تفتيش فى سيرة النبى موسى.. كتاب جديد لوزير آثار سابق: رمسيس الثانى هو «فرعون الخروج» بـ5 أدلة تاريخية
- الدماطى: لا نصوص دينية أو أدلة أثرية تشير بوضوح إلى أن رمسيس الثانى هو «فرعون الخروج» لكن الشواهد التاريخية ترجح ذلك
على مدار 15 عامًا، عكف الدكتور ممدوح الدماطى، وزير الآثار الأسبق أستاذ الآثار المصرية، على جمع مادة علمية وإجراء دراسة ميدانية، للخروج بمؤلف علمى حول قصة النبى موسى عليه السلام وخروج بنى إسرائيل من مصر.
لكن الانشغال بالمهام الوظيفية والخوف من الجدل المرجح حول المُؤلف، حالا دون إصداره قبل سنوات.
ومع إطلاق الرئيس السيسى مشروع التجلى الأعظم، تلقى «الدماطى» تكليفًا رسميًا بوضع رؤية واضحة لمسار خروج موسى عليه السلام، وتوضيح موقع التجلى. هذا التكليف توافق مع رغبة شخصية فى خروج العمل إلى النور، لذا كان القرار إكمال وإصدار الكتاب، ليخرج عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان «موسى عليه السلام.. وخروج بنى إسرائيل من مصر».
ومن بين أهم فصول العمل ذلك المتعلق بشخصية «فرعون موسى»، إذ يقدم «الدماطى» رؤية مغايرة لكثيرين من علماء الآثار وفى مقدمتهم الدكتور زاهى حواس.


يبدأ «الدماطى» رحلة البحث عن «فرعون موسى» بالعودة إلى الرواية القرآنية التى تشير إلى أن موسى عليه السلام عاصر فرعونًا واحدًا، مشككًا فى رواية التوراة بشأن وجود فرعونين: الأول أثناء طفولته، والثانى عند دعوته وخروج بنى إسرائيل، ويعتبر أن هذا التصور غير منطقى لسببين:
الأول: استمرارية الطغيان؛ إذ إن صفات الفرعون الذى أمر بقتل المواليد تتطابق مع صفات الفرعون الذى واجهه موسى لاحقًا، مما يشير إلى شخصية طاغية واحدة، موضحًا أنه «لو كان الفرعون الثانى شخصًا جديدًا، لظهرت اختلافات فى سياسته تجاه بنى إسرائيل، لكن الروايتين القرآنية والتوراتية تؤكدان استمرار الظلم والقهر بنفس النهج».

أما السبب الثانى فهو المدة الزمنية؛ ووفقًا للرواية التوراتية، خرج موسى من مصر فى سن الأربعين بعد قتله رجلًا مصريًا وهروبه من بطش فرعون، ثم مكث فى مدين أربعين عامًا أخرى. وعندما بلغ الثمانين، أوحى الله إليه بالعودة إلى مصر لمواجهة فرعون ودعوة بنى إسرائيل إلى الخروج.
ويلفت «الدماطى» هنا إلى أن التوراة تذكر موت الفرعون الطاغية قبل عودة موسى: «وكان فى تلك الأيام الكثيرة أن ملك مصر مات» «خروج ٢: ٢٣». ومن ثم إذا افترضنا صحة هذا السرد، فإن ذلك يعنى أن الفرعون الأول حكم مصر لما لا يقل عن ٨٠ عامًا: ٤٠ عامًا خلال إقامة موسى فى القصر، و٤٠ عامًا أخرى خلال وجود موسى فى مدين، وهذا أمر غير منطقى تاريخيًا، إذ لم يحكم أى فرعون من ملوك الدولة الحديثة مثل هذه الفترة.
وبناءً على هذه المعطيات، يرجح «الدماطى» أن الفرعون الذى تعامل معه موسى طوال حياته كان شخصية واحدة مستبدة.
وإذ كان موسى عليه السلام عاش فى قصر الفرعون لمدة ما بين ٣٠- ٤٠ سنة قبل أن يترك مصر هاربًا إلى مدين، وهذا الفرعون استمر فى الحكم لعشر سنوات أخرى خلال وجود موسى فى مدين، فإن ذلك يعنى أن الفرعون الذى واجهه موسى أثناء عودته كان يحكم لفترة تزيد على أربعين سنة.
وبالتالى، فإن «فرعون موسى» من بين أولئك الذين عُرفوا بحكمهم الطويل فى التاريخ المصرى القديم، خاصة من ملوك عصر الدولة الحديثة «١٥٥٠- ١٠٧٠ قبل الميلاد».


بناء على الاستنتاج السابق فإن الاختيار ينحصر بين اسمين، إذ لم يحكم سوى ملكين لفترة طويلة تجاوزت ٤٠ سنة فى الدولة الحديثة من مصر القديمة «الأسرة ١٨- ٢٠».
الأول: تحتمس الثالث «١٤٧٩- ١٤٢٥ ق.م» الذى حكم مصر لمدة تقارب ٥٤ عامًا، واشتهر بإنجازاته العسكرية البارزة، وخلال أول ٢٢ عامًا من حكمه شارك الملكة حتشبسوت، التى تولت الوصاية على العرش عندما كان فى التاسعة من عمره.

وفى هذه الفترة كانت حتشبسوت صاحبة السلطة الفعلية والقرار الملكى، بينما كان دور تحتمس الثالث محدودًا للغاية.
من هنا يمكن استبعاد تحتمس الثالث، فبالرغم من أن فترته الزمنية تتناسب ظاهريًا مع المدة التوراتية، إلا أنه لم يستقل بالحكم إلا ٣٢ عامًا فقط وهى مدة أقل من المدة التى تناسب فرعون موسى، كما أن مقر حكمه لم يكن فى بر- رعمسيس حيث وقعت أحداث قصة موسى.
إذن ينحصر الاختيار فى الاسم الثانى وهو رمسيس الثانى «١٢٧٩- ١٢١٣ ق.م»، الذى حكم ٦٦ عامًا، وكان من أعظم فراعنة مصر وأكثرهم شهرة.


بناءً على الحكم الطويل وروايات القرآن والتاريخ، يرجح «الدماطى» أن يكون رمسيس الثانى، أبرز ملوك الأسرة التاسعة عشرة، هو فرعون موسى للأسباب التالية:
أولًا: أنه حكم فترة طويلة «٦٦ عامًا»، والآيات القرآنية تشير إلى أن موسى وُلِد وتربى فى قصر الفرعون نفسه، ثم كُلِّف بالرسالة، وواجه فرعونًا واحدًا طوال فترة دعوته حتى هلاك الفرعون فى البحر، إذ يقول الله تعالى: «قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ» «الشعراء: ١٨»، مما يدل على أن الفرعون الذى ربّى موسى هو نفسه الذى واجهه بعد ذلك أثناء الدعوة.
ويؤكد «الدماطى» فى كتابه أنه «لكن لكى يتحقق هذا التسلسل الزمنى، يجب أن يكون الفرعون الذى عاصر موسى قد حكم لفترة طويلة تكفى لاحتواء كل الأحداث التى مر بها مع موسى عليه السلام». لذا يُعد رمسيس الثانى مرشحًا قويًا لهذا الدور، نظرًا لأنه حكم مصر لمدة حوالى ستة وستين عامًا، وهى فترة كافية لتتوافق مع ولادة موسى، وتربيته فى القصر الملكى، ثم هروبه من مصر بعد قتله للمصرى، ثم عودته لمواجهة فرعون بعد سنوات طويلة من هجرته إلى مدين.
أما السبب الثانى فهو المشروعات العمرانية الضخمة التى شهدها عهد رمسيس الثانى، فقد كان معروفًا باهتمامه الكبير ببناء المدن والمبانى الكبرى، وشهد عهده العديد من المشروعات العمرانية الضخمة.
وهذه المشروعات الضخمة قد أشارت إليها الآية التوراتية «١: ١١» فى سفر الخروج، التى تذكر أن بنى إسرائيل كُلِّفوا ببناء مدينتى «فيثوم» و«رعمسيس»، «فأقاموا عليهم رؤساء تسخير لكى يذلوهم بأثقالهم. فبنوا لفرعون مدينتى مخازن: فيثوم ورعمسيس».

ومن المعروف أن مدينة «بر رعمسيس» كانت مقر حكمه الرئيسى، بينما كانت مدينة «فيثوم» واحدة من المدن الحصينة التى تم إنشاؤها كمخازن استراتيجية.
وبذلك، فإن ارتباط بنى إسرائيل ببناء هذه المدن يؤكد أن الفرعون الذى واجهه موسى عليه السلام كان رمسيس الثانى، خاصة فى ظل المشروعات العمرانية الضخمة التى تميزت بها فترة حكمه.
والسبب الثالث هو مقر حكم الملك، إذ تشير النصوص فى سفر الخروج إلى اسم مدينة «بر عمسيس» فى شرق الدلتا بشكل صريح، مما يدل على أن الأحداث المتعلقة بقصة موسى وقعت خلال فترة حكم العاصمة.
ويعزز هذا الاستنتاج الوصف القرآنى فى الآية التى تقول: «أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِنْ تَحْتِى»، «الزخرف: ٥١»، إذ يشير التعبير عن الأنهار بصيغة الجمع إلى كثرة الأفرع النيلية، وهو ما يتطابق مع الطبيعة الجغرافية لشرق الدلتا حيث مقر الحكم.
أما رابع الأسباب التى يدفع بها د. ممدوح الدماطى فى كتابه هو تجبر فرعون وتأليه نفسه، ووفقًا للروايات القرآنية والتوراتية، كان فرعون مصر يُعد نموذجًا للاستبداد والجبروت، وتجسدت فى شخصيته صفات الطغيان والتأله، حيث رفض الاعتراف بوجود الله، ووضع نفسه موضع الألوهية، مما أدى إلى اضطهاده لبنى إسرائيل وإساءته استخدام السلطة.
والقرآن الكريم يصف فرعون كشخصية متجبرة بلغت ذروة الاستبداد والطغيان، إذ أعلن ألوهيته أمام قومه متحديًا وجود الله «فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى» «النازعات: ٢٣- ٢٤».
ثم إن فرعون لم يكتفِ بتأليه نفسه، بل سعى لترسيخ سلطته باستخدام القوة والاضطهاد، وهو ما نقرأه فى الآية القرآنية: «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ»، «غافر: ٢٩». وقال: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى» «القصص: ٣٨». «وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ»، «الدخان: ٣٠- ٣١».

كما يُظهر القرآن كيف استخدم فرعون سلطته لقمع المعارضة، ورفض سلطته، فعندما واجهه النبى موسى برسالة التوحيد، استكبر فرعون وردَّ عليه بالتهديد: «قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ»، «الشعراء: ٢٩».
هذا عن القرآن فماذا عن التوراة؟
تتناول التوراة شخصية فرعون بطريقة مشابهة، مشيرة إلى عناده وتجبُّره فى مواجهة دعوة النبى موسى، إذ يرفض إطلاق بنى إسرائيل من العبودية على الرغم من الضربات العشر التى أرسلها الرب على مصر كعقاب وهى: تحول ماء النيل إلى دم، وانتشار الضفادع، والبعوض «القمل»، والذباب، ووباء الماشية، والدمامل، والبَرَد والنار، والجراد، والظلام الدامس، وموت الأبكار.

فى سفر الخروج، يقول الرب لموسى عن فرعون: «أنا قد قسَّيتُ قلبه وقلوب عبيده، لكى أصنع آياتى هذه بينهم»، «خروج ١٠: ١».
ويختتم «الدماطى» استنتاجه بالتأكيد على عدم وجود نصوص دينية أو أدلة أثرية مؤكدة تؤيد وجهة نظره، لكنه يتمسك بأن الشواهد التاريخية والنقوش التى صورت رمسيس كإله فى معبد أبوسمبل تشير بوضوح إلى أنه المرشح الأكثر احتمالًا ليكون فرعون موسى؛ نظرًا لطول فترة حكمه التى تجاوزت ستة عقود، إلى جانب اهتمامه الكبير بتشييد المدن الكبرى مثل بر-رعمسيس وفيثوم كما أسلفنا.






