أقزام الفراعنة.. أسرار من أول موسوعة عن ذوى الإعاقة فى مصر القديمة
- «سنب» أحد أشهر رجال الدولة فى عصر بناة الأهرامات كان «قزمًا» ومقبرته فى الجيزة بجانب الكبار
- الحضارة المصرية القديمة أول من عرفت «تمكين» أو «دمج» ذوى الإعاقة أسريًا ومجتمعيًا
- عملوا فى الإدارة والقصور الملكية والمعابد والورش الحرفية والأنشطة الاقتصادية المختلفة
عندما تُذكر الحضارة المصرية القديمة، تتجه الأذهان فورًا إلى الأهرامات، والمعابد الضخمة، والتماثيل العملاقة، والملوك العظام.
وعلى مدى قرنين تقريبًا، ظل هذا هو المدخل الرئيسى الذى نظر من خلاله الباحثون إلى مصر القديمة؛ حضارة الملوك والكهنة والجيوش والإنجازات المعمارية المذهلة، لكن كتاب Disability in Ancient Egypt and Egyptology: All Our Yesterdays «الإعاقة فى مصر القديمة وفى علم المصريات: كل ماضينا»، بتحرير الباحثتين ألكسندرا موريس وهانا فوجل - يبتعد عن قصور الفراعنة ويخرج إلى شوارع المدن والقرى المصرية القديمة، بحثًا عن هؤلاء الذين عاشوا على هامش إحدى أعظم الإمبراطوريات فى التاريخ.
ويعد هذا الكتاب أول دراسة موسوعية مخصصة بالكامل لقضية الإعاقة فى مصر القديمة، انطلاقًا من سؤال: كيف عاش الأشخاص ذوو الإعاقة فى مصر القديمة؟ وهل كان المجتمع المصرى القديم أكثر تقبلًا لهم؟.


من البداية، ترى مؤلفتا الكتاب أن علم المصريات، منذ نشأته فى القرن التاسع عشر، أهمل دراسة التجربة الإنسانية للمجتمع المصرى بكل تنوعه وتعقيداته، وانشغل بالسلطة والملكية والعظمة الإمبراطورية، فتركزت الأبحاث حول رمسيس الثانى وتحتمس الثالث وأخناتون وتوت عنخ آمون، بينما ظلت فئات كاملة من المجتمع خارج دائرة الضوء.
ومن هنا يحاول الكتاب إعادة قراءة الحضارة المصرية من منظور إنسانى جديد، يكشف عن جوانب لم تحظَ بالاهتمام الكافى طوال أكثر من مائتى عام من الدراسات الأثرية الحديثة.
ومنذ الصفحات الأولى يحاول الكتاب هدم واحدة من أكثر الصور النمطية انتشارًا عن مصر القديمة، وهى الاعتقاد بأن المصريين القدماء كانوا مهووسين بفكرة الكمال الجسدى إلى درجة أنهم لم يعترفوا بوجود أى اختلافات أو إعاقات داخل مجتمعهم.

وهذه الصورة نشأت جزئيًا بسبب الفن المصرى الرسمى الذى اعتاد تصوير الملوك والنبلاء فى هيئة مثالية تعكس القوة والشباب والهيبة.
لكن المؤلفتين تؤكدان أن هذه النظرة لا تعكس الواقع الكامل؛ فعندما يبتعد الباحث عن التماثيل الملكية الرسمية ويتأمل آلاف القطع الأثرية الأخرى يكتشف عالمًا مختلفًا تمامًا؛ إذ تكشف النقوش والتماثيل والرسوم الجنائزية عن وجود أشخاص عانوا من أشكال مختلفة من الإعاقات الجسدية أو الحالات الصحية المزمنة.
وترصد المؤلفتان غياب أى محاولة لإخفاء هذه الإعاقات، ويعتبران ذلك «نقطة بالغة الأهمية»، لأنها تكشف عن «القبول الاجتماعى» بوجود أشخاص مختلفين فى المجتمع.
والمفاجأة أن هذه الشخصيات لم تكن دائمًا مهمشة أو مستبعدة؛ بل إن بعضها وصل إلى مواقع نفوذ وسلطة داخل الدولة نفسها. وهنا يبرز اسم «سنب»، أحد أشهر رجال الدولة فى عصر الأسرة الرابعة، أى فى عصر بناة الأهرامات.


يلعب «سنب» دور البطولة فى الكتاب بشكل شبه مطلق.
كان «سنب» مصابًا بالتقزم، ومع ذلك استطاع أن يصبح من كبار رجال الدولة خلال عصر الأسرة الرابعة، ولم يكن مجرد موظف صغير أو شخصية ثانوية فى البلاط، بل حمل ألقابًا إدارية ودينية رفيعة، وتمتع بعلاقات وثيقة مع الأسرة الحاكمة.
وليس أدل على مكانته الرفيعة من أن مقبرته شُيدت فى الجيزة بالقرب من مقابر كبار المسئولين، وهى منطقة لم يكن الوصول إليها متاحًا إلا للنخبة الأكثر نفوذًا فى الدولة.

ويعتبر الكتاب أن قصة «سنب» تمثل ضربة قوية لكثير من الافتراضات الحديثة حول المجتمعات القديمة؛ فالرجل لم يُعامل باعتباره استثناءً مثيرًا للشفقة، ولم يصبح على هامش المجتمع بسبب حالته الجسدية، واستطاع أن يشغل مكانة مرموقة، وأن يؤسس أسرة وأن يحظى بالتقدير والاحترام.
ويحلل الكتاب تمثال سنب الشهير الذى يظهره إلى جوار زوجته وأطفاله، معتبرًا إياه واحدًا من أهم الشواهد على اندماج ذوى الإعاقة داخل المجتمع المصرى القديم.


وتأكيدًا على ما ذهبتا إليه، لم تكتفِ المؤلفتان بدراسة الشخصيات المعروفة، واهتمتا بتحليل مئات الهياكل العظمية والمومياوات التى خضعت للفحص خلال العقود الأخيرة، بعد أن أتاح التطور المذهل فى تقنيات التصوير الطبى والأشعة المقطعية للباحثين رؤية ما كان مخفيًا داخل الأجساد المحنطة منذ آلاف السنين، وبفضل هذه التقنيات أمكن التعرف إلى أمراض وإصابات وتشوهات لم يكن من الممكن تشخيصها سابقًا.
وتكشف هذه الدراسات عن نتائج مدهشة، إذ عثر الباحثون على أشخاص عاشوا سنوات طويلة رغم إصابتهم بإعاقات حركية معقدة أو أمراض مزمنة شديدة التأثير.

واهتم الكتاب بتحليل بعض الحالات الخاصة بـ: تشوهات العمود الفقرى، والتقزم، وأمراض المفاصل المزمنة، وإصابات الحروب، والعرج الناتج عن الحوادث، وبعض الأمراض الوراثية.
واعتمادًا على النتائج يطرح الكتاب هنا سؤالًا: كيف تمكن هؤلاء من البقاء على قيد الحياة فى مجتمع قديم لا يعرف المستشفيات الحديثة أو أنظمة الرعاية الاجتماعية المعاصرة؟
وتعتقد المؤلفتان أن بقاء هؤلاء الأشخاص على قيد الحياة لعقود طويلة يعنى بالضرورة وجود من كان يرعاهم ويساعدهم ويوفر لهم احتياجاتهم الأساسية.
أى أن الحضارة المصرية القديمة كانت أول من طبق ما نطلق عليه حديثًا «تمكين» أو «دمج» ذوى الإعاقة أسريًا ومجتمعيًا.
وتؤكد المؤلفتان أن «مجرد بقاء شخص يعانى من إصابة شديدة على قيد الحياة لعقود فى مجتمع قديم هو دليل على أن هناك من كان يعتنى به ويقدم له المساعدة».


ركز الكتاب أيضًا على دراسة التماثيل والنقوش والنصوص، للوصول إلى صورة أوضح للمعاق داخل المجتمع المصرى القديم.
وتذكر المؤلفتان أنه «على عكس التصورات الشائعة التى تربط الإعاقة بالعجز الكامل عن المشاركة الاقتصادية، تظهر النصوص الأثرية أن كثيرًا من الأفراد الذين عانوا من حالات صحية مختلفة كانوا يمارسون أعمالًا ووظائف متنوعة»، إذ تشير السجلات إلى وجود أفراد عملوا فى الإدارة الحكومية والقصور الملكية والمعابد والورش الحرفية والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وتؤكد المؤلفتان أن المجتمع المصرى كان فى كثير من الأحيان أكثر اهتمامًا بقدرة الفرد على أداء دوره من اهتمامه بشكل الجسد نفسه.


الفصل الخاص بالدين يعد من أكثر أجزاء الكتاب إثارة للجدل؛ فالكثير من الحضارات القديمة ربطت بين المرض أو الإعاقة وبين الغضب الإلهى أو العقاب السماوى، لكن المؤلفتين تشيران إلى أن الأدلة المصرية لا تدعم هذا التفسير بصورة مباشرة؛ فعلى الرغم من أن المصريين القدماء كانوا ينظرون إلى العالم من خلال منظومة دينية شديدة التعقيد، فإن النصوص التى وصلت إلينا لا تقدم صورة واضحة تعتبر الإعاقة عقوبة إلهية بالمعنى المعروف فى بعض الثقافات الأخرى.
بل إن عددًا من النصوص الأخلاقية المصرية القديمة يدعو إلى معاملة الضعفاء باحترام وإلى تقديم العون للمحتاجين وعدم استغلالهم أو السخرية منهم.
كما أن بعض الأشخاص الذين عانوا من اختلافات جسدية واضحة حصلوا على مكانة اجتماعية ودينية مرموقة، وهو ما يتعارض مع فكرة النبذ الدينى.
ويرى الكتاب أن هذه النصوص قد لا تعكس واقعًا مثاليًا بالضرورة، لكنها تكشف عن وجود منظومة قيم أخلاقية كانت تمنح أهمية لفكرة الرحمة والتكافل الاجتماعى.


يوجّه الكتاب هجومًا كبيرًا لـ«علم المصريات»، إذ يشير إلى أن كثيرًا من الباحثين الغربيين كانوا أبناء عصرهم، وتأثروا بالأفكار السائدة فى أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
وفى تلك الفترة كانت أوروبا تشهد انتشار أفكار تتعلق بالتفوق العرقى والكمال الجسدى، وهو ما انعكس على تفسير كثير من الآثار؛ فالكتاب يرى أن بعض الباحثين الغربيين، فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قرأوا الحضارة المصرية من خلال أفكار عصرهم هم، لا من خلال معايير المصريين القدماء.
ونتيجة لذلك، تم تجاهل كثير من الأدلة المتعلقة بالإعاقة أو تفسيرها بوصفها حالات نادرة واستثنائية لا تستحق الاهتمام، فقد كانوا يبحثون عن الملوك والقادة والمنتصرين، ولم يهتموا كثيرًا بأحوال الفئات الأخرى داخل المجتمع.

وفى النهاية يصل الكتاب إلى نتيجة تتجاوز حدود مصر القديمة نفسها؛ فهو لا يتحدث فقط عن ذوى الإعاقة فى الحضارة الفرعونية، بل يدعو إلى إعادة التفكير فى الطريقة التى نكتب بها التاريخ؛ فالتاريخ، كما ترى المحررتان، لا ينبغى أن يكون قصة النخبة وحدها، بل قصة المجتمع بأكمله، مؤكدتين أنه «عندما ننظر إلى مصر القديمة من خلال حياة الأشخاص العاديين، نكتشف حضارة أكثر تعقيدًا وأكثر إنسانية وأكثر ثراءً مما اعتدنا أن نراها فى الكتب المدرسية أو المتاحف».
ومن هنا كانت دعوتهم إلى إعادة فحص آلاف القطع الأثرية والنقوش والمومياوات من منظور مختلف، وتغيير طريقة تقديم التاريخ المصرى للجمهور.
وبدلًا من التركيز فقط على الفراعنة والمعارك والكنوز، يقترحون إبراز قصص الفئات المهمشة، بما فيها ذوو الإعاقة والعمال والنساء والأطفال.




