السويد.. أنيس الرحمن: الثقافة فى مصر حيوية ومنفتحة وليست استعراضية
- أتعامل مع الكتابة على أنها حالة من حالات المعيشة ونقل التجارب
بالتزامن مع زيارته الأولى إلى القاهرة، وبدعوة من معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، يطل الشاعر السويدى البنغالى أنيس الرحمن، على الجمهور المصرى، عبر الترجمة العربية الأولى لديوانه «قصائد مختارة»، التى أنجزها الكاتب والمترجم الليبى، مأمون الزائدى، وقدم لها الشاعر والمترجم المصرى أسامة جاد.
تأتى هذه المشاركة فى لحظة ثقافية فارقة، إذ يتزامن صدور الديوان مع الذكرى المئوية لزيارة شاعر بنجلاديش الكبير، رابندرانات طاغور، الحائز جائزة نوبل للآداب، إلى مصر عام 1926 بدعوة من الملك فؤاد الأول، حيث كتب عن النيل، والتقى أمير الشعراء أحمد شوقى، وزار الإسكندرية والأهرامات، تاركًا أثرًا عميقًا فى الذاكرة الثقافية المشتركة بين مصر والهند.
واليوم، وبعد قرن من تلك الزيارة التاريخية، يأتى أنيس الرحمن ليواصل هذا الخيط الثقافى الممتد، مستحضرًا إرث طاغور، ومضيفًا إليه صوته الشعرى الخاص، فى لقاء أول مع القارئ العربى من قلب القاهرة
وأجرت «حرف» حوارًا مع أنيس عبدالرحمن حول إصداره الجديد وزيارته مصر، ورؤيته الواقع الثقافى الراهن.

■ ماذا عن الزيارة الأولى لك لمعرض القاهرة الدولى للكتاب؟
- لدىّ رغبة فى السير على خطى طاغور، فهو الأديب الذى منح الهوية الأدبية لبنجلاديش نظرًا لحصوله على جائزة نوبل. أيضًا كان طاغور قد زار مصر سنة ١٩٢٦ وقابل أمير الشعراء أحمد شوقى، لذا أردت اكتشاف الأماكن التى زارها طاغور عندما جاء لمصر كالنيل، وسأزور متحف أحمد شوقى والأهرامات.
فقد وجه إلىّ الشاعر أحمد الشهاوى، رئيس لجنة الشعر بالمعرض، الدعوة لزيارة المعرض، حيث أشارك فى أمسيتين من أمسياته الشعرية. وهذه هى المرة الأولى التى أزور فيها مصر والمعرض، وكانت لدىّ رغبة منذ فترة طويلة فى زيارة مصر؛ لما سمعته وقرأته عن حضارتها التى تمتد لآلاف السنين، فالمعرض نفسه يمثل حضارة مصر ذات التاريخ العريق. وفى كل يوم أجىء فيه إلى معرض أشعر بعراقة المكان ودفء الناس الذين يرحبون بى أكثر من الأماكن الباردة التى زرتها فى دول أخرى.
الثقافة ليست فقط فى الكتب، بل لها علاقة بالسلوك البشرى، وهو ما يتوافق مع رغبتى فى التعرف على البيئة أو النظام الثقافى فى مصر. بينما فى دول أخرى فكرة الثقافة قائمة على التسويق، وبالتالى معرض القاهرة للكتاب لا يقل عن أى من المعارض العالمية. وحرصت على التقاط عشرات الصور التى تعكس مدى الاحتفال والاحتفاء من زوار المعرض بالكتب، ما يعكس صورة المناخ الثقافى فى مصر، ويوثق كيفية تسويق الثقافة فى مصر مقارنة بدول أخرى، فهنا فى مصر الثقافة- كما رأيت- ليست منغلقة. فالعالم الذى نعيش فيه إمبريالى بشكل كبير، والثقافة هى وسيلة المقاومة فيه.

■ من خلال مشاهداتك.. هل هناك تشابه فى الثقافة بين مصر وبنجلاديش؟
- أعتبر نفسى شاعرًا يضع قدمًا فى بنجلاديش ويسير على خطى طاغور فى مصر، وقدمًا فى السويد على خطى هنريك إبسن، الذى اكتشفت من خلال البحث أنه كان واحدًا من المدعوين فى حفل قناة السويس ١٨٦٩ فى عهد الخديو إسماعيل، وبالتالى سأزور الإسماعيلية لأرى المكان الذى أقيم فيه هذا الحفل. ومن هنا أجمع بين اثنين من المؤثرين، طاغور الذى زار مصر ١٩٢٠، وإبسن الذى حضر حفل افتتاح قناة السويس. وسأزور الإسكندرية، أيضًا، التى كتب عنها طاغور، فهذه العراقة بالنسبة لى شديدة الأهمية، فهذه الأماكن لها حضور مميز عن مدن كبيرة كواشنطن، التى تعتبر حديثة بالنسبة للمدن المصرية. وحريص أيضًا على زيارة مكتبة الإسكندرية، فهى شاهدة على عصر المكتبة القديمة، التى كانت منارة للإشعاع الحضارى على مستوى العالم.
■ كيف تقيم الثقافة جسورًا بين الشعوب؟
- أتعامل مع الكتابة على أنها حالة من حالات المعيشة ونقل التجارب المختلفة. وبما أننى كنت أعيش فى بنجلاديش، فالتجارب الشرقية لدينا كثيرة، وكانت الكتابة قائمة عليها، إلا أن كل كتاب من كتبى يختلف عن الآخر، ولكل كتاب تجربة مختلفة. وعندما انتقلت إلى السويد فيما بعد، عشت فى مجتمع جديد وخبرات وصراعات جديدة وأسئلة جديدة، وطوال الوقت أتعامل مع الأدب على أنه عابر للثقافات، فالأدب يتعامل مع الحقيقة والجمال، وبالتالى وجدت الحقيقة والجمال فى الحضارة الإسكندنافية وحقيقة وجمال بنجلاديش، وقادر على التعايش مع الحضارتين. فهدف الأدب تحسين الحياة.
هناك اختلافات واضحة فى الثقافات بين السويد وبنجلاديش ومصر، مصر بلد ٧ آلاف سنة، بينما بنجلاديش أصغر بكثير فى هذه الناحية، بينما السويد حوالى ألف سنة وهى متطورة، ومستوى الرفاهية بها عالٍ، فاقتصادها قوى والمجتمع متحضر وشديد التنظيم والحياة آمنة. أما بنجلاديش، فقد كانت خاضعة للاستعمار البريطانى لمدة ٢٠٠ سنة، لدينا مئات الأنواع من الأسماك تُستخدم فى الصناعات اليدوية والتراثية، فضلًا عن العديد من أنواع الأرز. ويتميز المجتمع فى بنجلاديش بالترابط والتماسك، وتتمتع الطبيعة فى بنجلاديش بالخضرة، والشعب مرحب وودود، ومنفتح على شتى الاتجاهات والمذاهب والأفكار.
بعد الفترة الاستعمارية تغير المجتمع إلى الإيجابية، ودعينى أن أذكر لك أن الكاتب البريطانى سومرست موم كان قد زار بنجلاديش خلال الاستعمار الإنجليزى لها، وكتب عدة كتب عن الفظائع التى ارتكبها فى بنجلاديش، وبعد التحرر قام بزيارة جديدة إلى بنجلاديش وسأله التاج البريطانى عنها وعن انطباعه عن البلاد فى الزيارة الثانية، وكان هناك تصور أنه سيتحدث عن تاج محل أو المعالم الأثرية، لكنه نقل واقع الكد الذى يعيشه المواطن فى بنجلاديش، وقال: «هل رأيت أحدًا يعمل من الصباح للمساء فى الحقل لمجرد أن يوفر لقمة العيش؟»، ورأى «موم» أن هذا العمل أفضل من أى عمل فنى فى العالم. وكان هذا بداية الاعتذار من البريطانيين على ما فعلوه فى بنجلاديش، خاصة أن وجود البريطانيين فى بنجلاديش تسبب فى فساد المجتمع.
■ متى وكيف بدأت معرفتك بمصر؟
- منذ الصغر، ففى مراحل الدراسة الأولى كنا ندرس عن الأهرامات والنيل والحضارة المصرية القديمة والمصريين القدماء، ومن هذه المرحلة بدأ ظهور جيل من كتاب بنجلاديش مثل «سيد مصطفى على»، الذى كان طالبًا فى جامعة الأزهر سنة ١٩٣٤، وهو كاتب شهير ومهم جدًا فى بنجلاديش، ترجمت كتبه لكثير من اللغات، وهو من الكتاب المهمين فى أدب الرحلات، فقد كان رحّالة أيضًا، لديه الكثير من القصص عن المجتمع المصرى خلال الفترة التى درس فيها بالأزهر.
ومن الأمور التى ألهمتنى، أيضًا، لزيارة مصر، أن طاغور قد سبقنى إلى زيارتها التى بدأت خلال دراسته فى لندن، وسمع من الناس عن مصر والنيل، ومن هنا جاءت رحلته إلى مصر التى زار خلالها قناة السويس.
أيضًا سيد على زار مصر وهو فى طريقه إلى ألمانيا، وبمجرد رؤيته قناة السويس ترك السفينة التى تقله وذهب للقاهرة. كل هذه القصص أحملها بداخلى، ومنها تولّدت رغبتى فى المجىء لمصر. وأود أن أسجل رؤيتى عن المعرض، وأوكد أن ما لمسته خلال أيامى فى المعرض أن هناك اهتمامًا حقيقيًا بالثقافة، وليس استعراضًا. هذه الحقيقة لا يمكن الإمساك بها فى مجتمعات أخرى.







