البوليفونية الزائفــة.. محمد سعيد أحجيوج: الناقد الآن يسير بمبدأ «أمدح هذا الكتاب لأن صاحبه صحفى أو صديق»
-الناقد أصبح مجرد وسيط فى «شبكة مصالح»
-قد تنتج 1000 رواية فى العام لكن الأجود لا يتجاوز الـ10
-الناقد يعجز عن متابعة كل هذا الطوفان فيكتفى بأعمال «المَعارف والأصدقاء»
فى كتابه الأحدث «البوليفونية الزائفة فى الرواية العربية.. محاولات فى التفكير النقدى»، الصادر عن دار «العين» للنشر فى القاهرة، يقارب الروائى والناقد المغربى محمد سعيد أحجيوج ظاهرة تعدد الأصوات فى الرواية العربية من منظور نقدى لا يحتفى بها بقدر ما يفكك ادعاء تبنيها، كاشفًا عن خلل بنيوى يتمثل فى حضور تعددية شكلية تخفى وراءها صوتًا أحاديًا مهيمنًا.
ويُعرف المؤلف هذا الخلل بمفهوم «البوليفونية الزائفة»، مستلهمًا مصطلح البوليفونية كما بلوره الناقد الروسى ميخائيل باختين، قبل أن يعيد توظيفه فى سياق الرواية العربية المعاصرة.
ويرى «أحجيوج» أن كثيرًا من الروايات العربية التى تتبنى راويًا عليمًا واحدًا أكثر صدقًا من رواية تدّعى فيها تعدد الأصوات، معتبرًا أن هناك أعمالًا رديئة تفوز بالجوائز ويحتفى بها إعلاميًا وحتى أكاديميًا وأعمالًا أخرى لا تُناقش؛ لأن أصحابها ليسوا ضمن شبكة العلاقات الصحيحة.
فى حواره مع «حرف»، يتحدث المغربى محمد سعيد أحجيوج باستفاضة عن أزمة الروايات العربية والنقد والجوائز وغير ذلك من القضايا على الساحة الأدبية.

■ ما الفارق بين البوليفونية بوصفها مفهومًا نظريًا عند باختين، وبين ما اعتبرته بوليفونية زائفة فى الرواية العربية؟ ومتى وكيف تشكلت الظاهرة؟
- رأى باختين فى دوستويفسكى روائيًا تتكلم شخصياته بأصوات حقيقية، مستقلة عن إرادة كاتبها، ويناقش بعضها بعضًا دون سلطة علوية تفرض مسبقًا من سيفوز. هذا هو الجوهر. أما البوليفونية الزائفة عندنا فتتمثل فى حضور شكلى لتعدد الأصوات، بل تحديدًا تعدد الرواة، لكنهم فى الحقيقة يمثلون صوتًا واحدًا. اللغة ذاتها، بدءًا من المعجم واختيار الكلمات وانتهاء بأسلوب الحديث وتركيب الجمل. التفكير ذاته، والموقف من العالم هو نفسه. بل لو أخفيت عنك أسماء الفصول، التى يريد بها الكاتب أن يميز بين الرواة، لما عرفت من يتكلم.
متى تشكلت الظاهرة؟ هى موجودة دائمًا، وما أحاول من خلال الكتاب قوله إنها متجذرة فى الثقافة العربية منذ عصور. لكنها صارت واضحة، على المستوى الروائى، حين تعرف الروائيون العرب على موجات الرواية الجديدة، فتعلموا مصطلح «تعدد الرواة» وظنوا أن تغيير اسم الراوى من فصل إلى فصل يكفى لتطبيق المفهوم. والحقيقة أن كثيرًا من الروايات العربية التى تتبنى راويًا عليمًا واحدًا أكثر صدقًا من رواية يُدّعى فيها تعدد الأصوات من خلال تعدد الرواة، لكنها فى الجوهر ليست إلا صوتًا واحدًا مقنعًا؛ صوت الكاتب.

■ لماذا اعتبرت الأسئلة الجوهرية حول طبيعة النقد ووظيفته ترفًا فكريًا؟
- هذا ما يراه القارئ، وإلى حد ما الناقد المعاصر كذلك، أما أنا، من خلال ما أشرت إليه فى المقدمة أنتقد تلك الرؤية المستكينة إلى الوضع القائم، غير القادرة على المساءلة والنقد.
أعمال رديئة تفوز بالجوائز ويحتفى بها إعلاميًا، وحتى أكاديميًا، وأعمال أخرى لا تُناقش لأن أصحابها ليسوا ضمن شبكة العلاقات الصحيحة، وتقريبًا لا أحد، من النقاد، يجرؤ على نقد حالة الزيف هذه التى تهيمن علينا. هنا تحولت الأسئلة الجوهرية حول طبيعة النقد ووظيفته إلى ترف فكرى، عند من يفترض اشتغاله بالنقد، بينما الواقع يفرض علينا مواجهة كارثة ثقافية حقيقية تتمثل فى انهيار منظومة التقييم والفرز التى كانت تحمى الثقافة من الغزو المنظم للرداءة والابتذال.

■ أشرت فى مقدمتك للكتاب إلى أن كل ناقد مجرد مفسر يقرأ النص، يشرّحه، يضىء طبقاته، يربطه بسياقه، ويخرج باستنتاج أو تأويل. إلى أى مدى ينسحب هذا التعريف على الفقه والاجتهاد؟
- أولًا، هو سؤال عن ماهية النقد وليس حكمًا: تساءلت عمن يملك معيار الجودة. هل هو الذوق، أم السوق، أم التاريخ، أم النظرية؟ وما الفرق بين النقد والتفسير؟ ومن ثم وضعت السؤال، هل الناقد فى النهاية مجرد مفسر يقرأ النص، يشرّحه، يضىء طبقاته، يربطه بسياقه، ويخرج باستنتاج أو تأويل؟ بمعنى أن الناقد وإن كان فى المحصلة يُفسر ويؤول، لأن تلك طبيعة أى نص، إلا أن المفترض فيه أن ينطلق من منظومة فكرية «منهجية» محكمة، لا أن يسير مع الجماهير إلى حيث ما تطلبه، ويغلّب مصلحته الشخصية، ومصلحة الجهات المانحة، على حساب النص نفسه، وفعل النقد.
على المستوى الدينى لا يبدو لى أن فعل النقد ممكن، لأن الدين بطبيعته نظام مغلق، ربما يمكن الاجتهاد فيه، لكن من الداخل ووفق قيود معينة وسقف لا يمكن تجاوزه. نقد الدين هو بالضرورة تشكيل دين جديد. أى بصيغة أخرى: الدين غير قابل للنقد، بل قابل للتجاوز.

■ توقفت عند إشكالية الكم والكيف فى المشهد الثقافى العربى واعتبرتها جزءًا من أزمته.. هلا وضحت الأمر أكثر؟
- إنها إشكالية عامة؛ الوفرة تخنق الجودة، هذه قاعدة طبيعية فى كل حقل وفى كل مكان. حين تنتج ألف رواية فى عام واحد، لا يمكن أن يكون الألف على مستوى متقارب. سيكون فيها عشر أو حتى عشرون رواية قادرة على الصمود، والبقية ستملأ الأرفف والمنصات، ومنها ما سيتوج بالجوائز والترجمات.
لكن المشكلة الحقيقية ليست الكم، ليست الوفرة بذاتها، بل إن هذه الوفرة دمّرت آليات الفرز، لأنها أصلًا محدودة جدًا. الناقد يعجز عن متابعة كل هذا الطوفان، فيكتفى بما وصله بفعل العلاقات لا بفعل الجودة. القارئ يلجأ إلى الجوائز كبوصلة، والجوائز نفسها غارقة فى اعتبارات لا علاقة لها بالأدب. والنتيجة عالم ثقافى يبدو فى ظاهره مزدهرًا، بينما هو ثابت فى مكانه.

■ كيف تحول النقد الثقافى من أداة تقويمية مستقلة إلى جزء من منظومة أوسع للترويج الثقافى المقنع؟
- الوفرة ربما هى العامل الرئيس الذى قتل النقد الأدبى. لكن هذا التحول لم يحدث فجأة، دفعة واحدة، بل هو تراكم سلسلة من الاستثناءات الصغيرة: لم أكتب شيئًا سيئًا عن كتاب صديقى لأنه صديقى. ومدحت كتابًا آخر؛ لأن صاحبه صحفى كتب عنى. وصمتّ عن رواية ثالثة؛ لأن كاتبها مقرب من مؤسسة لا أريد خسارتها، إلخ. كل قرار من هذه القرارات يبدو فرديًا ومبررًا، ومحدود التأثير، لكن تراكمها ينتج ناقدًا لم يعد ناقدًا بالمعنى الحقيقى، بل محض وسيط فى شبكة مصالح متشابكة يُسمى نفسه زورًا ناقدًا.
■ كيف أسهمت الجوائز الأدبية فى تحول آليات التقييم الثقافى من أدوات للتمييز والاكتشاف إلى مؤسسات للهيمنة الناعمة والتوجيه المقنع؟
- الجائزة الأدبية فى عالمنا العربى صارت أشبه بختم المطابقة على بضاعة. لكن المشكلة أن الختم لا يعكس الجودة بل يعكس المطابقة؛ مطابقة معايير ضمنية غير معلنة. ما هى هذه المعايير؟ لا تُكتب فى أى لائحة، لكنها تُمارَس بدقة: موضوع مقبول لا يُخيف المانحين، أسلوب يمزج الحداثة الشكلية بالمحتوى الآمن، كاتب له حضور إعلامى ورصيد فى العلاقات العامة. ثم تتحول الجائزة إلى نموذج: الكتّاب يكتبون استجابةً لما تبحث عنه لجان الجوائز، لا استجابةً لما يُلحّ عليهم داخليًا. وهذا هو التوجيه المقنع: لا أحد يأمرك بشىء، لكن الجميع يكتبون فى الاتجاه نفسه لأن الجائزة هناك فى نهايته.
بالنظر إلى مستوى المقروئية العربية، ومحدودية أن يحقق الكاتب دخلًا مقبولًا من رواياته، فإن الجوائز مهمة، اعتباريًا وماديًا «كجائزة مباشرة وكعائد من ارتفاع المبيعات». الجوائز ضرورية ومطلوبة، لكن الحق أقول، أسوأ ما حدث للرواية العربية هو تلكم الجوائز ذات القيمة المالية العالية.
■ ترى أن الروائى الزائف، ذلك الكاتب الذى يمارس فن الرواية دون أن يفهم حقًا مسئوليتها الجوهرية. هل الخلل تقنىّ بالأساس أم ثقافى ومعرفى أعمق؟
- الروائى الزائف لا يكتب روايات سيئة؛ لأنه لا يعرف تقنيات السرد، بل لأنه لا يمتلك ما يقوله، أو ربما لا يملك الجرأة ليقوله، لأنه لن يستفيد شيئًا من جرأته. يكتب لأن الكتابة باتت تحمل قيمة اجتماعية ورمزية، لأن كلمة «روائى» صارت لقبًا يُفتح أمامه بعض الأبواب، وتسلط عليه الأضواء. وحين لا يكون لديك ما تقوله فعلًا، تملأ الفراغ بتقنيات مستعارة وموضوعات مضمونة وأسلوب مصقول لا يقول شيئًا.
■ تطرقت إلى «ثقافة الميديوكر والروائى الزائف».. ما ملامح هذه الظاهرة فى المشهد الأدبى الراهن؟
- ملمحها الأول أنها تُنتج رواياتٍ أشبه بالمنتجات التجارية الخاضعة لاستطلاعات الرأى: موضوع آمن، شخصية بطولية يتعاطف معها القارئ بيسر، نهاية تترك أملًا دافئًا أو حزنًا محسوبًا. ملمحها الآخر: احتقار السؤال الجذرى والمواجهة المباشرة مع كل ما يقلق. الروائى الزائف يتناول الحرية، لكن دون أن يتحدى أى قيد فعلى، يتناول الجنس لكن فى الحدود المسموح بها إعلاميًا، يتناول السياسة لكن عبر حقبة تاريخية آمنة لا تُغضب أحدًا حيًا. وملمحها الثالث، أن هذه الثقافة تُنتج قراءً مدمنين عليها، متعاطفين معها، لا يعرفون أنهم يستهلكون الرداءة، ويهاجمون كل من يهاجم الرداءة.
■ ما هى شروط التجريب التى لم تتحقق عربيًا كما أشرت فى كتابك؟
- يكاد التجريب عندنا ينحصر فى الشكل الخارجى للرواية، أى التقنيات المستخدمة فى الكتابة. لكن برأيى، دون تجاهل أهمية التجريب على مستوى الشكل، التجريب فى المضمون هو الأهم. التجريب الحقيقى هو أن تقول ما لم يُقَل، لا أن تعيد قول ما قيل بطريقة مختلفة. وروايتنا العربية تُجرّب فى الهيكل السردى وهى تُعيد فى المضمون حكايات قديمة مهلهلة وثيمات مستهلكة. الشرط الثانى: أن يسبق التجريبَ الحداثةُ الحقيقية، أى الإيمان بسلطة العقل النقدى. ما معنى التجريب فى غياب القدرة على النقد والمساءلة؟
■ بحسب ما طرحته فى الكتاب لماذا يبدو المبدع العربى هشًا أمام النقد؟
- لأنه غير معتاد على النقد، لا يمارسه ولا يصادفه كثيرًا، لذلك يعتبر أن كل محاولة نقدية هى هجوم شخصى ضده. غياب النقد يضعه فى وسط من المديح الزائف، فيعتاد عليه حتى يصدق حقًا أنه لا يُشق له غبار. وحين يأتى النقد، أيًا كان مستواه، يصطدم بجدار من اليقين الزائف.
■ ماذا قصدت بمفهوم «الأمية الروائية»؟ وهل يتعلق بالتلقى أم بالكتابة نفسها؟
- الأمية الروائية هى أن تمارس الكتابة الروائية دون أن تتقن أساسياتها كصنعة وفن. الروائى الذى لا يعرف كيف يبنى راويًا متسقًا، ولا كيف يمنح شخصياته أصواتًا متمايزة، ولا كيف يُؤطّر علاقة السرد بالزمن، إلخ... هذا الروائى يعانى من أمية مهنية حقيقية حتى لو كانت لغته جميلة.
المأساة أن الجمال اللغوى يُخفى هذه الأمية على القارئ الذى يقرأ بشكل سطحى دون تمييز، بل يخفيها، فى وسطنا الملىء بالزيف، حتى على الناقد الذى صار متساهلًا ويقبل كل الهفوات. القارئ المدقق للروايات المتأهلة لقوائم الجوائز، بل حتى الفائزة بالجوائز، سيجد الكوارث دون حد.
أما أمية التلقى فهى الطرف الآخر من المعادلة: القارئ الذى لا يميز بين رواية تقريرية ورواية فنية، ولا بين تعدد رواة حقيقى وتعدد أسماء وهمى.
هذان الشكلان من الأمية يُغذيان بعضهما: الكاتب الأمى يجد قارئًا أميًا لا يملك أن يميز الرداءة من الجودة، والقارئ لا يتطور لأنه لا يجد نصوصًا تتحداه. دائرة مفرغة وكسرها يتطلب تدخلًا نقديًا جذريًا، وهذا ما يحاول كتاب «البوليفونية الزائفة فى الرواية العربية» أن يُسهم فيه.
■هل أصبحت الكتابة الروائية وسيلة للوجاهة الاجتماعية أكثر من كونها ضرورة فنية أو معرفية؟
- نعم، وهذا هو أساس ظاهرة الروائى الزائف. لسبب ما، ربما هو الهالة الإعلامية التى تصاحب الجوائز الكبرى، صارت الرواية بطاقة دعوة إلى عالم من المؤتمرات والمهرجانات ومعارض الكتب وبرامج الفضائيات. هذه إشكالية كبيرة، وتحتاج جهدًا ووقتًا للتعمق فيها أكثر بالبحث والتحليل. هل هذه الأضواء الزائفة تكفى وحدها لتبرير هذا التحول؟ هل هو الاستسهال الذى يطبع عملية الكتابة فى وعى الكثيرين؟ لا أعرف بعد.







