الإثنين 09 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

تاريخ الفن والثروة.. ماهر زهدى: تحية كاريوكا سيدة المقاومة!

حرف

- تحدت الملك فاروق.. وأخفت السادات.. وهرّبت الأسلحة للفدائيين 

- رفضت الرقص أمام الجنود الإنجليز.. وأخفت منشورات زوجها فى غرفة نومها

- باعت مجوهراتها للمجهود الحربى وتطوعت فى «الهلال الأحمر» خلال حرب أكتوبر 

فى كتابه الأحدث «الست تحية.. تاريخ من الفن والثورة»، يقدّم الكاتب الصحفى والباحث ماهر زهدى قراءة جديدة فى سيرة الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، عبر سرد درامى يضىء جوانب من حياتها الفنية والإنسانية والوطنية.

لا يكتفى «زهدى» بتتبع مسيرتها كفنانة شاملة أبدعت فى الرقص والتمثيل والإذاعة والمسرح، بل يذهب إلى ما هو أبعد، كاشفًا عن مواقفها الوطنية الجريئة التى جعلتها رمزًا للمقاومة والالتزام، بدءًا من تحديها الملك فاروق، مرورًا بإخفائها الرئيس الراحل أنور السادات حين كان هاربًا من حكم بالسجن فى قضية سياسية، ورفضها الرقص أمام جنود الاحتلال الإنجليزى، وصولًا إلى مشاركتها فى المجهود الحربى وبيع مجوهراتها للتبرع بها، وتطوعها فى جمعية الهلال الأحمر خلال حرب أكتوبر 1973.

فى حواره مع «حرف»، يكشف ماهر زهدى عن عشرات المواقف المشرفة التى شكّلت ملامح شخصية تحية كاريوكا الاستثنائية، ليعيد طرح تلك الراقصة كأيقونة للفن والثورة فى آن واحد.

■ فى ظل كثرة المؤلفات عن تحية كاريوكا.. ما الجديد الذى تقدمه فى كتابك؟

- بالفعل هناك أكثر من كتاب عن الفنانة تحية كاريوكا، لكن بعضها ركز على دورها كراقصة، وكيف استطاعت أن توجد شكلًا مستقلًا للرقص الشرقى، وأخرى تحدثت عن أعمالها كممثلة، ونوع ثالث تناول بعض مواقفها الوطنية، أما كتاب «الست تحية.. تاريخ من الفن والثورة» فهو يقدم تحية الإنسانة والفنانة والست الوطنية، ليؤكد الكتاب أنها امرأة حاولت ألا تفصل بين كل أدوارها فى الحياة، كإنسانة وفنانة ومناضلة من أجل استقلالها واستقلال الوطن، كما يوضح الكتاب الظروف التى صنعت هذا النموذج الفريد.

■ لماذا قلت إنه من الإجحاف اختزال تحية كاريوكا فقط كراقصة وممثلة؟

- لأنها فنانة لها تاريخ فنى عريض، ومواقف وطنية مشرفة ومشرقة، ولم تكن لها حسابات شخصية فى كل مواقفها، فلم تُقدِم على أى موقف من المواقف التى واجهتها، وفكرت فى عواقبه عليها كإنسانة أو حتى على مستقبلها كفنانة، بل كانت تضع مصلحة الوطن قبل مصالحها الشخصية أو الفنية.

■ أشرت إلى أن طريقها نحو التمرد والثورة بدأ مبكرًا قبل اتجاهها للفن.. ما القصة؟

- منذ طفولتها كانت تبحث عن حريتها واستقلالها، عندما رفضت قرارات شقيقها الأكبر بحرمانها من التعليم وحبسها فى بيته، ثم قرارها بالهروب للبحث عن حريتها واستقلالها، وعندما عملت بالفن لم يكن هدفها النجاح فقط، بل بحثت عن التميز، وعندما وجدت من يساندها ووضع قدميها على بداية الطريق، أمسكت فى الفرصة، وقامت بثورة فى الرقص الشرقى، وغيرت المفاهيم حوله، وتعلمت وتمردت على الوضع السائد، وتمردت على أدوارها فى السينما، كما ثارت على دور الفنان المجتمعى، وأهمية أن يكون له موقف.

■ كيف صنعت تحية كاريوكا مجدها بساعدها؟

- صنعت مجدها الفنى والإنسانى دون مساعدة جهة ما أو نفوذ ما، بل على العكس، كانت هناك معوقات وعراقيل عديدة، كانت كفيلة بأن تنهى حياتها الفنية فى أكثر من مرحلة، لكنها فى كل مرحلة كانت تتحدى الظروف، وتصر على الاستمرار والنجاح، مثلما حدث بعد تحديها الملك فاروق ووالدته الملكة نازلى، أو عندما تزوجت من كولونيل أمريكى، وعاشت معه فى أمريكا لمدة عام، واكتشفت الموقف المعادى للعرب والمسلمين فى هوليوود ورفضهم أن تعمل هناك، وعادت لتبدأ من جديد فى مصر، وقامت بإطلاق مبادرة لتحسين أحوال الفنانين المصريين عُرفت باسم «شهر الفنانين»، لجمع تبرعات لصالح «صندوق دعم الفنانين»، أو حتى فشل كل زيجاتها، وعندما قررت تغيير نوعية الأدوار التى تقدمها فى السينما، وبالتأكيد يجب ألا نغفل دور الفنان الكبير سليمان نجيب فى مساندتها وتعليمها الكثير جدًا من الأمور الفنية والإنسانية. 

ماهر زهدى 

■ يغيب عن الكثيرين نضالها السياسى والاجتماعى.. هلا حدثتنا عن هذا الجانب فى مسيرتها؟

- تحية كاريوكا لها الكثير جدًا من المواقف السياسية والاجتماعية المهمة، بداية من مواقفها فى «كازينو بديعة» وعدم الرقص أمام جنود الاحتلال، أو تحديها ملك البلاد، وهى تعرف يقينًا ما الذى يمكن أن يحدث لها برفض رغباته، وكذلك لم تفكر ما الذى يمكن أن يحدث لها وهى تأخذ الضابط الهارب محمد أنور السادات وتقوم بإخفائه فى مزرعة شقيقتها فى الإسماعيلية، وما الذى كان يمكن أن يحدث لها إذا انكشف الأمر، أو إذا ما انكشف أمر مساندتها للفدائيين وبتهريب السلاح لهم فى مدن القناة، وحمل متفجرات فى سيارتها ونقلها للجنود هناك، وموقفها وقت حريق القاهرة، وكيف انضمت للحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى «حدتو»، أو عندما أخفت منشورات زوجها الضابط مصطفى كمال صديقى فى غرفة نومها ودفعت ثمن ذلك بالسجن، أو مطالبتها بالديمقراطية بعد ثورة يوليو التى كانت تؤيدها وتحب زعيمها جمال عبدالناصر، ودورها فى قطار الرحمة، وبيعها مجوهراتها لصالح المجهود الحربى، والدور الذى لعبته فى حرب أكتوبر، وتطوعها فى جمعية الهلال الأحمر للعمل على تمريض الجرحى، ومواقفها فيما بعد من أزمة نقابة الممثلين عام ١٩٨٧، حيث قادت اعتصامًا فنيًا ضد «القانون ١٠٣»، واعتصام نقابة الصحفيين، والكثير من مواقفها الوطنية.

■ ما موقعها فى تاريخ الفن المصرى.. وما أبرز ملامحه؟

- تحية كاريوكا صنعت مكانة خاصة جدًا فى تاريخ الفن المصرى، لم تستطع أن تحققها فنانة قبلها أو بعدها، فهى الراقصة الوحيدة فى تاريخ الرقص الشرقى التى حفرت اسمها بابتكار رقصة باسمها «كاريوكا»، والوحيدة فى تاريخ الفن المصرى التى حرصت على تطوير أدائها كممثلة، واستطاعت أن تقف أمام عمالقة من كبار نجوم السينما المصرية، وتكون ندًا قويًا، بل وتفوقت على كثيرين منهم، كما تفوقت على كثيرات من نجمات جيلها، ولم تفكر يومًا فى شكل وجودها على الشاشة، بل كانت تفكر دائمًا فى الشخصية والدور الذى تقدمه، لدرجة أنها، على سبيل المثال، بعد طلاقها من رشدى أباظة، وافقت على القيام بدور والدته فى شخصية بسيمة عمران فى فيلم «الطريق».

■ كيف عبّرت عن وطنيتها ودورها الإنسانى من خلال أعمالها ومواقفها؟

- تحية كاريوكا الإنسانة والفنانة لم تنفصل فى أى مرحلة من مراحل حياتها عن دورها الوطنى أو الاجتماعى، سواء فيما قدمته فى السينما بأدوار صعبة ومتنوعة، أو حتى على خشبة المسرح، فى فرقة «تحية كاريوكا»، حيث قدمت أعمالًا ناقدة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعرفت بجرأتها فى معالجة القضايا السياسية والاجتماعية، من خلال العديد من الأعمال البارزة.

■ ما القضية التى تحولت لديها من مطلب شخصى إلى مطلب عام؟

- كل القضايا التى تصدت لها تحية كاريوكا كانت قضايا عامة، لكن قضيتها الأساسية طوال حياتها كانت تحقيق العدل والحرية والاستقلال، والتى بدأت من قسوة عائلتها والظلم الاجتماعى الواقع عليها، فتحولت من سعيها الشخصى للتحرر، إلى ثورة وطنية شاملة، مناهضة للظلم والاستعمار، فذابت فى هموم الشعب المصرى، وتحولت ثورتها الفردية ضد الظلم إلى مطالبة عامة بالحرية والكرامة الوطنية.

■ لماذا تركت مكانها فى وسط الراقصات وقررت أن تكون فى المقدمة؟

- لم ترضَ تحية أن تكون مجرد رقم فى عدد الراقصات فى أى ملهى ليلى تعمل فيه، أو حتى بين كل الراقصات الموجودات على الساحة، وحتى عندما اتجهت للسينما فى بداياتها، لم تكن لترضى بأن تكون مجرد راقصة اتجهت للتمثيل، بل حرصت على أن تؤكد على مكانتها كممثلة متفردة لديها رؤية وقضية.

■ ما الأدوار التى برعت فى تقديمها فى السينما ودلالتها فى مسيرتها الفنية والشخصية؟

- برعت تحية فى كل ما أسند إليها من أدوار، فقدمت بنت البلد، والمرأة القوية، والمرأة اللعوب، وسيدة العصابات، والأم الحنون، والملكة، وهو ما كان يعكس شخصيتها القوية المستقلة، حيث كانت دائمة التمرد على القيود التى قد يفرضها عليها المنتجون أو المخرجون، من خلال ما يقرب من ١٥٠ فيلمًا، جاء من بينها ١٠ أفلام، ضمن قائمة أفضل ١٠٠ فيلم فى تاريخ السينما المصرية.

■ كيف أسهم تنوع أدوارها فى ترسيخ مكانتها الفنية؟

- أسهمت أدوار تحية كاريوكا المتنوعة فى ترسيخ مكانتها سواء كراقصة أو ممثلة، فى السينما أو على خشبة المسرح، فقدمت أدوارًا سينمائية عميقة فى أفلام مثل: «لعبة الست، والأم القاتلة، وشباب امرأة، والمعلمة، والفتوة، وأم العروسة، وإحنا التلامذة، وا إسلاماه، والسقا مات، ووداعًا بونابرت»، وغيرها، هذا بخلاف أدوارها فى المسرح، مثل «شفيقة القبطية، وحارة الشرفاء، والبغل فى الإبريق، ويحيا الوفد، وشباب امرأة، وروبابيكيا»، وغيرها، بشخصيات المرأة الشعبية والشخصيات القوية، ما جعلها أيقونة فى الفن المصرى.

■ كيف جسدت التمرد فى حياتها الفنية؟

- تمردت منذ بداية رحلتها فى السينما، وكانت البداية على نوعية الأفلام التى كانت تسند إليها، حيث كان المنتجون والمخرجون يسندون إليها أدوار الراقصة أو العشيقة أو الزوجة المتمردة، وكانت تبحث عن نوعية من الأدوار التى تقدم دورًا اجتماعيًا مهمًا، لدرجة أنها قررت المساهمة فى إنشاء شركة إنتاج فى بدايتها، بالمشاركة مع حسين صدقى، والمخرج حسين فوزى تحت اسم شركة «أفلام الشباب» فى أوائل الأربعينيات، لتقديم كل أنواع الأدوار التى تبحث عنها.

■ ماذا عن علاقتها بالمسرح.. ولماذا عادت إليه فى مراحل لاحقة من حياتها؟

- تحية عشقت المسرح منذ البداية، لكنها لم تكن تجد الفرصة المناسبة لتتجه إليه، وبعد فيلم «لعبة الست» اتفق معها نجيب الريحانى على أن تكون بطلة لفرقة «الريحانى»، لكن السينما أخذتها بعد الفيلم، وعندما قررت التفرغ للمسرح وتحقيق رغبتها ورغبة نجيب الريحانى، كان قد فارق الحياة، وظلت الفكرة تراودها إلى أن تحققت الرغبة من خلال فرقة إسماعيل ياسين، حيث أصبحت بطلة فرقته، وقدمت معه عددًا كبيرًا من المسرحيات، لكنها لم تشبع رغبتها فى نوعية الأعمال التى تريد أن تقدمها، وهو ما دفعها لتكوين «فرقة تحية كاريوكا» مع زوجها فايز حلاوة، وقدما معًا عددًا كبيرًا من المسرحيات التى يمكن وصفها بـ«الكباريه السياسى».

■ ما العوامل التى ساعدتها على أن تصبح أشهر راقصات وفنانات الشرق؟

- تحية رغم أنها لم تنل حظها الكافى من التعليم بسبب هروبها من بيت الأسرة، إلا أنها بعد أن تهيأت لها الظروف باشتغالها بالفن، حرصت على أن تتعلم، لكنها لم تكتف بالتعليم التقليدى، بل حرصت على أن تكون فنانة مثقفة وواعية بقضايا أمتها، ساعدها فى الوصول إلى هذه المرحلة الفنان سليمان نجيب، الذى دربها على الكلام ومخارج الألفاظ، وسماع الموسيقى، والغناء، والحركة والمشى والوقوف، وقراءة الكتب المهمة، حتى أصبحت فنانة على درجة كبيرة جدًا من الوعى والثقافة.

■ كيف يعكس مسار حياتها ارتباط الفن بالقضايا الوطنية والاجتماعية؟

- كان أول شىء تقع عليه عينا تحية كاريوكا عندما جاءت إلى القاهرة هى اللافتات والعبارات المكتوبة على الجدران بالشوارع، التى تندد بالاحتلال وتطالب بالاستقلال، فظلت هذه الحالة هاجسًا يسيطر على كل تفكيرها الإنسانى والفنى، ما جعل اختيارتها الفنية تسهم بشكل كبير فى تشكيل الثقافة المصرية، لالتزامها بقضايا الوطن، وتقديم نقد لاذع لكل القضايا السياسية والاجتماعية، فى المسرح والسينما والإذاعة أيضًا.

■ فى رأيك لماذا اعتبر إدوارد سعيد أن كاريوكا شخصية تتجاوز الصورة النمطية للراقصة الشرقية؟

- المفكر إدوارد سعيد عندما زار تحية فى أواخر الثمانينيات وعبّر عن إعجابه بنبلها وهيبتها، كان على يقين بأنها ليست مجرد راقصة استعراضية، بل كان رأيه أنها أروع راقصة شرقية فى كل الأزمان، واعتبرها أسطورة حية، حطمت بثقافتها الصورة النمطية للراقصات، وأصبحت رمزًا للتحرر والالتزام السياسى والاجتماعى، وكتب مقالًا شهيرًا بعنوان «تحية إلى تحية» نشر عام ١٩٩١، أشاد فيه بموهبتها، وأشار إلى أنها تعد رمزًا للتقدمية فى الفن، مثلما كانت أم كلثوم رمزًا غنائيًا وتاريخيًا لمصر.

■ كيف تمثل نموذجًا للحداثة الشعبية فى العالم العربى؟

- تحية كاريوكا تعد نموذجًا مهمًا للحداثة الشعبية فى الوطن العربى، من خلال حالة فريدة مزجت فيها بين الفنانة المثقفة وأصالة بنت البلد والمرأة العصرية.

■ إلى أى مدى جسدت العلاقة بين الفن الجماهيرى والتحولات الاجتماعية والسياسية؟ 

- جسدت العلاقة بين الفن الجماهيرى والتحولات الاجتماعية والسياسية بدرجة كبيرة جدًا، من خلال جعل الفن مرآة للواقع، وأداة تعبير عن قضايا المجتمع بصورة فنية راقية جدًا بعيدًا عن المباشرة، أكدت من خلالها على أهمية وضرورة وجود موقف للفنان.

■ ما أبرز ملامح الحضور السياسى فى الأربعينيات والخمسينيات؟

- لم تكن تحية تسعى يومًا للقيام بدور سياسى من أجل «بروزة» اسمها كفنانة، بل قامت بكل الأدوار السياسية والاجتماعية بدافع وطنى، فى المقام الأول، سواء بمشاركتها فى النضال ضد الإنجليز، أو نقل السلاح، وقيامها بنقل خطابات سرية للمقاومة ضد الاحتلال ومساعدة الفدائيين، ودورها فى حركة «حدتو»، كذلك دعم الناشطة والمفكرة درية شفيق فى اعتصامها التاريخى للمطالبة بحقوق المرأة المصرية، ومشاركتها فى اللجنة التأسيسية للدستور فى الخمسينيات، أو حتى زيارة المعتصمات فى نقابة الصحفيين وتضامنها معهنّ، ودورها فى حرب أكتوبر.