الأربعاء 22 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

تحت السن.. الدراما المصرية تدخل إلى العالم السرى للمراهقين

حرف

منذ سنوات، ظلت الدراما تنظر إلى المراهق باعتباره شخصية ثانوية داخل الحكاية؛ إما الابن العاق، أو الطالب المشاغب، أو الضحية التى تحتاج إلى الإنقاذ، نادرًا ما اقتربت الكاميرا من العالم الداخلى لهذه الفئة العمرية بوصفها مركزًا للحدث الدرامى، تمتلك أسئلتها ومخاوفها وتعقيداتها النفسية، لذلك يمثل مسلسل «تحت السن»- Under Age محاولة لافتة للانتقال من دراما تتحدث عن المراهقين إلى دراما تتحدث بلسانهم.

العمل لا يبدأ من الأسرة، ولا من المؤسسة الأمنية، ولا من المجتمع، وإنما يبدأ من المدرسة، باعتبارها الفضاء الذى تتقاطع فيه كل الأزمات، ومنذ اختفاء الطالبة «هنا»، يتحول المكان إلى مسرح لكشف ما ظل مخفيًا داخل الشخصيات، وكأن الجريمة ليست سوى عدسة مكبرة تكشف التشققات التى كانت موجودة أصلًا، هذه الرؤية تجعل المسلسل أقرب إلى الدراما النفسية منه إلى الدراما البوليسية، حتى وإن ارتدى فى ظاهره ثوب التشويق والغموض.

 

اختيار المدرسة بوصفها المسرح الرئيسى للأحداث يحمل دلالة تتجاوز الجانب المكانى، فالمدرسة هنا ليست مؤسسة تعليمية، وإنما صورة مصغرة للمجتمع، داخلها نجد السلطة، والصداقة، والتنمر، والطبقية، والعنف، والرغبة فى إثبات الذات، والبحث عن الحب، والخوف من الرفض، ولذلك فإن اختفاء «هنا» يبدو أشبه بسقوط حجر فى بحيرة راكدة؛ فالجميع يتحرك، والجميع يخفى شيئًا، والجميع يحمل ندبة لا يراها الآخرون، وهنا ينجح المسلسل فى تحويل المكان إلى شخصية درامية قائمة بذاتها، وهو تقليد معروف فى الأعمال النفسية الكبرى، حيث يصبح المكان شريكًا فى صناعة الحدث، لا مجرد خلفية له.

من أهم نقاط قوة المسلسل أن الحبكة لا تعتمد على سؤال، مَن ارتكب الجريمة؟، بل على سؤال أكثر تعقيدًا، لماذا وصلت الشخصيات إلى هذه المرحلة؟، وهذا الفارق جوهرى؛ لأن الأعمال البوليسية التقليدية تنتهى عادة بكشف الفاعل، بينما يسعى «تحت السن» إلى كشف البيئة التى صنعت الفاعل والضحية معًا، فالسيناريو الذى كتبه السيناريست محمد السورى وإشراف على الكتابة أمين جمال، يتعامل مع اختفاء «هنا» باعتباره نقطة انطلاق لسلسلة من الاعترافات غير المباشرة، وكل حلقة تكشف طبقة جديدة من الشخصيات، دون أن تفقد الحكاية المركزية حضورها، ورغم اعتماد العمل على الإيقاع السريع والمفاجآت، فإنه يحاول أن يمنح كل شخصية مساحتها النفسية، فلا تبدو مجرد أداة لخدمة اللغز، هذه المقاربة تمنح النص عمقًا اجتماعيًا، لكنها فى الوقت نفسه تضعه أمام تحدٍ صعب، وهو الحفاظ على التوازن بين التشويق والتحليل النفسى، حتى لا تتحول الرسائل الاجتماعية إلى خطابات مباشرة.

لا يقدم المسلسل شخصيات شريرة بالمعنى الكلاسيكى، بل شخصيات خرجت من بيئات مأزومة، فنجد شخصية «مريم» التى تقدمها جيسكا حسام الدين، تمثل نموذج الفتاة التى صنعتها الوحدة، انطواؤها ليس ضعفًا، وإنما نتيجة سلسلة من الخسارات والضغوط، لذلك تصبح رحلة البحث عن «هنا» رحلة بحث عن ذاتها أيضًا.

أما «هنا»، التى تلعب شخصيتها الفنانة الشابة جيدا منصور، ورغم غيابها الجسدى عن جزء من الأحداث، فإنها الحاضر الأكبر دراميًا، فاختفاؤها يجعلها أشبه بـ«الشخصية الغائبة الحاضرة»، وهى تقنية درامية تجعل الشخصية تعرّف من خلال تأثيرها فى الآخرين أكثر من أفعالها المباشرة، أما «داليدا»- جودى مسعود- و«ملك»- ترنيم هانى- و«ناهد»- ريم المصرى- فهن يمثلن وجوهًا مختلفة للألم ذاته؛ فواحدة تكسرها الكلمات، وأخرى يهزمها الإهمال، وثالثة تعيش تحت سلطة أسرة لا تمنحها حق الاختيار، واللافت أن السيناريو لا يطلب من المشاهد أن يتعاطف مع الشخصيات لأنها ضحايا، وإنما لأنه يفهم كيف تشكلت جروحها.

يطرح «تحت السن» واحدة من أكثر الأفكار جرأة فى الدراما الاجتماعية، وهى أن الانهيار النفسى للمراهق يبدأ غالبًا قبل أن يخرج إلى الشارع، فالبيت الذى يغيب عنه الحوار، أو يسيطر عليه العنف، أو يتحول فيه الأب إلى سلطة غائبة أو مخيفة، ينتج شخصيات تبحث عن الأمان فى أى مكان آخر، ولا يقدم العمل الأسرة باعتبارها شرًا مطلقًا، وإنما باعتبارها مؤسسة بشرية قابلة للفشل، وهو طرح أكثر نضجًا من الأعمال التى تكتفى بإدانة الآباء أو تمجيد الأبناء.

إذا كان السيناريو يطرح الأسئلة، فإن الإخراج لـ«يحيى إسماعيل»، يحاول أن يمنحها شكلًا بصريًا، فالاعتماد على الممرات الضيقة، والفصول المغلقة، والإضاءة الباردة، والزوايا التى تجعل الشخصيات تبدو محاصرة، يعكس الإحساس الدائم بالاختناق الذى يعيشه الأبطال، حتى حركة الكاميرا تبدو قلقة، وكأنها تلاحق شخصيات تهرب من ماضيها أكثر مما تهرب من الحاضر، ولا يعتمد التشويق على الموسيقى وحدها، بل على الفراغات البصرية، والصمت، والمسافات بين الشخصيات، وهى عناصر تمنح المشاهد شعورًا بأن الخطر يكمن فيما لا يقال أكثر مما يكمن فيما يقال.

من أذكى ما يقدمه العمل أنه لا يجعل وسائل التواصل الاجتماعى «شيطانًا» يفسر كل شىء، فهى موجودة بوصفها امتدادًا للعالم الحقيقى، تضخم المشكلات لكنها لا تخلقها من العدم، فالغيرة، والتنمر، والرغبة فى القبول الاجتماعى، كلها كانت موجودة قبل الإنترنت، لكن العالم الرقمى منحها سرعة وانتشارًا وتأثيرًا أكبر، وهنا يتجنب المسلسل السقوط فى فخ الوعظ، ويقدم رؤية أكثر اتزانًا تربط التكنولوجيا بالبنية الأسرية والثقافية.

من السهل وضع «تحت السن» فى مقارنة مع مسلسل «مدرسة الروابى للبنات»، الذى تم عرضه عبر شبكة نتفليكس عام ٢٠٢١ وأثار جدلًا فى المجتمع العربى، لأن العملين ينطلقان من مدرسة، ويعتمدان على بطلات شابات، ويطرحان قضايا التنمر والهوية والعلاقات الإنسانية، لكن الاختلاف بينهما جوهرى، فـ«مدرسة الروابى» يركز على العلاقات بين الطالبات بوصفها المحرك الأساسى للأحداث، بينما يوسع «تحت السن» الدائرة لتشمل الأسرة، والحى، والبيئة الاجتماعية، بحيث تصبح المدرسة نتيجة للمجتمع، لا عالمًا منفصلًا عنه، كما أن «الروابى» يميل إلى الدراما النفسية ذات الطابع الرمزى، فى حين يقترب «تحت السن» من الواقعية الاجتماعية المصرية، حيث تبدو الشخصيات ابنة بيئتها بوضوح.

اختيار مجموعة كبيرة من الوجوه الشابة لم يكن مجرد قرار إنتاجى، وإن كان مغامرة من منتجة العمل مها سليم، بل جزءًا من فلسفة العمل، فالمسلسل لا يبحث عن نجم واحد يقود الأحداث، وإنما عن جيل كامل يحمل الحكاية، هذا الاختيار منح الشخصيات قدرًا من الصدقية، كما أتاح للممثلين الشباب التعبير عن أدوارهم بعيدًا عن هيمنة النجومية التقليدية، مع الاستفادة من حضور ممثلين أصحاب خبرة فى الأدوار الداعمة: عمرو يوسف «الضابط راشد»، فرح يوسف، أحمد الرافعى، نور قدرى، أحمد فهيم، سما إبراهيم، وعبدالرحمن القليوبى. 

تبقى المعضلة الأساسية لأى دراما اجتماعية هى التوازن بين الفن والرسالة، وفى بعض اللحظات، يقترب «تحت السن» من الخطاب التوعوى المباشر، خصوصًا عندما تتراكم القضايا داخل الشخصيات بصورة قد تبدو مقصودة لخدمة الفكرة العامة، لكن حتى هذه الملاحظة لا تنتقص من أهمية المشروع، لأن القضية التى يطرحها تستحق النقاش، ولأن العمل يحاول أن يفتح بابًا للحوار أكثر من سعيه إلى تقديم إجابات جاهزة. إذا حافظ «تحت السن» على مستواه الدرامى حتى النهاية، فقد يكون واحدًا من الأعمال التى تؤسس لمرحلة جديدة فى الدراما المصرية، مرحلة يصبح فيها المراهق بطلًا للحكاية لا مجرد عنصر مساعد فيها، فالعمل لا يدعو إلى التعاطف مع هذا الجيل بقدر ما يدعو إلى فهمه، ولا يبحث عن تبرير الأخطاء، بل عن جذورها، ولا يرفع شعارات تربوية، بل يضع المجتمع أمام مرآة قد تكون قاسية، لكنها ضرورية، إن القيمة الحقيقية للمسلسل لا تكمن فى معرفة مَن اختفى أو مَن أخطأ، وإنما فى السؤال الذى يتركه مع كل مشاهد، كم مرة جلسنا حقًا لنستمع إلى أبنائنا قبل أن نصدر أحكامنا عليهم؟ هذا السؤال هو الإنجاز الأكبر للعمل، لأنه يحوّل الدراما من وسيلة للترفيه إلى مساحة للتأمل، ويؤكد أن الفن، عندما يقترب من الإنسان بصدق، يستطيع أن يفتح نقاشًا اجتماعيًا أعمق من آلاف الخطب والمحاضرات.