الأوهام المقدسة.. إسرائيل الكبرى لن تقوم بالتوراة.. وإيران لن تنتصر على إسرائيل وأمريكا والخليج بمدافع «آل البيت»
- «آل البيت» ليسوا ملكية خاصة للشيعة ولكنهم ملكية للمسلمين جميعًا وما حب المصريين لهم رغم أنهم سُنة إلا دليلًا على ذلك
يخطئ من يعتقد أن الحرب الدائرة الآن بين إيران من ناحية وإسرائيل وأمريكا من ناحية أخرى حرب دينية.
ويخطئ من يقول إن الطرف الأقرب إلى الله منهما، والمتمسك بكتابه المقدس، هو من سيحسم المعركة السياسية لصالحه.
ويخطئ من يظن أيضًا أن النبوءات التى جاءت فى الكتب المقدسة يمكن أن يكون لها دور فى إنهاء الحرب على صورة معينة أو بشكل ما.
لا يعنى هذا أبدًا أننى أشكك فى الكتب المقدسة، ولكننى أناقش وبشكل أساسى التأويل لما جاء فى هذه الكتب، وهو التأويل الذى خضع للهوى السياسى، وتحول مع الأيام إلى ما يشبه الوهم المقدس الذى يسير الناس خلفه مغيبين معصوبى العينين.

فالحرب الدائرة الآن سياسية فى المقام الأول، أهدافها سياسية تخضع لحسابات القوة والنفوذ وبسط السيطرة، يلعب فيها السلاح الدور الأكبر، وتقوم فيها الخطط والاستراتيجيات بالدور الأهم، فعندما يكون النزاع سياسيًا يترك الله المعارك للأسباب تحسمها.. فالله لا يدخل الحروب التى يشعلها البشر لأهدافهم الخاصة ومصالحهم الذاتية.
قبل هذه الحرب بأيام خرج علينا «مايك هاكابى»، السفير الأمريكى لدى إسرائيل، بتصريح واضح قال فيه إنه لا يرى مانعًا من استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
كان «هاكابى» يتحدث عبر مقابلة أجراها معه الإعلامى الأمريكى «تاكر كارلسون»، الذى كان يسأله عن النص الوارد فى التوراة عن أرض إسرائيل التى هى من النيل إلى الفرات، فقال له: سيكون من الجيد لو أخذوها كلها، وزاد بقوله: النقطة الأساسية هى أن هذه المنطقة التى نتحدث عنها الآن هى أرض أعطاها الرب من خلال إبراهيم لشعب اختاره.
كان «هاكابى» وهو يتحدث يستند فى كلامه- كما يفعل كل من يتحدثون عن إسرائيل الكبرى- إلى ما ورد فى سفر التكوين، وتحديدًا فى الإصحاحات ١٢ و١٥ و١٧ و٢٢.

فى الإصحاح الـ١٢: وقال الرب لأبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التى أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة.
وفى الإصحاح الـ١٥: وقال له أنا الرب الذى أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها.
وفى الإصحاح الـ١٧: وأقيم عهدى بينى وبينك، وبين نسلك من بعدك فى أجيالهم، عهدًا أبديًا، لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك، وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكًا أبديًا وأكون إلههم.
وفى الإصحاح الـ٢٢: أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء وكالرمل الذى على شاطئ البحر ويرث نسلك باب أعدائه.
قام المفسرون لما جاء فى سفر التكوين بالتأكيد على أن الله وعد إبراهيم بمنح أرض كنعان من نهر الفرات إلى النهر المصرى، وله ولنسله كـ«ملك أبدى»، وزادوا على ذلك بأن الأرض الموعودة هى فلسطين التاريخية بالكامل والأردن وسوريا وأجزاء واسعة من مصر والعراق والسعودية.

لا يتوقف الإسرائيليون، وعلى رأسهم مجرم حربهم نتنياهو، عن ترديد مسألة إسرائيل الكبرى، فكثيرًا ما يتحدث عن إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط من جديد، ولا يقصد بذلك إلا تأسيس إسرائيل الكبرى، متناسيًا ومتجاهلًا تمامًا ما أقرته الخرائط وما حصلت عليه الشعوب، ويرتكن فى ذلك كله إلى أن هذا وعد إلهى، وطالما أنه كذلك فلا بد أن يتحقق.
والحقيقة أن مشروع «إسرائيل الكبرى» ليس مشروعًا دينيًا، ولا هو وعد إلهى تعهد الله بتنفيذه، فهو مجرد مفهوم سياسى أيديولوجى، يعكس طموحات وأطماع إسرائيل التوسعية.
وقد تطور مفهوم إسرائيل الكبرى بالتدريج، بما يعنى أنه مفهوم سياسى وليس دينيًا أو وعدًا إلهيًا.
فقد اعتبرت الصهيونية التصحيحية، التى أسسها «جابوتنسكى» وتبناها حزب الليكود الذى يتزعمه نتنياهو بعد ذلك، أن شرق الأردن «وهى الأردن كلها حاليًا» من أرض إسرائيل.

ويركز الخطاب السياسى الحالى لليمين الإسرائيلى على «يهودا والسامرة»، وهى الضفة الغربية، معتبرين أنها قلب إسرائيل.
ولا يكتفون بذلك بل يضيفون إليها أجزاء من لبنان وسوريا وتحديدًا منطقة الجولان، ومؤخرًا استخدمت إسرائيل خرائط كشفت عنها ونشرتها تشير إلى أن إسرائيل الكبرى تضم أجزاء من مصر والسعودية والعراق وسوريا ولبنان والكويت.
يعتقد اليهود أن إسرائيل الكبرى من حقهم، فهى- طبقًا لعقيدتهم- وعد إلهى، ولا بد لوعد الله أن يتحقق.
لكننى أعتقد أن ما يقولونه جزء من الوهم المقدس الذى يراودهم ليل نهار، وأقول إنه وهم لأنهم يستخدمون فى سبيل تحقيقه كل ما لا يرضى عنه الله.
فالله الذى نعرفه لا يمكنه أبدًا أن يستحل دماء الأطفال، ولا يمكنه أن يقدم على تخريب البلاد وقتل العباد، لكنهم يفعلون ذلك منذ بدأوا يتحدثون عن مشروعهم الصهيونى، الذى يجد معارضة كبيرة، فالدول العربية التى يستهدفونها لا تقف مكتوفة الأيدى أمامهم.. ولا ينبغى لها أن تستسلم، لأن الاستسلام معناه أن يتحول الوهم إلى حقيقة.
لقد أجادت إسرائيل استخدام كل أشكال الدعاية لمشروعها، سخّرت الإعلام فى كل العصور، وطوّعت السياسة تطويعًا كاملًا، ودفعت بالسلاح أمامها، لتنفذ ما تريده، راغبة فى أن تجعل ما تتحدث عنه أمرًا واقعًا، وعلى الجميع أن يقبلوه، ناسية أنها بما تفعله نزلت بالمشروع من أرضية الوعد الإلهى المشكوك فيه، إلى أرض الصراع السياسى الذى يخضع للأسباب، ولو انقلبت الآية وأصبحت الدول التى تواجه إسرائيل عسكريًا أقوى منها، فلن نجد لإسرائيل مكانًا فى العالم، لأن اللغة التى سيحتكم لها الجميع هى لغة القوة.. ومن يمتلك القوة يحسم المعركة لنفسه، بعيدًا عن التوراة وسفر التكوين والوعد الإلهى المزعوم.

ما تفعله إسرائيل ببراعة الآن هو الدفع بآيات التوراة، وهو ما يحشد خلفه المؤمنون بها، كما أنه يؤثر نفسيًا فى المعارضين لها، على خلفية الاعتقاد بأن الله هو مَنْ وعد، وطالما أن الله وعد، فلا بد أن يعمل على إنفاذ وعده.
وهى حيلة نفسية مكتملة، لكن عندما نتأمل سياقها التاريخى سنجد أنها من صنع البشر، فالله لا يَعِد أحدًا بشىء ليس من حقه، ولا يبرر له ارتكاب كل هذه الجرائم من أجل تحقيقه على الأرض.
وكما تسير إسرائيل وراء الوهم المقدس بوعد الله لها أن تكون لها كل هذه الأرض كما أخبر أبانا إبراهيم، فإن إيران تسير خلف وهم مقدس آخر، وهو الوهم بأنها منصورة لأنها تحارب تحت راية «آل البيت».
موقعية آل البيت عند الإيرانيين لا تعبّر عن عقيدة دينية أبدًا، بل هى مجرد عقيدة سياسية، وفكرة أيديولوجية، قرر الإيرانيون الشيعة استخدامها لمداعبة مشاعر المسلمين فى كل مكان، والضحك عليهم من أجل حشدهم وراءهم فى حروبهم من أجل السيطرة والتوسع وبسط النفوذ على الأراضى التى يريدون أن يؤسسوا من خلالها إمبراطوريتهم السياسية.
تفكيك منظومة «آل البيت» لدى الشيعة الآن أصبح أمرًا ضروريًا.

فـ«آل البيت» ليسوا ملكية خاصة للشيعة، ولكنهم ملكية للمسلمين جميعًا، وما حب المصريين لهم رغم أنهم سُنة إلا دليلًا على ذلك، وليس المصريون وحدهم من يحبون «آل البيت»، بل المسلمون جميعًا، يمكن أن تختلف طرق التعبير عن هذا الحب، فلا أحد يعبّر عن حبه لآل البيت مثلما يعبّر المصريون، لكن فى النهاية الجميع يدينون لـ«آل البيت» بالمحبة، وينزلونهم المنزلة التى يستحقونها.
الجريمة التى ارتكبها الإيرانيون ولا يزالون يرتكبونها هى أنهم حولوا «آل البيت» إلى أسلحة ومدافع، وقرروا أن يدخلوا المعركة بهم، رغم أن «آل البيت» لا يمكن أن يكونوا جنودًا فى معركة باطلة.
تحت راية «آل البيت» تحركت إيران منذ ثورة آيات الله، لتقتل وتحتل وتتدخل فى شئون الدول العربية والإسلامية الأخرى، قررت تصدير ثورتها إلى الدول المجاورة لها، حتى تسيطر عليها وتصبح تحت نفوذها، وخلال السنوات القليلة الماضية مدت أذرعها، فأصبحت ممثلة فى حماس فى فلسطين وحزب الله فى لبنان والحشد الشعبى فى العراق والحوثيين فى اليمن، ودعمت نظام بشار فى سوريا ضد المتظاهرين الذين خرجوا احتجاجًا على مظالم النظام.. وكل هذه الأذرع كانت أذرع خراب وتدمير وسحق ومحق.. ولم تكن أذرع خير أبدًا.
أفسدت إيران بتدخلاتها هذه الدول، ومنحت إسرائيل ومن ورائها أمريكا الحجة والمبرر لشن الحروب عليها، بل جرت نفسها إلى هذه المواجهة مع الترسانة العسكرية الأكبر فى العالم، وتعتقد أنها يمكن أن تنتصر.

لقد كان غريبًا ما فعلته إيران فى حربها، عندما استهدفت دول الخليج، وكان غريبًا تبريرها الذى دفعت به لفعل ذلك، بأنها تضرب القواعد العسكرية فى دول الخليج التى تأتيها منها الضربات، وهو ما يردده كثير من المغيبين فى مختلف الدول العربية والإسلامية الآن ملتمسين لإيران العذر ومبررين لها ما تفعله.
تكذب إيران عندما تقول ذلك، فهى لا تضرب القواعد العسكرية الأمريكية فى دول الخليج فقط، بل امتدت ضرباتها إلى المطارات والأحياء السكنية، وكأنها تنتقم من هذه الدول التى وقفت طويلًا أمام أطماعها التوسعية.
تسير إيران خلف وهم كبير بأنها حائط صد عن الدول العربية والإسلامية، بل عن الإسلام نفسه، فى مواجهة إسرائيل ومن ورائها أمريكا، تقول إنها تحمى دين الله ممن يريدون هدمه وإطفاء نوره، وإنها لو هُزمت فإن الدول العربية والإسلامية جميعها ستكون مباحة ومستباحة، وهو وهم كبير، لكنه هذه المرة ليس مقدسًا، بل وهم كاذب، ونعرف جميعًا أنه كذلك.
إن إيران لا تختلف فى شىء عن إسرائيل، ولا أتحدث هنا عن رغبتهما فى التوسع وبسط النفوذ، ولكننى أتحدث عن خداعهما السائرين خلفهما باسم الدين، كل منهما يجعل دين الله وكتبه المقدسة درعًا دينية يدفعان بها أمامهما فى المعركة.. وهى ليست إلا معركة سياسية عسكرية ستحسمها القوة وحدها ولا شىء غير ذلك.
لقد تعرضت الأديان على يد البشر إلى أكبر عملية إساءة وانتهاك على طول التاريخ وعرضه، لكنها لم تتعرض لما تتعرض له الآن على يد إيران وإسرائيل، وأعتقد أن ما يحدث الآن ليس إلا حلقة من حلقات الاستخدام السياسى للدين، وهو استخدام حقير ومبتذل ولا يمكن أن يرضى الله عنه، فالله لا يرضى بترهيب عباده وإفزاعهم وهدم أمنهم وأمانهم واستقرارهم.

إننى لا أؤيد إسرائيل أبدًا فى أى شىء تفعله، أعتبرها كيانًا استعماريًا محتلًا، لا حق له فيما يفعله، وعلى الدول العربية والإسلامية أن تقف فى مواجهتها.
وفى نفس الوقت فإننى لا أرضى عن كل ما فعلته وتفعله إيران، فقد أضرت جماعة آيات الله الإسلام والمسلمين كما لم يضرهم أحد، وأعتقد أنه سيأتى يوم ويكتشف المسلمون جُرم هذا النظام الذى استغل حب المسلمين لـ«آل البيت»، فراح يقدم نفسه على أنه المتحدث باسمهم والحامى لهم.
لقد آن الأوان لتحرير «آل البيت» من المصادرة الإيرانية، فهم ليسوا ملكهم وحدهم، وأعتقد أن المسلمين سيفيقون بعد أن ينهار هذا النظام- وحتمًا سينهار- فلا يمكن أن يكونوا مؤمنين ومعتصمين برايات «آل البيت» ويوردون شعبهم كل موارد التهلكة والعذاب والفناء كما نرى ويرى الجميع ذلك.







