الموريسكيون فى الرواية العربية.. نعيم آل مسافر: الشعر حوّل العرب لـ«ظاهرة صوتية»
- الجوائز فى بعض الأحيان تبرز أصواتًا غير جديرة وضعيفة
- أهل الأندلس اخترعوا لغة سرية لتدوين أدبهم وسِيرهم بعد سقوط غرناطة
- «القشتاليون» أحرقوا مليون مخطوطة عربية فى يوم واحد
- كتابى محاولة لتتبع سيرة ومآسى «الموريسكيين» فى الرواية
تُعدّ القضية الموريسكية من القضايا التاريخية والثقافية المُعقّدة التى لا تزال آثارها حاضرة فى الذاكرة الجماعية والوجدان العربى، لما انطوت عليه من مأساة إنسانية واجتماعية وسياسية تمثلت فى نكبة شعب اقتُلع من جذوره الدينية والثقافية بعد سقوط غرناطة، وتعرّض لواحدة من أقسى عمليات القمع والتهجير فى التاريخ.
وانعكس هذا الإرث المؤلم على النتاج الأدبى، فحضر الموريسكيون فى الرواية العربية بوصفهم رموزًا للاضطهاد والاغتراب والانكسار، وأحيانًا أخرى أيقونات مقاومة وحنين لهوية ضائعة، وغدت غرناطة رمزًا للفردوس المفقود.
وفى كتابه الصادر مؤخرًا عن دار أبجد للنشر، بعنوان «الموريسكيون فى الرواية العربية»، يتتبع الكاتب الروائى والباحث العراقى، نعيم آل مسافر، حضور الموريسكيين فى النص السردى العربى من خلال تحليل عدد من النماذج الروائية التى عالجت القضية الموريسكية، واستكشاف طرائق تمثيلها وما تنطوى عليه من دلالات ثقافية وحمولات رمزية.
عن الكتاب، والمشهد الثقافى العراقى وأثر الموريسكيين فى الأدب العربى، وأزمة الهوية التى عانوا منها، وعن التحولات المتسارعة فى العراق وانعكاسها على الأدب العراقى، أجرت «حرف» مع نعيم آل مسافر الحوار التالى.

■ أشرت إلى أن القضية الموريسكية- محور كتابك الأحدث «الموريسكيون فى الرواية العربية»- من القضايا التاريخية والثقافية المُعقّدة التى لا تزال آثارها حاضرة فى الذاكرة الجماعية والوجدان العربى.. بدايةً مَن هم الموريسكيون؟ وأين عاشوا بعد طردهم من الأندلس؟ وهل هناك مَن تمسك بهويته ممن قاوم التهجير؟
- الموريسكيون هم الأندلسيون الذين بقوا فى غرناطة بعد سقوطها بيد الملوك الكاثوليك عام ١٤٩٢م إثر معاهدة سلمية مع آخر ملوك غرناطة أبوعبدالله الصغير، والذين سرعان ما نقضوا تلك المعاهدة وأجبروا الموريسكيين على التنصير القسرى والترحيل من بلادهم فى فترات مختلفة، وأقيمت لهم محاكم التفتيش سيئة الصيت، ومُنعوا من التحدث باللغة العربية والكتابة بها وارتداء الملابس العربية وممارسة فنونهم وعاداتهم وتقاليدهم.. وعاشوا الشتات- وما زالوا- بعد طردهم من الأندلس، فى دول أوروبا والوطن العربى وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ولكنهم تمسكوا بهويتهم وعانوا أبشع أنواع العذاب من أجل تلك الهوية، فاضطروا للعمل بالتُّقية، إذ أظهروا المسيحية واستبطنوا الإسلام ومارسوا طقوسهم الدينية سرًا، واخترعوا لغة جديدة هى «الألخميادو» لتدوين أدبهم وسِيرهم وتاريخهم وتعاليم الإسلام، حتى إذا وقعت تلك الكتب بيد القشتاليين لا يفهمون ما المكتوب فيها فيعاقبونهم. وما زالت تلك المخطوطات تملأ المكتبات العالمية على الرغم من أن القشتاليين آنذاك أحرقوا مليون مخطوطة فى واقعة واحدة.

■ وما مظاهر حضور الموريسكيين فى الرواية العربية؟ ولماذا تؤلف كتابًا عنهم مع كثرة تناولهم؟
- بعد أن كتب عنهم حفيدهم الروائى الجزائرى واسينى الأعرج ١٩٩٣م روايته «رمل المايه»، وتلته الروائية المصرية رضوى عاشور بعد عام بروايتها «ثلاثية غرناطة»، التفت الروائيون العرب لهذه الموضوعات وكتبوا فيها عددًا لا بأس به من الروايات، وكُتب عن الموريسكيين عدد كبير من البحوث التاريخية والاجتماعية والفنية والأدبية باللغات العربية والإسبانية والفرنسية قبل ذلك، حتى أُسس عنهم علم «الموريسكولوجى»، إلا أنى لم أجد كتابًا نقديًا عن صورتهم أو تمثلاتهم فى الرواية العربية، فكان هذا الكتاب، الذى حاولت أن يكون إضافة للمكتبة العربية فى هذا المجال، والذى سعيت فى مقدمته إلى تأصيل تمييز بين الرواية الأندلسية والرواية الموريسكية وأثر الموريسكيين فى التاريخ والأدب العالمى، ودرست فى متونه تمثلاتهم فى ٢١ رواية عربية، وإسقاطات القضية الموريسكية على ما يجرى الآن فى العالمين العربى والإسلامى، وأشرت لثمانى روايات عالمية مترجمة، ومن الجدير بالذكر أن هنالك عشرات الروايات العالمية عنهم، والتى لم تترجم حتى الآن.
■ كيف انعكس إرث الموريسكيين المؤلم على النتاج الأدبى عربيًا وعالميًا؟
- الموريسكيون أبناء حضارة عمرها ٨ قرون فى بلاد الأندلس، وكانت أكثر الحضارات تقدمًا فى عصرها، وجسرًا بين الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية، وعندما نُفوا إلى مختلف بلدان العالم، هرَّبوا معهم عالمًا حضاريًا، فكان لهم أثر كبير فى الثقافة والآداب الإسبانية وفى ثقافات وآداب البلدان التى هُجّروا إليها، ظهر أثرهم منذ رواية «الدونكيخوتة» لثربانتس وراويها الموريسكى «حامت بنخلى» والرواية البيكارسية «مغامرات لاثاريو دى تورميس».
وفى فرنسا نرى أثرهم فى أقاصيص «باريس وفيانا»، ولدى الفرنسى لويس أراجون فى كتابه «مجنون إلسا»، ورواية «آخر بنى سراج» للكاتب الفرنسى دو شاتو بريان، وفى «الأغانى الموريسكية»، وأناشيد الحدود، وفى الزجل الأوروبى الفرنسى، والإنجليزى، والألمانى، والإيطالى، والبرتغالى، وكذلك فى الغنائية التى كان لها دورها فى الموضوعات ذات الرؤية الأندلسية التى يتميز بها الشاعر الإسبانى لوركا، وفى أدب أمريكا اللاتينية ومنه رواية «الخيميائى» لباولو كويلو، وكان لهم تأثير كبير فى أدب دول المشرق والمغرب العربى فى الروايات التى درستها فى هذا الكتاب لروائيين من العراق، وعُمان، ولبنان، وسوريا، وفلسطين، والسعودية، ومصر وتونس والجزائر والمغرب، وكذلك فى شعر نزار قبانى ومحمود درويش، وغير ذلك مما لا يتسع المجال هنا لذكره.

■ إلى أى مدى رصدت النماذج الروائية التى تناولتها أزمة هوية الموريسكيين؟
- تناول الفصل الثانى من هذا الكتاب أزمة الهوية الموريسكية، وتتمثل هذه الأزمة فى أن الهوية بشكل عام ليست معطى ثابتًا بل تتكون من مجموعة من العوامل، لذلك، فبرغم من أن هوية الموريسكيين الوطنية هى الأندلسية إلا أنها تتفرع إلى هويات أخرى دينية وثقافية، لذلك عندما تعرضت تلك الهوية للقهر والاستلاب من قبل القشتاليين والكنيسة الكاثوليكية بفرض هويات أخرى عليهم، كالقشتالية والمسيحية وما يلحقهما من هويات فرعية أخرى، حصلت لديهم أزمة هوية، إذ أصبحوا يشعرون بالاغتراب وعدم الانتماء لبلدهم رغم سكنهم فيه، وذلك بسبب تغير هوية المكان، وباتوا يحملون هويتين مزدوجتين، وعانوا كثيرًا من الصراع على مستوى الفرد والمجتمع وعلى المستوى الداخلى النفسى والخارجى الذى يمثله الآخر.

■ وماذا عن خريطة حضور الموريسكيين فى الإبداع السردى العراقى؟
- تمثّلَ حضور الموريسكيين فى السرد العراقى من خلال رواية «مخيم المواركة» للروائى العراقى دكتور جابر خليفة جابر، وهى من أروع الروايات التى عالجت هذا الموضوع، وتميزت كثيرًا عن الروايات الأخرى بميلها إلى التخيّل التاريخى والرواية الرسائلية وتعدد الأصوات وبناء الشخصيات، كما قامت فكرتها على مخيم متخيل فى الزمن الحاضر يقيمه أحفاد الموريسكيين، يعيدون فيه قراءة التاريخ من خلال القصص والرسم والموسيقى ومحاكاة معاناة الموريسكيين.
■ إلى أى مدى يمكن للأدب أن يوثّق الألم الجمعى دون أن يتحول إلى خطاب مباشر؟
- يمكن للأدب بكل أجناسه المختلفة، الشعر والنص المسرحى والقصة والرواية المختلفة، أن ينهض بهذا الدور، ولكن أرى أن الرواية هى الجنس الأدبى الأقدر على توثيق الألم الجمعى بوصفها نصًا موازيًا للنص التاريخى الأكاديمى، وتتيح للأديب فسحة كبيرة لاستلهام الأحداث الحقيقية وإعادة تحبيكها، كما أنها قائمة على الاقناع وشعرية الحدث السردى، وبهذا يكون تأثيرها كبيرًا على المتلقى.
■ ما بين المجموعات الشعرية والقصصية والرواية، فضلًا عن النقد والتأريخ الأدبى، أيها تجد نفسك فيه بصورة أوضح؟
- للبيئة تأثير كبير على الكاتب، وفى البيئة التى عشت فيها طفولتى الأولى كان لا بد لى أن أكتب الشعر، ومع بداية النضج لم أجد ضالتى فيه فكتبت فى المسرح والقصة القصيرة وأدب الأطفال، ولى فى كل ذلك إصدارات أعتز بها كثيرًا، وعندما انتهيت من كتابة روايتى الأولى «كوثاريا» اكتشفت أن كل ما كتبته قبلها فى تلك الأجناس الأدبية ما هو إلا تمارين إحماء أدبية ضرورية لكتابة الرواية. أما النقد والتاريخ الأدبى فقادنى لهما تراكم القراءات والدراسة الأكاديمية، وهى تجربة تعلمت منها كثيرًا، ولدىّ مشاريع وبحوث أخرى للكتابة فيهما.

■ مَنْ هم الكتّاب أو الشعراء الذين أثروا فى وعيك الأدبى؟
- كل من قرأت لهم أثروا فىّ بشكل وآخر وبدرجات متفاوتة، ولكن هنالك علامات فارقة، فى الشعر امرؤ القيس والأدب الجاهلى برمته، والمتنبى والجواهرى ونزار قبانى وعريان السيد خلف وآخرون، والرواية: كافكا وماركيز ويوسا وهرمان هسه وكونديرا ومحفوظ والكونى والتكرلى ومحمد وخضير وآخرون.
■ متى شعرت للمرة الأولى بأنك أصبحت كاتبًا بالفعل؟
- منذ سنوات الدراسة الثانوية كانت لى محاولات بسيطة فى الكتابة، ونشرت أول قصيدة عندما كنت طالبًا فى السادس الإعدادى، ورغم أننى قد أصدرت حتى الآن ١٥ كتابًا، لكننى ما زلت أشعر بأنى مجرد قارئ لا بأس به يحاول أن يكون كاتبًا.
■ هل انعكست التحولات التى مر بها العراق على مشروعك الأدبى؟ وكيف؟
- للتحولات السياسية والاجتماعية أثر كبير على الكاتب، فما بالك فى بلد مثل العراق؛ دائم التحولات منذ فجر التاريخ. نصف حياتى الأول كان فى زمن الدكتاتورية، فكنّا نلجأ إلى الترميز والتورية وبين التلميح والتصريح خشية مقص الرقيب والملاحقة والاعتقال، وكانت كتاباتى تدعو لرفض الذل والخضوع، وللثورة ضد الاستبداد، وعدم الاستسلام لأساليب النظام القمعية وتكميم الأفواه، ونصف حياتى الثانى فى مرحلة ما بعد ٢٠٠٣ كنّا كمن يخرج من سجن كبير إلى عالم جديد تطور كثيرًا، وتسارعت الأحداث فى البلد حتى أصبح الكاتب عاجزًا عن اللحاق بها، وطرأت موضوعات جديدة، مثل كيفية بناء الوطن والإنسان، والإرهاب، والهوية، والحرية التى تقترب من الفوضى.
■ هل ترى أن الكاتب العراقى لا يزال أسير صورة الحرب والمنفى والخراب؟
- الكاتب العراقى ليس أسيرًا لصورة واحدة، فهو متطلع لكل جديد ومتفاعل مع الحدث المحلى والإقليمى والعالمى، ويكتب فى مختلف الموضوعات الإنسانية، وإن كان شبح الحرب وما يتبعه من تداعيات يلاحقه فى كل مكان، تلك الحروب والاحتلالات التى ما زالت مستمرة إلى الآن بأشكال وصور مختلفة، فمثلًا يرى الناقد العراقى أمجد نجم الزيدى أن الرواية العراقية لم تتجاوز فى موضوعاتها مرحلة الاحتلال، ولم تصل إلى ما يطلق عليه «ما بعد الكولونيالية» لأن الاحتلال لم ينته بعد.

■ كيف تنظر إلى مفهوم «الهوية العراقية» داخل النص الأدبى اليوم؟
- العراق بلد متعدد القوميات واللغات واللهجات على سبيل المثال لا الحصر «العربية والكردية والتركمانية»، ومتعدد الأديان «الإسلام والمسيحية والصابئة والأزيدية»، ومتعدد الطوائف «السنة والشيعة»، وتضاريسه متنوعة ففيه الجبال والتلال والصحارى والبوادى والسهل الرسوبى الخصيب والمستنقعات المائية «الأهوار»، ورافداه الخالدان دجلة والفرات، ناهيك عن إطلالته على الخليج، كل هذا يؤدى إلى تعدد الهويات لدى مواطنيه، كالهويات الإثنية والقومية والدينية والثقافية والاجتماعية والمناطقية، لذا يحاول الكاتب العراقى أن يؤسس لهوية وطنية جامعة تكون خيمة تنضوى تحتها جميع الهويات الفرعية دون التفريط بواحدة منها، وهذه مهمة عسيرة.
■ مَن قرأت مِن الكتّاب المصريين وترك أثرًا لديك؟
- منذ المقررات الدراسية الأولى والقراءة المبكرة اطّلعنا على الأدب المصرى بشكل أكبر من الأدب العراقى، ولهذا أسباب عديدة.. وتأثرت بنجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبدالحليم عبدالله ورضوى عاشور وآخرين.
■ لماذا أصبحت الرواية الشكل الأدبى الأكثر حضورًا عربيًا؟ وهل للجوائز دور؟
- لأن العرب أدركوا أن الشعر لم يعد ديوانهم الوحيد، وقد حوّلهم لظاهرة صوتية، فهجر بعضهم العمود وكتبوا فى قصيدة النثر، وهذا ربما- وكما يتجسد الآن- تأثرًا بانتشار الرواية والكتابة السردية، كما حصل ربما سابقًا فى الأدب الغربى، حيث قيل إن توجه الشعراء الغربيين، كبودلير وغيره، إلى قصيدة النثر، جاء تأثرًا بعزلة الشعر وانصراف القراء إلى السرد، لذلك أصبح السرد ديوان العرب، كما أشيع فى هذه الأيام، بعد إقبال القراء عليه بشكل أكبر من الأجناس الأدبية الأخرى.
كما لا نستطيع أن ننكر دور الجوائز العربية الكثيرة فى معادلة التحفيز على الإقبال على الرواية، فالقارئ يهتم بملاحقة الروايات الفائزة، لأنه يثق بأن هناك لجنة وقراء محترفين وراء اختيار هذه الرواية. وتمثل أيضًا حافزًا للروائى أيضًا، تأثرًا بما يمكن أن يجلبه الفوز من أضواء، ومردود مادى جيد، ولكنها- على الرغم من أهميتها- سلاح ذو حدين، فهى قد تروّج للرواية بشكل كبير إلّا أنها فى أحيان أخرى قد تبرز أصواتًا غير جديرة وضعيفة.







