اختطاف الإسلام.. الباحث المغربى صابر مولاى: الإسلام مُختطف من جماعات تحتفى بالموت
- الجماعات نصّبت نفسها وصيّة على الدين واعتقدت أنها وحدها تملك الفهم الصحيح
- «الإسلام السياسى» حوّل الدين من «حل» إلى «مشكلة»
- «الإسلام السياسى» حوّل الدين من دعوة كونية لتحرير الإنسان إلى أداة صراع على السلطة
- الإسلام يدعو لنتحرر من إرث ماضى الآباء والأجداد وننظر إلى الغد القريب والبعيد
- تم تغييب مقاصد الشريعة الكبرى القائمة على حفظ النفس والعقل
- الإسلام لا يوجد فى الماضى على الإطلاق فقط لنستورده منه
فى كتابه «هل اختطف التاريخ الإسلام؟.. إسلامات تبتعد عن الإسلام»، الصادر قبل أيام عن دار التنوير للنشر، يذهب مؤلفه الباحث المغربى، د. صابر مولاى أحمد، إلى أن الإسلام يأخذ كينونته من قيمة السلم والسلام والأمن والأمان والرحمة، كقاعدة أساسية فى بسط مقصد التعارف بين الشعوب.
ويرى أنه منذ ظهور الجماعات الدينية المتشددة اختطف الإسلام من هذه الجماعات التى احتكرت تفسير القرآن وفهمه، مستنسخة التفسيرات الماضوية، وتقاتل من أجل صورة ذهنية مثالية عن أناس عاشوا قبل آلاف السنين فسروا القرآن براهن زمنهم وأدواته وسياقاته، وتنغلق على الفهم السلفى وتحارب كل محاولات الاجتهاد بأدوات الحاضر والمستقبل حتى إنها تكفر وتحل دماء من يقدم هذه الاجتهادات.
حول تسييس الدين منذ اجتماع سقيفة بنى ساعدة والتى ما زالت تلقى بظلالها حتى لحظتنا الراهنة، وعن أدلجة الفقه التى أعاقت الاجتهاد، والأزمات التى يعيشها المسلم اليوم وتحويل التاريخ إلى مقدس، والمرويات التى حطت من شأن المرأة على النقيض من الرؤية القرآنية لها وغيرها.. أجرت «حرف» مع صابر مولاى أحمد الحوار التالى.

■ متى بدأ اختطاف التاريخ للإسلامَ؟ وكيف حدث هذا؟ ولمصلحة من؟
- سؤالك هذا يصب فى موضوع كتابى الصادر قبل أيام عن دار التنوير ببيروت، تحت عنوان «هل التاريخ اختطف الإسلام؟ إسلامات تبتعد عن الإسلام».. الإجابة عن هذا السؤال تتطلب وقتًا طويلًا وحفرًا معرفيًا فى قضايا ومُسلّمات معرفية وثقافية غلّب أصحابها الشكل على المضمون، واحتفوا بالقشور والظاهر على حساب الجوهر، وانحصروا فى كل ما هو تاريخى على حساب ما هو إنسانى وكونى وعالمى على امتداد التاريخ الإسلامى.
وإذا شئنا تقديم جواب فى سياق الزمن الذى نحياه اليوم؛ إن اختطاف الإسلام -باعتباره منظومة قيم وأخلاق تُعلى من شأن السلام والرحمة والعقل والنظر- بدأ فعليًا مع ظهور الجماعات الدينية المتشددة التى تحتفى بما هو تاريخى دون وعى معرفى بأحداث التاريخ ووقائعه، وتحصر فهم الإسلام فى الماضى بمعزل عن الحاضر والمستقبل.
وهى بهذا النهج تُقدم «دعوة ماضوية» تكتفى بإسقاط الماضى على الحاضر؛ ليتم بذلك اختطاف الإسلام من كونه رسالة تحتفى بالمستقبل وبالوعى بمتطلبات العصر، وتحويله إلى أيديولوجيا منغلقة تحتفى بالأموات والموت، بدلًا من الاحتفاء بالحياة والعلم والمعرفة والنظر.
هذه الجماعات نصّبت نفسها وصيّة على الدين، واعتقدت أنها وحدها تملك الفهم الصحيح، وراحت تنعت كل من يخالفها بالخروج عن الملة أو بفساد العقيدة، ولم تتوقف عند هذا الحد، بل بادرت بالعنف والقتال وسفك دماء المخالفين لها. إن هذا الاختطاف التاريخى للإسلام لم يكن وليد صدفة عابرة، بل كان نتيجة لعملية تسييس الدين؛ حيث جرى تحويل الدين من رسالة روحية إنسانية شاملة إلى مجرد أداة حشد تخدم أجندات فئوية ضيقة.
وفى هذا المسار، تم تغييب مقاصد الشريعة الكبرى القائمة على حفظ النفس والعقل، واسْتُبدلت بقراءات حرفية جامدة تبرير الإقصاء والعنف متوهمة أنها تحفظ الاسلام. ولا يصب هذا التشويه إلا فى مصلحة ثلاث قوى: القوى المتطرفة التى تقتات على غياب النقد العقلى والتسليم المطلق لـ«المرشد» أو «الزعيم»، وأعداء الحضارة الذين يستفيدون من تشويه صورة الإسلام وتقديمه للعالم كدين إرهاب وانغلاق؛ ما يسهل عزل المجتمعات المسلمة وإضعاف دورها الحضارى، وأخيرًا تجار الأزمات الذين يقتاتون على الصراعات المذهبية والطائفية لضمان بقاء الشعوب فى حالة استقطاب دائم يمنعها من التنمية والبناء.
الإسلام لا يوجد فى الماضى على الإطلاق فقط، لنستورده منه، بل يوجد فى الحاضر ويوجد فى المستقبل، الإسلام واحد من جهة النص المؤسس القرآن الكريم، ومتعدد التجارب بالنظر للتاريخ والحاضر والمستقبل، أهم شىء يؤكد عليه الإسلام هو أن الدعوة لنتحرر من إرث ماضى الآباء والأجداد وننظر إلى الغد القريب والبعيد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾(الحشر: ١٨) والغد هنا تعود على الدنيا والآخرة، أى نحن مطالبون بإسلام العصر وليس إسلام الماضى والتاريخ. وبناءً عليه؛ فإن استعادة الإسلام المختطف لا تكون إلا بالعودة إلى روح القرآن، وإحياء دور العقل، والاعتراف بأن التعددية الدينية والثقافية وهى سنة كونية، فجوهر الدين يدور فى مدار المعاملة والأخلاق، لا مجرد الشعارات والمظاهر الفارغة من المحتوى الإنسانى.
■ ماذا قصدت بـ«إسلامات تبتعد عن الإسلام»؟ وهل هناك إسلامات غير الإسلام الذى ندين به؟
- المقصود بعبارة «إسلامات تبتعد عن الإسلام» هى تلك القراءات المنغلقة التى أنتجتها الجماعات المتشددة، حيث ابتغت لنفسها فهمًا بشريًا ضيقًا ورفعته إلى مصاف المقدس.
إننا هنا أمام مفارقة، فهناك «الإسلام الرسالى» الواحد بجوهره، وقيمه، ومقاصده الكونية، وفى مقابل ذلك ظهرت «إسلامات» متعددة هى فى حقيقتها «تأويلات أيديولوجية» لخدمة مصالح ظرفية. صحيحٌ أنَّ الإسلام الذى ندين به هو رسالة سماوية واحدة تدعو للرحمة والعدل وتحكيم العقل؛ إلا أنَّ هناك «إسلاماتٍ» مفارقة لروح الإسلام، خاصة حين يوظف أصحابها العنف الرمزى أو اللفظى أو الجسدى من أجل إكراه الناس على اتباع فهمهم الخاص، كما حدث بشكل سيئ مع تنظيم القاعدة أو داعش..

■ دعنى أعيد عليك ما طرحته فى أحد فصول الكتاب.. هل تم اختزال الإسلام فى تاريخه؟
- تطرح هذه الإشكالية تساؤلًا جوهريًا حول الخلط بين الإسلام كرسالة متعالية ومنظومة قيم مطلقة، وبين تاريخ المسلمين بوصفه تجربة بشرية خاضعة للخطأ والصواب والظروف السياسية والاجتماعية. فالاختزال يحدث عندما يتم استدعاء الماضى بكل صراعاته واجتهاداته البشرية ليصبح هو المرجعية الوحيدة للتدين، ما يؤدى إلى تجميد الفكر الدينى وحصره فى قوالب تاريخية معينة بدلًا من استنطاق مقاصد الوحى لمواكبة المتغيرات. إن تحويل التاريخ إلى مقدس يجعل من الصعب التمييز بين ما هو إلهى ثابت وبين ما هو اجتهاد بشرى متغير، مما يفرض ضرورة فك هذا الارتباط لاستعادة حيوية الإسلام كمنهج قادر على العطاء فى كل عصر بعيدًا عن أسر الماضى.
■ لماذا يتم التعامل مع التاريخ الإسلامى على أنه الإسلام كدين وليس تاريخًا بشريًا؟
- يعود التعامل مع التاريخ الإسلامى بوصفه «الدين» ذاته إلى تداخل الشرعية السياسية مع السلطة الدينية عبر القرون، حيث سعت قوى سياسية عديدة لإضفاء صفة القداسة على أفعالها واجتهاداتها ضمانًا للولاء، ما جعل نقد التاريخ يبدو وكأنه نقد للعقيدة.
كما ساهم منهج التقليد فى ترسيخ فكرة أن فهم السلف للنص هو «الفهم الوحيد الصحيح»، فتحولت التفسيرات البشرية والممارسات التاريخية إلى «سياج مذهبى» يحيط بالدين.
وهذا الخلط ناتجٌ أيضًا عن الرغبة فى البحث عن هوية جامعة فى مواجهة التحديات الخارجية، ما يدفع الكثيرين للاستناد إلى التاريخ كمرجعية مطلقة وملجأ روحى، ذاهلين عن كون التاريخ مختبرًا للتجربة البشرية وليس وحيًا منزلًا. لقد أدى هذا المسار إلى «أدلجة الفقه»، فاستُدعيت النصوص الدينية لخدمة صراعات السلطة، مما جعل «تاريخ المذهب» هو المرجعية التى يُفسر من خلالها القرآن والسنة، لا العكس. وبمرور الزمن، تراكمت هذه الاجتهادات البشرية لتشكل عائقًا يمنع العقل من العودة المباشرة إلى «الوحى» بعيدًا عن ضغوط الانحيازات المذهبية القديمة.
إن استعادة جوهر الإسلام تتطلب اليوم «تحليل المذهبية التاريخية» وقراءتها قراءة معرفية ينتج عنها حالة من التطوير والتجديد فى المذهب، المسألة هنا ليست مسألة قطيعة مع المذهب، بقدر ما هى عملية تفكير ونظر واستيعاب وتجاوز، إذ ليس من المعقول البقاء على المذهب كما هو، وهذه مسألة لا تتحقق إلا بالاعتراف أن تلك المذاهب كانت محاولات بشرية جليلة لفهم الدين فى سياقها، لكنها ليست هى الدين فى إطلاقه وعموميته.
■ فى نفس الكتاب أشرت إلى أن مفردة الإسلام فى القرآن تدور فى مدار الرفع من قيمة السلام والأمن والرحمة.. فى رأيك هل انحرفت تلك المفردة عن معناها؟
- بالنظر إلى الزمن الحاضر، نجد أن مفردة «الإسلام» قد انحرفت عن مدارها القرآنى القائم على السكينة والسلم والرحمة، لتغدو مرادفًا للصراع والترهيب؛ وذلك حينما نُزعت من حقلها الأخلاقى والوجودى لتُقحم فى حقل «الأيديولوجيا السياسية». وقد بدأ هذا التحول تاريخيًا مع بروز حركات الإسلام السياسى والجماعات الراديكالية التى أعادت تأويل المصطلحات القرآنية لتخدم مشروع «المواجهة» بدلًا من «التعارف»، فاستبدلت قيم السلام بمفاهيم الحاكمية والصدام الحتمى.
كما أسهم السياق الدولى المعاصر، وما رافقه من استغلال سياسى وتغطية إعلامية نمطية، فى تكريس هذه الصورة الذهنية المشوهة؛ إذ اختُزل الدين فى ممارسات فئات معزولة جعلت من العنف وسيلة لتحقيق مآرب دنيوية، متجاهلةً أن الأصل الاشتقاقى والدلالى للمفردة ينطلق من «السلم» الذى هو نقيض الخوف، ومن «التسليم» الذى هو غاية الطمأنينة الروحية.

■ قلت «ينبغى على الشباب أن يحتاط من دعوى تجار بائعى التذاكر للسفر نحو الماضى والهروب من الحاضر».. من قصدت بـ«بائعى التذاكر» وإلى أى مدى ساهموا فيما آل إليه حال المسلمين اليوم خاصة منطقة الشرق الأوسط؟
- أقصد بـ«بائعى التذاكر» تلك التيارات والمنظومات التى تروج لـ«أوهام الخلاص» عبر العودة الميكانيكية إلى الماضى، موهمةً الشباب بأن حلول معضلات الحاضر المعقدة تكمن فى استنساخ تجارب تاريخية بائدة، وكأن التاريخ «حافلة» يمكن استقلالها للهروب من استحقاقات العصر.
هؤلاء ساهموا بشكل كارثى فيما آل إليه حال المسلمين، خاصة فى الشرق الأوسط، من خلال تعطيل العقل النقدى واستبداله بـ«الذاكرة الانتقائية» التى تضخم الأمجاد وتتجاهل الإخفاقات؛ ما أدى إلى نشوء أجيال تعيش قطيعة مع واقعها، وتستنزف طاقاتها فى صراعات الهوية والمعارك المذهبية بدلًا من الانخراط فى بناء الحضارة والعلم.
لقد حولوا الدين من «قوة دافعة» نحو المستقبل إلى «قيد» يشد نحو الوراء، ما جعل المجتمعات المسلمة تقف موقف المتفرج من التحولات الكونية، غارقة فى استعادة «تذاكر» رحلة لن تقلع أبدًا، لأن سنن الاستخلاف تقتضى صناعة التاريخ لا استهلاكه.

■ فيما يتعلق بالاجتهاد بين الأمس واليوم.. هل ترى أن الإسلام يعانى أزمة فكر أم خطاب؟ وكيف ذلك؟
- الأزمة التى يواجهها الفكر الإسلامى المعاصر فى مسألة الاجتهاد هى أزمة مركبة تجمع بين سؤال المنهج، وارتباك الخطاب، وهى ناتجة فى جوهرها عن اختلال العلاقة مع التاريخ. فعلى مستوى الفكر، يعانى العقل المسلم من التمركز حول الماضي؛ حيث تحول الاجتهاد من كونه عملية عقلية حية لاستنباط الحلول لواقع متغير، إلى مجرد استعادة لاجتهادات سابقة قيلت فى سياقات زمنية ومكانية مغايرة تمامًا، ما أدى إلى غياب الوعى بالتاريخ وتحوله إلى مقدس موازٍ للوحى. إذ من الصعب اليوم مثلًا، الخروج عن إطار التقعيد الفقهى الذى قال به الشافعى فى كتابه الرسالة، فيما يخص علم أصول الفقه.
فهذا الإطار عبر القرون تحول من منهج فهم إلى سلطة معرفية؛ حيث صار الخروج على الرسالة يُنظر إليه وكأنه خروج على انضباط الاستنباط الفقهى ذاته.
وهذا هو جوهر أزمة الفكر التى نتحدث عنها؛ إذ استحال الوسيلة التى هى أصول الفقه إلى «غاية» فى ذاتها، مما أعاق قدرة العقل المسلم على توليد أدوات معرفية جديدة تستوعب علوم العصر الحديثة «مثل الألسنيات، السوسيولوجيا، والتأويلية» لفك ارتهان النص باللحظة التاريخية التى قُعّدت فيها تلك الأصول.
أما على مستوى الخطاب، فقد وقع فى فخ الأدلجة السياسية التى سحبت المفاهيم القرآنية الكونية من مدارها الأخلاقى والرحمانى إلى مدارات الصراع والهوية الضيقة، فأصبح الخطاب موجهًا لحماية الأسوار المذهبية بدلًا من مخاطبة الإنسان كإنسان.
إن الأزمة تكمن فى أننا نحاول الإجابة على أسئلة الحاضر المعقدة بأجوبة الماضى الجاهزة، وهو ما تسبب فى هذا الفصام الذى يجعل المسلم يستهلك أدوات العصر الحديثة بعقلية محبوسة فى أطر القرون الخوالى، ولن يصلح حال الاجتهاد إلا بفك الارتباط بين جوهر الدين الثابت وبين التدين التاريخى المتغير، ليعود الوحى مرجعًا للهداية لا قيدًا يمنع الحركة.
■ هل نحن مُطالَبون بتفسير القرآن تفسيرًا جديدًا بما يلاءم تغيرات العصر وطبيعة قضاياه؟
- إننا اليوم، وأكثر من أى وقت مضى، مطالبون بـ«قراءة معرفية متجددة» للقرآن الكريم، تتجاوز حدود «التفسير التقليدى» الذى استنفد أغراضه فى سياقاته التاريخية. فالقرآن بوصفه نصًا متعاليًا وخالدًا لا يمكن حصر معانيه فى فهم بشرى لزمن معين.
التغيرات الكونية والقضايا المعاصرة، من حقوق الإنسان، والحريات، والعدالة الاجتماعية، إلى الأخلاقيات العلمية والتقنية، تفرض علينا الانتقال من «تفسير الألفاظ» إلى «استنطاق المقاصد»، ومن «القراءة التجزيئية» التى تقف عند أسباب النزول التاريخية، إلى «القراءة النسقية» التى ترى فى القرآن وحدة موضوعية تخاطب الإنسان فى كل عصر.
المطلوب ليس «تطويع» النص ليلائم العصر، بل «تحرير» العقل من إسقاطات الماضى وتراكمات «الإسلام التاريخى» للعودة إلى جوهر الرسالة. فالقرآن معين لا ينضب، وكل جيل ملزم بالبحث عن نوره الخاص الذى يضىء له عتمات حاضره، وهو ما يقتضى اجتهادًا جريئًا يسعى إلى «قراءة داخلية» للقرآن تربط بين سنن الوحى وسنن الكون، ويستخدمً أدوات معرفية حديثة فى اللسانيات والاجتماع، ليجعل من القرآن الكريم هاديًا حقيقيًا يفكك إشكالات المختبر العلمى وأزمات الهوية الثقافية، ويقدم نموذجًا أخلاقيًا قادرًا على صياغة دبلوماسية حضارية تعيد للامة دورها فى الشهود على العصر، وتؤكد أن القرآن لا يمنح أسراره إلا لمن يقبل عليه بأسئلة زمانه وهموم مجتمعه الراهنة.

■ أين موقع المرأة بين فقه المرويات ومقاصد القرآن؟
- تتجلى مفارقة موقع المرأة فى الفكر الإسلامى عند المقارنة بين «فقه المرويات»، الذى تشكل فى بيئات «سوسيو-ثقافية تاريخية»، ومقاصد القرآن الكلية. فبينما نجد أن فقه المرويات قد تأثر فى كثير من جوانبه بالثقافة الأبوية السائدة فى عصور التدوين، ما أدى إلى حصر المرأة فى أدوار نمطية، وتأطير حقوقها بمنطقى «الولاية» و«التبعية»، تنطلق مقاصد القرآن من مبدأ «الوحدة الإنسانية» والمساواة فى أصل الاستخلاف.
القرآن الكريم يخاطب الذكر والأنثى بوصفهما كيانًا واحدًا فى التكليف والجزاء والمسئولية الحضارية، والمقاصد القرآنية تدور حول العدل والكرامة المتأصلة لكل إنسان. هذا التعارض يفرض علينا اليوم ضرورة الانتقال من القراءات الفقهية التى «أنسنت» «بمعنى صبغت بصبغة بشرية تاريخية» مكانة المرأة وحولتها إلى مرتبة أدنى، نحو استلهام الروح المقاصدية التى تجعل من التقوى والعمل الصالح معيار التفاضل الوحيد.
تحرير موقع المرأة يتطلب تفكيك التفسيرات التى استندت إلى مرويات ظرفية، والعودة إلى النص القرآنى الذى رفع من شأنها وجعلها شريكة كاملة فى بناء المجتمع ومواجهة تحديات الوجود، بعيدًا عن إكراهات التاريخ التى اختزلت دورها فى مدارات ضيقة.

■ لماذا صارت المرأة هى الشغل الشاغل لدعاة اليوم؟
- صارت المرأة الشغل الشاغل لأنها تمثل الحلقة الأضعف والأقوى فى آنٍ واحد داخل بنية الهوية التقليدية، وداخل بنية مدعى الحداثة. يرى الدعاة التحكم فى وضعها وسيلة للحفاظ على آخر معاقل الخصوصية الثقافية فى مواجهة العولمة. وهذا التمركز حول المرأة هو فى الحقيقة نتاجٌ لأزمة فكر، عجزت عن تقديم إجابات فى السياسة والاقتصاد والعلوم، فاستعاضت عن ذلك بالانكفاء على قضايا الأسرة والجسد لتثبيت سلطتها الرمزية، ذاهلةً عن الآيات الكونية التى ترفع من شأن الإنسان بوصفه كائنًا مكرمًا بقطع النظر عن جنسه، كقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ» (الإسراء: ٧٠).
النقد المزدوج يكشف عن مأزق الإنسان فى العصر الحديث. فبينما يحاول الخطاب الدعوى التقليدى حبس المرأة فى قوالب التاريخ بدعوى حماية الهوية، نجد أن النموذج الحداثى الغربى المادى قد سقط بدوره فى فخ «التشيىء»، حيث تحولت المرأة من كائن مكرم إلى أداة استهلاكية خاضعة لمنطق السوق وقوانين الفرجة. أعطاب الحداثة لا تقل خطورة عن جمود التقليد؛ فكلاهما يشتركان فى نزع القداسة عن الروح الإنسانية، واختزالها فى أبعاد مادية محضة، سواء أكانت تلك الأبعاد هى «العورة» التى يجب حجبها فى الفكر التقليدى، أم «الجسد» الذى يجب عرضه فى الفكر الاستهلاكى.
لذا، فإن المخرج من هذا الفصام يكمن فى العودة إلى «أنثروبولوجيا قرآنية» تعيد الاعتبار للإنسان فى كليته «روحًا وجسدًا وعقلًا»؛ وهى رؤية لا تقبل باختزال المرأة فى صورة صماء، ولا ترضى بتهميشها بوصفها «عجزًا اجتماعيًا». تكريم بنى آدم، كما ورد فى الآية الكريمة، هو تكريمٌ يتجاوز «الجندر» والمادة، ليؤكد سيادة الروح واتصالها بالمتعالى.
الحداثة الحقيقية ليست هى التى تعرى الجسد، والتدين الحقيقى ليس هو الذى يطمس الكينونة، بل هما اللذان يلتقيان عند نقطة «التحرير»؛ تحرير الإنسان من سلطة التاريخ الراكد وسلطة المادة الجارفة، استنادًا إلى قوله تعالى: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى» (الحجر: ٢٩)؛ وهو نفخٌ إلهى شمل الذكر والأنثى على حد سواء، ليجعل من كليهما فاعلًا حضاريًا يبتغى وجه الله وخدمة الإنسانية، بعيدًا عن صراعات «الأيديولوجيا» وابتذال الصورة.
■ فى إحدى دراساتك النقدية أشرت إلى أن مقولة «الإعجاز العلمى فى القرآن» تعطل العقل عن الاستكشاف والبحث.. كيف ذلك؟
- تتحول مقولة «الإعجاز العلمى» إلى عائق ذهنى حين تجعل من النص القرآنى مستودعًا لمختلف النظريات العلمية بدلًا من كونه قوة دافعة للبحث والتأمل؛ فعندما نسقط النظريات العلمية الحديثة، وهى بطبعها نسبية ومتغيرة، على الآيات القرآنية، وهى مطلقة ومتعالية، فإننا نُعطل الحافز المعرفى لدى المسلم لاستكشاف المستقل، ونحصر دور العقل فى تطويع اللغة لإثبات سبق معجز.
هذا المسلك يؤدى إلى الكسل العلمي؛ إذ يكتفى العقل بالانتظار حتى يكتشف الآخرون حقائق الكون، ثم يهرع للبحث عن «إشارة» لها فى النص، فيتحول القرآن من كتاب هداية واستخلاف يحث على النظر فى الآفاق، إلى وسيلة لإثبات الذات فى مواجهة التفوق المادى للآخر.
إن الإعجاز الحقيقى يكمن فى «المنهج» الذى يفتحه القرآن أمام العقل ليقرأ كتاب الكون المفتوح، لا فى تحويل آياته إلى «مختبر» يضيق بضيق الفهم البشرى المتغير، ما يفصل المسلم عن روح المبادرة العلمية الحقيقية التى تقوم على النظر والتجربة والبحث الدءوب.
■ وما الفرق بين «التفسير العلمى» و«الإعجاز العلمى» للقرآن؟
- يتمثل الفرق الجوهرى بينهما فى المنطلق والغاية؛ فـ«التفسير العلمى» هو محاولة بشرية لتدبر الآيات الكونية باستخدام المعارف العلمية المتاحة فى عصر ما، مع الإقرار بأن هذا الفهم نسبى وقابل للتغيير بتطور العلم، وهو بذلك استجابة للأمر القرآنى بالنظر والتفكر. أما «الإعجاز العلمى»، فهو ينطلق من فرضية مسبقة تقرر أن القرآن «تنبأ» بحقائق علمية محددة لم تكن معروفة وقت النزول، ما يحول النص إلى مرجعية لإثبات صحة العلم، أو العكس.
وبينما يفتح «التفسير العلمى» آفاق التأمل، يميل «الإعجاز العلمى» إلى حصر المعنى القرآنى فى نظرية معينة، ما قد يوقع الدين فى حرج إذا ثبت بطلان تلك النظرية لاحقًا. لذا، فإن «التفسير العلمى» هو قراءة استرشادية. بينما «الإعجاز العلمى» هو إدعاء تطابقى يخلط بين المطلق الإلهى والنسبى البشرى.
■ لماذا تجابه دعوات تجديد الفكر الدينى بالرفض العنيف الذى يصل لحد التكفير وحل الدماء؟
- تفسير حدة الرفض التى تجابه دعوات التجديد، التى تصل أحيانًا إلى حد التكفير واستباحة الدماء، يعود فى جوهره إلى تداخل عميق بين الجهل بمنطق «تاريخية الفهم»، والرغبة فى الحفاظ على «سلطة الوصاية المعرفية»؛ فالمعترضون غالبًا ما يخلطون بين «الوحى» فى إطلاقه وقدسيته، و«التفسير البشرى» فى نسبيته ومحدوديته، ما يجعل أى نقد للموروث أو محاولة لخلخلة القراءات التقليدية، تبدو فى نظرهم هجومًا مباشرًا على الذات الإلهية، وتقويضًا لأركان العقيدة.
هذا الارتباك المنهجى يغذى العقلية التى ترى فى التجديد نوعًا من «الاستلاب» الثقافى، أو التماهى مع قيم الحداثة الغربية، فيتحول التمسك بالقديم إلى آلية دفاعية لحماية الهوية، وتزداد المشكلة هنا تعقيدًا عندما يحضر القديم دون وعى ودون فهم بتاريخ تشكله، ويُرفض كل ما هو جديد دون نقد أو تحليل معرفى رصين.
هذا الحضور السكونى للموروث يحول التراث من كونه تجربة إنسانية ملهمة لفهم الوحى إلى «سياج دوجمائى» منغلق، حيث يتم استدعاء الماضى ليس كمنطلق للتفكر، بل كأداة لقمع أسئلة الحاضر؛ وهو ما يفسر لماذا يُنظر إلى المجدد كـ «مارق» يهدد السلم الروحى للجماعة، بدلًا من كونه باحثًا يسعى لاستعادة الفعالية الحضارية للدين.
العنف الذى يرافق هذا الرفض هو فى الحقيقة دفاع عن المركزية، التى تخشى فقدان السيطرة على العقول، خاصة فى ظل «نظام التفاهة» العالمى الذى جعل المؤسسات التقليدية تشعر بالتهديد الوجودى، فتلجأ إلى التكفير كآلية تعويضية لإثبات الحضور.
التجديد الحقيقى، الذى ينشد حماية كرامة الإنسان من «التشيىء المادى» وتوغل المختبر العلمى على حساب القيم، يصطدم بذهنية «الاجترار»، التى لا ترى فى القرآن إلا نصوصًا أحادية المعنى، غافلة عن أن منهجية الخلق تقتضى استنطاق النص بأسئلة العصر لفك ارتهان الدين لتفسيرات تاريخية بشرية لم تعد قادرة على صياغة دبلوماسية حضارية، أو تقديم أجوبة أخلاقية لأزمات الإنسان المعاصر.
■ كيف أسهمت جماعات الإسلام السياسى فى إخراج مفهوم الإسلام من حقيقته إلى نقيضه؟
- أسهمت جماعات الإسلام السياسى فى إخراج مفهوم الإسلام من فضاء «الرسالة الأخلاقية» إلى ضيق «الأيديولوجيا المغلقة» عبر عملية «تسييس المقدس»؛ لتحول الدين من دعوة كونية موجهة لتحرير الإنسان وتزكيته إلى «أداة صراعية» للوصول إلى السلطة.
اعتمدت هذه الجماعات على قراءات مجتزأة للنصوص، فاستبدلت مقاصد الرحمة والتعارف والسلم بمفاهيم صدامية مثل «الحاكمية» و«الجاهلية» و«الولاء والبراء»، ما جعل الإسلام يظهر كنسق انغلاقى يرفض الآخر ويخاصم العصر.
هذا التحول الأيديولوجى لم يكتفِ بتشويه جوهر العبادة، بل حوّل التدين إلى «هوية قتالية» تُستخدم فى حشد الجماهير وتبرير العنف، ما أدى فى نهاية المطاف إلى تقديم صورة ذهنية للعالم تربط بين الإسلام والإرهاب والقتل، وهو النقيض التام للحقيقة القرآنية التى تجعل من الإسلام مدارًا للأمن والأمان والسكينة الروحية. بذلك، تحول الدين على أيديهم من «حل» لمعضلات الإنسان الوجودية إلى «مشكلة» سياسية واجتماعية تعمق الانقسامات داخل المجتمعات المسلمة وخارجها.







