الأربعاء 09 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

«قنا» الشعراء.. شيطان الإبداع الذى يمس أبناء الجنوب

حرف

- الشعر القنائى موروث شعبى متجدد من «العديد» والمواويل و«السيرة الهلالية» إلى القصيدة الحديثة

- شعراء قنا حملوا روح الجنوب إلى القاهرة وغيّروا خريطة الأغنية والقصيدة

فى مولد سيدى عبدالرحيم القنائى من كل عام، يلتف الصغار والكبار حول «شاعر الربابة» ليستمعوا إلى سيرة أبى زيد الهلالى سلامة الفارس العربى النبيل. 

ورغم حضور هذه السيرة الراسخ فى وجدان الصعيد عامة، أصبحت جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية لأهل هذا الإقليم خاصة، تنبعث نغماتها من وسائل المواصلات والمقاهى فى ربوعه، وتتردد أبياتها فى الأفراح والمناسبات لدى معظم مواطنيه، حتى ليبدو المكان، بأزقته وحواريه، مشبعًا بحكاياتها الشعرية.

عبدالحميد يونس، فى كتابه «الهلالية فى التاريخ والأدب الشعبى»، تناول مكانة «السيرة الهلالية» بوصفها أحد أهم روافد الذاكرة الشعبية فى صعيد مصر. كما يؤكد ذلك مدى ارتباط تلك البقعة من مصر بجذورها العربية، إذ تقطنها قبائل عديدة يعود أصلها إلى شبه الجزيرة العربية.

هذا الإيقاع المتوارث استقر عميقًا فى وجدان الإنسان الجنوبى، حتى أصبح الشعر جزءًا من تكوينه يرتاح لسماعه وترديده. لذلك لا يبدو غريبًا أن تروى الأمهات فى قرى المحافظة ومدنها حكايات ما قبل النوم لأطفالهن بلغة لا تخلو من السجع والنغم المقفى. 

لم يأتِ هذا الميل إلى الشعر من فراغ، بل يمتد بجذوره إلى أعماق التاريخ القديم، حيث يتجلى فى الطقوس الجنائزية لدى المصريين القدماء، التى دُوِّنت على جدران المعابد بلغة أدبية رفيعة.

وقد انتقل ذلك الإرث الأدبى عبر الأجيال، فتشكّل وتبدّل حتى غدا أكثر بساطة واقترابًا من العامية، ليُثمر لنا فن «العديد». تقف النساء بثيابهن السوداء الملطخة بالطين، رمزًا للحزن والفقد، يلوحن بأيديهن الممسكة بمناديل بيضاء لوداع الفقيد، وهُن يرددن أبياتًا محفوظة سلفًا يمتزج فيها الإيقاع بالبكاء. 

يرى أشرف البولاقى، الشاعر القنائى، فى كتابه «العدودة وتجلياتها فى صعيد مصر»، أن فن «العديد» يمثل أحد أهم أشكال التعبير الشعرى الشفهى فى صعيد مصر، وتتوارث النساء نصوصه جيلًا بعد جيل.

فى تلك الأجواء تشكّل وعى كثير من شعراء قنا، وصُقلت موهبتهم، فاكتسبوا لغتهم المتفردة وحساسيتهم الشعرية المميزة، حتى أضحوا من رواد هذا الفن الأدبى. ومن هذه الأرض السمراء خرجت أسماء تجاوز أثرها حدود مناطقها الجغرافية ليشمل أرجاء المحروسة كافة.

ترك كلٌّ من عبدالرحمن الأبنودى ورفيقه عبدالرحيم منصور قراهما فى قنا متجهين إلى القاهرة، حاملين معهما هذا التاريخ الحافل من المواويل وأناشيد الأمهات. 

الأبنودي
الأبنودي

لم تكن رحلتهما مجرد انتقال مكانى من الجنوب المهمَّش إلى العاصمة، بل كانت انتقالًا بالروح المكتسبة منه إلى قلب الثقافة العربية النابض.

سرعان ما وجدت قصائدهما، بتراكيبها اللغوية البسيطة والعميقة فى آنٍ واحد، طريقها إلى النشر والانتشار، فاستقبلها النقاد بالترحاب، كما أحبها الناس لخصوصيتها.

كتب الاثنان من رحم تجاربهما الحياتية الغنية، وبلهجة غير مفتعلة وصادقة. نرى، على سبيل المثال، فى قصيدة «يامنة» للأبنودى حوارًا قريبًا من واقع الحياة فى قريته حين يقول:

والله وشبت يا عبدالرّحمان

عجّزت يا واد؟

مُسرَع؟

ميتى وكيف؟

عاد اللى يعجّز فى بلاده

غير اللى يعجز ضيف

ويشير الدكتور رضا عطية، فى كتابه «عبدالرحمن الأبنودى.. شاعر الهوية المصرية»، إلى أنه أسهم فى نقل اللهجة الجنوبية من إطارها المحلى إلى فضاء الثقافة العربية الأوسع عبر القصيدة والأغنية معًا، إذ كتب لكبار المطربين مثل فريد الأطرش، وعبدالحليم حافظ، وشادية، ووردة، وميادة الحناوى، ومحمد منير، وعلى الحجار وغيرهم، ليترك بصمته على مسار الأغنية. 

وتظل «على حسب وداد قلبى» واحدة من هذه العلامات الفارقة فى مسيرته، إذ نقل بها عبدالحليم حافظ من الغناء الرومانسى الرقيق إلى الغناء الشعبى، وهو ما كان جديدًا تمامًا على مطرب الجيل وقتها.

أما عبدالرحيم منصور، فقد أسهم فى تطور الشعر الغنائى من خلال كتابته لكبار الفنانين وأيضًا للشباب فى بداياتهم، فغنّى له كلٌّ من: نجاة الصغيرة، وعفاف راضى، ومحمد رشدى، وهانى شاكر، وعمرو دياب، لكنه ارتبط بشكل خاص بمحمد منير، واللذين غيّرا معًا شكل الأغنية الرومانسية من مجرد الحديث عن الحب أو الفراق، ليقدما حالة شعورية أوسع تمتد إلى الغربة والبحث عن الذات.

فى أغنية «فى عنيكى» يربط «منصور» بين الغرام والاغتراب:

فى عنيكى، فى عنيكى غربة وغرابة

وأنا فيكى، أنا فيكى مغرم صبابة

أحلم على شالك أنام

كأنى فرد من الحمام.

لم يقف الشاعر القنائى عند حدود الكتابة الإبداعية، بل تجاوزها إلى التجديد فى طرائق الصياغة وبناء القصيدة ذاتها. 

أمل دنقل
أمل دنقل

من أبرز من قام بذلك فى شعر التفعيلة الشاعر «أمل دنقل». نشأ فى مدينة قفط، وحمل معه إلى القاهرة ذلك الرصيد الثقافى والإنسانى الذى اكتسبه منها، لكنه أعاد صياغته فى قالب حداثى جديد، جعل قصائده تتجاوز حدود المكان واللغة، فقد تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية، منها الإنجليزية والألمانية والإسبانية.

مثّل أمل دنقل نقلة حقيقية فى تطور الشعر. وتناولت دراسات نقدية عديدة تجربته بوصفها واحدة من أهم التجارب الشعرية العربية التى مزجت بين الرمز التراثى والهم السياسى المعاصر، وجعلتها أداة للتعبير عن أزمات الأمة وقضاياها.

كما تكشف الدراسات النقدية التى جمعت جانبًا مهمًا، منها زوجته عبلة الروينى فى كتاب «سفر أمل دنقل»، قدرته الفذة على توظيف اللغة المكثفة والصورة الشعرية المبتكرة، وهو ما مكّنه من تحويل تطلعات جيله إلى الحرية والكرامة إلى نصوص خالدة لا تزال تتردد حتى اليوم.

غلبت على أعماله نبرة الحزن، ربما لأنه نشأ يتيمًا، وربما لأن نصوصه الشهيرة كُتبت فى أجواء النكسة والهزيمة، فعبرت عن الألم الذى يحس به كل عربى.

فى محنة مرضه الأخيرة كتب ديوان «أوراق الغرفة ٨»، عبّر فيه عن مواجهته للمرض بقلب الشاعر المناضل، قبل أن يرحل فى سن مبكرة عن عمر ناهز الـ٤٣.

نرى هذا الإحساس بالوجع الممتزج بالمقاومة فى قصيدته «السرير»:

صرت أنا والسرير

جسدًا واحدًا.. فى انتظار المصير!

طول الليلات الألف

والأذرعة المعدن

تلتف وتتمكن

فى جسدى حتى النزف.

وإذا كان «الأبنودى» وعبدالرحيم منصور قد حملا تجربتهما الجنوبية إلى الأغنية المصرية، وأعاد أمل دنقل صياغتها بأسلوبه الاستثنائى فى قصيدة التفعيلة الحديثة، المشهد الشعرى فى قنا لم يتوقف عند هذه الأسماء الكبرى. 

واصلت المحافظة إنتاج أصوات جديدة لتؤكد مكانتها كرافد أساسى من روافد الشعر والشعراء. تفتحت فى حديقتها مئات الأسماء التى تحتاج منا إلى عدة كتب للوقوف على إسهاماتها الإبداعية، لكننى حاولت أن أختار نماذج اقتربت أكثر من غيرها من دائرة الضوء فى عصرنا الحديث.

حاول محمود مغربى، الذى لُقِّب أيضًا بـ«الولد الفوضوى» نسبة إلى ديوان له بهذا الاسم، من خلال إقامته فى قنا، أن يقدم مشروعًا أدبيًا خاصًا يعتمد على إحداث الدهشة فى القصيدة من خلال اللغة والصورة الشعرية معًا. 

لم يقتصر هذا المشروع على الكتابة فقط، بل تبنى من خلاله العديد من المواهب الشابة، فقد أسهم مع غيره من أدباء قنا فى إصدار عدد من الدوريات الأدبية المحلية التى اهتمت بكتاباتهم، مثل مجلات «أقلام قنائية» و«رباب» و«بردية» و«أفراس».

كما شارك فى العديد من الفعاليات الثقافية فى أنحاء مصر والوطن العربى، التى دُعى إليها لنقل خبرته وتجربته، حتى رحل عن دنيانا فجأة، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا حافلًا، دون أن يغادر مسقط رأسه.

حرص الكثير من شعراء قنا على الإقامة فى حدود مدنهم وقراهم، لكن إبداعهم الشعرى تخطى تلك الحدود ليجعل منهم أسماءً لامعة فى عالم الأدب.

من هؤلاء يبرز اسم فتحى عبدالسميع، الذى حصل على جائزة التفوق فى الآداب عام ٢٠٢٣م، وهى من أرفع الجوائز التى تقدمها الدولة لكبار الأدباء.

فتحى عبدالسميع
فتحى عبدالسميع

وبنظرة متعمقة إلى تاريخ هذه الجائزة نجد أن «عبدالسميع» من أبرز الحاصلين عليها من الشعراء فى جنوب مصر، ما يدل على تميز التجربة الشعرية له وأصالتها. 

فى كتاب «فتحى عبدالسميع.. شاعر الكائنات الهشّة والتفاصيل الدقيقة»، الذى حرره الكاتب أحمد المريخى، نجد عددًا من الدراسات التى ألقت الضوء على أعماله وكيف استطاع من خلالها التعبير عن المهمشين ومعاناتهم، كما عبّر عن ظواهر مثل الثأر والعنف برهافة الشاعر المهموم بمجتمعه.

هذا الارتباط بالمكان لم تُفسده المسافات، فوجدناه لدى الذين رحلوا إلى الشمال ولدى الذين بقوا فى الجنوب.

غاب أشرف البولاقى فجأة... منشور انتشر عبر صفحات التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام، ومعه تدفقت قصائد الرثاء والمقالات التى عبّرت عن مقدار الحزن الذى أصاب الجميع بفقدانه، وعن حجم الفراغ الذى تركه رحيله. بل إن بعض الدوريات الأدبية الكبرى فى مصر خصصت ملفًا خاصًا تناول حياته وأعماله وشعره. 

لم يشغل «البولاقى» منصبًا رفيعًا، بل كان مديرًا لقصر ثقافة قنا. وهو ما يعكس المكانة التى شغلها فى الوجدان الثقافى المصرى، رغم إقامته بعيدًا عن العاصمة وثقلها الثقافى الكبير.

قدَّم لنا الراحل شخصية الشاعر متعدد المواهب؛ فهو مفكر يحلل الظواهر المجتمعية، ومؤرخ وناقد للحركة الأدبية، وروائى وقاص، وحاضر فى معظم الفعاليات الثقافية. أثرى تمكنه من ناصية اللغة وعمقُ نظرته البحثية أبياته الشعرية، وأكسباها نغمًا محببًا إلى نفوس قرائه.

كذلك أصبح بيتٌ من الشعر مثارَ دهشةٍ وتقديرٍ لدى كثير من المثقفين والكتّاب بعد أن غادر صاحبه، سيد العديسى، الدنيا شابًا يانعًا، ربما لأنه يحمل روح الجنوب الساحرة التى وسمت إبداع الكثير من الشعراء فى هذه القطعة العزيزة من أرض الكنانة، إذ يقول فيه:

كأى صعيدى لا أستطيع قول أحبك

وكلما أردت القفز على التقاليد لأقولها

خرجت: كيف حالك؟

فاعذرينى لأنى كيف حالك جدًا؟

سيد العديسى
سيد العديسى

لعل هذه الكلمات تختصر سر الحكاية كلها، فالشعر هناك ليس فنًا للخاصة، بل جزء من تكوين الإنسان القنائى ووعيه ووجدانه. من «السيرة الهلالية» التى حفظتها الألسنة جيلًا بعد جيل، إلى المواويل الشعبية وطقوس الأمهات اليومية، ومن الأبنودى وعبدالرحيم منصور وأمل دنقل، إلى فتحى عبدالسميع وأشرف البولاقى ومحمود مغربى وسيد العديسى، ظل هذا الخيط الشعرى ممتدًا لا ينقطع.

تكشف هذه التجارب المتباينة، على اختلاف أجيالها وأساليبها، عن أن الشعر فى قنا لم يكن ظاهرة فردية عابرة، بل تقليدًا ثقافيًا متجددًا يجد فى كل جيل أصواتًا جديدة تعيد التعبير عن بيئتها وموروثها التاريخى بلغتها الخاصة. لهذا ظل الشعر فيها أكثر من مجرد فن أدبى، إنه أحد وجوه الهوية الثقافية للجنوب.