المخلص الكورى.. كيف تحول «كيم إيل سونج» إلى «إله كوريا الشمالية»؟
- كتاب أمريكى: مؤسس كوريا الشمالية كان ناشطًا مسيحيًا فى سنوات مراهقته
- فرض الطاعة المطلقة وإثارة الرهبة والخوف فى نفوس الشعب
صدر فى 14 أبريل الماضى عن دار النشر المرموقة «كنوبف» التابعة لمجموعة «بنغوين راندوم هاوس» كتاب جديد بعنوان «المسيح الكورى: كيم إيل سونج والجذور المسيحية لعبادة الشخصية فى كوريا الشمالية»، Korean Messiah: Kim Il Sung and the Christian Roots of North Korea’s Personality Cult، تأليف الكاتب الصحفى جوناثان تشينج، رئيس مكتب صحيفة «وول ستريت جورنال» السابق فى بيونج يانج.
ويستعرض الكتاب، الواقع فى 768 صفحة، مسيرة صعود سلالة كيم وعلاقاتها المفاجئة بالمسيحية الأمريكية.
ويكشف المؤلف أن كوريا الشمالية، تلك المملكة المنعزلة أو «مملكة الناسك» كما تُوصف، سارت على مدى 8 عقود بثبات على نهجها الخاص لتصبح واحدة من أكثر دول العالم غموضًا؛ دولة نووية يحكمها نظام فريد يرتكز على عبادة شخصية أوسع وأكثر تديّنًا من تلك التى بناها ستالين أو ماو، عبادة تعود جذورها دون أن يدرك العالم إلى الحماس المسيحى الذى اجتاح الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية.
فى هذا العمل، يأخذ «تشينج» القراء فى رحلة داخل بيونج يانج، المدينة التى كانت يومًا ما مركزًا مسيحيًا حتى لُقبت بـ«قدس الشرق»، ويعرّفهم على المبشّر الأمريكى صموئيل موفيت القادم من إنديانا، الذى أسس قاعدة جماهيرية واسعة فى مطلع القرن التاسع عشر، ضمت عائلة كيم نفسها التى تهيمن اليوم على واحدة من أشد الدول اضطهادًا للمسيحية فى العالم.


فى قلب هذه القصة يقف مؤسس كوريا الشمالية كيم إيل سونج، ابن أسرة مسيحية متدينة، وصاحب الأيديولوجية المعروفة بـ«الكيميلسونجية» التى تعنى عبادة شخصه.
هذه الممارسة رفعت كيم، ومعه ابنه كيم جونج إيل وحفيده كيم جونج أون، إلى مرتبة شبيهة بالمسيح، حيث تحوّل كل ما ارتبط بهم- من المهد المتواضع الذى وُلد فيه إلى مقعد المترو الذى جلس عليه الزعيم المبجّل ذات يوم- إلى أثر يُعامل كرمز دينى.
وبالاستناد إلى رسائل ومذكرات ومواد أرشيفية لم تُكشف من قبل، يوضح الكتاب مدى التناقض بين الرواية التاريخية المجيدة التى روّج لها مؤرخو كيم إيل سونج وبين الحقائق الفعلية، ليقدّم «المسيح الكورى» القصة الحقيقية لبلد محاط بالأساطير.
ويُلقى المؤلف الضوء على كوريا الشمالية من زاوية جديدة، إذ يبيّن كيف بُنيت الدولة الأكثر عداءً للدين فى العالم على أساس مسيحى وضعه مؤسسها، الذى سخّر قوة الدين لخلق عبادة شخصية استمرت عبر ثلاثة أجيال، فى نهج يخالف التصورات السائدة عن طبيعة النظام الكورى الشمالى.
ويطرح الكتاب تساؤلات جوهرية: كيف تترسخ عبادة الشخصية؟ ماذا يحدث عندما يمزج القادة بين السياسة والدين لفرض تضحيات جسيمة؟ ويجيب عبر تحليل نشأة هذه العبادة التى انتقلت عبر الأجيال، موضحًا كيف استغل كيم إيل سونج نشأته المسيحية فى «قدس الشرق» للوصول إلى السلطة والتشبث بها رغم كل التحديات، وكيف تمكن النظام من البقاء.
الكتاب الذى استغرق جوناثان تشينج نحو ١٥ عامًا فى تأليفه، يقطع شوطًا كبيرًا نحو فهم العلاقة بين المسيحية وعبادة الشخصية فى كوريا الشمالية، فقد تواصل المؤلف، شخصيًا أو عبر كتاباتهم، مع معظم المبشرين المسيحيين والسياسيين الأمريكيين الذين زاروا «مملكة الناسك»، ومن أبرزهم المبشر بيلى جراهام والرئيس الأمريكى الراحل جيمى كارتر، اللذان عززا قناعته بأن جوهر نظام كيم يحمل جذورًا مسيحية.
ويشير إلى أن زوجة جراهام، روث بيل جراهام، درست فى ثلاثينيات القرن الماضى بمدرسة ثانوية بروتستانتية فى بيونج يانج، حين كانت المدينة تُعرف بـ«قدس الشرق».


يبدأ المؤلف كتابه بتتبع مسيرة صموئيل موفيت، المبشّر البروتستانتى الذى وصل إلى كوريا الشمالية عام ١٨٩٠، حيث أسس مجمّعًا تبشيريًا ضخمًا فى بيونج يانج، وأسهمت دعوته فى إشعال شرارة النهضة المسيحية الكبرى عام ١٩٠٧، التى جعلت المدينة تُعرف بـ«قدس الشرق» لما احتضنته من كنائس كبرى واجتماعات صلاة حاشدة.
كما أدار «موفيت» معهدًا دينيًا عالمى المستوى، ووجدت تحركاته صدىً عميقًا لدى الكوريين الذين كانوا يتواجدون تحت الاستعمار اليابانى، لكن سرعان ما امتزج الإحياء المسيحى بالقومية الكورية والمشاعر المناهضة لليابان، رغم معارضة «موفيت» الصريحة للتدخل السياسى.
وهنا تكمن المفارقة الأولى التى يبرزها الكتاب، الرجل الذى جاء ليبشر بالمسيحية أسهمت تعاليمه فى تحفيز جيل من القوميين المسيحيين، كان من بينهم كيم هيونج جيك، والد كيم إيل سونج، الذى أصبح لاحقًا زعيم كوريا الشمالية بعد هزيمة اليابان عام ١٩٤٥.
ويشير المؤلف إلى أن والدى كيم إيل سونج كانا من أوائل المتحوّلين الذين سجّلهم المبشرون البروتستانت فى المدارس المسيحية المحلية، وأن والده كيم هيونج جيك كان قوميًا مسيحيًا بارزًا، يُرجّح أنه جاب البلاد بحثًا عن معتنقين جدد وأسهم فى التخطيط لانتفاضة الاستقلال فى الأول من مارس ١٩١٩ ضد الاحتلال اليابانى.
ويقدّم الكتاب أدلة عديدة على أن كيم إيل سونج نفسه كان ناشطًا مسيحيًا فى سنوات مراهقته.
ونشأ كيم إيل سونج فى هذه البيئة المسيحية، ولم يُعلن إيمانه بالمسيح علنًا، لكنه أدرك بالفطرة قوة الإيمان فى حشد الولاء وبناء مجتمع متماسك وفرض الطاعة المطلقة وإثارة الرهبة والخوف، وهذا الفهم، كما يوضح المؤلف، كان أكثر أهمية لكوريا من أى قناعة شخصية.
ويتمحور جوهر الحجة حول أن ما استقاه كيم من تربيته لم يكن الإيمان ذاته، بل بنيته؛ فعبادة شخصيته لم تكن مجرد تشبيه بالدين، بل استمدت بنيتها من المسيحية التى نشأ عليها، فقد أُزيح المسيح لصالح «الزعيم الأعلى»، واستُبدل الكتاب المقدس بكتابات كيم، وأصبحت الطقوس الكنسية مجرد انحناء إلزامى أمام تماثيله، فيما تحوّل وعد الخلاص إلى خلود شخصى.
وكرّس كيم جونج إيل هذه الأسطورة ووسعها، ثم واصلها ابنه كيم جونج أون، لتتشكل سلالة من الحكام ذوى النزعة الدينية الفريدة فى العالم الشيوعى.
وعلى الرغم من أن عبادة شخصية كيم إيل سونج بدأت على غرار ستالين وبدعم منه، فإنها سرعان ما انحرفت بحلول أواخر الأربعينيات، متأثرة بتربيته المسيحية، فقد استشهد كيم بآيات من الكتاب المقدس، ومنح أحد أقاربه البعيدين- وهو قس بروتستانتى- منصبًا رفيعًا فى الدولة ظل يشغله لعقود.


تُذكّر العديد من طقوس «الكيميلسونجية» بالممارسات المسيحية، بدءًا من ترنيم الترانيم وصولًا إلى الاعتراف الأسبوعى بالذنوب وكتابة كلمات كيم بخط أحمر غامق.
ويلاحظ الكوريون الشماليون الذين يتعرفون على المسيحية بعد فرارهم التشابه الكبير بين الطقسين، وإن كانت بعض الممارسات يصعب تصنيفها كمسيحية، مثل الانحناء أمام تمثال كيم أو تنظيف صورته من الغبار فى طقوس خاصة.
ورغم أن تأثير المسيحية على كوريا الشمالية تراجع مؤقتًا، فإن عبادة شخصية كيم ازدادت قوة فى عهد كيم جونج إيل وكيم جونج أون، وربما قريبًا فى عهد زعيم من الجيل الرابع. وهكذا، وعلى امتداد القرن العشرين وحتى اليوم، تحولت هذه العبادة إلى ما يشبه الدين القومى، وإن لم يُطلق عليها هذا الاسم صراحة، فبينما غالبًا ما تنهار عبادات الشخصيات بعد وفاة أصحابها، يبدو أن «الكيميلسونجية» نجحت فى ترسيخ نفسها كدين بالمعنى الحرفى.
ويشير المؤلف إلى شهادات لافتة قدمها منشقون كوريون شماليون، إذ شعر كثير منهم عند تعرفهم على المسيحية لأول مرة بأنهم يعبدون الشىء نفسه تحت اسم مختلف.
أحد أفراد القوات الخاصة الذين أُسروا بعد محاولة اغتيال عام ١٩٦٨ قال: «عندما كانوا يتحدثون عن الله، كان ذلك يذكرنى بكيم إيل سونج».

وذهبت عميلة أُلقى القبض عليها بعد تفجير طائرة ركاب كورية جنوبية إلى أبعد من ذلك بقولها: «أعتقد أنه يمكن استبدال اسم المسيح باسم كيم إيل سونج».
ومع بدء المبشرين الكوريين الجنوبيين فى نشر المسيحية داخل الشمال، كما فعل صموئيل موفيت فى تسعينيات القرن التاسع عشر، أصيب كثير من الكوريين الشماليين بالدهشة من التشابه الكبير بين المسيحية و«الكيميلسونجية» التى نشأوا عليها، وكانوا ينظرون إليها باستغراب قائلين: «يبدو هذا وكأنه نسخة طبق الأصل من الكيميلسونجية».
وكان على المبشرين أن يوضحوا أن الأخيرة ظهرت لاحقًا واستُوحيت من المسيحية، وليس العكس، وهو ما لم يصدقه كثيرون إلا بعد أن علموا أن الكتاب المقدس أقدم من كيم إيل سونج بألفى عام، فى دلالة على قوة هذا الصدى.
ويخلص المؤلف إلى أن كيم إيل سونج لم يكن بحاجة إلى كتاب مقدس يرسّخ أيديولوجيته، إذ تجاوز الأمر ذلك بكثير. والنتيجة واحدة، الكوريون الشماليون الذين يصلون إلى كوريا الجنوبية ويصادفون المسيحية يتساءلون بدهشة: «ما هذا؟ ولماذا يشبه إلى حد كبير ما نشأت عليه؟»، وكثير منهم ينتهى باعتناق المسيحية عند وصوله إلى الجنوب.

ومع كل المستندات والأدلة التى يعرضها المؤلف لتأكيد أن عبادة الشخصية فى كوريا الشمالية نبتت من رحم المسيحية، إلا أن أطروحته تعانى من بعض الضعف؛ فالعديد من السمات التى يصفها بأنها مستمدة من المسيحية- مثل القيادة المسيانية والولاء الشخصى المطلق- ويمكن أن تُعزى أيضًا إلى نماذج لعبادة الشخصية السوفيتية الستالينية التى لم يكن لها أى جذور دينية.
كما أن الكتاب يتجاوز سريعًا فترة نفى كيم فى منشوريا «١٩٢٦-١٩٤٥»، حين كان تحت النفوذ السوفيتى وتحول إلى مقاتل شيوعى، وهى مرحلة أساسية فى تكوين شخصيته السياسية.
وعندما وصل كيم إلى السلطة، لعب المستشارون السوفيت دورًا بارزًا فى تشكيل الدولة الكورية الشمالية فى بداياتها، ويقرّ المؤلف بذلك، لكنه لا يتناول بجدية احتمال أن يكون كيم قد استلهم النموذج السوفيتى بشكل مباشر فى بناء نظامه، وهو ما يجعل أطروحته المركزية- القائلة بأن كيم استخدم المسيحية كنموذج لبناء دولته- أقرب إلى علاقة ارتباطية منها إلى علاقة سببية واضحة.
ومع ذلك، لا تُبطل هذه القيود ما يقدمه الكتاب فى خاتمته؛ فعندما تولى كيم إيل سونج السلطة، كان المسيحيون فى بيونج يانج- والبالغ عددهم نحو ٣٠٠ ألف- الجماعة الوحيدة فى الشمال التى تمتلك مؤسساتها وولاءاتها ومصدرها الخاص للمعنى الأسمى، ولكى تصبح عبادة شخصية كيم هى السائدة، كان لا بد من القضاء عليهم.
وهكذا دُمّرت الكنائس، وصودرت الأناجيل، وقُتل القساوسة، وأُعيدت كتابة التاريخ لتصوير المبشرين المسيحيين الغربيين والكوريين الجنوبيين كعملاء استغلوا البلاد فى تجارب بشرية.وفى النهاية يرى المؤلف أن كيم لم يكتفِ بقمع المسيحية، بل استبدلها بنفسه، ولتحقيق هذا الاستبدال كان لا بد من إسكات الأصل وتشويهه.







