لأول مرة.. مؤتمر مجمع اللغة العربية بلا عنوان أو أبحاث!
- لجنة المؤتمر أُعيد تشكيلها برئاسة عضو ليس له كتاب مبتكر فى تخصصه
- العميد الأسبق لدار علوم الفيوم نشر المعجم الكبير للمجمع بشعار «الشارقة»!
- جلسات المجلس افتقرت للحد الأدنى من العدد اللازم لصحة الانعقاد
لم يعد التخبط غير المسبوق فى أحوال مجمع اللغة العربية وقراراته وإجراءاته يقف عند حد الأمور الإدارية والمالية، بل طال كذلك أهم محافله العلمية التى ظلت طوال العقود التسعة الماضية، وحتى منتصف عقده العاشر، جزءًا لا يتجزأ من أعماله العلمية، وما يصحبها من أنشطة ثقافية.

عبث بحثى
والحديث الآن عن المؤتمر السنوى لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، فى دورته الثانية والتسعين، الذى جاء بلا عنوان شأنه شأن المجمع نفسه «بلا رئيس بلا نائب بلا أمين عام بلا قيادات إدارية»، و«بلا نصف أعضائه الأربعين» الذين نص عليهم القانون، وهو ما يعنى عدم صحة القرارات التى يتخذها، وعدم إمكانية إجراء أى انتخابات.
وهو ما يستوجب أحد أمرين: إما حل المجلس الحالى بأكمله، وإعادة تعيين الأعضاء الأربعين بمعرفة وزير التعليم العالى، وفقًا للكفاءات، والقامات اللغوية والعلمية التى تزخر بها ربوع البلاد، وإما تعيينه «وزير التعليم العالى» الأعضاء العشرين لاستيفاء المقاعد الشاغرة، مع إعادة النظر فى صحة عضوية الأعضاء الحاليين، وفقًا للتقرير الذى نشرناه الأسبوع الماضى.
وهناك حل ثالث، يمكن اقتراحه، وهو إعادة هيكلة المجمع كله، وفقًا لتخصصات باحثيه، وأن يكون مجلس المجمع مثل مجالس الكليات، يمثلها رؤساء الأقسام، وهو حل يضع حدًا لكثير من المشكلات الإدارية التى يقع فيها الأعضاء نظرًا لارتفاع معدلات الأعمار السنية وغياب المهارة الإدارية، وعدم إمكانية المحاسبة لأنهم لا يتبعون الجهاز الإدارى للدولة، فهم جميعًا فوق سن المعاش.
هذا المؤتمر السنوى هو ركن أساسى من أركان العمل المجمعى، وقد ألح القائم بأعمال المجمع «الدكتور عبدالحميد مدكور»، فى مخاطباته لكل من وزير التعليم العالى والبحث العلمى، ورئيس مجلس الوزراء فى الحصول على موافقة بإقامته، وقد أجيب إلى طلبه بالموافقة، ولكن للأسف الشديد لم يكن المسئولون فى المجمع أهلًا لتلك الموافقة، إذ إنهم فيما يبدو نسوا وضع عنوان أو محاور للمؤتمر شأن كل مؤتمر سنوى دولى، وشأن مؤتمرات المجمع السنوية على مدار تاريخه.

لعل هذه السابقة تصبح قابلة للفهم، حين نحيط القارئ علمًا بأن لجنة المؤتمر السنوى قد أعيد تشكيلها فى هذا العام برئاسة عضو مجمع ليس له كتاب مبتكر معروف فى مجال تخصصه وهو النحو والصرف والعروض، وليس له أى إنتاج علمى مشهود فى مجال عمله، فضلًا عن أن أحدث كتبه المنشورة باسمه هو فى حقيقة أمره- إذا تلطفنا كثيرًا فى الوصف- لا يعدو أن يكون نسخة مزيدة من كتاب المعجم التاريخى المنهج والتطبيق الذى أصدره اتحاد المجامع اللغوية العربية بالتعاون مع مجمع القاهرة من المطابع الأميرية المصرية عام ٢٠١٩م.
وهو المنهج الذى نجد فيه نصًا واضحًا على أن المجلس العلمى للمعجم التاريخى قد أقر منهج كل من المعجم الكبير ومعجم لغة الشعر العربى اللذين يصدرهما مجمع القاهرة، منهجًا للمعجم التاريخى، الأمر الذى أكده العميد الأسبق لدار العلوم بالفيوم فى مقدمة الكتاب الذى أعاد نشره واضعًا اسمه منفردًا على غلافه، ومنتزعًا شعار مجمع القاهرة وواضعًا مكانه شعار مجمع الشارقة، وهى الطبعة التى صدرت تحت عنوان «المعجم التاريخى المنهجية وأصول التحرير»، عن دار السلام للنشر والتوزيع والترجمة، عام ٢٠٢٣م.

تزييف فى مستندات علمية
أمر آخر، هو أن المؤتمرات التى شارك فيها فى كلية دار علوم الفيوم، هى فقط المؤتمرات التى تولى رئاستها بصفته عميدًا للكلية، ولم يشارك بأى بحث فى هذا المؤتمر، أو فى غيره، فى الفترة من ٢٠١٢م إلى ٢٠١٥م، وهى الفترة التى نعرف ملابسات اختيار العمداء فيها جيدًا، شأنها فى ذلك هو شأن كل المناصب القيادية التى تسلط عليها الإخوان فى العام الذى آلت السلطة إليهم فيه، ولعل العودة إلى الصور التذكارية التى جمعته ببعض القيادات الإخوانية حين كان عميدًا للكلية تختصر كثيرًا مما يمكن أن يقال فى هذا السياق، ويشاركه فى عضوية لجنة المؤتمر عضوان: أحدهما لم يحصل على درجة الأستاذية قبل خروجه بالمعاش من كلية دار العلوم بالقاهرة «الدكتور أحمد عبدالعظيم»، وهو عضو المجمع اللغوى القاهرى، ولم يشارك فى أى مؤتمر من مؤتمرات المجمع السابقة بأى بحث علمى.
والآخر هو الدكتور عبدالحميد مدكور الذى يقوم بأعمال السلطة المختصة، وهو الآخر لم يشارك فى أى مؤتمر من مؤتمرات المجمع طوال السنوات العشر الماضية على الأقل ببحث علمى واحد، وهو فى الوقت نفسه أستاذ فى الفلسفة الإسلامية بكلية دار علوم القاهرة.
ومع ذلك نجده عضوًا فى لجان لا علاقة له بها من قريب أو بعيد، ومنها على سبيل المثال «لجنة الفيزياء!»، وهو ما يؤكد أن توزيع المهام، والمسئوليات فى مجمع اللغة العربية بالقاهرة لم يعد يستند إلى معايير علمية أو موضوعية، تهدف إلى تحقيق ما فيه صالح تلك الهيئة العلمية المستقلة.
وفى مقابل هؤلاء كانت هناك مجموعة من الأعضاء والباحثين من داخل المجمع ومن خارجه، ومن داخل مصر وخارجها يحرصون على المشاركة سنويًا بالأبحاث العلمية التى تلقى وتناقش فى جلسات علنية، ومنهم الأستاذة الدكتورة وفاء كامل والأستاذ الدكتور محمد العبد والأستاذ الدكتور محمود كامل الناقة. ومن الباحثين من داخل مصر الأستاذ الدكتور أيمن شاهين والأستاذ الدكتور أيمن تعيلب، والأستاذة الدكتورة إيمان السعيد، ومن خارج مصر الأستاذ الدكتور عائض الردادى من السعودية، والدكتور صالح بلعيد «من الجزائر»، والأستاذ الدكتور عقيل المرعى من إيطاليا، والأستاذ الدكتور يوسف العيساوى من العراق، وغيرهم، ومن داخل المجمع الدكتور عمرو الجندى، والدكتور أسامة أبوالعباس، والدكتور محمود عبدالبارى، وغيرهم.

لماذا يكره هؤلاء النشاط العلمى؟ ولماذا يدعون إلى مؤتمر بلا عنوان؟
المؤتمر العلمى لا بد أن تكون له أهداف علمية واضحة، ولا بد من أن تكون له محاور محددة، فلماذا دعوا إلى مؤتمر بلا هدف واضح، إلا أن أرادوا أن يجعلوا من المؤتمر السنوى للمجمع مجرد لجنة اعتماد قرارات علمية هى غالبًا مشوبة بالعوار على النحو الذى بيناه فى مقالات سابقة.
وفى أول المقالة الحالية، بيّنا أن جلسات مجلس المجمع كانت تفتقد للحد الأدنى من العدد الذى تتم به صحة الانعقاد، الأمر الذى ينطبق على تشكيل لجنة المؤتمر الحالية، فهى بلا شك تم تشكيلها فى جلسة من جلسات مجلس المجمع كانت تفتقد إلى الحد الأدنى من الأعضاء الذين يمكنهم اختيار لجنة تقوم بمهام إدارة المؤتمر السنوى، ويمكنهم أيضًا اختيار مقرر مناسب.
السؤال الأهم: هل قامت هذه اللجنة بعرض قراراتها بشأن إقامة مؤتمر بلا عنوان، وبلا أبحاث، على مجلس المجمع، فإن كانت الإجابة نعم، وأن مجلس المجمع بأعضائه الحاليين إن افترضنا حضورهم، قد أقرها على ما اتخذته من القرارات التى تشين المجمع، وتقلل من أهمية مؤتمره، وتحد من أهدافه، فإن هذا الأمر ليؤكد ضرورة إعادة النظر فى جدوى انعقاده.
من حقنا أيضًا أن نسأل: أى مؤتمر تعقد جلساته منغلقة على من حضر من أعضائه الأحياء العاملين «إن حضروا»، ومن حضر من أعضائه المراسلين «إن حضروا»، وما جدوى التكاليف التى تتكلفها الدولة فى سبيل عقد مؤتمر سنوى لا يهدف إلا إلى إعادة عرض المواد العلمية التى أقرها أعضاء مجلس المجمع على عدد أقل غالبًا من الأعضاء الذين عرضت عليهم الأعمال نفسها، وكيف سيعلن المؤتمر توصياته فى ظل غياب الأبحاث العلمية التى غالبًا ما تنتهى إلى عدد من النتائج والاقتراحات وفقًا للمحاور المحددة، التى لم تحدد، ووفقًا لعنوان رئيس لم يوضع؟!.
هذا كله يؤكد الحال المؤسفة التى وصلت إليها إحدى أهم المؤسسات العلمية والثقافية فى مصر والعالم العربى.







