اللهو الخفى.. كنت «كاتب ظل»
بعد ثورة يناير مباشرة كنت حديث التخرج، ولم يكن لى عمل أو دخل ثابت، فعرض على صديق -للخروج من تلك الأزمة- أن أشارك مع آخرين بكتابة عدة أبحاث عن المسرح فى الخليج، على أن تُجمع بعد ذلك فى كتاب، فوافقت نظرًا للمعاناة التى كنت فيها، واتضح لى أننى وشخص آخر فقط من سيقوم بالكتاب الذى يتكون من أربعة فصول، أقوم أنا بتأليف ثلاثة منها، أما الفصل الرابع والأخير فقد قام به هذا الشخص؛ لأنه يتعرض للمسرح فى الخليج، على أن يعود إلىَّ فى النهاية لمراجعته وتنسيقه.
والحق يقال كان يعطينى مبلغًا كبيرًا على ألف كلمة، وعشت فى رخاء طوال تلك المدة، فعمدت إلى تسليمه فى نهاية كل أسبوع ألف كلمة، لينتعش جيبى أسبوعيًا.
وكان يسألنى هذا الصديق، وهو عربى، عن الهوامش والكتب التى أستعين بها وعن رؤيتى للعمل، فقلت له: محمد مندور، ومحمد غنيمى هلال، وألارديس نيكول، وعبدالقادر القط، ومحمد زكى العشماوى، ودرينى خشبة، ومجموعة من الكتاب الذين تناولوا فن المسرح، بل ذكرت له موسوعة سليم حسن «مصر القديمة»، وفيها شىء عن المسرح المصرى القديم. فاطمأن إلى عملى، واستراح إلى تفكيرى، وشرعت أمده بالمادة أسبوعيًا، وهو يتابع معى كل ما أكتب.
استغللت درايتى فى عمل الأبحاث، وهو الشىء المفضل لدى والأثير عندى، ليخرج الكتاب بالصورة التى يرضى عنها صديقى أو أصدقاؤه فى الخليج، وتحديدًا بالإمارات، وبالفعل كنت دقيقًا فى نسبة المعلومة إلى صاحبها، كما كانت تظهر شخصيتى، فأتفق مرة وأختلف مرة. وأعجب الصديق بفصول الكتاب أيما إعجاب، وشجعنى على الاستمرار فى ذلك، كما أعجب بهوامشه؛ حيث أذكر اسم الكتاب واسم المؤلف وسنة الطبع ودار النشر، وهذا ما جعله يزيدنى مبلغًا إضافيًا.
بعد أن تحسنت بى الأحوال، قررت ألا أعود إلى مثل هذه الأعمال، وحاول الصديق معى مرة ومرة ومرة، وأنا مصمم على الرفض، فهذا عمل لا ينسب إلىَّ وإنما ينسب إلى غيرى، وإن كنت أنا الذى أقوم به. وأخبرنى الصديق أن كثيرًا من المصريين يعملون «مؤلفى ظل» ويرضون بهذا، وهى تأليف الكتب ونسبتها إلى غير صاحبها بمقابل مادى، وأن بعضًا من رسائل الماجستير والدكتوراه لطلبة الخليج يقوم بها المصريون. وانقطع الحديث بيننا، ولم نعد نلتقى، لانشغال كل منا بعمله.
منذ عدة سنوات عرض على مترجم مصرى يعمل بالسعودية أن أؤلف كتابًا عن سيدة رائدة من رائدات العمل الخيرى، فتحمست لهذا المشروع، خاصة أنه سيتحدث بوجه من الأوجه عن العمل الخيرى، وأعطانى نبذة مكونة من عدة أسطر عن حياة السيدة، وأنها جاءت إلى القاهرة وتركها والدها بمفردها وعاد إلى بلده، بعد أن أوصاها أن تكون سفيرة حسنة لبلدها فى مصر.
بالفعل كتبت ألفى كلمة عن هذه السيدة، وفى الحقيقة كان سيناريو من خيالى، لكنه قريب من الواقع، وجعلت من هذه السيدة قديسة، وهبت نفسها لعمل الخير منذ أن كانت فى مرحلة الطفولة، ولا أنسى الحديث الذى دار بين الوالد وبينها عندما تركها فى مصر وحيدة بمفردها، ووضعت نفسى مكان أبيها، أما هى فكانت بمنزلة ابنتى، فكأن الحديث بينى وبين ابنتى، فأخاطب ابنتى وأقوم بنصحها.
أعجب المترجم بما كتبت، وأخبرنى أن السيدة الرائدة أعجبت بكل كلمة مكتوبة عنها، وأراد الاتفاق معى على الأجر، فقلت له ما تحدده أنا موافق عليه، لكنه صمم على أن أحدد له القيمة، فقلت ليست لى خبرة فى هذا الأمر.
عرضت الأمر على صديق لى يعمل هو الآخر بالسعودية، وشرحت له الموقف، وسألته كم يكون أجرى عن هذا العمل؛ لأننى أخجل من التحدث فى الشئون المالية، وكثيرًا ما أهدرت حقوقى بسبب هذا الخجل، فقال الصديق اطلب منه مبلغًا وحدده لى. أخبرت الوسيط أننى أريد هذا المبلغ، فامتعض وقال هذا كثير، فأنا كمترجم لا أحصل على نصف ما ستحصل عليه. فحدثت الصديق مرة أخرى بحديث المترجم، فقال اصرف نظر عنه، إنه يريد أن يغشك، فإما أن تأخذ هذا المبلغ وإما أن ترفض هذا العمل. وخيرت المترجم الوسيط بين الموافقة على المبلغ أو الرفض، فرفض، فطلبت إليه أن يعطينى الألفى كلمة التى كتبتها، لكنه أبى واستنكر بحجة أن هذا الكلام يخص السيدة الرائدة، وكأنه سرد حقيقى يدور عنها.
لا يقتصر الأمر على تأليف الكتب وإنما يشمل الأمر كتابة المقالات لبعض الكتاب داخل مصر وخارجها، وقد عرض علىَّ واحد من الكتاب الانضمام إلى مكتبه، لكنى لم أرد عليه، وكان قد سألنى عن المفردات اللغوية، وهل عندى المقدرة على معرفة أكثر من مفردة للكلمة الواحدة، لأنه يحب الإكثار من الترادف، قلت: لا، ليست عندى القدرة، وذلك لينصرف عنى ويتركنى فى حال سبيلى.
أقول إن كثيرًا من «مؤلفى الظل» يتفاوتون فى الدراية بأصول الكتابة، فهناك من يعد «غشيمًا»، فهو ينقل فحسب، ولا ينسب المعلومة إلى صاحبها، وهذا يضر بمن ينسب إليه الكتاب فى النهاية، كذلك من ليست لديه القدرة على تكوين رأى ومناقشة ما ينقل، فلا يستطيع أن يبدى رأيه سواء بالموافقة أو بالاعتراض، فلماذا أوافق ولماذا أرفض، ما يعنى أنه فاقد لشخصية الباحث. وهذا يجعل الكتاب عبارة عن تجميع لأشتات متفرقة لا رابط بينها، ما يضر بالكتاب. أما الذى يأخذ عن كتاب واحد فهو سارق وهذا لا بد من سجنه.







