة أنى كنت أتساءل عن الدافع الذى حدا بالأستاذ لاشين ليقوم بهذا التصرف، خاصة أن هناك لوائح تحكم الجماعة من جانب، وأنه لا خلاف على مصطفى مشهور أن يكون مرشدًا من جانب آخر؟ 

يبدو أن الصورة لم تكن واضحة بما يكفى لدى محمد حبيب، فقد كانت التوقعات فى المجال العام تبتعد بمصطفى مشهور عن منصب المرشد العام، وكان هناك من يردد أن الجماعة لن تدفع به مرشدًا حتى تحافظ على حالة الهدوء بينها وبين الدولة، وهو ما قد يكون دفع بالتعجل للحصول على بيعة لمشهور قبل أن يتم دفن سلفه، خوفًا من أن يتكرر سيناريو ١٩٨٦ مرة أخرى. 

وحتى تتضح الصورة أكثر، دعونا نقرأ ما كتبه الباحث أحمد بان فى كتابه «الإخوان المسلمون ومحنة الوطن والدين». 

يقول: أوصى حامد أبوالنصر قبل وفاته بأن تجرى انتخابات لاختيار مرشد الجماعة بعده، ولكن فور انتهاء مراسم دفنه، وفى حضور عدد كبير من الإخوان، تقدم مأمون الهضيبى ربما بترتيب مع مجموعة النظام الخاص، وبايع مصطفى مشهور مرشدًا للجماعة، ليتقدم بعدها لاشين أبوشنب فيبايع هو الآخر، وتتوالى المبايعات فيما سمى وقتها بـ«بيعة المقابر»، والتى تعذر بعض القادة فى إجرائها على هذا النحو بمحاولة قطع الطريق على أمن الدولة فى إفساد أى اجتماع لمجلس الشورى لإجراء الانتخابات، وقد غضبت رموز وقيادات الجماعة فى الخارج على وجه الخصوص، حيث حُرمت من أن يكون لها دور فى انتخاب المرشد، وأدرك وقتها الجناح الإصلاحى داخل الجماعة أنه خسر المعركة مع المحافظين. 

لكن من هو مصطفى مشهور؟ 

وكيف دخل إلى جماعة الإخوان بقدميه؟ 

وكيف استطاع أن يصبح كما يطلق عليه من يعرفون دوره جيدًا داخل الجماعة بأنه كان «صقر الصقور»... والرجل الأخطر فى تاريخ الجماعة كله؟ 

يلخص مشهور قصة انضمامه للجماعة بقوله: التقيت بعض الإخوان ثم استمعت إلى دروس البنا ووجدت كلامًا طيبًا عن الإسلام تحوطه روح وحيوية وعزة، وتوالى استماعى لدروسه وخطبه وقراءاتى لكتب الإخوان ورسائلهم، واتضحت لى الصورة الصحيحة للإسلام وعقيدته ونظمه الشاملة للحياة، كما وضحت أمامى مهمة الإنسان الذى استخلفه الله فى هذه الأرض، وهكذا سارت خطواتى منذ بداية الأربعينيات مع بدايات الدعوة، ولقد كانت دعوة الإخوان المسلمين من أول يوم شاملة للدين والدنيا، عبادة وقيادة، أخلاق ومعاملات، تربية وسياسة، مصحف وسيف، هكذا فهمتها كما يفهمها جميع الإخوان المسلمين، وركن الفهم من أركان بيعة الإخوان، وضع له البنا أصولًا عشرين يلتزم بها كل من ينتمون إلى الإخوان المسلمين. 

صورة براقة، ما فى ذلك شك، حاول مصطفى مشهور أن يقدم بها نفسه، ويرسم ملامح انضمامه إلى التنظيم، لكن الحقيقة لم تكن كذلك أبدًا. 

ولد مصطفى مشهور فى قرية السعديين بمركز «منيا القمح» عام ١٩٢١. 

وكأى شاب من شباب الريف كان ملتزمًا بالصلاة فى مواعيدها، وبينما كان يصلى العصر فى مسجد القرية تصادف أن كان أحد قيادات الرعيل الأول من أعضاء الجماعة فى جولة لضم أعضاء جدد، فتعرف على مصطفى وشرح له فكرة الجماعة وماذا تريد، وكان ذلك فى العام ١٩٣٨، ووقتها كان مصطفى فى السابعة عشر من عمره، ويدرس فى المرحلة الثانوية. 

أبدى مصطفى للقيادى الإخوانى قناعته التامة بما قاله له، وأبدى استعداده للانضمام إلى الجماعة، فأخذه القيادى الإخوانى إلى مقر الشعبة، ومنها إلى المقر العام للجماعة، وبعدها صار مشهور عضوًا فى التنظيم. 

فى تلك الفترة كانت الجماعة فى عز قوتها، ففى عام ١٩٢٩ كان للإخوان أربع شعب، أصبحت خمسًا فى عام ١٩٣٠، ثم عشرًا فى عام ١٩٣١، ثم ١٥ فى عام ١٩٣٢، ثم ٣٠٠ شعبة فى نفس العام الذى انضم فيه مشهور للإخوان عام ١٩٣٨، وبعدها بعامين صارت ٤٠٠ شعبة.

فى تلك الأثناء أيضًا كانت الجوالة قد تحولت إلى نظام خاص «جهاز سرى» للقتل والاغتيال، وتنفيذ أهداف الجماعة بالقوة، وكان أعضاء النظام يدخلون قبل العملية إلى غرفة شبه مظلمة، فيها أحد قيادات التنظيم، يقرأون القرآن ويتعرضون لعملية حشد نفسى ودينى هائلة، يخرجون بعدها لتنفيذ العملية التى يكلفون بها. 

كان مصطفى مشهور أحد تلك الأسماء التى انضمت إلى النظام الخاص لما أبداه من استعداد واضح بعيدًا عن الدعوة، فلم يكن مؤهلًا على الإطلاق إلا لدور من يحمل العنف إلى العالم. 

ظل مصطفى مشهور عضوًا عاملًا فى الجماعة، يفكر ويخطط لتنفيذ أهدافها بالقوة، ولم يلمع اسمه أو يصبح حتى معروفًا إلا على هامش قضية «السيارة الجيب» التى تفجرت فى العام ١٩٤٨، وهى القضية الأشهر فى تاريخ الجماعة على الإطلاق، لأنها أظهرت جماعة حسن البنا على حقيقتها. 

فى العام ١٩٤٨، وبشكل نهائى، بدأ المجال العام فى مصر يعرف مصطفى مشهور على أنه واحد من أبرز أعضاء جهاز الاغتيالات التابع للإخوان، وعندما تكشفت هذه الحقيقة تبين أنه كان ضالعًا فى كل أعمال العنف الإخوانية، إن لم يكن بالتنفيذ فبالتفكير والتخطيط، فقد كان مشاركًا فى تفجير مبنى شركة المعاملات الإسلامية، حيث تم تخزين كميات كبيرة من الأسلحة بشكل غير فنى، فانفجرت يوم ٢٠ فبراير، وانفجار قنبلة فى وزارة الداخلية من النوع الإيطالى، وانفجار فى محل داود عدس للأقمشة بشارع عماد الدين، وانفجار فى بنزايون، ثم نسف مبنى شركة أراضى الدلتا، وبعده انفجار محل جاتينيو، وانفجار فى حارة اليهود، ثم مخزن شيكوريل بحلمية الزيتون.

جاءت قضية السيارة الجيب لتكون درة التاج الإرهابى على رأس مشهور. 

وحتى نعرف ما الذى جرى فى قضية «السيارة الجيب» سأضع أمام حضراتكم شهادتين. 

الشهادة الأولى صاحبها هو القيادى الإخوانى محمود عبدالحليم، صاحب كتاب «الإخوان المسلمون... أحداث صنعت التاريخ»، وهو المؤرخ الرسمى والمعتمد للإخوان. 

يقول محمود عبدالحليم: كانت مجموعات النظام الخاص تتلقى دروسًا فى بيوت أعضائها عن مختلف أنواع الأسلحة، ولا سيما المسدسات والقنابل اليدوية والمتفجرات والقنابل والتوصيلات الكهربائية لتفجير الشحنات الناسفة، كانت هناك كذلك رسائل ومطبوعات خاصة لتلك الدراسات، هذا فضلًا عن التقارير التى كان يحررها إخوان النظام دراسة لهدف من الأهداف أو عملية من العمليات أو لمجرد التدريب على تلك الدراسات وأوراق الإجابة لامتحانات مراحل هذا النظام، تلك الأوراق التى صدرت أخيرًا بأوامر عبدالرحمن إلى مسئول النظام عن منطقة القاهرة بإعدامها. 

هذه الأوراق وعديد من الأسلحة كانت فى حاجة إلى مكان لتحفظ فيه، وكنا قد استأجرنا شقة بحى الدمرداش وضعت فيه هذه الحاجيات التى يمكن أن نطلق عليها أدوات أو عهدة المدرسة التى كان يتعلم عليها إخوان النظام بالقاهرة فى إحدى حجراتها، بينما شغل اثنان من الإخوان الطلاب حجرتين أخريين. 

رأى التنظيم التخلص من هذه الشقة، وكان أحد إخواننا عادل النهرى طالبًا بإعدادى الطب ويسكن بالعباسية، كانت له حجرة خاصة ينزل إليها من حديقة منزله بعدة درجات وكانت أسرته تسكن فوق تلك الحجرة، وقد استضاف الأخ عادل تلك العهدة مدة طويلة فى حجرته تلك فكانت تملؤها، وانتهى العام الدراسى وكان من مقتضى دراسته أن يتمها فى كلية الطب بجامعة فاروق الأول بالإسكندرية لضيق الأماكن بالقاهرة. 

وقد شرح لنا عادل ذلك قبلها بوقت كافٍ، وأبلغت بدورى المسئول فوقى، فوعد بإعادة البحث عن شقة، ومرت الأيام وعاد أخونا ينبهنا إلى اقتراب موعد سفره، وتكرر الوعد بأخذ وديعتنا من عنده، وظل الأخ يذكرنا حتى اليوم السابق لسفره، فأرسلته مباشرة إلى المسئول فوقى ليتفاهم معه، ولم يعد لى فى ذلك اليوم حتى ظننت أن الأمر قد قضى. 

ولكن فى اليوم التالى، وأنا أغادر بيتى صباحًا فى طريقى إلى عملى، حضر لى طاهر عماد الدين وسلمنى رسالة من المسئول بنقل تلك الحاجات اليوم بأى طريقة، وأنه قد اتفق مع إبراهيم محمود ليأخذها فى مسكنه، وأنه لذلك سيكون فى انتظارنا فى محله «محل ترزى» بالعباسية طوال اليوم، وعرض طاهر علىّ أن يقدم جهده وخدماته، فاتفقت معه على موعد معين فى العباسية، وانصرفت إلى عملى وأنا حائر، كيف أنقل تلك الحمولة؟ 

وقلت فى نفسى: لعل المسئول فد اتفق مع أخينا إبراهيم على شىء فى هذا الشأن. 

كنت أخرج من عملى الساعة الواحدة لأعود إليه فى الرابعة، كان ذلك يوم الإثنين ١٥/١١/ ١٩٤٨ وكنت صائمًا، وغادرت عملى إلى محل إبراهيم محمود فلم أجده، وأفادنى شريكه بأنه نزل إلى البلد لشراء حاجات للمحل، وقلت فى نفسى لعل إبراهيم يعمى على شريكه، ولعله يكون منتظرنا فى مسكنه القريب، غير أنى لم أجده به، وانصرفت أضرب أخماسًا فى أسداس، وأنا فى تلك الحيرة صادفت مصطفى كمال، وكان من إخوان النظام وفى عهدته سيارة جيب مملوكة للنظام، وكانت مشتراة حديثًا من مخلّفات الجيش الإنجليزى ولم تكن لها أرقام، وناقشته فى المشكلة، فوافق على استخدام السيارة فى النقل، وعرض أن يأخذ العهدة فى بيته حتى نجد لها مكانًا، وهكذا تراءى لى أن المشكلة قد حلّت فجأة. 

ومررنا فى طريقنا بطاهر حيث كان ينتظرنا، ثم إلى بيت أخينا طالب الطب عادل النهرى، فحملنا ما كان لديه على العربة، وكانت حمولة فوق طاقتها، غير أنه تبين لى أن بطارية العربة ضعيفة وأنها تتوقف أثناء دورانها، ورغم أنى أوجست من ذلك خيفة إلا أنه لم يكن أمامى حل آخر، وفى عودتنا إلى بيت مصطفى قابلنا إبراهيم مصادفة فانصرفنا جميعًا إلى بيته حيث أفرغنا حمولتنا. 

كان إبراهيم يسكن فى بيت رجل يريد أن يحمله على إخلاء مسكنه لتشغله ابنته التى على وشك الزواج من مخبر فى البوليس السياسى، ولم نكن نعرف ذلك، وحضر ذلك المخبر حال تفريغنا الحمولة ورآها فارتاب فى محتوياتها، ولم يخف علينا جميعًا ما وراء ذلك، فانتهزت فرصة اختفاء الرجل عن أعيننا، واستنتجت أنه ذهب لإبلاغ رؤسائه بما رأى، وأعدت الحمولة إلى العربة لننطلق بها، وقد تم لنا ذلك، عاد الرجل، ووجدنا صعوبة فى إدارة محرك السيارة بسبب ضعف البطارية، ولم يدر المحرك، وبدا الموقف حرجًا للغاية، وراح المخبر يصرخ، وبذلك صار الموقف ميئوسًا منه فتركنا كل شىء، وانطلقنا نبتعد والمخبر والناس من خلفنا، حتى قبض على طاهر وعلى، أما مصطفى فقد استطاع الفرار، وعاد إبراهيم إلى محله حتى قبض عليه ليلًا. 

كنت ومصطفى طاهر وإبراهيم نرتدى- دون أى اتفاق- بنطلونًا وفانلة رصاصى وبلوفر، مصادفة عجيبة، فلما فر مصطفى تناقل الناس أن شخصًا يرتدى بنطلونًا وفانلة وبلوفر قد فر، وهنا مر من المنطقة مصطفى مشهور، أحد المسئولين الخمسة عن النظام، يحمل حقيبة جلدية بها مجموعة خطيرة من أوراق النظام، كان يرتدى بنطلونًا وفانلة وبلوفر، وتصايح به الناس على أنه الهارب المطلوب، وقبضوا عليه، وشهد الشهود الذين استحضرهم البوليس أنه كان معنا فى السيارة، وأنكرنا جميعنا أننا كنا بها، كما أنكر كل منا معرفته بالآخرين، وقد أدهشنى وجود مصطفى مشهور مقبوضًا عليه معنا. 

وكان من المقرر عقد اجتماع للمجلس الأعلى للنظام فى بيت مصطفى مشهور فى تلك الليلة، فلما أراد الخروج أوصى أهله بأنه إذا جاء أحد من إخوانه قبل أن يعود فلينتظره فى حجرة الضيوف، وجاء أحمد حسنين وأحمد زكى ومحمود الصباغ، وذهب البوليس يفتش بيت مشهور، فوجد هؤلاء هناك، فاصطحبهم إلى قسم بوليس الوايلى، فقط عبدالرحمن السندى تأخر عن موعد الاجتماع، فلما ذهب ووجد البوليس يحيط بالمنزل لم يدخل. 

وهكذا سقطت هذه المجموعة الثمينة من إخوان النظام فى يوم واحد. 

أُخذنا جميعًا إلى قسم الوايلى بالعباسية، وحُجز كل منا فى غرفة بمفرده، وامتلأ القسم بكل من هب ودب، رجال البوليس السياسى عن بكرة أبيهم، واللواء سليم زكى حكمدار بوليس القاهرة، ورجال النيابة، نيابة شرق القاهرة ونيابة الاستئناف، رئيس هذه ورئيس تلك ووكلاء النيابة ومعاونوهم، النقراشى باشا، رئيس الوزراء بشخصه، جاء ينظر إلينا. 

وكان من الواضح من اللحظات الأولى أن البوليس السياسى بدأ يلعب فى القضية، فقد رأينا شهود رؤية السيارة جميعًا وعددهم ثلاثة عشر يشهدون أنهم رأوا مصطفى مشهور معنا فى السيارة، وإذ فر سائق السيارة شهد الثلاثة عشر بأن طاهر عماد الدين هو الذى كان يقودها. 

وقد وجهت النيابة الاتهام إلى اثنين وثلاثين متهمًا، وبطبيعة الحال كان المتهم الأول عبدالرحمن السندى، وكان الاتهام الموجّه إلينا يبدأ بتهمة الاتفاق الجنائى على قلب وتغيير دستور الدولة وشكل الحكومة بالقوة، وإتلاف سيارات وأسلحة الجيش، وتخريب المنشآت، وقتل عدد كبير من المصريين والأجانب، وتعريض حياة الناس وأموالهم عمدًا للخطر، وتعطيل وسائل النقل العامة، وإتلاف الخطوط التليغرافية والتليفونية الحكومية، وإقامة واستعمال محطات سرية للإذاعة اللا سلكية، وبأننا حزنا مقادير كبيرة من القنابل اليدوية والفسفورية والجلجنايت والمفرقعات والأسلحة النارية والأسلحة البيضاء، وقد اعتبرت النيابة العامة جميع أوراق الدراسة التى كتبت أصلًا للتدريب على أنها مشروعات للتنفيذ. 

ثم بدأت المحاكمة أمام محكمة جنايات عسكرية فى ١٠/١٢/ ١٩٤٩، وطلب الدفاع التأجيل بسبب أن الأحكام العرفية كانت بسبيلها إلى الإلغاء، وبالتالى كان تشكيل المحكمة فى مهب الريح، ثم استقر نظر القضية أمام محكمة جنايات عادية، يرأسها المستشار أحمد بك كامل، وكان المستشار محمود عبداللطيف عضو اليمين بها، كما كان المستشار زكى شرف هو عضو اليسار. 

وبدأ النظر الفعلى للقضية فى ١٢/١٢/ ١٩٥٠، فعقدت إحدى وأربعون جلسة، ثم كانت الثانية والأربعون فى ١٧/٣/ ١٩٥١ للنطق بالحكم، بمعدل أربع جلسات فى الأسبوع، واستمر نظر القضية ثلاثة أشهر ونصف الشهر، وقد طلبت النيابة فى الجلسة الأولى تعديل بعض مواد تقرير الاتهام إلى مواد أشد عقوبة، وطالبت برءوسنا وإعدامنا. 

واستغرق سماع ومناقشة شهود الإثبات ثلاث جلسات، ثم نوقش شهود النفى فى ثلاث جلسات أخرى، وكان ممثل الاتهام هو محمد بك عبدالسلام، رئيس نيابة الاستئناف، الذى تولى تحقيق أكثر القضية، ثم استغرق الدفاع المكون من ٣٤ محاميًا ثلاثين جلسة، وكان ملف القضية ٣٠ جزءًا فى كل جزء ١٥٠ صفحة. 

محمود عزت مع مهدى عاكف

الشهادة الثانية صاحبها هو المستشار عصام الدين حسونة، الذى كان وكيلًا للنائب العام، وانتدب للتحقيق فى قضية «السيارة الجيب»، ويقول فيها: 

فى يوم ١٥ نوفمبر ١٩٤٨ اكتشفت مصر تنظيمًا سريًا مروعًا استكمل قواته الضاربة والمدربة على القتال للاستيلاء على السلطة حين يصدر الأمر من قادتهم، وعرفت مصر أن فيها دولة داخل الدولة بل فوق الدولة، ولم يكن الإخوان قد دخلوا السجون بعد، لا سجون السعديين فى العهد الملكى ولا سجون عبدالناصر وثورة يوليو، وكانت شهادة ميلاد التنظيم السرى قاطعة فى أن مولد التطرف الدينى نشأ فى مصر فى منتصف الأربعينيات، وكان لزامًا على بناة التنظيم أن يطمسوا بيانات شهادة الميلاد الحقيقية، واستبدلت بها شهادة ميلاد زائفة، وقد ضبطت فى العربة الجيب أسلحة وذخائر وقنابل ومتفجرات. 

ولقد كان من نصيبى كمحقق فى قضية العربة الجيب أن أفحص ما احتوته أوراق التنظيم السرى من بيانات عن المحال المملوكة لليهود فى القاهرة، ولو تخفى أصحابها وراء أسماء مسيحية أو مسلمة، وما احتوته تلك الأوراق عن السفارات الأجنبية، ومنازل الشخصيات العامة من يهود ومسيحيين ومسلمين، وكيفية القضاء عليهم. 

إن السيارة الجيب كان بها منشورات وخطط الجماعة لقلب نظام الحكم، وكانت مليئة بالقنابل والمتفجرات، وجاء فى المنشورات والخطط والتعليمات أن عليهم ألا يترددوا فى اغتيال أعداء رسول الله، وأن من التنطع تقديس المرأة بلا قيد ولا شرط، وأن من ساستنا من يجب استئصاله وتطهير البلاد منه، فإن لم توجد سلطة شرعية تصدهم فليتول ذلك من وضعوا أنفسهم جنودًا للحق، وأن الإسلام يتجاوز عن احتمال قتل المسلمين إذا كان فى ذلك مصلحة، وأن من يناوئ الجماعة أو يحاول إخفات صوتها مهدر دمه وأن قاتله مثاب على فعله. 

وضبطت فى السيارة كراسة تحتوى على بيانات عن أماكن بمدينة الإسماعيلية، ذكرت فيها أقسام البوليس وكيفية نسفها واغتيال ضباطها وجنودها وقطع الأسلاك التليفونية. 

وفى الحافظة التى ضبطت مع مصطفى مشهور وجدت أوراق عن برامج الدعاية الخارجية والداخلية، وأنها تستلزم تعيين مندوبين فى البلدان الخارجية، وبين الأوراق المضبوطة بالحافظة ثلاث ورقات عن الإعانات والتعويضات والتهريب، فيها بيان عن وسائل التهريب بطرق المواصلات من طائرات وسفن وسيارات وقوافل، وعن البضائع المهربة والعملة الصعبة، وأنه يتعين تهيئة أشخاص للعمل فى بعض الأماكن والشركات والاشتراك فى أسهم الشركات أو تأسيسها للعمل فى مناطق الموانئ. 

ومن بين الأوراق التى ضبطت فى حافظة مصطفى مشهور ورقتان من أوراق مطار ألماظة الذى يعمل به المتهم، وقرر أنهما محررتان بخطه، وقد تضمنت الورقتان طريقة تخريب المطار تفصيلًا. 

وضبط فى الحافظة تقريران عن حسن رفعت باشا- وكيل وزارة الداخلية- وعن حزب مصر الفتاة، محرران من مخابرات التنظيم المختصة بالتجسس على الشخصيات المصرية العامة، وعلى الأحزاب المختلفة، وضبطت بين الأوراق تقارير عن البنك الأهلى وفروعه ونظام حراستها وطريقة مهاجمتها بواسطة أشخاص مسلحين بمدافع تومى وقنابل يدوية. 

وقد ضبط المتهم السيد فايز عبدالمطلب فى ١٩/١/ ١٩٤٨ مع آخرين وهم يتدربون على استعمال الأسلحة والمفرقعات بجهة جبل المقطم، ووجدت فى حافظة نقوده ورقة ثبت من تقرير خبراء الخطوط أنها بخطه، وهى عبارة عن جدول خلايا وقد رمز للكثرة من أصحاب الأسماء الواردة فيه بأرقام معينة، ومن بينها كثير من أسماء المتهمين فى قضية السيارة الجيب. 

كما ضبط البوليس فى يوم ٢٣ فبراير ١٩٤٩ أجهزة وأدوات لا سلكية مقامة فى الفيلا رقم ٣١ شارع الأصبع بضاحية الزيتون، التى يستأجرها سعد محمد جبر التميمى، المتهم فى قضية الجناية العسكرية رقم ٤١ سنة ١٩٤٩ مصر القديمة، وتبين من فحصها بمعرفة خبراء اللا سلكى بمصلحة التليفونات أنها محطة إرسال لا سلكية لا ينقصها إلا بعض أدوات. 

قيدت النيابة العامة القضية برقم ٢٢٧ سنة ١٩٤٨ الوايلى، وأحالتها إلى المحكمة العسكرية العليا بتقرير اتهمت- بموجبه- ثلاثين متهمًا، منهم السيد فايز عبدالمطلب ومحمد مالك يوسف وأحمد عادل كمال وطاهر عماد الدين وإبراهيم محمود على ومصطفى مشهور ومحمود السيد خليل الصباغ «وقد اتهم المتهمون الخمسة الأول أيضًا فى اغتيال النقراشى باشا- الجناية رقم ٥ لسنة ١٩٤٩ عسكرية عليا». 

وتعتبر قضية السيارة الجيب أهم القضايا السياسية التى وقعت فى فترة ما قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، فقد كشفت تحقيقات تلك القضية عن خطط التنظيم السرى لجماعة الإخوان المسلمين، ووضعت يد النيابة العامة على أهم قادته وأسراره. 

حادث السيارة الجيب

وحسبنا أن نسترجع معًا شريط الحوادث السياسية التى توالت على إثر ضبط السيارة الجيب، فقد تم اغتيال اللواء سليم زكى، حكمدار بوليس العاصمة، فى ٤/١٢/ ١٩٤٨، أى بعد ثمانية عشر يومًا من ضبط السيارة، ثم اغتيل محمود فهمى النقراشى باشا، رئيس الوزراء، فى ٢٨/١٢/ ١٩٤٨، أى بعد ثلاثة وأربعين يومًا من ضبطها، هذا فضلًا عن حوادث أخرى متفرقة. 

وكان من بين المستندات المضبوطة تقارير مخابرات التنظيم السرى عن المحلات التجارية التى يملكها اليهود فى وسط القاهرة، وتقاريرها عن مبانى السفارات الأجنبية- خاصة السفارة البريطانية- فى حى قصر الدوبارة، وعن قصور وبيوت الشخصيات العامة والسياسية فى مصر فضلًا عن أوصافهم الدقيقة وعاداتهم. 

وقد اشتدت دهشتى عندما بدأت تحقيق ما جاء فى تقارير التنظيم عن السفارة البريطانية، كانت التقارير تصف نوع وعيار السلاح الذى يستخدمه حراس السفارة الظاهرون منهم والمتخفون، وكانت تحدد مكان الكابل الرئيسى لتليفونات السفارة، والكابل الرئيسى لتغذيتها بالكهرباء، اللذين يمكن منهما قطع خطوط التليفونات المتوافرة داخل مبناها، أو حرمانها من التيار الكهربائى، لكن الذى أذهلنى أن مخابرات التنظيم اكتشفت أن لدى السفارة أجهزة إرسال لا سلكى غير مرخص بها من حكومة مصر، بالإضافة إلى الأجهزة المرخصة، وقد كشف تحقيقى عن صدق معلومات التنظيم، أما عن الأجهزة اللا سلكية فقد قابلت سعادة عبدالخالق حسونة باشا، وكيل وزارة الخارجية حينذاك، وأطلعته على هذا السر فأبدى دهشته، واعتذر بأنه لا يمكن- دبلوماسيًا- الاستفسار من السفارة البريطانية عن صدق الواقعة. 

كذلك فإن مخابرات التنظيم كانت تتسلل إلى داخل قصور كبار الشخصيات العامة، فتصفها حجرة حجرة وركنًا ركنًا، وتصف صاحب القصر وصفًا شاملًا دقيقًا، سنه وطوله، تم تتابعه إلى أماكن لهوه السرية التى لا يعرفها أحد، كان قصر عدلى يكن باشا- شريف باشا صبرى- من بين هذه القصور التى شملها تحقيقى، فثبت دقة ما أوردته مخابرات التنظيم عنه. 

من الشهادتين معًا، يمكننا أن نتعرف على جذور العنف فى شخصية مصطفى مشهور الذى سجن فى قضية السيارة الجيب لمدة ثلاث سنوات، ثم أفرج عنه وكانت النتيجة أن أصبح واحدًا من أبرز قيادات الجماعة سرًا، فكان واحدًا من مجموعة تضم السيد فايز عبدالمطلب تحت رئاسة عبدالرحمن السندى، ومن بعده اليوزباشى صلاح شادى ويوسف طلعت. 

وقبل أن يواجه الإخوان أكبر أزمة فى تاريخهم عام ١٩٥٤، كان مصطفى مشهور قد أبعد إلى وظيفة فى مرسى علم، ثم فصل من عمله عام ١٩٥٣، وقبض عليه بعد عام، قبل قضية حادثة المنشية، وحوكم وحبس لمدة عشر سنوات، ولم يكد يقضى شهورًا قليلة خارج السجن حتى عاد إليه عام ١٩٦٥، ولم يفرج عنه سوى فى عام ١٩٧١ بعد أن عقدت الصفقة الكبرى بين الجماعة ومباحث أمن الدولة للإفراج عنهم. 

أصبح مصطفى مشهور بذلك واحدًا من الإخوان القلائل أصحاب أطول رصيد فى السجون «١٩ سنة تقريبًا»، وكان الاتفاق مع أمن الدولة يعنى التزام الإخوان بالأجواء السلمية والعمل بعيدًا عن العنف، ودون غطاء شرعى، وكان من الأفضل أن يسافر مشهور إلى الخارج ففعل، وبقى فى ألمانيا وقتًا طويلًا حتى قيل ضمن الشائعات التى أطلقت حوله إنه أمير التنظيم الدولى للجماعة، وقد كان بسبب سفره هذا أحد القلائل الذين نجوا من اعتقالات سبتمبر ١٩٨١. 

بعد عودته من الخارج كان عمر التلمسانى قد مات، وصار منصب المرشد خاليًا، ويعكس فراغه صراعًا هائلًا على المنصب، ليس فقط على من يشغله، ولكن أيضًا على من يخلفه، وعندما انتهى الصراع على منصب المرشد بتعيين محمد حامد أبوالنصر، انتهى أيضًا الصراع على منصب الخليفة بتعيين كل من الدكتور أحمد الملط ومصطفى مشهور نائبين للمرشد، بحيث يصبح أحدهما مرشدًا لو خلا موقع حامد أبوالنصر.

ومن بين ما لفت انتباهى وأنا أُقلّب فى أرشيف مصطفى مشهور الصحفى، مقال كتبه الكاتب الكبير محمود السعدنى، فى زاويته أما بعد، قال فيه نصًا: 

هل صحيح أن مكتب الإرشاد اختار السيد مصطفى مشهور ليكون مرشدًا عامًا للإخوان المسلمين بعد السيد حامد أبوالنصر؟ 

إذا كان هذا النبأ صحيحًا فمعناه أن ساعة الصفر اقتربت، وأننا على أبواب داحس والغبراء، والله يرحمه فضيلة الشيخ عمر التلمسانى كان رجل علم ودين، والأستاذ حامد أبوالنصر كان رجل سياسة وحوار، ولكن مصطفى مشهور يختلف فهو إرهابى، وإن شئت الدقة فهو أخطر إرهابى ظهر فى بر مصر. 

مقال بقلم محمود السعدنى

ولذلك فانتخاب السيد مصطفى مشهور هو بالتأكيد علامة على أن جماعة الإخوان المسلمين قررت خوض غمار الحرب وبالطريقة التى جربوها مرتين من قبل، مرة فى العهد الملكى ومرة فى زمن جمال عبدالناصر، وفى المرتين هزمتهم السلطة وسحقتهم حتى العظام، كما أنه دليل على أن الإخوان المسلمين - للأسف الشديد - لم يتعلموا الدرس، مع أن فى صفوفهم علماء وأساتذة ورجال فكر، ولكن يبدو أن الجناح الإرهابى هو صاحب الكلمة العليا فى التنظيم وفى يده أسباب الحل والربط، وفى السياسة مبدأ ثابت ولا يتغير، وهو أن التاريخ لا يعيد نفسه، فإذا حدث ففى المرة الأولى يكون مأساة، وفى المرة الثانية يكون مهزلة. 

فما بالك وكل الدلائل تشير إلى أننا على أبواب المرة الثالثة، وهى حالة جديدة وتحتاج إلى عباقرة لكى يضعوا لها الوصف المناسب، وقد يصرخ البعض فى وجهى قائلين: حرام عليك اتهام الناس بما ليس بحق ووصفهم بما ليس فيهم. 

وأقول لهؤلاء: ثقوا أننى سأكون أسعد الناس إذا ثبت أننى على باطل والسيد مصطفى مشهور على حق، وأنه مواطن صالح ولا علاقة له بالإرهاب، لا اليوم ولا بالأمس ولا فى أى وقت. 

وباستطاعة الأستاذ مصطفى مشهور أن يثبت كذب العبد لله، وأمامه المحاكم، وبإمكانه جرجرة العبد لله إلى ساحة القضاء العادل، وعلى أساس أننى مُفتر وكذاب وأتهم الأبرياء على غير أساس، ولكن العبد لله واثق من أن السيد مصطفى مشهور أذكى من ذلك بكثير، ولن يلجأ إلى القضاء بالرغم من اتهامى له بأنه أخطر صفحة فى كتاب الإرهاب المصرى فى العصر الحديث، وسيلزم الأستاذ مصطفى مشهور الصمت، وسيحاول إيهام الجميع بأنه من المؤمنين الذين إذا مروا باللغو مروا كرامًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، غير أن الحقيقة أيها السادة أن السيد مصطفى مشهور لن يلجأ إلى القضاء، لأن اتهامى له بالإرهاب له أصل فى الأوراق، والمحاكم نظرت قضية السيد مصطفى مشهور وأصدرت فيها عدة أحكام، ووكيل النيابة الذى حقق القضية وترافع فيها أمام المحكمة كوكيل للنائب العام وكممثل لشعب مصر، هو الأستاذ عصام حسونة الذى أصبح فيما بعد محافظًا لبورسعيد ثم وزيرًا للعدل. 

ونظرة واحدة على أوراق القضية ستجعل رأس سيادتك يشيب إذا كنت شابًا، وستجعله يشيط إذا كنت من جيل العبد لله، وستؤكد لك بأن مصر بلد محروس بالمشايخ، وأن من يريد بها شرًا كبّه الله على وجهه، لقد كان فى تخطيط المتآمرين مثلًا نسف القناطر الخيرية ومطار القاهرة الدولى ومحطة الكهرباء الرئيسية وبعض جسور النيل، ولم يكشف القضية جهاز مخابرات عبدالناصر أو المباحث الجنائية العسكرية تبع عبدالحكيم عامر، أو المباحث العامة أيام زكريا محيى الدين، ولكن الذى ضبط القضية هو جهاز شرطة العهد الذى تصفونه بعهد الديمقراطية وحقوق الإنسان، جنة الملك والأحزاب ومجلس الشيوخ ومجلس النواب. 

وصدقونى... العبد لله كان يتصور أن الإخوان المسلمين أذكى من أن يتخذوا مثل هذه الخطوة، مع اعترافى بأن الإنسان يتغير، وقد يكون مصطفى مشهور الإرهابى بتاع زمان، هو رجل البر والتقوى الآن، ولكن هناك مبدأ إسلاميًا عظيمًا يقول «ادرأوا الحدود بالشبهات». 

هكذا كان استقبال وصول مصطفى مشهور إلى منصبه كمرشد عام لجماعة الإخوان، لكن أحدًا لم يستمع إلى ما كتبه وقاله محمود السعدنى، ولم يكن هو وحده الذى قال، ولكن كثيرين فعلوا مثله، لكن الجماعة وكما هى طوال تاريخها، لم تكن تستمع إلإ إلى صوتها وحدها. 

يعرف الإخوان كيف يرسمون صورة مشرقة لمن ينتمون إليهم، وعندما تقرأ فى أدبياتهم ما كتبوه عن مصطفى مشهور، ستجدهم يصورونه على أنه رجل قرآنى ربانى، وهب نفسه إلى الإسلام وإلى الدعوة، لم يأتِ شيئًا أبدًا يمكن أن يغضب الله، بل تحمل الظلم، ودخل السجن فى سبيل دعوته، يثنون على جهاده الذى يقولون إنه كان فى سبيل الله، ولا يقدمون على ذلك دليلًا إلا ما يقولونه فقط، ولأنهم - بالنسبة لى - أهل ضلال، فإننى لا أميل إلى ما يقولونه أبدًا. 

يرسم الإخوان لمصطفى مشهور الذى أصبح مرشدًا عامًا للجماعة رسميًا فى العام ١٩٩٦ وجهًا ملائكيًا، لكن الحقيقة أن هذا الوجه لم يكن إلا قناعًا ظل يرتديه طوال حياته، لأن وجهه الحقيقى كان مجرد وجه شيطان. 

بعد وفاته فى نهايات العام ٢٠٠٢، كتب الكاتب السياسى الكبير عبدالله إمام مقالًا مطولًا وضع له عنوانًا دالًا هو «صفحات من دفتر إرهاب مرشد الإخوان». 

قال فيه: إذا كان الإسلام يأمرنا أن نذكر محاسن موتانا - وكلنا سنموت - حتى لا نشيع الكراهية، تاركين لله سبحانه وتعالى المحاسبة على المساوئ، فإن ما نذكره عن المرشد العام للإخوان المسلمين مصطفى مشهور هو من محاسنه فى رأيهم، وعلى أساس هذه المحاسن، وهذا الجهاد كانت بيعة المقابر له، ليكون مرشدًا لهم مدى الحياة، عليه الأمر وعليهم السمع والطاعة، وفقًا لبروتوكولات حكمائهم التى وضعوها فيما أسموه دستور الجماعة. 

ويضيف إمام: وكان المرشد مهندسًا فى مصلحة الأرصاد الجوية، وكان نائبًا لعبدالرحمن السندى رئيس التنظيم السرى المسلح للإخوان المسلمين، وهو التنظيم الذى قام بعمليات القتل والتفجيرات والاغتيالات، من قتل القاضى أحمد الخازندار حتى نسف محكمة باب الخلق لإخفاء مستندات القضايا التى اتهموا بها، ودفنها تحت الأنقاض، مرورًا بنسف دور السينما والكتب والمذكرات التى أصدرها الإخوان المسلمون يروون فيها قصة هذا التنظيم السرى المسلح، يتحدثون فيها ببساطة عن قيامهم بهذه الأعمال الإجرامية وصناعتهم للأسلحة، ووضعهم خططًا لنسف المنشآت حتى أقسام الشرطة، يروون هذه الأحداث على أنها من الأعمال الجليلة التى يفاخرون بها التنظيمات السرية المسلحة التابعة لهم، ويباهون بها باعتبارها من الأمجاد. 

ويلخص إمام رأيه فى مشهور بقوله: وليس لمشهور أعمال تؤهله لكى يكون مرشدًا عامًا لأى جماعة من المسلمين حتى وإن كان عددهم لا يزيد على عدد أصابع اليدين والقدمين، فهو مهندس وليس عالمًا فى الدين، وهو ليس خطيبًا مفوهًا ولا غير مفوّه، كما أنه كان يعمل فى الأرصاد الجوية ويتعامل مع الفلك والنجوم، ولم يشتهر عنه أنه جاهد فى الله حق جهاده، حتى يكون رئيسًا لتنظيم الإخوان المسلمين، يملك جيشًا مسلحًا وتنظيمًا دوليًا ومليارات فى بنوك جزر الباهاما، وما أوصله إلى ذلك كله، هو دوره الإرهابى الذى جعل الصحف تردد اسمه، وتنشر صوره، وقد بدأ هذا الجهاد بصناعة القنابل وكتابة المنشورات ودخل السجن بحكم قضائى، ثم خرج منه، ليتآمر ويدخل السجن مرة ومرة، فأين هو الجهاد فى سبيل الله ومن أجل نشر الدعوة الإسلامية؟ وهو لم يفسر آية، ولم يشرح سورة، ولم يعلم الناس أمور دينهم، ولم يفتهم فى أمور دنياهم، لأنه ليس مؤهلًا لأى من هذه الأمور. 

فى منتصف التسعينيات دفع فؤاد علام بمذكراته إلى المطبعة، فظهرت فى كتاب «الإخوان وأنا»، وفيه تحدث عن مصطفى مشهور، ووصفه بأنه «صقر الصقور». 

فى ٢٠ يناير ٢٠٠١ كانت مجلة «الأهرام العربى» تجرى حوارًا مع مصطفى مشهور.

سأله المحرر: وصفك اللواء فؤاد علام بأنك رجل غامض ودموى وحذر منك كثيرًا لدرجة أنه منحك لقب «صقر الصقور» لماذا؟ 

فأجاب مشهور: فؤاد علام من رجال الشرطة ورجال الدولة المخلصين لنظام الحكم، وهو معروف عنه تعذيب الإخوان والتشهير بهم لدرجة أن البعض أطلق عليه «ملك التعذيب» ومنذ أن أحيل إلى التقاعد ظلت عقدة تعذيب الإخوان تلاحقه، وكان من المفترض أن يعترف بذنبه ويستغفر الله تعالى ويتوب إليه مما صدر عنه، ولكنه أصدر كتابه «الإخوان وأنا» برأ فيه نفسه، وألصق بالإخوان كل النقائص، وعلى كل حال فشهادة علام مردودة عليه لأسباب كثيرة لأنه نصب من نفسه حكمًا بعد أن كان خصمًا، أما وصفه لى بالأوصاف التى ذكرتها واتهامى بأننى من دعاة التنظيمات السرية ولا أؤمن بغير الصدام، فهذا الأمر مرتبط بحادثة قديمة تعود إلى عام ١٩٤٨، أيام الملك فاروق فقد كان بالفعل هناك تنظيم خاص، لكنه لم يكن هدفه محاربة الدولة وإنما محاربة اليهود والإنجليز، وقد كان سريًا لأن النظام الملكى كان يحظر استخدام الأسلحة وكان لهذا التنظيم دوره بالفعل لدرجة أن حسن البنا عندما وقع اختياره على بعض العناصر لمواجهة اليهود ومساندة فلسطين، قال قادة وجنرالات إسرائيل نحن لا نقدر على محاربة هذه النوعية من البشر وقدموا شكاوى عديدة للإنجليز. 

بدا لى من هذه الإجابة أن فؤاد علام أوجع مصطفى مشهور بشدة، وهو ما يبدو من حالة الغضب التى أجاب بها على السؤال. 

فؤاد علام 

لكن ما الذى قاله فؤاد علام عن مصطفى مشهور؟ 

يمكننا أن نفتح كتاب «الإخوان وأنا» لنقرأ ما كان هناك. 

يرصد فؤاد علام أن مصطفى مشهور لعب - فى كل الأوقات - دور الحبل السرى الذى ينقل عصارة العنف إلى جسد الإخوان، ولم يتغير منهجه سواء وهو فى العشرين أو بعد أن تجاوز الثمانين، فهو لا يؤمن بغير الصدام، ولا يرى بديلًا إلا التسلل إلى الشرطة والقوات المسلحة، ولأن الدولة الإسلامية فى رأيه لن تقوم إلا على أصوات «فرقعة القنابل» و«طرقعة الرصاص»، ضيع عمره جريًا وراء هذا الوهم الذى لم يتحقق منذ حادث السيارة الجيب سنة ١٩٤٨ حتى تعيينه مرشدًا عامًا للإخوان سنة ١٩٩٦. 

ويحكى علام: كانت المرة الأولى التى رأيته فيها سنة ١٩٦٥، شخص غامض جدًا، يتحدث ببطء شديد، لا يجيب على الأسئلة المطروحة عليه بسهولة، أحيانًا يتحدث فى موضوع وهو يجهز نفسه للتفكير فى موضوع آخر، لم يقدم فى التحقيقات سوى معلومات ضئيلة جدًا، بجانب أن المتهمين الرئيسيين فى مؤامرة ١٩٦٥ خصوصًا أحمد عادل كمال وصلاح شادى حاولا التقليل من دوره وكل ما قالاه عنه إنه من العشرة الأوائل فى التنظيم، لكن كانت هناك خيوط أخرى خفية تشير إلى أنه أخطر عناصر التنظيم السرى، وأن أصابعه كانت وراء كل العمليات الإرهابية التى وقعت قبل ذلك، وأنه الشخص المحرك للتنظيم على كل مستوياته، ورغم صغر سنه إلا أنه كان يبدو الرجل الأول من ذلك الوقت. 

وفى محاولة كشف غموض مشهور كان ضروريًا أن يفتش علام فى ملفاته القديمة ويبحث فى القضايا التى اتهم فيها، وعندما فعل ذلك اكتشف أكثر من مفاجأة. 

فقد انضم مصطفى مشهور للتنظيم السرى عند تكوينه فى الثلاثينيات، وظهر اسمه لأول مرة فى قضية السيارة الجيب التى ضُبطت فى وسط المدينة بالقرب من ميدان سليمان باشا سنة ١٩٤٨، كان الملك فاروق يحكم، وكان حسن البنا هو المرشد العام للإخوان، وكان شهر العسل بين الملك والأحزاب والإخوان، قد انتهى وحل محله الصدام، وارتكب الإخوان عدة حوادث إجرامية ضد الأحزاب والشخصيات العامة ونهبوا أموال البنوك وحرقوا دور السينما. 

ولم يحدث ذلك فجأة، بل أعقب فترة من جس نبض من الإخوان للالتفاف حول الأحزاب واختراقها، ولكنهم فشلوا فى السيطرة على الوفد ومصر الفتاة، كما فشلت محاولات حسن البنا فى السيطرة على السرايا، رغم أنه ظل ينافق فاروق ويمدحه لدرجة أنه وصفه بأنه «من سلالة النبى» صلى الله عليه وسلم. 

فى تلك الأثناء كان التنظيم السرى للإخوان يعد العدة للقيام بعمليات تخريب واسعة النطاق، وحشدوا كمية كبيرة من الأسلحة والمسدسات والقنابل اليدوية والمتفجرات وأجهزة تفجير القنابل، ووضعوها فى سيارة جيب اشتروها من مخلفات الجيش الإنجليزى لنقل هذه الأشياء إلى شقة أخرى فى القاهرة استأجروها لهذا الغرض. 

ولكن تصادف أن ابنة صاحب البيت كانت مخطوبة لمخبر فى البوليس السياسى، وارتابت فى حمولة السيارة وحاول زوجها القبض على أحمد عادل كمال وصلاح شادى ومصطفى كمال ومصطفى مشهور، وهم أعمدة التنظيم السرى، ولكنهم حاولوا الهرب وجرى وراءهم المخبر وأهل المنطقة وقبضوا عليهم وأوسعوهم ضربًا وسلموهم للبوليس.

أنكر أعضاء التنظيم السرى دور مصطفى مشهور، وقالوا فى التحقيقات إنه لم يكن ضمن ركاب السيارة الجيب، ولكن قُبض عليه بالصدفة أثناء مروره فى المنطقة، وكان يرتدى بنطلونًا وفانلة وبلوفر مثل بقية المجموعة التى قبض عليها البوليس فصاح الناس إنه هرب من السيارة وأمسكوا به. 

وضبطت مع مصطفى مشهور حقيبة بها كل أوراق التنظيم السرى من أوله إلى آخره، وخرائط للعمليات التخريبية المكلف بها، وكان التنظيم ينوى فى تلك الليلة الاجتماع فى بيت مصطفى مشهور للاتفاق على عمليات جديدة، وعندما ذهب البوليس لتفتيش بيت مشهور، وجد عنده بعض أعضاء التنظيم السرى مثل أحمد حسنين وأحمد زكى ومحمود الصباغ وتأخر عبدالرحمن السندى عن موعده، ولما ذهب وجد البوليس يحيط بالمنزل ولم يدخل. 

كل شهود القضية وعددهم ١٣ شهدوا وأقروا أنهم شاهدوا مصطفى مشهور فى السيارة، ونجح مشهور أثناء استجوابه فى تضليل المحققين وإخفاء حقيقة دوره، وكانت إجابته تقليدية وروتينية ومحفوظة عن ظهر قلب، ولم يقدم معلومة واحدة. 

وأثناء التحقيق مع هذه المجموعة أصدر النقراشى باشا أمرًا بحل جماعة الإخوان المسلمين فى ٢٨ ديسمبر ١٩٤٨، ورد الإخوان باغتيال رئيس الوزراء النقراشى باشا وضمت أوراق قضية السيارة الجيب إلى قضية اغتيال النقراشى. 

ويقول علام: كانت الاتهامات الموجهة لهذه المجموعة وعلى رأسهم مصطفى مشهور هى الاتفاق الجنائى على قلب نظام الحكم، وتغيير دستور الدولة وشكل الحكومة بالقوة وتخريب المنشآت وقتل عدد كبير من المصريين والأجانب وتعريض حياة الناس وأموالهم عمدًا للخطر، والملاحظ أن هذه الاتهامات صورة طبق الأصل من الاتهامات التى توجه لأعضاء الجماعات الإرهابية فى السنوات الأخيرة، ما يؤكد أن الجهاد والجماعة الإسلامية تلعبان الآن دور التنظيم السرى القديم للإخوان وقائده مصطفى مشهور. 

استأنف مصطفى مشهور رحلته الإرهابية بعد أن أفرجت حكومة الثورة عن قادة الإخوان فى السجون ومن بينهم مشهور، وكانت الثورة ترمى إلى تجميع القوى السياسية حولها، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، فقد وقع الصدام سريعًا بين الثورة والإخوان، لأنهم حاولوا السيطرة على الثورة أو سرقتها، وكانوا يحشدون جموعهم فى المؤتمرات الجماهيرية لإثبات مدى قوتهم وتأثيرهم فى الشارع، والغريب أنهم فعلوا ذلك بعد أن رفضوا تأييد الثورة فى البداية، وهرب حسن الهضيبى واختبأ فى أحد المنازل بالإسكندرية حتى لا يتورط فى تأييد الثورة، لأنه كان على علاقة مباشرة بالإنجليز. 

ويذهب فؤاد علام إلى أن الهضيبى ورجاله ظهروا بعد عشرة أيام من طرد الملك فاروق وحسم الموقف لصالح الثورة، وبدأ يخطط للحصول على نصيب الأسد من الكعكة، وأصروا على تعيين مجموعة من أعضاء التنظيم السرى مثل صالح عشماوى ومنير الدلة. 

ويكشف علام ما انفرد به وما لم يقله أحد من قبله، حيث ظهر اسم مصطفى مشهور مرة ثانية بعد أن لوح به الإخوان ورشحوه للحصول على منصب وزارى فى الحكومة الجديدة، وانتهى الأمر بالصدام، لأن الثورة رفضت الاستعانة بأعضاء التنظيم السرى كوزراء، ورد الإخوان بتفجير المعارك الدامية داخل الجامعات بين شباب الإخوان وعناصر الثورة، وتوج الصراع بمحاولة الاعتداء على عبدالناصر سنة ١٩٥٤. 

فى ذلك الوقت كان مصطفى مشهور من القيادات البارزة فى التنظيم السرى، وبقراءة ملفه المحفوظ فى جهاز الأمن، اكتشف فؤاد علام أنه كان الدينامو المحرك ليس فقط للخلايا بل للتنظيم كله، وكان العمود الرئيسى فى عمليات جمع السلاح وتدريب الأفراد خاصة فى منطقة القاهرة. 

اكتشف فؤاد علام أيضًا وهو يقرأ ملف قضية ١٩٦٥ سرًا كان لا يزال غامضًا بالنسبة لكثيرين، وهو أين ذهبت الأسلحة التى كانت بحوزة الإخوان سنة ١٩٥٤؟. 

سأل فؤاد علام سيد عبدالله الريس وعلى الصديق أبرز قادة التنظيم السرى عن مكان السلاح؟. 

فأجمعا على أن الوحيد الذى يمكن أن يجيب على هذا السؤال هو مصطفى مشهور، ولم يجب مشهور الذى كان مسجونًا فى طرة لمدة ١٠ سنوات كأحد العناصر المهمة فى تنظيم ٥٤، وقاد معركة شهيرة فى السجن، حيث قام الإخوان بتكسير السراير وخطفوا بعض الضباط والجنود، وعلى إثر ذلك تم إنشاء سجن الواحات ليكون فى منطقة مفتوحة من الصعب الهرب منها أو اختراقها، ونُقل مشهور مع المجموعة الشرسة إلى الواحات. 

وفى العام ١٩٦٥ أُعيد اعتقال مصطفى مشهور مرة ثانية بعد الإفراج عنه بشهور قليلة، ومعه سيد قطب وأحمد حسنين وكمال السنانيرى، وبقية أعضاء «مجموعة العشرة»، وهم الذين حكم عليهم بالسجن لمدة ١٠ سنوات فى قضية ١٩٥٤، وأفرج عنهم خلال الفترة من يناير إلى أبريل ١٩٦٥ ثم اعتقلوا ابتداء من يونيو من نفس العام. 

حقق علام مع مصطفى مشهور فى العام ١٩٦٥، وثبت من التحقيقات أنه كان المسئول رقم واحد فى تنظيم السجون الخاص بمحموعة العشرات، وكانت خطته هى إعادة تنظيم وتكليف كل فرد بمهام محددة يقوم بها عقب الإفراج عنه، وحدد أسماء مسئولى الإخوان وإدارة نشاطهم فى المنطقة، وكان التنظيم يضم عناصر أخرى مثل الطوخى محمد طه ورشاد المنيسى وكمال عبدالرزاق وسعد مرسى لاشين وعلى صديق فرج والسيد الريس وأحمد حسنين وعبدالعزيز عطية وعمر التلمسانى، وأدلى هؤلاء باعترافات مهمة عن التنظيم إلا مصطفى مشهور. 

ويضيف علام: أثناء التحقيق مع مصطفى مشهور فى أبوزعبل تأكدت من أنه بالفعل أخطر رجال التنظيم السرى بل الأخطر على الإطلاق، كان فى أوائل الستينيات صحته قوية جدًا، هادئ الطبع، غامضًا، ملتويًا، ويستطيع أن يناور أى محقق. 

يدلل علام على ما وصف مشهور به بقوله: عندما نسأله عن اسمه يستغرق وقتًا طويلًا فى الرد، كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، شخصية مدربة على أسلوب التحقيق من النواحى الفنية والعلمية، كان يأخذ وقته كى يفكر قبل أن يرد على السؤال لمدة ٣ أو ٤ دقائق، ويجاوب فى أشياء أخرى بعيدة تمامًا. 

لم ينس علام كما أننا لم ننس السلاح الذى خبأه مصطفى مشهور فى العام ١٩٥٤، يعود إليه. 

يقول: الصدفة وحدها هى التى أدت إلى كشف أسرار السلاح، حيث عثرنا عليه بعد ١١ سنة، فأثناء التحقيق مع مجموعة من الإخوان من بلدة اسمها غزالة سرابيوم، اعترف موسى حسونة وإسماعيل حسونة وغريب حسونة ومحمد بسيونى بأنهم كانوا مسئولين عن تخزين السلاح فى منطقة الإسماعيلية سنة ١٩٥٤، وعندما ضبطوا فى ذلك الوقت لم يقدموا كل الأسلحة التى كانت لديهم وأخفوا بعضها فى قريتهم، وسافرت على الفور إلى الإسماعيلية مع إسماعيل حسونة الذى أدلى بهذا الاعتراف، وبدأنا البحث عن الأسلحة طبقًا للاعترافات، ولم نعثر إلا على بندقية قديمة وبعض الطلقات القديمة، ولم نعثر على الأسلحة، وأثناء إعادة استجواب إسماعيل حسونة فى المنطقة اعترفت بنت صغيرة عمرها ٨ سنوات للواء أحمد رشدى بأنها شاهدت بعض الناس ينقلون سلاحًا من هذه المنطقة إلى منطقة أخرى أشارت إليها، واكتشفنا الأسلحة فعلًا مدفونة فى حفرة كبيرة داخل إحدى الترع بعد تغليفها بورق شحم. 

بدأ اسم مصطفى مشهور يظهر فى أوراق التحقيق، على أساس أنه الذى أصدر أوامره بإخفاء هذه الأسلحة، والأكثر خطورة أنه خطط لإخفاء كمية أخرى فى بلدة حسن الهضيبى قرية عرب جهينة، وأدلى بهذه الاعترافات بعض الإخوان منهم محمد سليمان الهضيبى وحسن صبيح ومحمد عبدالعزيز بسيونى، ونجحت قوات الأمن فى ضبط هذه الكمية من الأسلحة التى كانت مخبأة منذ عام ١٩٥٤. 

ولكن كانت هناك دائمًا حلقة مفقودة أدت إلى ضياع الأثر الذى كان يربط بين مصطفى مشهور وهذه الجرائم، ويقول فؤاد علام: جعلنا ذلك نعيد استجواب عبدالله الريس أبرز قادة التنظيم السرى فى الشرقية والمقطم وشمال حلوان، ولكنه لم يعترف بشىء على مصطفى مشهور، وبعد فترة الاعتقال أفرج عنه ولم يقدم للمحاكمة. 

وأُعيد اعتقاله مرة ثانية فى قضية أحمد سيف الإسلام حسن البنا ابن الشيخ حسن البنا، عندما أرسل له سعيد رمضان مبلغًا من المال من خلال أحد المتعاونين معه، وطلب منه إعادة الاتصال بالإخوان وتنظيمهم وإحياء نشاطهم، وكان فى صدارة الأسماء التى حددها سعيد رمضان الذى كان يقيم فى السعودية فى ذلك الوقت مصطفى مشهور، وحقق علام مع مشهور فى سجن القلعة، هو ومحمد حسن الشريف زوج بنت حسن البنا وعبدالمنعم محمد على أبرز عناصر الإخوان فى بنها. 

ويظهر فؤاد علام مراوغات مصطفى مشهور من خلال ما دار بينهما من حوارات.

يقول علام: كل ما قاله مشهور إنه يدعو إلى الإسلام، وعندما قلنا له إن الأزهر والدولة والجمعيات تدعو للإسلام، فما الفرق بين أسلوب دعوتك وأسلوبها فى الدعوة كإخوان مسلمين، كان دائمًا يقول «لا فرق نحن مثلهم وهم مثلنا ونريد جميعًا أن ندعو للإسلام»، وعندما تحدثه عن الحوادث التى اتهم فيها فى الماضى ينكرها جميعًا، وخلال جلسات الحوار داخل السجن لتقريب وجهات النظر بيننا وبين الإخوان، تحدث كل قيادات الإخوان عن أخطاء الماضى ومحاولات تصحيحها بمن فيهم عمر التلمسانى وحامد أبوالنصر وأحمد حسنين وانتقدوا فكرة التنظيم السرى إلا مصطفى مشهور. 

مصطفى مشهور وسط عدد من قيادات الإخوان

وينتقل علام بنا وبمصطفى مشهور إلى عصر الرئيس السادات. 

فقد أفرج عنه فى العام ١٩٧١ وبرز دوره بشدة كأحد الخمسة الكبار، الذين أداروا مكتب إرشاد الإخوان فى فترة شهر العسل بين السادات والإخوان، ومعه أحمد حسنين وأحمد الملط وعمر التلمسانى وكمال السنانيرى وحسنى عبدالباقى المليجى، وتولى مشهور مسئولية نشاط الشباب والاتصالات الخارجية، وكان همزة الوصل مع التنظيم الدولى للإخوان والمراكز الإسلامية الموجودة خارج مصر. 

وطبقًا للتقارير الأمنية، فقد تم رصد مجموعة من اللقاءات والاجتماعات التى عقدها مشهور بالخارج، ودعا فيها إلى الثورة ضد الحكومات العربية، ولكن لم تكن الظروف السياسية السائدة فى تلك الفترة تسمح بالقبض عليه. 

وعندما جاءت أحداث التحفظ فى ٥ سبتمبر ١٩٨١ كان اسمه فى صدارة قادة الإخوان المطلوب اعتقالهم، ولكن يبدو أن حاسته الشديدة التى تلمس الخطر من بُعد جعلته يسافر إلى الخارج قبل التحفظ بشهرين، ورفض أن يعود إلى مصر، وتنقل بين السعودية والكويت وألمانيا، وأقام فترة طويلة فى المركز الإسلامى الذى كان يرأسه الدكتور على جريشة. 

ويدخل بنا علام إلى عصر مبارك، وموقعية مصطفى مشهور فيه. 

يقول: وبعد أن أفرج الرئيس مبارك عن المعتقلين وهدأت الأوضاع عاد مصطفى مشهور إلى مصر، وظل منذ ذلك الوقت يمثل الصقور داخل مكتب الإرشاد، وهو الذى يحركهم فى الداخل والخارج، ويمسك فى يده جميع الخيوط، خصوصًا أن المرشد - حامد أبوالنصر - لا يعد أكثر من واجهة لكنه لا يمارس دورًا حقيقيًا لكبر سنه، فحامد أبوالنصر المرشد الوهمى ومصطفى مشهور هو المرشد الحقيقى. 

اعتقد فؤاد علام الذى نشر مذكراته فى منتصف التسعينيات وقبل وفاة حامد أبوالنصر أن الإخوان يمكن أن يكونوا عقلاء، بحيث لا يمكنون مشهور من مكتب الإرشاد.

قال: رغم ذلك فلا أتوقع أن يختاره الإخوان مرشدًا عامًا بعد حامد أبوالنصر، ولا أصدق أنهم عقدوا اجتماعًا واختاروه، رغم قوته وخطورة الدور الذى يلعبه فسوف يظل الرجل الثانى، فهو الآن آخر رجال الحرس الحديدى القديم وبعده فجوة واسعة، ثم تنظيم الإخوان الجديد الذى يمثله مختار نوح وعصام العريان وأبوالعلا ماضى وعبدالمنعم أبوالفتوح ومحمد عبدالقدوس وغيرهم، وهم جيل الشباب الذى انتقل إلى مرحلة الرجولة ويبحث الآن عن الزعامة، وهم مختلفون تمامًا عن مصطفى مشهور، لأن حصيلة خبرتهم وتجاربهم كانت من العمل الفعلى فوق سطح الأرض فى الجامعات والنقابات ومجلس الشعب والمؤسسات الحكومية، وهم لا يؤمنون بالعنف والتخريب، وإنما بالاختراق الهادئ على طريقة عمر التلمسانى، أما مشهور فهو رجل التنظيمات السرية والعمل الخفى من رأسه حتى قدميه ولا يجيد العمل فى النور وإلا احترق. 

ويضيف علام: هم يريدونه مجرد كوبرى يعبرون عليه من مرحلة العنف والصدام والسجون والمعتقلات، إلى فترات الهدوء والاستقرار والتسلل إلى مؤسسات الدولة والنقابات والجامعات، أو استراتيجية النفس الطويل جدًا للوصول إلى الحكم. 

ويجزم علام بأن: مشهور يتعجل الصدام، فلم يعد فى العمر بقية بعد أن تجاوز الثمانين للسير وراء أحلام الشباب الطويلة وأوهامهم العريضة، وهنا تكمن أسباب الخلاف الخفى بين مشهور وقواعد الإخوان، والتى ستقودهم إلى انشقاقات داخلية لم تحدث فى تاريخهم، فقيادات الخارج ما زالت تؤيده مثل عشماوى سليمان الفرح ويوسف القرضاوى وسيد حنفى ويوسف ندا وغالب همت وإبراهيم أحمد صلاح وعلى عبده عفيفى وعبدالحليم خفاجى وتوفيق خفاجى ومحمد مهدى عاكف الذى يقود المركز الإسلامى فى ألمانيا بعد على جريشة، وهؤلاء يشكلون رموز الماضى، وآلات ضخ الدولار فى الحاضر، ومصطفى مشهور بالنسبة لهم يحمل الصفتين معًا «الرمز والدولار». 

وتساءل فؤاد علام: هل ينجحون فى تتويجه مرشدًا عامًا... أم ينتصر الشباب؟ 

أجاب علام على سؤاله بقوله: أعتقد أن هذا السؤال سيكون القضية رقم واحد فى جدول أعمال المؤتمر السنوى للإخوان الذى يعقد كل عام أثناء موسم الحج فى مكة، ويضم الإخوان من كل أنحاء العالم، ويختص بمناقشة قضايا الإخوان وأوضاعهم فى كل قطر من الأقطار، والاتفاق على خطط المستقبل، واعتقادى الشخصى أنهم لن يختاروه مرشدًا عامًا حتى لا يكون ذلك إيذانًا بتصعيد الصدام مع الدولة وشباب الإخوان فى آن واحد، وسيظل فى مقعده الرجل الثانى. 

وهنا يمكننا أن نتوقف قليلًا مع فؤاد علام هذه المرة وليس مع مصطفى مشهور. 

فلم يحدث ما تنبأ به علام لمشهور، ذهب إلى أنه لن يكون مرشدًا، لكنه أصبح كذلك، ولم يكن هذا نقصًا فى قدرة علام على التنبؤ، خاصة أن ما حدث داخل الجماعة كان مفاجئًا للجميع، فلم يكن هناك تصور أن تتم البيعة لمشهور فى المقابر، بما يشير إلى أن مشهور ورفاقه خطفوا منصب المرشد العام فى غفلة من الجميع. 

وفى اعتقادى أن ضعف قدرة علام على التنبؤ فى هذه الفترة لأنه كان بعيدًا عن مصادر المعلومات المباشرة داخل الجماعة، وهو ما جعل أمورًا كثيرة تخفى عليه، وقد جانبه الصواب فيما توقعه عن مشهور، لكن هذا لا ينفى دقة معلوماته عن مشهور التى سبق واستقاها وهو يباشر عمله فى أمن الدولة. 

يختم علام شهادته على مصطفى مشهور بقوله: نسيت أن أقول إنه كان يعمل باحثًا فى مصلحة الأرصاد الجوية بحلوان، ويبدو أن وظيفته دربت حاسته السادسة فى التنبؤ بالتقلبات والعواصف والأعاصير، والالتفاف حولها. 

بعد أن قرأنا معًا ما قاله فؤاد علام عن مصطفى مشهور سيكون طبيعيًا أن نفهم الحدة التى علق بها مشهور على كلام علام، فقد قام بتعريته بشكل كامل، ولم يترك له شيئًا يستر به عورته.