الجمعة 06 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

عمر شهريار: أخيرًا.. وفيت بالدين لـ«صبرى موسى»

حرف

- استفاد من الصحافة بتهذيب لغته وخياله والسينما لم تستفد من إمكاناته كما يجب

- الثلاثى علاء الديب وصبرى موسى وعبدالحكيم قاسم لم يأخذوا حقهم

- جيران المثقفين فى الأرياف يعتبرونهم «مجانين» أو «كفارًا»!

- «الانفتاح» أزاح المثقف إلى خلفية المشهد وصدرت السماسرة وتجار الشنطة 

فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، يطلّ الناقد والشاعر عمر شهريار على القرّاء بعملين نقديين يفتحان أبوابًا واسعة للتأمل فى مسيرة الإبداع العربى، الأول يتناول تجربة المبدع الكبير الراحل صبرى موسى، الذى امتدت رحلته الإبداعية لأكثر من نصف قرن، متنقلًا بين الرواية والقصة وأدب الرحلات والكتابة السينمائية والصحفية، تاركًا بصمة فريدة فى المشهد الثقافى المصرى والعربى. 

ومن خلال كتابه الجديد «السيد فى حقل الأدب»، يسعى «شهريار» إلى إعادة تقديم صاحب «فساد الأمكنة» للأجيال الجديدة من القرّاء الذين لم يتعرفوا بعد على هذا الإرث الإبداعى. أما الكتاب الثانى، «موت المثقف»، فيتوقف عند تمثيلات الإنتلجنسيا فى السرد الروائى، وبخاصة فى أعمال الكاتب الكبير الراحل علاء الديب، متتبعًا التحولات التى أصابت صورة المثقف منذ منتصف خمسينيات القرن الماضى وصولًا إلى الحاضر. 

وبين استعادة منجز صبرى موسى، وتحليل تحولات المثقف فى نصوص علاء الديب، يفتح عمر شهريار فى حواره مع «حرف» نقاشًا ثريًا حول قضايا الثقافة والهوية ودور الأدب فى مواجهة أسئلة الزمن الراهن.

■ ما الجديد الذى تقدمه فى كتابك عن صبرى موسى؟

- الكتاب يحاول الإحاطة بعالم الكاتب الكبير الراحل صبرى موسى، أحد أكبر الأدباء العرب، وليس فقط جيل الستينيات فى مصر، رغم أنه لم يكتب فى فن الرواية سوى ثلاث روايات فقط، لكنه أنتج أيضًا عدة مجموعات قصصية، فضلًا عن عدة كتب فى أدب الرحلات، وكل كتاب فى هذه المجالات يعد علامة فى نوعه الأدبى. والكتاب يضم مجموعة من الدراسات لعدد من كبار الأكاديميين، منهم مثلًا الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة، والدكتورة هويدا صالح، والدكتور أحمد الصغير، والباحث مدحت صفوت، والدكتورة دعاء الحناوى، ودراسة لى، فضلًا عن عدة شهادات أدبية عن الكاتب الراحل كتبها أدباء كبار فى حجم كاتبنا الكبير إبراهيم عبدالمجيد والروائى الكبير أحمد أبوخنيجر. وكل دراسة حاولت مقاربة جانب أو عمل من أعمال الكاتب الراحل، بما يمنح الكتاب قدرًا كبيرًا من التنوع والشمول فى مقاربة عالمه الإبداعى، فضلًا عن الشهادات التى تناولته هو نفسه إنسانًا ومبدعًا.

■ ماذا عن معارضة عنوانك لواحدة من أبرز رواياته.. وهل له علاقة بتغول الذكاء الاصطناعى على البشر؟

- لم أفكر فى العنوان بوصفه معارضة، لكن اعتبرته نوعًا من التحية، من خلال اشتقاق العنوان من عنوان روايته الشهيرة «السيد من حقل السبانخ»، ليشير عنوان كتابى إلى صبرى موسى مباشرة، حتى لو حذفنا اسمه من فوق الكتاب، واكتفينا بـ«السيد فى حقل الأدب»، فإن القارئ الفطن سيعرف أن هذا الكتاب له علاقة بصبرى موسى. وهناك جانب آخر هو أن يكون العنوان جاذبًا للقارئ، وأتمنى أن أكون وفقت فى الجانبين: تحية صبرى موسى، وجاذبية العنوان.

■ لماذا صبرى موسى دون غيره..وهل ربطتك به علاقة ما سواءً مباشرة أو عبر إبداعه؟

- فى الحقيقة لم يسعدنى الحظ بلقائه، خصوصًا أن السنوات الأخيرة من حياته كان مريضًا، لكن علاقة الناقد بالمبدع ربما تكون أقوى من أى تواصل إنسانى مباشر، فعلاقتى قوية وراسخة بإبداعه، فأنا منحاز بقوة لثلاثة من جيل الستينيات، وأرى أنهم لم يأخذوا مقدار ما يستحقه إبداعهم العظيم، وهم: علاء الديب، وصبرى موسى، وعبدالحكيم قاسم.

 وقد وفيت بعضًا من دينى لإبداع الديب وموسى، بأن أصدرت كتابًا عن كل منهما هذا العام، وأتمنى فى السنوات المقبلة أن أصدر كتابًا عن عبدالحكيم قاسم، كى أنتقل بعده إلى واحد من عظماء السرد المغبونين فى جيل السبعينيات، وأعنى الروائى الراحل الكبير محمد ناجى، صاحب الدرر الروائية.

هذه هى انحيازاتى بشكل واضح، ولعلمك النقد يبقى دائمًا فعل انحياز، المهم أن يكون انحيازًا جماليًا وليس لأسباب نفعية أو شللية، وأنا هنا أنحاز للهامش، هامش جيل الستينيات والسبعينيات، الذين لم أر أحدًا منهم أبدًا وجهًا لوجه، لكننى قرأت إبداعهم وفتننى، وعلينا دائمًا أن نعيد تقليب التربة وحرث الأرض، حتى لا يظل المدفون مدفونًا، ولا يظل الظاهر على السطح متسيدًا.

■ ماذا عن خصوصية كتاباته فى أدب الرحلات.. ولماذا هذا الجانب من إبداعه يكاد لا يعرفه الكثيرون؟

- للأسف دراسات الكتاب لم تتناول هذا الجانب، واكتفت بالقصة والرواية، لكن كتبه فى أدب الرحلات بالتأكيد تستحق الدرس والقراءة، ولعل عدم تقديرها بالشكل الكافى فى كثير مما كتب عن صبرى موسى، يرجع إلى الالتزام الضيق بحدود النوع الأدبى من قصة ورواية، الذى خنق النقاد لسنوات طوال، أو حبسوا أنفسهم فيه، مكتفين بقراء الأنواع السائدة، دون التفات كبير لأنواع أدبية أخرى.

■ إلى أى مدى أثر عمل صبرى موسى بالصحافة على إبداعه خاصة «حادث النصف متر»؟

- الجمع بين الصحافة والأدب مشكلة مؤرقة لكثير من الأدباء، وأحيانًا يكون جانبًا مضيئًا لأدباء كثيرين أيضًا، فالعبرة ألا تلتهم الصحافة وقتهم من جهة، وألا تقتل جماليات اللغة عندهم من جهة أخرى، فالفارق شاسع بين لغة الصحافة بطابعها المباشر الذى يوصل المعلومة بأقصر الطرق وأكثرها سلاسة لقارئ مستريح، وبين لغة الأدب التى يجب أن تخاصم هذه الطرق المباشرة، وتكون غير معنية بجانب التوصيل بقدر اعتنائها بالجانب البلاغى والجمالى. لكن الصحافة لها جانب إيجابى، وهى أنها تدرب الأديب على الكتابة اليومية، والاختصار والتكثيف، فضلًا عن أنها تمنحه فرصة لرؤية كثير من المسكوت عنه فى المجتمع. ووفق هذا أستطيع أن أقول إن صبرى موسى أفاد من إيجابيات الصحافة، وتلافى سلبياتها على الأدب واللغة، ويتجلى هذا فى رائعته «فساد الأمكنة» بلغتها الفذة، وقد بدأها أصلًا كرحلة صحفية لكتابة عدة موضوعات لمجلته، لكنها تحولت على يديه إلى عمل إبداعى استثنائى.

 ■ أشرت إلى أن الكتاب جمع أكبر عدد من النقاد والمبدعين.. لتقديم رؤية شبه كلية عن صبرى موسى.. هلا شاركتنا هذه الرؤية؟

- أقصد بشبه كلية محاولة قراءة معظم أعماله الإبداعية، من جوانب مختلفة، وليس من جانب واحد، ودون التركيز على عمل معين، أو نوع واحد، فلم نقتصر على قصصه فقط، ولا رواياته فقط، بل محاولة للإحاطة بعالمه الواسعة الثرى، لكن الكتاب يفتقد لدراسة أدب الرحلات لديه، لذا فالدراسة ليست كلية ولا شاملة، بل شبه شاملة.

■ لفت إلى أن عالم صبرى موسى الإبداعى ما زال بحاجة إلى اكتشاف.. ما الذى لم يكتشف فى عوالمه بعد؟ وألا يعد هذا جورًا على المشهد الثقافى الراهن؟ بمعنى آخر لماذا البحث عن من نال حظوظه بينما هناك من لم يلتفت إليه أحد فى الوقت الراهن؟

- هذه المقارنة بين الماضى والحاضر، والتى تثار دائمًا، ليست فى محلها، فدراسة أعمال رموزنا الأدبية ليست على حساب الأدباء الحاليين، كما يتصور البعض، والعكس أيضًا، بل هناك دائمًا مراوحة، فأنا مثلًا أصدرت كتابين عن أديبين راحلين، لكننى كتبت عشرات الدراسات والمقالات عن أدباء أصدقاء من كل الأجيال، وأحيانًا يكون العمل الأول لكاتب أو كاتبة شابة، هذه المقالات ربما لو جمعتها تصنع عدة كتب. لا أحد يجور على أحد، والحاضر لا يجب الماضى، ولا الماضى يمنع الحاضر. وفى النهاية أنا وجيلى سنموت أيضًا، وسيسعدنى وقتها أن يكتب أحد عن أعمالى فى غيابى، كما يسعدنى تمامًا ما يكتب عنها فى حياتى، ففى النهاية العمل الأدبى له حياته الخاصة بعيدًا عن حياة صاحبه، وهناك أعمال تموت وصاحبها حى، وأعمال تظل حية رغم موت صاحبها.

■ لو دعوت قراء اليوم للتعرف على تجربة صبرى موسى الإبداعية.. فماذا ترشح لهم؟

- ادعوهم لقراءة روايته البديعة «السيد من حقل السبانخ» فهى رواية عن المستقبل تناسب الأجيال الجديدة المفتونة بالتكنولوجيا، وكان فيها سباقًا وصاحب بصيرة استثنائية فى تخيل شكل الحياة بعد سنوات بعيدة. ثم يقرأون روايته البديعة الرهيفة «حادثة النصف متر»، فهى على قصرها رواية فاتنة وفيها روح رومانتيكية بالغة، فضلًا عن جرعة تنويرية عالية، وتصورات تقدمية جدًا عن المرأة والنظرة لها.

وبعد ذلك، يقرأون درته الفريدة «فساد الأمكنة»، إحدى أجمل الروايات فى تاريخ الرواية العربية، ربما تكون صعبة قليلًا على البدء بها، خاصة للأجيال الجديدة، لكن من يقرأها سيقع فى عشقها. هذا طبعًا على مستوى الروايات، أما القصص فكل مجموعاته القصصية ممتعة وتستحق القراءة، ويمكن قراءتها قبل هذه الروايات أو خلالها أو بعدها. وأقول للقراء الشباب: من لم يقرأ أعمال صبرى موسى يحرم نفسه من متعة صافية وهائلة تنتظره بين سطور هذه الأعمال.

■ تشارك بالمعرض أيضًا بكتابك «موت المثقف».. أى مثقف تقصد؟ ولماذا أعلنت موته.. وهل تغيرت أدواره حاليًا عما كانت من قبل؟

- نتحدث عن المثقف ابن الطبقة المتوسطة، الطامح إلى تغيير عالمه، الذى يعود مهزومًا بفعل أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة ومعقدة، ليصيبه اليأس أو الكفر بالتغيير وبإمكانية التقدم، وأحيانًا يتحول هو نفسه إلى ممارسة فساد مقنع، بالتخلى عن دوره فى توعية الجمهور وقيادتهم، وأحيانًا تبعده السلطات، وتقصيه، فيتحول إلى مريض نفسى، أو سجين يأسه وعدميته، أو سجين بالمعنى المادى داخل أسوار السجون. 

وفى الأحوال كافة، يكون غير موجود، أو غير فاعل، بما يعنى موته رمزيًا، فالمثقف ليس قراءة وإنتاج كتب فقط، بل بالإساس قيادة حلم عام نحو التقدم والحرية والديمقرطية والرخاء والعدالة، وإذا لم يكن فاعلًا فى تحقيق هذه القيم، فإنه حياته وموته سواءً.

■ ما المراحل الفارقة التى مر بها المثقف المصرى خاصة فى القرن الـ٢١؟

- هذا بالضبط ما عاينته روايات علاء الديب برهافة بالغة ووعى عميق، بدءًا من مرحلة الخمسينيات والستينيات بخطابها السياسى الشمولى الذى يقصى المختلفين معه، مرورًا بهزيمة ١٩٦٧ التى كانت جرحًا غائرًا فى قلب الوطن، وبالطبع المثقف صاحب الطموحات والأحلام القومية الكبرى، ثم مرحلة الانفتاح التى أزاحت المثقف إلى خلفية المشهد فى مقابل تصدر فئة السماسرة وتجار الشنطة والمستوردين، فأصبح على المثقف هو الآخر أن يتحول إلى سمسار أفكار أو يموت جوعًا، فقد كان هذا هو شعار المرحلة، فضلًا عن مرحلة السفر إلى الخليج والابتعاد عن الوطن والعودة إليه بقيم جديدة.

أما المرحلة الأخيرة التى تناولها فى رواياته فكانت حرب الخليج التى قضت على ما تبقى من وجود للمثقف، الذى أصبح يعانى لمجرد تأمين قوت يومه، والإنفاق على أسرته، وأصبح غير مرغوب فيه من المجتمع الذى تدعشن ومن السلطة التى لا تريد جدالًا أو صوتًا مختلفًا.

■ لماذ تخلى المثقف عن قيادة الجماهير.. وهل كان تخليًا طوعيًا أم كرهًا؟

- ربما يتخلى البعض طواعية، وهذا طبيعى، لكن فى الأغلب الأعم كان كرهًا، إبعادًا، ونبذًا. دور المثقف الحقيقى هو أن يقول الكلام الذى لا يجرؤ أحد على قوله، أن يقلق راحة السلطة الاجتماعية والسياسية والدينية، أن يناوئ الخطاب العام، ولا يسير مع القطيع، وهذا صعب فى مجتمعات منغلقة، وخصوصًا فى دول العالم الثالث، لا السلطة تريد هذا ولا المجتمع، والجميع سيعتبرونه مجنونًا أو مارقًا، وسيتحالف كل الخصوم لإبعاد المثقف ونبذه، بل ووصمه اجتماعيًا وأخلاقيًا، ليظل حبيس مشكلاته والدفاع عن نفسه، والشك فى نفسه أحيانًا، وبذلك يستريح الجميع من هذا الكائن المزعج بعد إخصائه.

■ أشرت إلى أن انهزام المثقف أمام التحولات المجتمعية أدى لاغترابه عن نفسه والعالم.. أليس المفترض فى المثقف أن يكون حائط صد أمام هذه التحولات؟ وكيف ينهزم؟

- ينهزم لأنه فى النهاية إنسان، له قدرات وحدود جسدية وعقلية ونفسية، والمسافة شاسعة بين المفروض والحاصل فى الواقع. ولنضرب أمثلة من الواقع، بعض المثقفين العلمانيين الذين يعيشون فى أرياف المحافظات، ينظر لهم جيرانهم وربما أهلهم وإخوتهم بوصفهم مجانين أو كفارًا، وفى الأقل «الكتب أكلت دماغهم»، لمجرد أنهم يتحدثون عن حقوق المرأة أو حقوق المختلفين، دينيًا أو عرقيًا، أو عن إعمال العقل. التخلف أصبح هو القائد والمتسيد والمنتشر، ويقصى وينبذ كل طاقة للتفكير الحر والنقدى، وينبذ كل دعوة للمساواة والحرية والديمقراطية.

■ خاض صبرى موسى تجربة مميزة كسيناريست سينمائى.. كيف تراها؟

- صبرى موسى كان متنوع الإنتاج، ولم يتوقف عند جانب واحد، فمن الصحافة لأدب الرحلات، ومن القصة للرواية، ومن ضمن هذا التنوع أنه كان سيناريست بارعًا، ويكفى النظر إلى فيلم «البوسطجى» الذى كتب له السيناريو والحوار، لكن للأسف السينما بشكل عام لم تستفد منه ومن إمكاناته ومواهبه كما يجب.