المُشاكس والطائش والساخر.. 3 شخصيات يمنيّة تبحث عن مؤلف
- يحب اليمنيون المصريين بالفطرة ويتفاخرون برحلاتهم إلى القاهرة فى مجالسهم
أتاحت لى الظروف خلال اشتغالى بالصحافة العمل مع صحفيين ومثقفين يمنيين كبار، فى تحرير مجلات وصحف كان يُصدرها أنصار المعارضة اليمنيّة المُقيمين فى القاهرة أواخر التسعينيات، بتمويل سعودى، نكايةً فى الرئيس اليمنى الراحل على عبدالله صالح.
وأقول نكايةً، لأنها لم تكن جرائد معارضة حقيقية، باستثناء صحيفة «بريد الجنوب» التى صدرت فى باريس، بل كانت نوعًا من المكايدات السياسية على الطريقة اليمنيّة التقليدية، حيث تجد - هناك فقط- شعبًا عربيًا أصيلًا بسيطًا، لا يزال يعيش على الفطرة العربية، ولا يُفسد الخلاف السياسى فيه للود قضية!
أيامها، كان هناك عشرات الآلاف فقط من اليمنيين المعارضين يعيشون فى القاهرة، وليسوا بهذا العدد الكبير فى أيامنا هذه. ومعظم هؤلاء سياسيون وصحفيون وأدباء وفنانون من مواطنى ما كان يُعرف بـ«اليمن الجنوبى» قبل الوحدة، فروا إلى مصر بعد الحرب الأهلية عام 1994، عندما انفرد على عبدالله صالح بحكم اليمن الموحّد.

يحب اليمنيون المصريين بالفطرة، ويتفاخرون برحلاتهم إلى القاهرة فى مجالسهم التى تُسمّى «المقايل»، حيث يدردشون، ويتناولون نبات القات، وهو مُنشّط من عائلة الأفيون، ويحتسون فناجين القهوة باستمرار. فيكتسبون قدرة فريدة على الحديث لساعات طويلة، ويقول الوزير لزميله عند احتدام أى خلاف سياسى: «هوّن عليك يا خُوى إنت مش وزير فى مصر!».
وأظرف يمنى عرفته هو أحمد الحبيشى، رحمه الله، نقيب الصحفيين الجنوبيين، الذى عُرف فى بلاده بلقب «الصحفى المُشاكس». وذلك بسبب أسلوبه الساخر فى النقد السياسى، وآرائه الغريبة، ومواقفه السجالية الحادة فى المجال العام.

كان الحبيشى، رئيس تحرير صحيفة يومية اسمها «١٤ أكتوبر» قبل مجيئه إلى القاهرة، ومعروفًا بحكم نشاطه الصحفى والسياسى لجميع أبناء الجالية. فأصدر بعد وصوله جورنال تابلويد أسبوعيًا اسمه «الوثيقة» لم يكن يُوزّع فى مصر، بتمويل من مجموعة عبدالرحمن الجفرى، نائب رئيس اليمن الجنوبى سابقًا، والد الداعية الحبيب على الجفرى.

انتمى صديقى اليمنى للحرس الماركسى القديم الذى حكم جنوب اليمن زمنًا، بقيادة الرئيس الراحل على سالم البيض، الذين تركوا البلاد بعد الحرب الأهلية، حيث استقر البيض ورفاقه فى لندن، بسبب وجود جالية يمنية كبيرة فى بريطانيا، ولكونها البلاد التى لا تُسلِّم أحدًا لجأ إليها أبدًا.
لم يكن الرجل صحفيًا فقط، بل هو شاعر وكاتب، ومحلل سياسى من الطراز الأول، صدر له ديوان بعنوان «الرحلة إلى نقطة البداية»، وكتاب «الوحدة اليمنية وطوق الأيديولوجيا». وكان عضوًا فى البرلمان اليمنى بعد قيام الوحدة بين شطرى البلاد.
دعانى الرجل، أكثر من مرة، فى شقته الأنيقة بمنطقة المريوطية هرم، حيث كان يعيش مع أسرته. وتجولنا معًا فى منطقة وسط البلد كثيرًا، فوجدته ظريفًا متواضعًا، يتكلّم دائمًا وهو يضحك. يصطنع أحيانًا الغباء بطريقة مُمثلى الكوميديا المصريين، لكنه حاد الذكاء، ويناقش أعقد القضايا بجدية عند اللزوم. يمضغ القات بلا كلل، ويشرب البيرة فى نفس الوقت، ولا أعرف كيف يجمع بينهما!
كنت أزعم وقتها أننى شيوعى، رغم أنى لم أكن كذلك بالمعنى الحرفى. بل الأمر - ببساطة- أنه إذا كنت معارضًا فى أيامى، فلن تجد سوى الناصرية أو الشيوعية، فاخترتُ الأكثر تشددًا. لذلك، لم يكن الحبيشى ينادينى سوى بلقب «صديقى الماركسى»، ويحكى لى كيف اعتنق المبادئ الشيوعية أثناء دراسته فى كلية الإعلام جامعة بغداد، حين كان يعيش مغتربًا خلال الستينيات، ويسمع كل ليلة على شرائط كاسيت أغانى عبدالوهاب القديمة.
كان معظم ما يُنشر فى «الوثيقة» محتوى سياسيًا منقولًا من صحف أخرى. وكنت أكتب العدد بمفردى، ما عدا مقال رئيس التحرير وأعمدة أخرى، بطريقة «قلب الداتا»، أى الحصول على قصاصات من الصحف اليمنية الحكومية والخاصة، تُرسل لنا من الخارج، ثم إعادة صياغة ما ورد فيها للهجوم على نظام الرئيس الراحل على عبدالله صالح، بكل الطرق الاحترافيّة الممكنة.

ولم يكن الحال بين اليمنيين أنفسهم أكثر جديّة، فقد حكى لى الحبيشى أنهم يسمون الرئيس «مُتصِل نُص الليل»، لأنه يشرب بكثرة أول الليل، ثم يتصل تليفونيًا بعد منتصف الليل بكبار المعارضين المُقيمين خارج اليمن، فقط لكى يقلق منامهم!
تبدأ المكالمة بداية وديّة، بسؤال لطيف من الرئيس عن أحوال الأسرة والأولاد، كل واحد بالاسم، وهو سؤال أقرب إلى التهديد. ثم يدعو «صالح»، المعارض للعودة إلى البلد، مع وعد بإعادة كل ما يتمتع به صاحبنا من وظيفة أو امتيازات. ويكون الرد بالرفض طبعًا، فينتهى الاتصال بتبادل الشتائم والتهديدات!
وبعض هؤلاء الصحفيين والسياسيين كان يفضّل الحياة فى القاهرة على أى مكان آخر، لأنهم تربوا على أدبيات ثقافية وسياسية مصنوعة فى مصر الستينيات، حين وصل الحس القومى العربى إلى ذروته بفعل خُطب عبدالناصر الحماسية، وتحمّس له أهل اليمن بقوة.
وأذكر أن وزير خارجية يمنى سابق قال لى ذات مرة: إذا كانت اليمن «أصل العرب»، فإن مصر هى قلب العرب.
بعد ذلك بسنين طويلة، كنت أعمل فى ديسك قطاع الأخبار بجريدة «الوطن»، وسافر مجدى الجلاد، رئيس التحرير الملزّق الذى لم أدخل مكتبه أبدًا، إلى اليمن لإجراء حوار تليفزيونى مع الرئيس «صالح»، لحساب محطة «سى. بى سى». بعد انتهاء الحوار جلس المذيع وطاقم البرنامج مع الرئيس وعدد من كبار الصحفيين اليمنيين، جلسة قصيرة فى قصر الرئاسة.
وحكى لى زميل من الطاقم، بعد عودتهم إلى مصر، أن الجلاد سأل- خلال القعدة- صحفيًا من الحاضرين السؤال المُعتاد: مش عاوز حاجة من مصر؟
أجابه: عايزك تاخد بالك من فلان الفلانى. وذكر اسمى.
فسأله الجلاد: وأنت عرفه منين؟ دا أنا نفسى أعرفه طَشاش.
قال الحبيشى ضاحكًا: هيهات أن تعرف صديقى الماركسى!
رحم الله الصديق أحمد الحبيشى، الذى مات بـ«كورونا» عام ٢٠٢١، وترك إرثًا إنسانيًا جميلًا.


لكن أغرب يمنى يمكنك مقابلته هو الدكتور «ع. أ»، الأستاذ الجامعى الذى كان عندما عرفته مندوبًا لبلاده فى الجامعة العربية، ويُصدِر مجلة فى القاهرة اسمها «المثقف العربى»، كما يُنظّم منتدى ثقافيًا شهريًا بنفس الاسم فى الباخرة «السرايا» على النيل.
لم يكن «ع. ا» شخصية عادية بالمرة. فقد كان قبل عمله بالتدريس الجامعى ضابطًا فى جيش اليمن الشمالى، وقاتل مع جنوده فى حرب عام ١٩٩٤، فأصبح مُقرّبًا من دائرة الرئيس على صالح، ويمتلك عدة مشاريع استثمارية منها شركة أدوية كبرى. ثم إنه أصدر خلال ذلك- كله- نحو ٢٠ كتابًا، منها دواوين شعر عمودى على طريقة شعراء العصر العباسى، وكتب أخرى من نوعية «دستور الحياة: مقالات تربوية فى الإيمان والعمل»، و«شروخ فى جدار الوطن: مقالات فى السياسة».
وعندما أراد إصدار «المثقف العربى»، أصرّ على أن يكتب فيها الصحفى الكبير الراحل أنيس منصور. فطلب الأخير ألف دولار فى مقال لم يتعد ٧٠٠ كلمة، دفعها صاحبنا راضيًا وسعيدًا، لأنه كان يُدرك أهمية أن يكتب منصور الصفحة الأخيرة من المجلة.
لم يتكرر استكتاب «أنيس» بسبب أجره المرتفع. ثم اتضح بعد ذلك أن المقال المنشور فى أول عدد عن «غراميات العقاد»، سبق نشره فى مجلة «الجيل» عام ١٩٥٩!
كان الدكتور مولعًا بالأدب والثقافة، واقعًا فى حب مصر. وفضلًا عن المجلة والمنتدى الشهرى، أنشأ «مكتبة عامة» فى شقة فاخرة بشارع أحمد عرابى، استعان فيها بموظفين، وفتحها للقراءة أمام الراغبين دون أى رسوم.
كنا نسهر على تجهيز المجلة للصدور فى مكتب التجهيزات الصحفية، ويُحضر الرجل معه حزمة صغيرة من «القات» لزوم السهرة. وذات مرة قال لى: إحنا بنجيب «الجات» تهريب من إثيوبيا على الطيّارات، وبيكلفنا مبالغ كبيرة، عندك الحزمة دى مثلًا بـ١٠٠ دولار.
قلت له: أنا ماليش فيه.
قال: أنا عارف، بس إيه رأيك أجيب لك البذور وتزرعه لنا عندك فى البلد، وهنشتريه منك بالدولار، بس بلاش استغلال.
ظننت أن هذا الكلام نوع من الهزار، لكنه كان جادًا تمامًا. فضحكت وقلت: القات داخل جدول المخدرات هنا، إنت كده عاوز تحبسنا يا دكتور!
ورغم منصبه الدبلوماسى المرموق، وموقعه الأكاديمى فى سلك تدريس الأدب العربى بالجامعات اليمنيّة والعربية، كان لـ«ع. ا» مواقف تدُلّ على غرابة أطواره، وقدرته على الإتيان بتصرفات أقل ما يُقال عنها إنها طائشة.
عاد الرجل ذات ليلة- كما حكى لى- مشحونًا بتأثير «القات»، وطلب زوجته فامتنعت عنه. حاول معها فأبت. فما كان منه إلّا أن صرخ فيها وكأنه صعيدى قُح: علىّ الطلاق لاتجوز عليكى الليلة دى!
اتصل بسائقه الخاص، النوبى، وأمره أن يحضر فورًا للأهمية. حضر السائق بسرعة متوقعًا حدوث شر، فقال له صاحبنا: أنا عايزك تشوف عروسة الليلة دى يا «عم جمعة» وهعطيها مليون جنيه مهر.
بعد تفكير طويل، وأمام إصرار الدكتور على طلبه الفورى الغريب، عرض عليه السائق أن يزوجه ابنته الشابة خريجة دبلوم تجارة. وتم عقد القران ليلتها، لأن النقود تصنع المستحيل. ولم يُصبح الصُبح على الرجل إلا وهو عريس جديد!
توقفت المجلة عن الصدور بعد سنتين تقريبًا. وكذلك توقف «منتدى المثقف العربى»، الذى قابلت فيه مثقفين مصريين وعربًا كبارًا، منهم د. ميلاد حنا، ود. جابر قميحة، والشاعر حسن فتح الباب، وسمير غريب، والصحفى اللبنانى خيرالله خيرالله.
وانقطعت أخبار صاحبنا زمنًا. ثم عرفت بعد ذلك بسنوات أنه ترك منصبه فى مندوبية الجامعة العربية، وتولى منصبًا أرفع هو سفير بلاده لدى القاهرة. ومع ذلك، تورط فى واقعة أغرب تتعلّق بالاتجار فى الآثار.
وقع الرجل فى مارس ٢٠١١، عزّ الفوضى الأمنية التى أعقبت أحداث ٢٥ يناير، ضحية عصابة إجرامية من إحدى قرى أسيوط، عرضت عليه- عبر وسيط- آثارًا فرعونية حقيقية. واتفقوا معه على إحضار المبلغ المطلوب وهو ٥ ملايين جنيه، بعد ثلاثة أيام.
ذهب الدكتور بنفسه- وبمنتهى الجرأة- مع سائقه «صهره» إلى المكان المُتفق عليه ومعهما الفلوس. فور وصولهما، خرج عليهما عدد من أفراد العصابة معهم بنادق آليّة، وأطلقوا النار فى الهواء بكثافة. ثم استولوا على حقيبة الأموال، وفرّوا هاربين!
ولم يكن من الحكمة أن يحرّر السفير محضرَ شرطة بالواقعة، لكنه فعل. وعندما سألوه: ما هى الصفقة التى تتطلّب ٥ ملايين جنيه فى أرياف أسيوط؟ لم يجد جوابًا مُقنعًا. وعلم الجميع بمن فيهم وزارة الخارجية اليمنيّة بما حدث.
بعد انتشار أخبار الواقعة فى الأوساط الدبلوماسية، طلبت منه الوزارة تقديم استقالته. وقد كان. الغريب فى الأمر أن معظم المواقع الإلكترونية تؤكد أنه استقال احتجاجًا على مجزرة «جمعة الكرامة»، التى شهدتها صنعاء أثناء أحداث الثورة اليمنيّة ضد الرئيس على صالح!


من أظرف اليمنيين الذين عرفتهم- على الإطلاق- الصحفى والدبلوماسى عبدالودود المطرى، الساخر المُخضرم، الذى لولا بعض اللكنة فى لهجته لظننت أنه ابن بلد مصرى صميم.
عاش «عبدالودود» نصف عمره فى القاهرة، منفيًّا مع المئات من المعارضين اليمنيين. ومنهم، الحبيشى، وعبدالله سلام، وزير الخارجية الأسبق، والصحفيون عبدالرقيب منصور، ومحسن العينى، وعلى السقاف، وغيرهم من أعضاء الرابطة اليمنية غير الرسمية المُسماة «رابطة عُشّاق مصر».

وعندما عرفت المطرى، لأول مرة، كان يكتب مقالات فى صحف يمنيّة معارضة محدودة التوزيع، تصدر من لندن وباريس، تهاجم الرئيس على صالح بقسوة، وتدعو إلى استقلال «اليمن الجنوبى» عن الشطر الشمالى، كما كان الوضع قبل الوحدة، بدعوى أن هناك اختلافات جذرية - حسب قولهم- بين شطرى اليمن.
أعطانى نسخًا من كتابين له نُشرا فى صنعاء وبيروت، أولهما ديوان شعر لا أتذكر عنوانه، ولكن ما أتذكره جيدًا أن غلاف الديوان كان يحمل صورة مؤلفه «عبدالودود» فى شبابه، وهو يبتسم ابتسامة واسعة فيها الكثير من السذاجة، التى تخلص منها بعد ذلك بحكم إقامته الطويلة فى مصر!
والكتاب الثانى بعنوان «تائه فى بلاد الإنجليز»، يحكى عن فترة إقامته فى لندن، حيث عمل مُلحقًا إعلاميًا بسفارة بلاده قبل أن يغضبوا عليه. وهو كتاب لطيف، فيه شىء من المواقف الطريفة التى وقعت له خلال عيشه فى عاصمة الضباب.
فى تلك الأيام، كان صديقنا المطرى يعيش لوحده فى شقة تمليك بمنطقة فيصل. يعانى من الاكتئاب، ويسهر كل يوم فى مكان مختلف، رغم أن أموره المالية لم تكن على ما يرام.
ولكن، بعد توقيع اتفاقية المصالحة بين المعارضة والحكومة تغيّرت الأحوال، وعاد المطرى مع كثير من مواطنيه إلى بلدهم. فلم يطل به المقام هناك. ورجع إلى مصر من جديد، ليس كمعارض منفى هذه المرة، بل كمستشار ثقافى لسفارة اليمن لدى القاهرة، بعد أن انتهت مرحلة المناكفات السياسية!
وتحسّنت أوضاعه النفسية والمالية بطبيعة الحال عن الأول، فبات يُحضر لى هدايا صغيرة من البُن والعسل وخراطيش سجائر «كمران» اليمنية فى كل سفرية، حين يعود بعد قضاء إجازته القصيرة فى اليمن. وأتذكر أنى كنت معه فى شقة فيصل، واستشهدت أثناء الحديث ببيت الشعر الذى قاله نجيب الريحانى فى فيلم «سلامة فى خير» للممثل «شرفنطح»: إن لم تكن لى والزمانُ شُرُمْ بُرُمْ.. فلا خيرَ فيك والزمان ترَلْلى.
وفوجئت به يستوقفنى، ويتناول ورقةً وقلمًا ليدوّن بيت الشعر الحلمنتيشى هذا، باهتمام كبير، ثم يُرسله - وهو يضحك- إلى أحد كبار المسئولين اليمنيين فى رسالة نصية على الموبايل!
عاش المطرى حياة حافلة، قضاها صحفيًا وروائيًا ورحّالة، لكنه عاش معظم حياته فى مصر، كواحد من أهل البلد التى أحبها أكثر من غيرها. ويُصادق كثيرًا الصحفيين والأدباء المصريين باعتباره واحدًا منهم.
وكان يرتاد النادى النهرى للصحفيين بالجيزة، حيث يُعقد مجلس محمود السعدنى، الذى قال عن كتابه «تائه فى بلاد الإنجليز» إنه الكاتب العربى الوحيد الذى جرؤ على «معارضة» محمد عفيفى صاحب كتاب «تائه فى لندن». ونجح فى ذلك.
حكى لى «عبدالودود» أنه جاء ذات مرة من اليمن مع صديق له يرتاد «نادى الصحفيين» على كورنيش الجيزة، مقر السعدنى المختار. وطلب «عبدالودود» من صديقه أن يصطحبه إلى هناك، لرؤية هذا الكاتب الذى لا يُشقّ لقلمه غبار، وقد كان.
أحضر المطرى معه، بكل براءة اليمنيين، واحدًا من مؤلفات السعدنى، لكى يكتب له كاتبه العظيم إهداءً عظيمًا مثله، يفتخر به بين زملائه الصحفيين عندما يعود إلى صنعاء.
أمسك السعدنى بالقلم، وكتب جملة واحدة، قرأها «عبدالودود» على الملأ بطلب من كاتبها، فانفجر المجلس ضاحكًا. كان الإهداء كالتالى: «إلى الرجل الذى حاول أن يركب الصعب، فركبه الصعب!».
وضحك اليمنيون الحاضرون أكثر من الجميع، لأن تلك سخرية مُركّبة، فالسعدنى الصايع القديم كان يعرف العامية اليمنية، ويعلم أن «الصعب» هناك معناه الجحش!
لم يغادر «عبدالودود» مصر بإرادته، وظل فيها حتى الرمق الأخير. ففى مارس ٢٠١٥، حمل الكاتب والدبلوماسى حقيبته ورحل من «معهد القلب» بالقاهرة، إلى جوار ربه، إثر أزمة صحية مفاجئة. وكنت معه فى المستشفى قبل وفاته بلحظات.
أخيرًا، جرى نقل جثمانه بالطائرة على حساب السفارة، ودفنه فى عدن. وكان قبل ٢٤ ساعة فقط من تلك الأزمة يعيش حياته، وكأنه سيعيش أبدًا.





