كيف يُصبح القرآن كتابًا عصريًا؟.. اجتهادات مجهولة لـ«رجاء النقاش»
- نحن فى حاجة إلى تفسير عصرى للقرآن يجعله ميسورًا فى قراءته بالنسبة لأى شاب من شبابنا بدون الرجوع إلى مراجع عديدة
- التفسير العصرى يستطيع أن يحرر القرآن من الخرافات التى تسربت إلى التفسيرات القديمة
- القرآن لا يقف فى وجه البحث ولا فى وجه الاكتشافات الجديدة بل إنه يدعو إلى ذلك دعوة قوية أصيلة
- القرآن لا يعارض الروح العلمية بل يحث عليها ويدعو إليها
نعرف الكاتب الكبير رجاء النقاش «1934- 2008» صحفيًا لامعًا وناقدًا فذًا ومكتشفًا للنجوم الفنية والثقافية، كما نعرفه مفكرًا تبنى خلال رحلته الصحفية والفكرية قضايا التنوير والدفاع عن المفكرين المستنيرين، وهو ما دفعه إلى دخول معارك صاخبة، دفع فى بعضها ثمنًا كبيرًا كاد يصل إلى حياته نفسها، لكنه واصل حتى نهاية عمره رسالته فى أن تكون مصر أكثر رقيًا وتحضرًا، وأن يكون الإسلام أكثر عصرية، وأن يكون الدين كله محققًا لمصالح الناس، وليس عبئًا عليهم.
من بين اجتهادات رجاء النقاش المهمة كان ما يخص القرآن الكريم، وأعتقد أن ما طرحه فى عدد مجلة الهلال الصادر فى ديسمبر 1970 كان جريئًا ومدهشًا فى آنٍ واحد.
وقتها كان رجاء رئيسًا لتحرير الهلال، وقرر أن يخصص عددًا كاملًا عن كتاب الله وضع له عنوانًا دالًا هو «القرآن.. نظرة عصرية جديدة»، وبدأه بما يمكننا اعتباره قنبلة شديدة الانفجار.

فقد طالب فى مقاله الافتتاحى بتحرير القرآن من القيود.
بدأ رجاء مقاله بسؤال: كيف يمكن أن ننظر للقرآن نظرة عصرية؟
وأجاب: إذا أردنا أن نضع النقط فوق الحروف ونتحدث بصراحة، فلا بد أن نقول إن هناك كثيرًا من القيود المفروضة على القرآن، وواجبنا هو أن نحرر القرآن من هذه القيود، حتى يعيش القرآن فى حياتنا أكثر مما يعيش الآن، وحتى يتاح له أن يؤثر فى نفوسنا ذلك التأثير الواسع العميق الذى استطاع القرآن أن يحققه فى أجيال وعصور سابقة، ويستطيع أن يحققه بالتأكيد بالنسبة لعصرنا وجيلنا».
حدد رجاء هدفه من المقال من فقرته الأولى، ثم دخل إلى التفاصيل مباشرة متحدثًا عن القيود التى يقصدها.
يقول رجاء: علينا أن نحدد هذه القيود، ثم نعمل بعد ذلك على تحرير القرآن منها، حتى ولو أدى بنا الأمر إلى تحقيق ثورة دينية، مثل تلك الثورة التى قادها «مارتن لوثر كنج» فى عالم المسيحية الغربية، وكانت هذه الثورة هى الحركة «البروتستانتينية» المعروفة.
لا يتركنا رجاء النقاش للحيرة، فهو يحدد بنفسه القيود التى يرى أنها مفروضة على القرآن.
يقول: هناك قيود شكلية من بينها الإصرار على عدم كتابة مصحف بالخط العصرى المعروف، والإصرار على أن تكون كل المصاحف مكتوبة بالخط القديم ما يشكل عقبة رئيسية أمام كل الأجيال الجديدة التى تريد أن تقرأ القرآن فتجد فى كتابته عناءً شديدًا، قد يؤدى إلى صرفها عن هذه القراءة نهائيًا.
ربما كان رجاء النقاش يعبر عن صعوبة وجدها وهو يقرأ فى المصحف، وهى صعوبة يقابلها كل من لم يحفظ القرآن على يد شيخ، ولأنه كان مخلصًا فى دعوته، فقد أثبت بعض النماذج التى تؤكد كلامه.
ففى المصاحف الحالية نقرأ هذه الكلمات، الصرط بدلًا من الصراط، والصلوة بدلًا من الصلاة، والزكوة بدلًا من الزكاة، وأبصرهم بدلًا من أبصارهم، وظلمت بدلًا من ظلمات، والسموت بدلًا من السماوات، وجنت بدلًا من جنات.. إلخ.
وقبل أن يعترض أحد طريق رجاء النقاش، الذى كان يعتبر ما يقوله ثورة فى عالم القرآن، يقول: من واجبنا ولا شك أن نحتفظ بالمصحف القديم بخطه، فذلك أثر عزيز من آثارنا، لا يجوز أن نهمل فى المحافظة عليه، ولكن يجب أن تكون لدينا الشجاعة الدينية الكافية لكى نطبع مصحفًا خاليًا من هذه الحروف التى تجعل قراءته صعبة، بل ومستحيلة إلا عند المتخصصين فى قراءة القرآن، ونحن نريد أن يقرأه كل المتعلمين فى بلادنا وأن تقرأه الأجيال الجديدة على وجه الخصوص دون أن يجدوا فى هذه القراءة كل المشقة التى يحسون بها الآن، وليس هناك أى نص دينى مقدس يحرمنا من الإقدام على مثل هذه الخطوة، بل إن روح الدين تتمثل فى أن الدين يسر لا عسر، وكل ما ييسر الدين دون الخروج على جوهر مبادئه أمر مطلوب.

يعزز رجاء النقاش فكرته بأنه إذا أردنا أن نجعل هناك صلة حقيقية بين القرآن وأجيالنا الجديدة فلا بد من أن نقدم على هذه الخطوة بلا تردد، أما إذا أردنا أن تظل هناك فجوة واسعة بين هذه الأجيال الجديدة، وبين القرآن فلنرفض إصدار مصحف جديد مكتوب بالخط العصرى والحروف العصرية، وخال- كما هو الحال فى المصاحف الحالية- من أى علامة استفهام أو تعجب أو ما إلى ذلك.
أطلق رجاء النقاش فكرته هذه منذ أكثر من ٥٦ عامًا، لكن لم تجرؤ أى جهة على تنفيذها، وظل ما قاله مجرد سطور فى أرشيف مجهول لا يعرف أحد عنه شيئًا، وأعتقد أن هذه الفكرة لن تنفذ بسهولة، لأن هناك من يرى أن الرسم العثمانى للمصحف هو جزء من قداسته التى لا يجب الاقتراب منها، حتى لو كان الهدف هو كسر الفجوة بين كتاب الله وبين من لا يُجيدون قراءته.
لم تكن هذه هى العقبة الوحيدة التى رصدها رجاء النقاش وتحول بينه وبين التواصل مع القرآن الكريم بصورة عصرية، فقد رصد ما يمكننا اعتبارها قضية مهمة جديرة بالنقاش.
يقول: هناك عقبة أخرى هى انعدام وجود تفسير عصرى سهل للقرآن، ونحن بأشد الحاجة إلى مثل هذا التفسير الذى يجعل القرآن ميسورًا فى قراءته بالنسبة لأى شاب من شبابنا دون الرجوع إلى مراجع عديدة معقدة، كما أن مثل هذا التفسير هو وحده الذى يستطيع أن يحرر القرآن من الخرافات التى تسربت إلى التفسيرات القديمة، مثل تفسير البرق بأنه صراع بين ملائكة الخير وملائكة الشر، أو ما إلى ذلك من الأفكار القديمة التى يقدم العلم المعاصر بديلًا واضحًا لها قائمًا على المعرفة الصحيحة بظواهر الأمور الطبيعية والإنسانية.
ورغم ظهور تفسيرات كثيرة للقرآن بعد ما كتبه رجاء فى بداية السبعينيات، إلا أن هذه التفسيرات التى تمت بمناهج جديدة لا تلبى فيما يبدو ما كان يهدف إليه.
تعامل رجاء مع الشكل المكتوب به القرآن على أنه مجرد عقبات شكلية، لكن هناك عقبات أخرى أعمق وأبعد.
يقول: لا تزال المؤسسات الدينية عندنا ترفض إلى أبعد الحدود الاعتراف بوسائل التأثير العصرية مثل السينما والمسرح والموسيقى والرسم والإذاعة والتليفزيون.
ويقارن بين رجال الدين عندنا ورجال الدين فى الغرب.
يقول: إذا نظرنا إلى رجال الدين فى الغرب وجدنا أنهم قد توسعوا فى الاستفادة من هذه الوسائل إلى أبعد الحدود، فقد امتلأت الكنائس الغربية باللوحات الفنية الرائعة، بل إن هناك مدرسة دينية فذة فى الفنون التشكيلية وهناك آلاف اللوحات والتماثيل الرائعة فى الغرب مستمدة كلها من المسيحية، كما توسعت فى استخدام الموسيقى، وبذلك أصبحت الكنيسة مكانًا مشرقًا بجوه الروحى حيث يساعد الفن بوسائله المختلفة على تعميق هذا الجو بصورة رائعة.
أما السينما والمسرح- كما يقول- فقد أتيح أن يعتمدا على الكثير من الإنجيل والعهد القديم بصورة واسعة رحبة، بل لقد ظهر فى السينما الغربية فيلم طويل هو فيلم «الإنجيل»، ومهما قيل عن هذا الفيلم وعن أخطائه فالمحاولة جريئة، وهى محاولة لم تلق أى اعتراض من السلطات الدينية فى الغرب، أما عندنا فنحن نجد فاصلًا قاسيًا بين المسرح والسينما، وبين القرآن وقصص القرآن، كما نجد حربًا على أى اقتراب بين القرآن وبين فن الموسيقى أو فن التصوير والرسم.
يطالب رجاء بضرورة أن يتغير هذا الموقف، وأن تزول هذه القيود، ويقترح عقد اجتماعات واسعة بين رجال الدين ورجال الفن والثقافة حتى يتم الوصول إلى حل لا يتعارض مع المبادئ الدينية بل يخدمها ويساعدها على أن تمد جذورها فى أعمق أعماق الضمير والوجدان.

فكرة رجاء الأساسية قامت على تقريب الأجيال الجديدة من الدين، ففى الغرب نجد كتبًا تصدر للأطفال الصغار فيها الكثير من الرسومات والصور التى توضح قصص الإنجيل وتضيئها وتبسطها لهؤلاء الأطفال وهى كتب رائعة وعظيمة ومؤثرة، لكننا نتردد فى أى جهد من هذا النوع يجعل القرآن قريبًا من الإنسان والقلب الإنسانى، ويجعل القرآن واضحًا كل الوضوح فى ضوء العصر الحديث وما يمتلئ به هذا العصر من أفكار وفنون جديدة.
يعرف رجاء أن دعوته مزعجة ومقلقة، ولذلك يدعمها بقوله: إننا عندما نحرر القرآن من مثل هذه القيود المحيطة به لا نكون قد أسأنا إلى القرآن، بل نكون قد أحسنا إلى أنفسنا وإلى الدين الإسلامى الذى نؤمن به، إننا يجب ألا نتردد فى تقديم مسرحيات مستمدة من روح القرآن، يجب ألا نتردد فى شىء من هذا على الإطلاق لأن ذلك يطلق القوى العظيمة الكامنة فى القرآن، ويملأ بها قلب الإنسان المعاصر وضميره ووجدانه، أما إذا اكتفينا بأن نجعل القرآن مجرد نص مقدس، فسوف يصعب الوصول إليه إلا لمن كان متخصصًا فى القرآن والعلوم الدينية.
ويختم مقاله الذى كان تقديمًا لملف كان- ولا يزال- مهمًا عن القرآن الكريم، يقول: إن واجبنا هو أن نحرر القرآن من هذه القيود ونبذل كل جهدنا فى سبيل تمهيد الطريق للوصول إلى كل ما فى القرآن من جمال فكرى وروحى وفنى وإنسانى وكل ما فيه من قيم دينية عليا، حتى لا يصبح الطريق إلى القرآن غاية فى الصعوبة والقسوة والمشقة.

بعد أربع سنوات من هذا المقال يعود إلى قضيته وهى التعامل مع القرآن ككتاب عصرى، فيكتب فى مجلة المصور عدد ٣ نوفمبر ١٩٧٤، مقالًا بعنوان «القرآن والفكر الجديد.. تفسير للقرآن بالخرائط والصور».
يمهد رجاء لحديثه عن تفسير مختلف للقرآن بمقدمة طويلة، يشرح فيها أسباب تخلفنا الحضارى، وهو التخلف الذى جاء بسبب مفهومنا للعلم.
يقول: كان من أخطر العوامل التى أدت إلى تدهور الحضارة العربية الإسلامية بعد ازدهارها الرائع أن العرب والمسلمين عمومًا ابتعدوا عن النظرة العلمية إلى الحياة، وذلك منذ أن بدأ الأتراك يسيطرون فى ظل الخلافة العثمانية على البلاد الإسلامية، فقد كان الأتراك العثمانيون محاربين ولم يكونوا علماء ولا مفكرين ولم يحملوا وراءهم فى البلاد التى فتحوها أى فكر جديد أو فن جديد أو ثقافة جديدة، بل ولم يساعدوا على الازدهار العقلى فى البلاد التى كانت تتمتع بهذا الازدهار قبل أن يدخلها الغزاة الأتراك مثل مصر، وأكثر من ذلك فقد حاولوا أن يقتلعوا جذور الحضارة التى كانت موجودة فى بعض البلاد مثلما فعل السلطان سليم عندما نقل كل الصناع المهرة والعمال الفنيين من القاهرة إلى القسطنطينية.
ويجزم رجاء بأن ابتعاد العرب والمسلمين عمومًا عن النظرة العلمية للحياة فى فترة النفوذ العثمانى كان سببًا رئيسيًا للكارثة الكبرى التى تعرضت لها الحضارة العربية والإسلامية حيث انتهى الأمر بتخلفهم، وتقدم الحضارة الغربية بخطوات واسعة إلى الأمام، فقد أخذ الأوربيون يفكرون ويكتشفون ويحققون تقدمًا علميًا باهرًا فى كل يوم جديد، وتحرروا من كل ما يعوقهم عن النظرة العلمية العميقة إلى الحياة، وبذلك انتصرت حضارتهم وازدهرت وحققت السيادة لنفسها على المجتمع الإنسانى كله.
ويشير رجاء إلى أن العرب اقتصروا فى نظرتهم للعلم على أنه مجرد المعرفة بالعلوم الدينية التى تنظم العلاقة بين الله والإنسان، ويستعين لتأكيد ذلك بما ذكره الدكتور زكى نجيب محمود فى كتابه المهم عن «تجديد الفكر العربى» عن مفهوم العلم عند العرب والمسلمين، وهو المفهوم الذى ساد فى عصر التخلف العقلى والواقعى الذى عانت منه الحضارة العربية والإسلامية لفترة طويلة.
كان الدكتور زكى نجيب محمود قد اعتمد فى تلخيصه لمعنى العلم عند العرب والمسلمين القدماء على تعريف الإمام الغزالى للعلم فى كتابه «ميزان العمل».

يقول الغزالى: إن العلم المقصود هو العلم بالله وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وملكوت السماوات والأرض وعجائب النفوس الإنسانية والحيوانية، من حيث إنها مرتبة بقدر الله، لا من حيث ذواتها - فالمقصود الأقصى هو العلم بالله.
يعلق رجاء: هذا هو مفهوم الغزالى للعلم، وهو نفسه مفهوم العرب والمسلمين القدماء فى فترة التخلف الحضارى التى عانى منها العالم الإسلامى كله، وقد أدى هذا المفهوم إلى مصادرة الجهود العلمية المختلفة التى تبتعد عن الدراسات الدينية لتمتد إلى التفكير فى العالم نفسه واكتشاف قوانين حركته أملًا فى العالم نفسه واكتشاف قوانين حركته أملًا فى الوصول إلى التطور والتقدم، وتعميق قدرة الإنسان فى السيطرة على الطبيعة.

وكما فتح رجاء كتاب زكى نجيب محمود، فإنه يلجأ إلى الجبرتى الذى يروى قصة مهمة تعكس الحالة العلمية فى مصر فى القرن الثامن عشر، وكانت فى نفس الوقت مركزًا للفكر الإسلامى.
أما القصة التى جاءت فى كتاب «عجائب الآثار» فتأتى على النحو التالى:
فى عام ١٧٤٩ جاء إلى مصر والٍ تركى جديد هو أحمد باشا، وكان الوزير من أرباب الفضائل وله رغبة فى العلوم الرياضية، وقابله صدور العلماء فى ذلك الوقت وهم الشيخ عبدالله الشبراوى شيخ الجامع الأزهر، والشيخ سالم النفراوى والشيخ سليمان المنصورى، فتكلم معهم وناقشهم وباحثهم، ثم تكلم معهم فى الرياضيات فأحجموا وقالوا لا نعرف هذه العلوم فتعجب وسكت.

دخل الشيخ الشبراوى على الباشا فى يوم جمعة يحادثه كعادته، ودار بينهما هذا الحوار:
الباشا: المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع الفضائل والعلوم وكنت فى غاية الشوق إلى المجىء إليها، فلما جئتها وجدتها كما قيل: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه.
الشبراوى: هى يا مولانا كما سمعتم معدن العلوم والمعارف.
الباشا: وأين هى وأنتم أعظم علمائها وقد سألتكم عن مطلوبى من العلوم فلم أجد عندكم منها شيئًا، وغاية تحصيلكم الفقه والمعقول والوسائل ونبذتم المقاصد.
الشبراوى: نحن لسنا أعظم علمائها، وإنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند أرباب الدولة والحكام، وغالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشىء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفرائض والمواريث كعلم الحساب والغيار.

الباشا: وعلم الوقت كذلك من العلوم الشرعية، بل هو من شروط صحة العبادة كالعلم بدخول الوقت واستقبال القبلة وأوقات الصوم والأهلة وغير ذلك.
الشبراوى: نعم.. معرفة ذلك من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات وأمور ذوقية كرقة الطبيعة وحسن الوضع والخط والرسم والتشكيل، والأمور العطاردية، وأهل الأزهر بخلاف ذلك غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من القرى والآفاق فيندر فيهم القابلية لذلك.
الباشا: وأين البعض؟
الشيخ: موجودون فى بيوتهم يسعى إليهم.

يستكمل الجبرتى روايته: أخبره الشيخ الشبراوى عن الشيخ الوالد حسن الجبرتى وعرفه عنه وأطنب فى ذكره، فقال: ألتمس منكم إرساله عندى، فقال: يا مولانا إنه عظيم القدر وليس هو تحت أمرى، فقال: وكيف الطريق إلى حضوره؟ قال: تكتبون له إرسالية مع بعض خواصكم فلا يسعه الامتناع، ففعل ذلك، وطلع إليه ولبى دعوته وسر برؤياه واغتبط به كثيرًا، وكان يتردد عليه يومين فى الجمعة، وهما السبت والأربعاء، وأدرك منه مأموله وواصله بالبر والإكرام الزائد، وكان المرحوم الشيخ الشبراوى كلما تلاقى مع المرحوم الوالد يقول له: سترك الله كما سترتنا عند هذا الباشا فإنه لولا وجودك لكنا جميعًا عنده حمير.
يعلق رجاء على هذه الحكاية التى اختارها بعناية من كتاب الجبرتى، يقول: هذه قصة واقعية يرويها الجبرتى عن مصر فى منتصف القرن الثامن عشر، فمصر آنذاك لم يكن فيها سوى عالم واحد استطاع باجتهاده الخاص أن يتعلم بعض أصول الرياضيات، أما بقية علماء مصر فلم يكونوا يعرفون أكثر من العلوم التى تدور حول اللغة والدين مثل الفقه والنحو وما إلى ذلك، وهى علوم مهمة ولا شك، ولكنها لم تكن تكفى أبدًا لمواجهة مطالب التطور والتقدم الحضارى الصحيح خاصة بعد أن انطلقت انطلاقات واسعة فى هذا الميدان منذ عصر النهضة.
ويضيف: ولم يكن التخلف الواقعى هو الخطر الوحيد فى هذا المجال، بل كانت المشكلة هى أن اتجاهًا فكريًا ساد العالم الإسلامى لفترة طويلة، كان يرى أن العلم يجب أن يقتصر على العلوم الدينية، وأن ما هو غير ذلك إنما يقوم على العبث، بل لقد تصور البعض أن العلوم الأخرى مرفوضة حتى من وجهة النظر الدينية، فعلم التشريح مثلًا كان علمًا مرفوضًا وكان الذين ينادون به يتعرضون أحيانًا للاتهام بالكفر والزندقة، وانتهى الأمر بأن أصبح واضحًا أن هناك تناقضًا بين الدين والعلم، وأن الفكر الإسلامى يقوم فى أساسه على محاولة التعرف على القدرة الإلهية وتعميق الشعور الدينى، وليس هناك أمام العقل رسالة أكبر من ذلك أو أهم، وأى خروج على هذا النطاق هو خروج على الدين، بل قد وصل الأمر بأحد الباحثين الدينيين المعاصرين الذين ما زالوا يمثلون فى المجتمع العربى المعاصر امتدادًا للنظرة القديمة التى ترفض العلم باسم الدين.

يمسك رجاء بكتاب اسمه «الجفوة المفتعلة بين العلم والدين» لمؤلفه «محمد على يوسف»، وهو الكتاب الذى يرفض فيه جميع اكتشافات العلم الحديث ويستنكرها، ويقول عنه: يحذر الكاتب فى كتابه من النظريات العلمية وخطرها على طلاب المدارس فى البلاد الإسلامية، ما لم يكن الغرض الأساسى من المناهج الدينية بالثانويات خاصة هو تحرى مواطن الخطر ومكامن الألغام فيما يدرسه الطالب من المواد الأخرى، كنظرية التطور فى العلوم، والحريات العامة فى التاريخ- الثورة الفرنسية خاصة- ودوران الأرض وكرويتها فى الجغرافيا، ما لم يكن منهاج الدين الحارس الأمين اليقظ الذى يعد العدة لكل ما يغير من جيوش الإلحاد التى تتسرب إلى عقول الطلبة من محيطهم الثقافى العام، فإن الطلبة معرضون لخطر الشك فى عقيدتهم.

ويرصد رجاء ما ترتب على هذه الأفكار، فهذا الوضع المتخلف للفكر الإسلامى لفت أنظار بعض المفكرين الدينيين المتحررين فى العصر الحديث، ووقفوا ضده وأطلقوا دعوات قوية تنادى بفتح المجال العام للبحث العلمى عند المسلمين بحرية واسعة وبغير قيود، وقد أراد هؤلاء العلماء المتحررون أن يدعموا نظرتهم واتجاههم بتقديم كل البراهين العقلية السليمة التى تؤكد أن التناقض بين العلم والإسلام لا وجود له، وكانت المهمة الأساسية فى هذا المجال هى الكشف عن أن الروح العلمية ثابتة فى القرآن، وأن القرآن لا يقف فى وجه البحث، ولا فى وجه الاكتشافات الجديدة، بل إنه يدعو إلى ذلك دعوة قوية أصيلة.
ويشير رجاء إلى أن المحاولة التى قادها بعض كبار علماء الدين المعاصرين لإزالة التناقض الموهوم بين القرآن والعلم تختلف اختلافًا كاملًا عن التفسير العلمى للقرآن.

فالتفسير العلمى للقرآن- فى رأيه- يقول بوجود النظريات العلمية فى القرآن، مثل نظرية الذرة وما إلى ذلك من النظريات الكبرى، ويحاول التفسير العلمى أن يقدم الأدلة التى تبث وجود هذه النظريات فى القرآن، وتكون النتيجة هى التعسف والافتعال فى تفسير آيات القرآن حتى يتمكن هؤلاء المفسرون من إثبات فكرتهم، وهى أن القرآن يحتوى على جميع النظريات العلمية المعروفة، وهذا التفسير العلمى للقرآن هو الذى فنده ورد عليه ودحضه العالم الكبير الدكتور محمد كامل حسين فى كتابه «الذكر الحكيم».
ويلفت رجاء النظر إلى أن هذا التفسير العلمى للقرآن شىء مختلف تمامًا عن محاولة إزالة التناقض بين القرآن والعلم، فهذه المحاولة تقوم على إثبات قضية معينة، هى أن القرآن لا يعارض الروح العلمية، بل يحث عليها ويدعو إليها، ولذلك فلا مجال للاعتراض على النظريات العلمية الجديدة باسم القرآن، ولا مجال للتخلف فى البحث العلمى بشتى صوره وأشكاله بحجة أن العلم ينبغى الاقتصار فيه على البحث الدينى الذى يؤكد العلاقة بين الله والإنسان، لا مجال لهذه الأفكار على الإطلاق، وينبغى على العقل الإسلامى أن ينطلق إلى أبعد الحدود فى مجال البحث والتفكير والكشف والتجربة.
هذه المقدمة النظرية المطولة كان لا بد من تدعيمها بنموذج عملى وتطبيقى، وهو ما فعله رجاء عندما عرض بالتفصيل لنموذج تفسير عصرى ومختلف للقرآن، وهو تفسير الشيخ «طنطاوى جوهرى».
يقول: كانت أبرز وأغرب محاولة فى مجال إزالة التناقض بين القرآن والعلم هى المحاولة التى قدمها الشيخ طنطاوى جوهرى أحد علماء الدين البارزين وواحد من المفكرين النابغين فى هذا العصر، رغم أنه لم يحظ بما يستحق من الدراسة والاهتمام لا فى حياته ولا بعد وفاته.
ما الذى جرى من الشيخ طنطاوى جوهرى؟
سأترك رجاء يحكى لكم الحكاية كاملة.

فقد أصدر الشيخ طنطاوى جوهرى كتابًا بعنوان «القرآن والعلوم العصرية»، ثم أصدر تفسيرًا كاملًا للقرآن سنة ١٩٢٢ فى ستة وعشرين جزءًا، وأسماه «الجواهر فى تفسير القرآن الكريم».
وتفسير الشيخ طنطاوى جوهرى هو أعجب تفسير قرآنى عرفه العقل العربى على الإطلاق، فالتفسير كله ينادى بأن القرآن يطلب من الإنسان أن يتوسع فى شتى أنواع المعرفة، وأن ينظر فى كل العلوم نظرة عميقة، ولذلك استعان فى تفسيره للقرآن بصفحات كاملة من صور التشريح والحيوانات والنباتات والخرائط، كل ذلك ليثبت أن القرآن الكريم يدعم الروح العلمية ويؤكدها ويدعو إليها دعوة عميقة وصريحة.
ويقول الشيخ جوهرى فى مقال له، مبررًا اتجاهه فى النظر إلى القرآن: إن قراءة التشريح والطبيعة والكيمياء وسائر العلوم العصرية ودراسة الحيوان والنبات والإنسان أجل عبادة، ولولا قصور علماء القرون الماضية ما ضاع المسلمون وما أحاطت بهم عاديات الدهر، ولا أصابهم كوارث الحدثان.

وهكذا يرى الشيخ طنطاوى جوهرى أن الإسلام يدعو إلى العلم ويؤكد الروح العلمية، وأن القرون الماضية قد أدت إلى تدهور المسلمين بسبب قصور علمائهم، وما أصابهم من تأخر فكرى كبير، ويقدم لنا الشيخ طنطاوى تفسيره للقرآن على أساس منهج محدد، فآيات القرآن تدفعنا إلى التفكير والتأمل، وهو فى تفسيره للقرآن يفكر ويتأمل بوحى من هذه الآيات، وهو لا يقول أبدًا بأن النظريات العلمية جاءت فى القرآن الكريم، ولكنه يقول إن اكتشاف قوانين الطبيعة وأسرار الكون هما أمران يحث عليهما القرآن ويدعو إليهما دعوة صريحة قوية، وهو يقف أمام آيات القرآن ويربط بينهما وبين عجائب الكون التى اكتشفها العلم الحديث، دون أن يقول أبدًا إن هذه الاكتشافات موجودة بنصها فى القرآن.
ومن أمثلة ذلك تفسير الشيخ طنطاوى لكلمة الرحمة فى «البسملة» بسم الله الرحمن الرحيم، لقد توقف الشيخ طنطاوى أمام لفظ الرحيم واستوحى من هذا اللفظ كثيرًا من المعانى التى برهن عليها بالحقائق العلمية الثابتة.

يقول الشيخ طنطاوى: إن كلمة الرحيم تذكرنا بعجائب من بدائع الحيوان والنبات، وكيف كانت الحشرات لها إلهام بديع يعينها على نظام الحياة، ويساعدها فى تربية الأبناء بدون معلمين ولا مرشدين، وكيف ترى النحل يتقن هندسة الخلايا ولا مهندس علمه، ولا مدرسة تلقى فيها العلوم الهندسية، ولا مربين، وهكذا العنكبوت فى نسجها البديع، وهكذا تلك الحشرة التى تضع لذريتها مواد سكرية من النبات، وبعد ذلك تموت، وتلك المواد تكفى تلك الذرية سنة تامة فى أثنائها يتم نموها وتطير، إن تلك المناظر المدهشة تدلنا على أمرين: رحمة لا حد لها، وعلم لا آخر له، وهذا قوله تعالى «ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلمًا»، فهذه رحمة يصحبها علم تدهشنا نتائجه، وتبهجنا عجائبه، وهناك نرى كيف كان فى كل عود من أعواد نبات الذرة ذكور فى أعلاه، وأناث فى أسفله.
ثم يقول: فلنذكر فى هذا المقام، مقام تغير كلمة الرحيم، عاطفة الأمومة فى رحمة الله التى تجلت فى عواطف الأمهات وفى طبقات الجو، وفى أحاديث الرحمة وآياتها فى تركيب العوالم الحية والجامدة وفى العوالم العلوية وعجائبها، وغير ذلك، وكيف تجلت الرحمات فيها مع العلم الذى يشعر العاقل بحبه للصانع فيشكره بقلبه، ويقول بلسانه الحمد لله رب العالمين، فلن يتم الحمد باللسان خالصًا إلا بعد الححب ولا حب إلا بعد العلم.

ثم يتحدث الشيخ طنطاوى بعد ذلك بالتفصيل عن عاطفة الأمهات وطبقات الجو، مفسرًا معنى الرحمة فيها، مستوحيًا ذلك كله من البسملة، فيقول مثلًا عن الأمومة فى الحيوان: الذى يراقب حياة الحيوانات ويدرس طبائعها يدهش لما يراه فيها من عاطفة الأمومة، حتى إنها لا تحجم عن بذل حياتها وسفك آخر نقطة من دمها فى سبيل الدفاع عن صغارها، والحيوانات المفترسة لا تفارق صغارها لحظة واحدة، بل تلبث بجانبها للدفاع عنها، فالأسد الذى يهاجم الإنسان عادة قد يضطر إلى ملازمة شبله أو جروه ولا يهاجم الإنسان، ولو رآه على مقربة منه، ذلك لأنه يخشى إن هو هجر جروه لحظة أن يصاب بمكروه.
ثم يقدم الشيخ طنطاوى مجموعة من الصور فى خمس صفحات من الجزء الأول من ملحق «الجواهر فى تفسير القرآن الكريم» هى صفحات ٤ و ٥ و ٦ و ٧ و٨، ومن هذه الصور صورة على صفحة كاملة عن «الدب الأمريكى الأسمر».
كتب الشيخ طنطاوى تحتها: ليس الدب الأمريكى الأسمر من الحيوانات المؤذية، ولا هو يهاجم الإنسان إلا فى حالتين: الأولى للدفاع عن نفسه، والثانية للدفاع عن جرائه وتراه فى الصورة يحمى اثنين من تلك الجراء، وينظر حوله ليتقى ما يحتمل من خطر داهم.
ثم يقدم صورة أخرى للأوبسوم وهو حيوان أمريكى برى، وهو شديد العطف على صغاره ويحملها فوق ظهره أينما سار أو حل، كما تدل على ذلك الصورة أعلاه، ويقدم بعد ذلك مجموعة أخرى من الصور تثبت كلها عاطفة الأمومة عند الحيوان: وهذا كله مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية.

ثم يتحدث الشيخ طنطاوى بعد ذلك عن رحمة الله فى الهواء والأضواء وطبقات الجو، فيقول عن طول الأمواج: إن الله جعل الشمس أشبه بإنسان يحمل ما لا حصر له من النبال، وهذه النبال بعضها يبلغ طوله مئات الأمتار، وبعضها يبلغ طوله جزءًا من ألف ألف من البوصة الواحدة، والبوصة مقياس أقل من القيراط، وستقول لى: ما هذه النبال فى الشمس؟ أقول لك هذه النبال هى الضوء، فالأحمر أطول من البنفسجى، أى أن البنفسجى طوله نحو نصف طول الأحمر، فالبوصة الواحدة تسع أطوال ٣٣ ألف موجة من اللون الأحمر، ولكنها تسع ٦٦ ألف موجة من البنفسجى، هذه موجات صغيرة جدًا جدًا لا ندركها إلا بالعقل، والعلم هو الذى أبرز ذلك.
يخلص رجاء من عرض بعض ملامح تفسير الشيخ طنطاوى للقرآن ليقول: هذه نماذج من تفسير الشيخ طنطاوى جوهرى، وقراءة هذا التفسير ولا شك تجربة فكرية ممتعة ورائعة، وكنت أتمنى أن يعاد نشر هذا التفسير اللامع ليكون بين أيدى القراء المعاصرين بصورة سهلة ميسورة، فهذا التفسير ولا شك يساعد المتدينين جميعًا على أن تكون لديهم حاسة علمية، وشغف بالنظريات العلمية والكشوفات والمخترعات المختلفة، كما أن هذا التفسير يساعد أصحاب النظرة العلمية المجردة على أن تكون لديهم مشاعر دينية عميقة حتى من خلال دراساتهم العلمية المتخصصة، فهو تفسير يستخرج الروح العلمية من الدين، ويستخرج الروح الدينية من العلم.
ويضيف رجاء: إن الحافز الأساسى للشيخ طنطاوى جوهرى فى هذا التفسير هو إزالة أى وهم بأن هناك تناقضًا بين العلم والقرآن، أو أن القرآن يمكن أن يبرر للمسلمين تخلفهم العلمى أو قصورهم عن اللحاق بأحدث النظريات العلمية، والمساهمة فى الكشف والاختراع والعمل على الإضافة إلى ما وصلت إليه البشرية فى هذا المجال، وتفسير الشيخ طنطاوى يفيض بالحماس للعلم الحديث، بل ويجعل طلب العلوم العصرية واجبًا دينيًا أساسيًا فى حياة المسلمين.

لقد كانت نظرة الشيخ طنطاوى للقرآن- كما يسجل رجاء- جريئة وجديدة وفريدة فى مجال التفكير الدينى المعاصر وفى مجال النظر إلى القرآن وتفسيره، والحقيقة أننا إذا أردنا أن نحكم على هذا التفسير العظيم فإننا نجد فيه ميزة أساسية هى الابتعاد تمامًا عن سذاجة القائلين بأن كل النظريات العلمية وردت فى القرآن، ولذلك فكتاب الشيخ طنطاوى أشبه بتأملات علمية واسعة «من وحى القرآن» أكثر منه تفسيرًا مباشرًا لآياته وسوره، فهو يتوقف عند آيات القرآن ويستوحى منها رحلته بين سائر العلوم العصرية، وكتاب الشيخ طنطاوى من ناحية أخرى يؤكد فى نفوس المسلمين وعقولهم احترام الروح العلمية، ويدعوهم إلى الاهتمام الواسع العريض بالعلم، ويرفع هذا الاهتمام إلى درجة يقول عنها: إن التأمل فى العلوم العصرية والاهتمام بها من أجل عبادة، وهذه الروح الدينية العلمية المتحمسة المشتعلة هى ولا شك روح أصيلة ونبيلة وعالية، وهى ما يحتاج إليه العقل العربى أشد الاحتياج.
ويضع رجاء ملاحظة على تفسير الشيخ طنطاوى، فهو يفرض على الباحث فى القرآن أن يجمع فى عقله جميع فروع العلوم العصرية، فلا بد أن يكون عالًما فى الكيمياء والطبيعة والطب والحيوان والنبات وعلوم الجيولوجيا والبحار والهندسة، وما إلى ذلك وهو أمر صعب، بالإضافة إلى أنه يثير الاعتراض حتى من الناحية العلمية، فالعلم الحديث أساس التخصص، وليس فى العلم الحديث معنى للعلم الشامل الكامل الذى يجمع كل شىء ويحيط بكل شىء.
ويستدرك رجاء فيقول: المبرر الأساسى الذى يقف وراء منهج الشيخ طنطاوى جوهرى هو أنه كان يهدف أصلًا إلى إثارة شغف المسلمين بالعلوم العصرية، وإلى إزالة وهم التناقض بين القرآن والعلم، وإلى التأكيد بأن الإسلام هو دين يدعو إلى العلم- بمعناه العصرى- ويطلبه ويفرضه على كل مسلم، وإلى أنه لا خوف على الإيمان بالله من العلم، ولا خوف على العقيدة الدينية من النظريات العلمية المختلفة، مهما اكتشفت ومهما وصلت من نتائج، بل إن ذلك كله فى رأى ذلك الشيخ النابغ العظيم طنطاوى جوهرى هو عامل من العوامل المساعدة على الإيمان لا على الشك والإلحاد.

لم يترك رجاء النقاش قضيته التى تعكس اهتمامه بالتفسيرات العصرية للقرآن.
ففى كتابه «عباقرة ومجانين» عاد مرة أخرى إلى الشيخ طنطاوى جوهرى الذى يبدو أنه كان معجبًا به.
حاول رجاء فى كتابه الذى صدر فى العام ١٩٩١ أن يرد الاعتبار للشيخ طنطاوى جوهرى، يقول عنه: من المؤسف أن هذا الشيخ لم يأخذ حقه من الاهتمام به فى مصر، رغم أنه كان مفكرًا نادر المثال، وقد ترك وراءه أعمالًا علمية وفكرية مهمة على رأسها تفسيره للقرآن، وقد كتبه بعد أن تجاوز الستين.
ويشيد رجاء بجهد طنطاوى فى التفسير، وينقل عن الشيخ قوله: بعد أن قطعت زمان الشباب وحل بساحتى المشيب وأنا أزاول مهنة التعليم وتأليف الكتب، وجاوزت الستين، أخذت أكتب هذا التفسير وأكببت على العمل سنتين كاملتين أو يزيد، وكنت أكتب فى اليوم نحو أربعين أو خمسين صفحة، ومتى انتهيت من ذلك أقوم للرياضة فى الحقول حول القاهرة فأمشى حوالى ستة كيلو مترات كل يوم.
غير التفسير كانت للشيخ طنطاوى جوهرى كتب عديدة منها: ميزان الجواهر فى عجائب الكون الباهر، وجواهر العلوم، ونظام العالم والأمم أو الحكمة الإسلامية العليا، وأين الإنسان؟ والنظام والإسلام وجمال العالم ونهضة الأمة وحياتها.
ويقول رجاء: هذا العالم الكبير وآثاره المهمة تبدو عندنا منسية ومهملة ولا تعرف عنها الأجيال الجديدة شيئًا، وكتبه لا يعاد طبعها باستثناء تفسير الجواهر الذى استولى عليه بعض الناشرين اللبنانيين، حيث يقومون بطبعه وتوزيعه فى شتى أنحاء العالم الإسلامى، ولو أتيح لكتبه من ينشرها فإنها كفيلة بأن تكون قوة كبيرة فى مواجهة الظواهر التى تزعجنا الآن فى مصر وبعض أنحاء العالم الإسلامى، ومن هذه الظواهر التعصب والتطرف والانحراف بالفهم الدينى إلى أفكار وآراء لم يدع إليها الإسلام فى يوم من الأيام، مثل الدعوة إلى محاربة الفن ومظاهر الحضارة الحديثة بناء على فهم خاطئ للإسلام ومعرفة ناقصة بأصوله ومبادئه.

فالشيخ طنطاوى جوهرى- كما يقول رجاء- يرد على هذا كله ويثبت خطأه، ويؤكد بالأدلة الثابتة أن الإسلام هو دين العلم والرحمة والحب، وهو دين الدعوة القوية إلى التأمل فى أسرار الكون، والكشف عنها والاستفادة الواسعة منها فى تحقيق السعادة للإنسان والمجتمع ونشر الجمال والسلام على الأرض.
ما قام به الشيخ طنطاوى جوهرى لم يكن مجرد تفسير، ولكنه رسالة كاملة فى كيف نعيش الحياة، وهو ما نجده واضحًا فى قوله كما نقل عنه رجاء: لن يعرف المسلمون محامد الله حتى يقرأوا نظام الطبيعة، لأنه من أفعاله وآثاره وعجائب صنعه، فإذا أراد المسلمون أن يحمدوا الله حق حمده فليقرأ عقلاؤهم نظام الطبيعة، وليعقلوها وليفهموا دقائق التكوين، فلا يتركون علمًا إلا درسوه، ولا فنًا إلا عرفوه، وحيئنذ يحمدون الله حق حمده.
ربما تكون هذه هى الرسالة التى دعت رجاء النقاش إلى الاهتمام بتراث طنطاوى جوهرى، فهى قادرة لو استطعنا فهمها والعمل على تحقيقها أن نتجاوز كثيرًا عن معوقات تجديد الخطاب الدينى، وجعل القرآن الكريم كتابًا عصريًا متجددًا، يمنحنا طول الوقت عطاءاته دون أن نحجبها عن أنفسنا بتقصيرنا فى تفسيره، والتفاعل معه بما ينبغى وما يستحق.







