الإلحاد فى «الاتحاد».. لماذا يعتبر علاء عبدالهادى «معقل السيد البدوى» دار كفر؟
يعيش اتحاد كتّاب مصر واحدة من أكثر أزماته إثارة للجدل فى السنوات الأخيرة، وهى أزمة تكشف عن خلل فى الدور والهوية، وتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المؤسسة التى يفترض أن تكون بيتًا للمبدعين وحصنًا لحماية حقوقهم الفكرية. بدأت القصة فى 16 أبريل الماضى حين أعلن فرع وسط الدلتا بطنطا عن تنظيم ندوة بعنوان «مواجهة الإلحاد»، يحاضر فيها ما وُصف بأنه المفكر الإسلامى الدكتور أمان قحيف، وهو الإعلان الذى لم يمر مرور الكرام، مفجّرًا موجة واسعة من السخرية والاستنكار فى الوسط الثقافى المصرى، بسبب طبيعة الندوة الوعظية.
ورأى المثقفون أن الاتحاد انزلق إلى دور وعظى وإرشادى أقرب إلى ما تقوم به مؤسسات دينية مثل الأزهر والأوقاف، بدلًا من أن يركز على قضايا الكتّاب والمبدعين، وتحت ضغط هذه الانتقادات اضطر الاتحاد إلى إلغاء الندوة، لكن الأزمة لم تنتهِ.
ففى خطوة أعادت الجدل إلى الواجهة، أعلن الاتحاد عن تنظيم الندوة نفسها بعنوان جديد هو «أدلة وجود الله» لنفس الكاتب الدكتور أمان قحيف، وأقيمت بالفعل يوم الأحد الماضى بمقر الفرع فى طنطا، وهو تحول فجّر موجة ثانية من السخرية والرفض، إذ اعتبر المثقفون أن الاتحاد يواصل التخلى عن دوره الأساسى فى الدفاع عن أعضائه وحماية الملكية الفكرية، لينخرط فى قضايا وعظية لا تمت إلى رسالته بصلة.
ولم تكن هذه الفعالية الأولى من نوعها، فقد سبق للفرع نفسه أن نظم فى ديسمبر 2025 ندوة لمناقشة كتاب «النزعة العلمية والإلحاد»، حاضر فيها الشاعر البيومى عوض، المعروف بإثارة أزمات مع شعراء آخرين واتهامهم بازدراء الأديان.
وتتزامن هذه الأزمات مع انتقادات أوسع لدور الاتحاد، خاصة فى ظل غيابه عن دعم الكتّاب الذين يعانون من أزمات مالية خانقة، فضلًا عن سلسلة من القضايا المثيرة للجدل المرتبطة برئيس الاتحاد علاء عبدالهادى، بينها دعاوى قضائية رفعها أعضاء ضده بتهم السب والقذف انتهت بأحكام بالغرامة.
فى السطور التالية تكشف «حرف» التفاصيل الكاملة لأزمة «ندوات الإلحاد» داخل الاتحاد، إلى جانب المشكلات الأخرى المرتبطة بغياب دوره الرئيسى فى رعاية الكتّاب والمبدعين.
«أدلة وجود الله بين العلم والفلسفة»" width="1200" height="417">محمد داود للقائلين «حرية رأى»: هل يرضى بمناقشة «وهم الإله»؟!

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعى بجدل واسع بين المثقفين والكتّاب المصريين عقب إعلان اتحاد الكتّاب، فرع وسط الدلتا، عن تنظيم ندوة «أدلة وجود الله».
وعكس هذا الجدل رفضًا صريحًا من جانب عدد كبير من المثقفين، بينهم أعضاء بالاتحاد نفسه، لما اعتبروه انحرافًا عن الدور الأساسى للاتحاد وتحوله إلى منصة ذات طابع وعظى أقرب إلى مؤسسات دينية كالأزهر والأوقاف.
وعبر حسابها على «فيسبوك»، انتقدت الشاعرة أمينة عبدالله، رئيسة لجنة العلاقات الإنسانية بالاتحاد، ما وصفته باستخفاف رئيس فرع الاتحاد بالغربية، الدكتور أسامة البحيرى، بعقول المثقفين، مؤكدة أن دفاعه عن الندوة بزعم حرية التعبير لا يعدو كونه «حقًا يراد به باطل».

المنشور أثار نقاشًا واسعًا، إذ دافع «البحيرى» عن الندوة باعتبارها ممارسة لحرية الرأى، بينما تساءلت أمينة عبدالله: «لماذا ألغيَت الندوة السابقة إذا كان الأمر كذلك؟»، ليجيب بأن قرار إقامة أو إلغاء الفعاليات «حصرى» لمجلس إدارة النقابة الفرعية، وهو ما دفعها للتساؤل عن مدى استقلالية النقابة، دون أن تتلقى ردًا.
الجدل اتسع مع مداخلة الكاتب والقاص محمد داود، الذى تساءل: «إذا كانت حرية التعبير متاحة للجميع، فهل يقبل الاتحاد بعقد ندوة لمناقشة كتاب (وهم الإله) لريتشارد دوكينز؟»، وهو سؤال لم يجد إجابة من «البحيرى» أيضًا.

المفارقة التى أبرزها المثقفون أن «البحيرى» نفسه كان يشغل منصب أمين اتحاد الكتّاب بطنطا قبل ست سنوات، حين تعرضت أمينة عبدالله لواقعة سب وقذف بطلاها كل من الكاتبين البيومى محمد البيومى عوض، ومحمد فايد عثمان، خلال مهرجان طنطا الدولى للشعر عام ٢٠٢٠، ولم يتدخل حينها رئيس الفرع الحالى لحمايتها، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليه.
أمينة عبدالله: يفتح بابًا للفتنة والإقصاء وتكفير المجتمع

كشفت الشاعرة أمينة عبدالله، عضو مجلس إدارة اتحاد كتّاب مصر ورئيسة لجنة العلاقات الإنسانية بالاتحاد، عن تفاصيل اعتراضها على ندوة «مواجهة الإلحاد» التى أعلن عنها فرع وسط الدلتا بطنطا، مؤكدة أنها أعلنت عن موقفها بوضوح منذ اللحظة الأولى داخل أحد الاجتماعات التنظيمية.
وقالت أمينة عبدالله: «سألت بشكل مباشر: هل نحن نقابة مهنية أم جهة دعوية ودينية؟»، مضيفة أنها أبلغت الحضور بأنها ستتقدم باستقالتها إذا كان الاتحاد قد تحول إلى مؤسسة دعوية، قبل أن يؤكد لها المسئولون أن الاتحاد نقابة مهنية تُعنى بشئون الكُتّاب.

وأوضحت أنها انتقدت بيانًا صدر مؤخرًا يتضمن التلويح بإحالة بعض الأعضاء إلى التحقيق بسبب ما ينشرونه على مواقع التواصل الاجتماعى، مؤكدة أن البيان- حسب روايتها- صدر دون عرضه على مجلس الإدارة أو هيئة المكتب.
وأشارت «أمينة» إلى أن الندوة أُلغيت فى المرة الأولى بعد موجة السخرية التى تعرض لها الاتحاد، لكنها عادت بعنوان مختلف هو «الأدلة المادية على وجود الله»، معتبرة أن إثارة مثل هذه القضايا تأتى غالبًا بالتزامن مع أزمات وخلافات داخل مجلس الإدارة، بما يؤدى إلى تحويل الأنظار عن الملفات النقابية الأساسية.
ورأت أن اللجوء إلى التحقيقات والإجراءات التأديبية ضد أعضاء الاتحاد بسبب آرائهم أو انتقاداتهم يمثل انحرافًا عن الدور الطبيعى للنقابة، التى يفترض أن تكون مظلة لحماية حرية التعبير والدفاع عن المبدعين.

وقالت: «منذ اليوم الأول، وبعد أن تحول الاتحاد إلى مادة سخرية بسبب عنوان ندوة اتسم بالسطحية والتدين الشكلى، سألت: أى إلحاد ستتم مواجهته؟ الإسلامى أم المسيحى أم البهائى؟ ألا يفتح مثل هذا العنوان بابًا للفتنة والإقصاء وتكفير المجتمع؟ ألا يمثل ذلك خطورة تتعارض مع رؤية الدولة فى مواجهة الإرهاب الفكرى وحرية العقيدة التى أكد عليها رئيس الجمهورية مرارًا؟».
وأضافت أن أحد الزملاء قاطعها معلنًا عن أنه اتفق مع النقيب على ضرورة إلغاء الندوة، لا لخطورة محتواها بل لأنها حولت الاتحاد إلى مادة للتندر، قبل أن تعود الندوة مجددًا بنفس الضيوف المتكررين، ما يعكس، حسب قولها، ترسيخًا لفكرة دعوية داخل الاتحاد.

واختتمت أمينة عبدالله بالتأكيد: «لسنا ضد حرية التفكير والتناول، وأنا شخصيًا تعرضت للإقصاء والقضاء فى قضية رأى، لكننى ضد التأصيل للفكر المتأسلم المتشدد المنتمى لجماعة محظورة بحكم القانون، والتى سبق أن كرّم الاتحاد أحد أبرز رموزها الدكتور حلمى القاعود».
دفع 20 ألف جنيه غرامة شخصية على حساب الاتحاد
علمت «حرف» من مصدر مطّلع، رفض ذكر اسمه خشية تحويله إلى لجنة التحقيق والتأديب كما اعتاد رئيس الاتحاد علاء عبدالهادى مع كل من ينتقد أداءه، أن الخلافات داخل المجلس لا تقتصر على أزمة الندوة الأخيرة بعنوان «أدلة وجود الله»، بل تمتد إلى ملفات مالية وإدارية معقدة.
وقال المصدر إن عددًا من أعضاء المجلس اعترضوا على قيام الاتحاد بسداد غرامات قضائية من ميزانيته، تتعلق بأحكام نهائية صدرت ضد رئيس الاتحاد علاء عبدالهادى فى دعاوى أقامتها الكاتبتان هالة فهمى ونفيسة عبدالفتاح، وحكم لهما بغرامة قدرها ١٠ آلاف جنيه لكل منهما على خلفية قضايا السب والقذف.
وأوضح أن بعض الأعضاء يرون أن هذه الغرامات ذات طابع شخصى لا يجوز تحميلها للاتحاد، بينما يصر «عبدالهادى» على اعتبارها مسئولية النقابة بحجة أن الدعاوى أقيمت ضده بصفته رئيسًا للاتحاد.
وأضاف المصدر أن هناك اعتراضات أخرى تتعلق باستمرار التعاقد مع مستشار قانونى يتقاضى عشرة آلاف جنيه شهريًا، رغم وجود محامٍ للاتحاد وأمين صندوق يمارس مهنة المحاماة، فضلًا عن التعاقد مع مستشار إعلامى من مؤسسة صحفية يتقاضى خمسة آلاف جنيه شهريًا، رغم وجود لجنة إعلامية داخل الاتحاد.
هذه التجاوزات، حسب المصدر، تعكس حالة من التوتر والانقسام داخل المجلس، وتثير تساؤلات حول إدارة الموارد المالية للاتحاد، فى وقت يواجه فيه أعضاؤه أزمات معيشية ومهنية حادة، ويبحثون عن دور حقيقى للنقابة فى دعمهم بدلًا من الانشغال بصراعات شخصية وملفات جانبية.







