السبت 04 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

خريطة شاملة لإنقاذ المسرح دون الحاجة لأموال

حرف

- أكبر أزمة تواجه المسرح غياب «السياسة الثقافية الشاملة»

بكل تفاؤل، استقبل الوسط الثقافى تولى الدكتورة جيهان زكى مسئولية وزارة الثقافة، انطلاقًا من خبرتها الممتدة فى إدارة العمل الثقافى، وإحاطتها بآليات العمل داخل الوزارة وتحدياتها، وقد عكست تحركاتها الأولى وعيًا واضحًا بطبيعة دور الوزارة، وإدراكًا بأن الثقافة لا تُقاس بكثافة الفعاليات، بل بقدرتها على تحقيق أثر حقيقى ومستدام.

من هنا، يتجدد الأمل فى أن تشهد المرحلة المقبلة انتقالًا من نشاط عشوائى مكثف إلى نشاط ثقافى واعٍ يدار إدارةً موجهة لنتائجها تستهدف الإنسان وتخاطب وعيه، ومستندة إلى سياسات ثقافية واضحة المعالم ومعلنة. 

ولقد كان هذا التفاؤل دافعًا قويًا لأن نضع، عبر هذه السطور، رؤية لأزمة المسرح المصرى، ربما كانت معينًا فى تطويره وإصلاحه.

إن أزمة المسرح المصرى لا يمكن اعتبارها أزمة إبداع، فمصر ولّادة، ومعين الإبداع بها لا ينضب، ولا يمكنك كذلك اختزال أزمته فى نقص الموارد وحجم الإنتاج المسرحى، أو تراجع الإقبال الجماهيرى، بل إن الأزمة الحقيقية تتمثل فى خلل هيكلى بطريقة إدارة المنظومة المسرحية ذاتها، ما يتطلب إدراك الأولويات والشفافية.

وفى ظنى أن الأولوية لا ينبغى أن تكون لإنتاج عروض جديدة بقدر إعادة بناء «منظومة إدارة المسرح» من جذورها، وسأحاول، هنا، أن أذكر أبرز التحديات التى تواجه المسرح كصناعة ثقافية وكأداة تنمية، وكذلك اقتراحات أولية لسياسات ثقافية داعمة.

الفضاءات المسرحية

حين أحاضر لطلبة دبلوم التنمية الثقافية «مادة إدارة المسرح» التى شرفت بتدريسها على مدار السنوات الأربع الماضية، فإننى أتوقف كثيرًا أمام أزمة الفضاءات المسرحية بوصفها أزمة إدارة وسياسات، أكثر منها أزمة مادية مرجعيتها عدد المسارح.

بالطبع عدد المسارح لا يتناسب مع بلد عريق وغنى بالإبداع بحجم مصر، وهناك مشكلة حقيقية فى الفضاءات المسرحية، سواء من حيث عدالة التوزيع، أو من حيث احتياجها لإصلاح بنيتها التحتية، إلا أن غياب سياسات الإتاحة ونقص المعلومات هما التحدى الأكبر، حيث مفهوم الفضاء المسرحى متنوع ومتعدد، والمسرح يجب ألا يظل حبيس الجدران.

وقد كنت محظوظة بكونى أحد ضيوف مهرجان أدنبرة هذا العام، حيث عاينت بنفسى كيف تتحول المدينة والفضاء العام بالكامل إلى مسرح، ونقترح فى هذا الشأن:

- إعداد قاعدة بيانات وطنية محدثة لكل الفضاءات المسرحية «مسارح- قاعات- مراكز شباب- مدارس». 

- تفعيل نظام تبادل الانتفاع بين الوزارات «الثقافة- التعليم- الشباب» لاستغلال الفضاءات المسرحية غير المستخدمة، استنادًا إلى بروتوكولات التعاون المنعقدة مع الوزارات.

- التوسع فى المسارح المفتوحة منخفضة التكلفة، خاصة فى القرى والمناطق الجديدة، بدل الاعتماد الكامل على نمط «العلبة الإيطالية»، ونموذج مشروع «مسرح الجرن» لصاحبه المخرج الكبير أحمد إسماعيل نموذج يجب دعمه، أو على الأقل استلهامه.

- إلزام تخطيط المدن الجديدة بوجود مركز ثقافى متكامل يشمل مسرحًا ضمن بنيته الأساسية. 

- تقنين وتسهيل تصاريح العروض فى الفضاءات العامة عبر جهة ثقافية واحدة. 

- دعم أشكال المسرح البديل مثل: مسرح الشارع والمسرح التفاعلى، والعروض الصغيرة المتنقلة مثل «مسرح الحقيبة» وإدماج المسرح فى الحياة اليومية «الحدائق- الساحات- المقاهى الثقافية». 

إصلاح منظومة الإنتاج

المسرح فى مصر يعانى غياب رؤية إنتاجية واضحة، سواء فى الدعم الحكومى أو فى تنظيم العلاقة مع القطاع المستقل، بالإضافة إلى سيطرة الشللية، ما انعكس فى ظهور مكرر لبعض المبدعين وغياب البعض، لا لشىء إلا لأنهم ليسوا جزءًا من جماعة مصالح، ولهذا نقترح:

- إعلان خطة سنوية شفافة للإنتاج المسرحى بكل جهة، تعلن سنويًا فى توقيت ثابت، وتتضمن معايير الاختيار ومواعيد التقديم ولجان مستقلة للتقييم.

- تطبيق مبادئ الحوكمة فى اختيار المشاريع المسرحية المنتجة. 

- إعادة تفعيل «المكاتب الفنية» للمسارح لضبط الجودة. 

- إعادة توزيع الميزانيات بما يحقق اتساع قاعدة الإنتاج وتنوع التجارب.

- اعتبار الفرق المستقلة مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، ودعمها عبر برامج دعم مخصصة. 

- الاقتداء بدعم المهرجانات الفنية عبر توجيه دعم مماثل للمشاريع الثقافية ذات الأثر الاجتماعى، «خاصة فى القرى والمناطق المهمشة»، عبر صندوق التنمية الثقافية. 

العدالة الثقافية

أحد أبرز مظاهر الخلل هو تمركز النشاط المسرحى، مقابل تهميش واضح للمحافظات، فالمسرح المحترف ممثلًا فى البيت الفنى للمسرح تقتصر فروعه على القاهرة والإسكندرية، ونقترح:

- إنشاء فرق مسرحية محترفة فى كل محافظة بدعم حكومى وشراكات محلية. 

- التحول من فكرة «القوافل الثقافية» إلى بناء قدرات مستدامة عبر الاستثمار فى تدريب الشباب على الفنون المسرحية كوسيلة للتمكين الثقافى والاجتماعى.

- تخصيص نسبة واضحة من الميزانية لدعم الفرق المسرحية المستقلة فى مجتمعاتها المحلية.

- إدماج المسرح فى المدارس ومراكز الشباب بما يضمن انتشاره فى المناطق الأكثر احتياجًا. 

نموذج إدارى ومالى مرن

العمل الثقافى بطبيعته يحتاج إلى مرونة فى إدارة موارده، وهو ما لا توفره النظم المالية التقليدية. ومن ثم نقترح:

- تطبيق نموذج مالى مرن يسمح بإعادة توزيع البنود وفقًا لاحتياجات الإنتاج. 

- إعادة النظر فى التعقيدات الإجرائية التى يكبل بها المبدعون. 

- إعادة النظر فى مسألة التصنيف العمرى بديلًا عن المنع. 

- تشجيع الشراكات مع القطاع الخاص والمستثمرين. 

- التوسع فى استحداث أدوات تسويق مواكبة وحديثة للمنتج المسرحى. 

سياسة ثقافية شاملة

وأخيرًا فإن أكبر أزمة تواجه المسرح ليست فى التفاصيل، بل فى غياب «السياسة الثقافية الشاملة».

ما يحتاجه المسرح اليوم ليس مجرد دعم، بل رؤية شاملة تعيد النظر إليه فى أوجهه المتعددة مثل: صناعة ثقافية وأداة تنمية، ومصدر للقوى الناعمة، ووسيلة فعالة لبناء الإنسان. 

إن أى إصلاح حقيقى يبدأ من الاعتراف بأن المسرح ليس عبئًا على الدولة، بل هو استثمار طويل الأمد فى وعى المجتمع، وأن تجاهله ليس مجرد تقصير ثقافى، بل خسارة استراتيجية لا يمكن تعويضها.