معركة اللعناء.. كيف يرى المثقفون العرب الحرب التى يطال شرها الجميع؟
- ترامب ونتنياهو يعتبران المنطقة ساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات بالقوة
- الموقف الأخلاقى يقتضى إدانة الحرب ورفض الهجمات على الخليج
- اتباع إيران سياسة «تصدير الثورة» طوال نصف قرن وضع حاجزًا بينها وبين جيرانها
- لا يمكن للمثقف الآن أن يكتفى بـ«الحياد البارد» أو بالعبارات العامة عن السلام
- الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حروب جديدة بل لمرحلة من الاستقرار والتعاون والتنمية
- المنطق الطبيعى الآن صناعة حلف عسكرى عربى إسلامى بقيادة الدول الكبرى
- علينا نسيان الخلافات المذهبية التى جعلتنا وقودًا لحروب حسب المزاج الأمريكى
- الخطر الإسرائيلى قادم ودور الجميع قادم إذا بقى التشتت والانبطاح
فى كل الأحوال والأماكن والأزمنة، وتحت أى ظرف، الحرب ليست نزهة. الحرب حيوات تُدمر كان مقدرًا لها أن تكون ضمن طبقة من طبقات تاريخ الإنسان. الحرب شباب كانوا يحلمون بدفء البيوت وضحكات أطفال فماتوا تحت صوت النيران.
الحرب حرائق ودمار، ومزيد من البؤس البشرى على هذا الكوكب، الذى لم يعرف الهدوء يومًا. الحرب أجنة لم تر النور بعد، أرامل وأيتام وأمهات وآباء ثكلى. ولكل هذا وأكثر، الحرب شر مطلق يبغضه الإنسان السوى الطبيعى.
فى السطور التالية، تنشر «حرف» شهادات لكُتَّاب ومثقفين عرب عن الحرب الدائرة فى الوقت الراهن، تلك الحرب «العالمية» التى لم يسلم من شرها الدانى أو القاصى، فشرها كما يطال سكان طهران يطال أبسط قروى فى أقاصى دلتا مصر، ونظيره فى أبعد كوخ بأقاصى إفريقيا وشرق أوروبا، وكذلك أقاصى آسيا.. فإلى أهم ما قالوه.
رشيد أيلال: طموحات إيران وراء اضطراب المنطقة
كاتب مغربى

تشكل إيران اليوم أحد أكثر الفاعلين إثارة للجدل فى الشرق الأوسط. فالدولة التى خرجت من رحم الثورة الإيرانية ١٩٧٩ بشعار «تصدير الثورة» تحولت تدريجيًا إلى قوة إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها خارج حدودها حتى على حساب جيرانها!
غير أن هذا المسار العدائى التى انتهجته إيران لم يكن دون كلفة، بل انتهى بإيران إلى عزلة دولية متزايدة، وصدامات مستمرة مع دول الخليج وشمال إفريقيا، والغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة
فى السنوات الأخيرة، أصبح التوتر بين هذه الأطراف أحد أهم عوامل عدم الاستقرار فى المنطقة، خاصة مع استمرار الخلاف حول البرنامج النووى الإيرانى، وتدخلات طهران الإقليمية.
وتعود أسباب العزلة الإيرانية إلى عدة عوامل رئيسية، أولها الخطاب الأيديولوجى الثورى، إذ اعتمد النظام الإيرانى، منذ البداية، خطابًا يقوم على معاداة العرب والغرب، واعتبار الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر». هذا الخطاب أصبح جزءًا من هوية النظام، ما جعل التراجع عنه مكلفًا داخليًا.
العامل الثانى هو البرنامج النووى، والذى تصاعد القلق الدولى بشأنه منذ مطلع الألفية، خاصة بعد اكتشاف منشآت تخصيب «اليورانيوم». وأدى ذلك إلى فرض عقوبات واسعة على إيران من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى. ورغم توقيع الاتفاق النووى الإيرانى ٢٠١٥، أعاد انسحاب واشنطن منه، فى ٢٠١٨، الأزمة إلى نقطة الصفر.
أما العامل الثالث فيتمثل فى دعم الجماعات المسلحة، إذ تتهم العديد من الدول إيران بدعم تنظيمات مسلحة فى المنطقة وخارجها، مثل: «حزب الله» فى لبنان، وحركة «حماس» فى فلسطين، و«الحوثيون» فى اليمن، و«البوليساريو» ضد المغرب فى الجزائر. هذا الدعم يُنظر إليه من خصوم إيران على أنه محاولة لبناء شبكة نفوذ عسكرى خارج حدودها.
بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام ١٩٨٨، أدركت إيران أن قوتها العسكرية التقليدية محدودة مقارنة ببعض خصومها. لذلك تبنت استراتيجية مختلفة تقوم على ما يسمى «الحرب غير المتكافئة»، والتى تعتمد على ٣ عناصر، أولها بناء شبكة حلفاء تمتد من إيران إلى البحر المتوسط، فيما يسمى أحيانًا «محور المقاومة»، والذى يشمل قوى سياسية وعسكرية فى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
العنصر الثانى هو استغلال الفراغات السياسية، إذ استفادت إيران من انهيار بعض الدول أو ضعفها بسبب أحداث مثل غزو العراق ٢٠٠٣، واندلاع الحرب الأهلية السورية، لتعزيز نفوذها داخل هذه الدول، عبر دعم قوى محلية موالية لها.
هذه المواجهة المستمرة أسهمت فى تعميق عزلة إيران. لكنها فى الوقت نفسه دفعتها إلى تعزيز تحالفاتها مع قوى مثل روسيا والصين. غير أن كل هذه الإجراءات العقابية التأديبية اتجاه إيران لم توقف طموحها التوسعى، وتدخلاتها المباشرة وغير المباشرة فى المنطقة، ومحاولة ضرب مصالح الولايات المتحدة أيضًا، بالإضافة الى تنامى سخط شعبى إيرانى على دكتاتورية «نظام الفقيه»، الذى يكرسه المرشد وحاشيته و«الحرس الثورى». كل هذا عجل بالضربة العسكرية المباشرة نحو إيران، بمباركة دولية، وفى غياب أى تعاطف دولى معها.
صادق الطائى: كل حرب تفتح أبوابًا إضافية للفوضى
كاتب عراقى

فى اللحظات التى تنزلق فيها المنطقة نحو الحرب، لا يعود بوسع المثقف أن يكتفى بلغة الحياد البارد أو بالعبارات العامة عن السلام. فالحروب ليست كوارث طبيعية تقع بلا أسباب، بل نتائج مباشرة لسياسات محددة، ولحسابات قوة اتخذها سياسيون يعرفون جيدًا أنهم يدفعون شعوب المنطقة باتجاه كارثة جديدة.
الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران من جهة أخرى، ليست حدثًا مفاجئًا أو نتيجة تصعيد عابر. إنها ثمرة سنوات من السياسات العدوانية التى دفعت الشرق الأوسط تدريجيًا نحو الانفجار. وفى قلب هذا المسار تقف حكومتا دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، اللتان تعاملتا مع المنطقة بوصفها ساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات بالقوة، لا بوصفها فضاءً يعيش فيه عشرات الملايين من البشر.
لعبت حكومة «نتنياهو» دورًا مركزيًا فى دفع المنطقة نحو هذا المنعطف الخطير. فمنذ سنوات تعتمد إسرائيل سياسة تقوم على توسيع دائرة الصراع، ونقل أزماتها السياسية والأمنية إلى الإقليم بأسره، عبر عمليات عسكرية وضربات استباقية وخطاب دائم يشيطن الخصوم، ويدفع نحو المواجهة الشاملة. هذه السياسة لم تكن مجرد رد فعل أمنى، بل كانت جزءًا من رؤية أيديولوجية متشددة تحمل قدرًا واضحًا من النزعة العنصرية والاستعلاء الاستعمارى، وترى فى القوة العسكرية الوسيلة الأساسية لإدارة الشرق الأوسط.
وجدت هذه الرؤية شريكًا مثاليًا فى إدارة «ترامب»، التى تبنت خطابًا سياسيًا متطرفًا وغير مسبوق فى انحيازه لإسرائيل. فبدلًا من السعى إلى احتواء التوترات، أو فتح مسارات دبلوماسية، اندفعت واشنطن نحو سياسات ضغط وتصعيد متواصلة، مانحةً الحكومة الإسرائيلية غطاءً سياسيًا وعسكريًا شبه مطلق. والنتيجة أن المنطقة وجدت نفسها، مرة أخرى، أمام حرب واسعة لا أحد يعرف حدودها ولا مآلاتها.
لا يعنى ذلك إعفاء إيران من المسئولية بالكامل. فسياساتها الإقليمية، وتوسيع نفوذها عبر شبكات من الأذرع الإقليمية، أسهمت بدورها فى تعميق التوترات، وخلق بيئة شديدة الهشاشة. لكن هذه العوامل، على خطورتها، لا يمكن أن تحجب الحقيقة الأساسية: الشرارة التى دفعت المنطقة إلى هذه المواجهة جاءت من سياسات التصعيد التى تبنتها تل أبيب وواشنطن.
قد يختلف المثقفون فى تقييمهم لموازين القوى، أو فى قراءتهم للمشهد الجيوسياسى، لكن ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها: كل حرب جديدة فى هذه المنطقة تفتح أبوابًا إضافية للفوضى، وتدفع المجتمعات خطوة أخرى نحو الخراب والعنف. لذا، الموقف الأخلاقى الواضح يقتضى أمرين متلازمين: إدانة الحرب بوصفها كارثة إنسانية تهدد شعوب المنطقة بأسرها، ورفض السياسات العدوانية التى أسهمت فى إشعالها، وفى مقدمتها السياسات الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا.
المثقف، فى نهاية المطاف، ليس مجرد شاهد على الكارثة، بل أيضًا صوت يحاول أن يمنع تكرارها. وفى زمن تتسع فيه لغة الحرب، تصبح الكلمة الواضحة الصريحة غير المواربة، من أشكال المقاومة الفكرية فى وجه العنف.
عدنان الأحمد: رفض الحرب لا يعنى الدفاع عن «الملالى»
كاتب سورى

دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية أسبوعها الثانى، فى تصعيد عسكرى خطير يضع الشرق الأوسط أمام مواجهة واسعة خارج إطار القانون الدولى. هذه الحرب لم تأتِ نتيجة قرار صادر عن مجلس الأمن، بل جاءت بقرار أحادى، وفى وقت كانت فيه المفاوضات لا تزال قائمة، ما يثير تساؤلات جدية حول شرعية التصعيد وطبيعته.
ما حدث سابقة خطيرة فى العلاقات الدولية، لأنه يفتح الباب أمام استخدام القوة العسكرية ضد دول ذات سيادة، خارج منظومة الشرعية الدولية. مثل هذه الممارسات تذكّر بحوادث خطيرة شهدها العالم مؤخرًا، من بينها حادثة اختطاف رئيس فنزويلا قبل أسابيع، وهو ما يعكس تآكلًا متزايدًا فى احترام سيادة الدول، والقواعد التى يقوم عليها النظام الدولى.
لكن، رفض هذه الحرب لا يعنى الدفاع عن النظام الإيرانى، أو التغاضى عن سياساته. هذه السياسات، على المستوى الداخلى، أو فى سلوكه الإقليمى، تسببت فى توترات وعدم استقرار بالمنطقة. لكن الاعتراض على سياسات دولة ما لا يمكن أن يكون مبررًا لشن حرب خارج القانون الدولى، أو لفتح الباب أمام مواجهات عسكرية تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
فى الوقت نفسه، قصف إيران لبعض دول الخليج يمثل تصعيدًا غير مقبول وغير مسئول، لأنه يوسع دائرة الحرب، ويهدد أمن دول المنطقة. فمهما كانت الصواريخ دقيقة، فإن العمليات العسكرية من هذا النوع لا بد أن تخلّف أضرارًا جانبية، فضلًا عن أنها تزرع مناخًا من القلق وعدم الاستقرار فى دول الخليج، التى لا ينبغى أن تتحول إلى ساحات مواجهة بين القوى الكبرى.
وهذه الحرب تطرح أيضًا سؤالًا أوسع يتعلق بالمصالح الدولية. فالتصعيد العسكرى فى الشرق الأوسط قد يؤدى إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، وربما يمنح النفط والغاز الروسيين أهمية أكبر فى الأسواق الدولية، فى وقت تسعى فيه الصين إلى تنويع مصادرها من الطاقة. مثل هذه التطورات تدفع إلى التساؤل عن المستفيد الحقيقى من هذا التصعيد، والذى يبدو بوضوح أنه يصب فى المصلحة الإسرائيلية.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حروب جديدة، بل إلى مرحلة من الاستقرار والتعاون والتنمية. فسلام حقيقى وعادل وحده القادر على حماية شعوب المنطقة، ومنحها فرصة بناء مستقبل مختلف.
كوثر دوزى: نحيا حربًا لا تتوقف منذ 3 سنوات
شاعرة تونسية

حين أتت الحرب الأخيرة كنا فى حالة إنهاك عميق، والأعصاب كلها استُنزفت، فى ظل حرب لم تتوقف منذ نحو ٣ سنوات. منذ أكتوبر ٢٠٢٣ دخلنا زمن حربٍ لا يتوقف، لم تمنحنا الحرب بعد لحظة تنفّس حقيقية. لذلك عندما رأيت حربًا جديدة تملأ الشاشات، كان أول ما شعرت به ليس فقط الإرهاق، بل الأرق وثقل الإحساس بأن هذه المأساة تتكرر بلا نهاية.
كان هناك أيضًا إحساس غريب بالألفة مع النار: كأننى رأيت هذه المشاهد من قبل، وكأن ما يحدث الآن ليس سوى امتدادٍ لسلسلة طويلة من الخذلان والخسارة المتكررة. وفى الوقت نفسه، تبدو هذه الحرب أكثر عصفًا واتساعًا، لأنها تمسّ أكثر من دولة عربية، وفى أجواء تكاد تشبه حربًا عالمية، إن لم تكن بالفعل ملامح حربٍ عالمية أخرى.
فى لبنان المشهد نفسه يتكرر: موجات جديدة من النزوح، قتلى وجرحى، وقرى تُفرَّغ من أهلها. من جديد يموت الناس ويرحلون ويجوعون، وكأن المنطقة محكومة بدائرة لا تنتهى من الفقد.
ما يزيد هذا المشهد قسوة هو حجم التدخلات الخارجية فى المنطقة، من خلال توريط بعض الدول العربية ودول الخليج فى حسابات وصراعات لا شأن لها بها، وليست لصالحها، بحيث تتحول المنطقة أكثر فأكثر إلى ساحة مفتوحة لصراع إقليمى واسع، بينما يدفع الناس العاديون الثمن الأكبر.
فى مثل هذا السياق، تبدو الكتابة أحيانًا كأن دورها يتعقّد أكثر فأكثر، خاصة فى زمن الوسائط المتعددة والصور الفورية التى تملأ العالم. مع ذلك، ما زلت أعتقد أن علينا أن نكتب من هذا الموقع، وعن هذا الموقع. أن نكتب لأن الكتابة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة، ومن أجل الحرية، وربما، فى النهاية، من أجل النجاة.
نعيم آل مسافر: فرصة لخلق مكانة للعرب بين الأمم
كاتب عراقى

الحرب القائمة الآن تقوم على سرديتين متصارعتين. سردية الصهاينة بأنهم «شعب الله المختار» الذى يستحق أن يحكم العالم حسب زعمهم، ووطنهم الموعود من الفرات إلى النيل، وأن هذه الحرب ضرورة تاريخية ودينية تؤمن بها حتى المسيحية الصهيونية فى دوائر القرار الأمريكية. وسردية إيران التى تؤمن بظهور «المهدى المُنتظر» من نسل النبى، فى آخر الزمان، ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلما وجورًا.
لا شك أن قيام أمريكا بهذه الحرب خرق لجميع القوانين الدولية التى اتفقت عليها البشرية بعد حربين عالميتين مريرتين، اذ تُشن على دولة عضو فى الأمم المتحدة دون مبرر ودون مراجعة مجلس الأمن. ولا أغالى إن قلت لن يعود العالم بعدها كما كان قبلها، وإن سقطت إيران فى هذه الحرب سيسقط العالم، إذ «يتفرعن» القطب الأوحد متمثلًا فى أمريكا والصهاينة، ويفرض إرادته على العالم، ويعيد تشكيل خارطته. لكن إن صمدت إيران بدفاعها عن نفسها فستكون هنالك أقطاب متعددة.
فى كلتا الحالتين سيكون العرب الطرف الخاسر، يوم لا ينفع المطبعين تصيهنهم، ولا الواقفين على التل حيادهم. هنا يكمن دور المثقفين العرب، فقد منحتهم هذه الحرب، رغم قساوتها ونتائجها المحتملة، فرصة تاريخية لتكون لهم سرديتهم الخاصة، ونظريتهم النقدية، فى «حرب السرديات»، والتى ستفسح لها مكانًا بين الأمم الأخرى إن صُنعت بعيدًا عن العقد الطائفية والقومية، التى تُعد السبب الرئيس فى ضعف العرب وتشتتهم وتخلفهم عن الركب العالمى.
نحن بوصفنا عربًا ومسلمين نمتلك الأسلحة والتكنولوجيا والمال والثروات الطبيعية والمواقع الجغرافية المهمة والموارد البشرية، فى مصر والسعودية والعراق وإيران وتركيا وباكستان وغيرها. وقد منحتنا هذه الحرب فرصة تنامى الوعى لدى مواطنى بعض الشعوب العربية، وهم يرون دولة مسلمة تصمد وحيدة بوجه الاستكبار العالمى، وقائدًا أسطوريًا مسلمًا وعربيًا ينتمى لسلالة آل النبى يتقدم شعبه فى الموت، ويرفض الاختباء أو الهرب ويتركهم مكشوفين مهددين بالخطر، وهم يرون هذه الحرب تمنحهم فرصة الثأر لـ١٠٠ ألف مسلم عربى قُتلوا فى غرة، وبعضهم ما زال رفاته تحت الأنقاض حتى الآن!.
سعيد خطيبى: العالم جعل العنف قاعدة بعدما كان استثناءً
روائى جزائرى

فى مقارنة بين مطلع القرن الماضى ومطلع القرن الحالى، ندرك أن دائرة العنف فى اتساع، وأن عدد الصراعات قد تضاعف مرّتين، وأن الإنسان مُحاصَر بوضعٍ من الهشاشة من شأنه أن ينفجر فى كلّ حين.
من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لا يبدو الأمر مريحًا، بل ينذر بانزلاق فى عالم يقف على الحافة. هذا العالم الذى جعل من العنف قاعدة بعدما كان استثناءً، عالم تنازل عن الفصاحة فى اللسان وعن لغة الحوار، وتخلّى عن عباءة الدبلوماسية، فأصابه العمى وانشغل بتطوير السلاح مستفيدًا من فضائل التكنولوجيا ومحاسن «الذكاء الاصطناعى».
تخلّى الساسة عن المخيّلة، يفكّرون فى اللحظة الآنية لا التالية، ولم يعد الغرب يعتزّ بقادة مثلما مضى، من طينة أولئك الذين يحسنون الكلام والتفكير والتدبير، بل صار فى قبضة قادة جدد يؤمنون بمنطق التخويف والترويع، قادة منشغلون بصورتهم فى الإعلام أكثر من انشغالهم بأفعالهم، يكرّسون شعبيتهم بكثرة الظهور لا بخلق حلول، يعلنون حروبًا من غير أن يحسبوا لها حسابًا، ولا يفكّرون أن لهيب النّار من شأنه أن يصيب دولًا آمنة تتعرّض إلى عدوان، وأن العنف يترتّب عليه عنف مضادّ، فيجد الأبرياء أنفسهم منخرطين فى الخوف والقلق والريبة، بعدما كانوا آمنين فى بلدانهم وبيوتهم.
فى الماضى نتذكّر قادة فى السياسة لأنهم ينطقون بكلام يطيّب القلوب، ويبحثون عن حلول لا عن تعقيد الأمور، نتذكّر جملهم وكلماتهم وفصاحتهم، بينما الآن نجد أنفسنا عالقين أمام الموبايل أو التليفزيون، نصغى إلى قادة يقضون يومهم فى الوقوف أمام كاميرات، يتكلّمون بلغة الحرب والتهويل، ولا نتذكّر من كلامهم جملًا ولا عبارات، بل نتذكّر منه أسماء أسلحة.
فى كلّ مرّة يخرجون إلى العلن للتلويح بقذيفة أو صاروخ، يعرضون مكاسبهم فى الصناعة الحربية، مثل تاجر يعرض سلعته فى السوق. يعلمون أن هذه الأسلحة من شأنها أن تصيب الأبرياء، لكن حياة البشر تهون عليهم مقابل إسرافهم فى الاستعراضات العسكرية. فالصراعات لم تعد تُقاس بقدرتها على جلب السلام، بل بقدرتها على تجريب أسلحة جديدة لم نسمع عنها من قبل.
هذا التسابق فى الاستعراض يضع السلم الإقليمى والدّولى على كفّ عفريت. وما يحصل فى الأيام الأخيرة من عدوان سافر على دول آمنة فى الخليج العربى يضاعف من المخاوف إزاء العمى الذى أصاب بعض الساسة والعسكريين، أولئك الذين ينتهكون سيادة الدّول، والمواثيق الدّولية والإنسانية.
المثقف الأصيل فى هذه اللحظات يصير موقفه واضحًا، فى إدانة التّصعيد الإيرانى الغاشم، الذى يعتدى على الجوار العربى ويهدد السلام الدّولى، فى وقت تتفادى فيه دول الجوار الانجرار إلى حرب، مفضّلة قنوات الحوار والدبلوماسية.
فيصل الأحمر: «إسرائيل الكبرى» الهدف.. والعرب أكبر خاسر
روائى جزائرى

الحرب التى قادتها أمريكا بمعية الكيان الإسرائيلى، وربما بإيعاز منه، على إيران، جاءت بغياب أى قرار أممى، وانتقل جانبها غير الشرعى إلى جوانب أخرى كلها غير مقبولة، وتثير الأسف مرتين، بسبب العنت والبؤس الذى تجره على الأطراف، خاصة الذى تعد أرضه مسرحًا لها.
الأسف المزدوج الذى نستشعره كمثقفين هو أن الرد الإيرانى قد توجه صوب البلدان العربية المسلمة، وهذا يزرع بذورًا لشقاق كبير فى المنطقة، التى كان من المفروض أن تستغل مقومات الوحدة، وفتح أبواب التعاون وخدمة التنمية، محليًا ثم إقليميًا، وهو شىء بعيد تمامًا.
يبدو أن الأطماع الإسرائيلية لتحقيق المشروع التوراتى لدولة «إسرائيل الكبرى» هو النقطة المحركة للحرب عمومًا. يضاف إليها الظرف المسموم لـ«ملفات إبستين» التى أدت إلى خضوع سريع لجزء كهم من الإدارة الأمريكية الممتلكة لقوة دمار هائلة، ويبدو أن لـ«اللوبى» الإسرائيلى ممثلًا فى منظمة «آيباك» يدًا قوية فى التحكم بقراراتها. هذا يجعل كثيرًا من المعلقين الحصيفين فى الغرب يصور «ترامب» تحت إمرة الإسرائيليين، خاصة الرئيس المتطرف المولع بإشعال الحروب: «نتنياهو».
إذا جئنا إلى الحصائل سنجد المنطقة العربية خاسرة كالعادة. سنجد دولًا عربية فى الخليج متضررة إلى درجة كبيرة يندى لها الجبين، وحدودًا مسمومة كلها بين بلدان هى كيانات من الأصول نفسها ومن الأعراق المتواشجة وكثيرًا ما تحمل الأسماء نفسها، وهذا خسران مبين.
خسارة كبيرة أخرى هى كل هذه الثروات العربية المشرقية الإسلامى والمسيحية، وحتى اليهودية المنزّهة عن العفن الصهيونى، كان يمكنها أن تكون جزءًا فعالًا فى مسار التنمية، وخلق شراكات مع أطراف مفيدة لها آنيًا ومستقبليًا، لكنها عوضًا عن ذلك غارقة فى استنزاف كبير للثروات والجهد وللإمكانات المستقبلية للتنمية، فى حرب لا رابح فيها سوى المشروع الإسرائيلى المرتكز على التفسيرات المجنونة لنصوص توراتية.
كل ذلك فى غياب تام للعمل الدبلوماسى، ولفتح منافذ حوار للأصوات الحكيمة، التى تم تجفيفها فى الغرب، وتكميمها فى الشرق، من الشخصيات السياسية المرموقة التى تحمل صوت الحكمة، وغالبًا ما تلعب دورًا سلميًا مهمًا فى أزمنة الحرب.
رغم ذلك، علينا أن نحافظ على نبرة متفائلة، ترتكز أولًا على التفاف كبير حول الصوت الذى انبرى يحارب النعرات المذهبية، فقد خفت كثيرًا الصوت المعتاد بين السنة والشيعة، والذى «يشيطن» كل منهما الآخر، رغم أنه لم ينطفئ تمامًا. هذا مؤشر جيد على إحساس أبناء المنطقة، ممثلين فى نخبهم الفكرية والأكاديمية، والسياسية فى كثير من الأحيان، بالخطر الوجودى الذى صار محدقًا بهم، فى ظل مارد نووى أعمى قد يأتى على الأخضر واليابس، ومارد عسكرى مولع بالنيران.
نزهة بوعزة: نظرتنا لإيران تتأرجح بين التعاطف والحياد
باحثة مغربية

التاريخ السياسى لإيران خُلِقت له عزلة سياسية أسهمت فى تبرير موقع الحياد اتجاه مآلاته السياسية والاقتصادية عربيًا. كما تعمقت هذه العزلة إلى نمط من العداء الإيديولوجى الحقيقى الذى يقف على طرفى النقيض، بين توجهات سياسية عربية تسير على النموذج العلمانى الغربى، ونموذج يشيد النسق السياسى وفق «ولاية الفقيه». المقابل قد يكون العداء الإيديولوجى بين إيران وإسرائيل وأمريكا عداءً صوريًا سينتهى بتحقيق التوازنات بين الدول المتصارعة عبر الحرب أو المفاوضات.
ورغم أن العداء الأخير هو محفز العداء الأول بغية تحقيق المصالح الجيوسياسية والاقتصادية فى المنطقة، من المهم ألا يغذى المثقف التوجهات الاصطفافية التى تزكى التوجهات الإيديولوجية التى لا تخدم المنطقة بقدر ما تزيد من تفككها داخليًا وتبعيتها خارجيًا.
حضور «متلازمة الأيديولوجية» فى قراءة بعض المثقفين العرب لمجريات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكذلك استهداف إيران للقواعد الأمريكية فى دول الجوار، يؤطر وفق قالب يضم، بشكل حميمى، توليفة لمتناقضين: الحياد والتعاطف، أو ما قد نسميه بـ«الحياد المجروح». أى تحييد الحرب ما بين إيران وأمريكا وإسرائيل بما يزكى أو يرجح التحيز الإيديولوجى الوطنى والإقليمى.
هذا «الحياد المجروح»، الذى يغطى حرجية التحيز الدينى والأخلاقى، رغم وجوده ضمنيًا، مرده بالأساس إلى تراكمات أيديولوجية قامت لعقود على نمط من التصنيف المانوى الترجيحى الذى يقابل بين نمطين يبدوان على طرفى النقيض، ما يجعل هذا الصراع يتغذى على النفى والإزاحة بدلًا من أن يتأسس على ثقافة الاعتراف والتعايش.
هذا كأننا أمام حرب وجودية تتقوى على سرديات دينية وإيديولوجية متعاكسة، لا يغذيها سوى الحرب والنفى والإقصاء «إسرئيل / إيران». إن هذا الصراع قد أسهم لعقود فى بناء عقيدتين موضعا نفسيهما فى خانة الأضداد بغية رفع راية النصر والقيادة الإقليمية على حساب مصلحة المنطقة ذاتها، حيث صار منطق الاصطفاف حتمية تزكى الحرب.
عبدالرحمن الخضر: مواقف المثقفين مرهونة بالانتماء السياسى
روائى يمنى

المثقف العربى مشتت فى مشاعره وفى مواقفه تجاه الحرب الدائرة، فصامى بين ميراثه الثقافى الجمعى الدينى الأسطورى الثابت وبين استحداثات الحاضر المتسارعة التى لا تقف على نقطة إلا لتنتقل إلى أخرى.
المثقف العربى ما زال يحمل ثقافة مختلطة من العقيدة والإيدلوجيا «اليسار- القومية- الإسلام السياسى- التحرر الوطنى- فلسطين كقضية مركزية» مع نزوع نظرى إلى الليبرالية والحريات والحقوق اللازمة للإنسان.
وسنجد موقفه ضبابيًا مترددًا من هذه الحرب، يدخل مع ذلك كون إيران قد وظفت الدين سياسيًا على مستوى لا يتفق مع التوظيف السياسى القائم سابقًا، وهو مستوى معقد من الدين بمذاهبه السائدة سابقًا والتى تعترف ببعضها، وليس بغيرها حتى تلك ذات الطابع السياسى غير الدين، وبين المذهب الإثنا عشرى الذى يحصر كل شىء من الدنيا والآخرة فى الولاية لآل البيت.
وخلق أذرع قادمة من دولة دينية هناك داخل الدولة العربية المستقلة ما أوجد هذا التمزق العضوى بين المؤسسة والميليشيا داخل الدولة العربية، جعل المثقف العربى هذا الذى يدعى التحضر فى موقف فعلى مهترئ بين هذا وذاك، فالمثقف العربى قبل ذلك ما زال يحمل القضية الفلسطينية كقضية لا يمكنه تنحيتها جانبًا، ليس كموقف مبدئى مستدام بل وكالتزام يشعر أنه سيخرجه من دوره الوطنى إن تخلى عنه أو وضعه جانبًا، وسينبذه المجتمع الذى يعيش بين ظهرانيه، وهذا ما جعله يقف فى هذه المساحة المراوحة بين المستقبل والماضى والتى لم يتيسر له الانتقال منها إلى أمام. فهذه الحرب وبكل وضوح تشمل إسرائيل هناك فى مقابلة إيران، ولو كان غير إسرائيل لاتخذ موقفًا أقرب إلى الوضوح إلى جانب المستقبل، لكن مهما كانت نظرته إلى إيران كدولة دينية فهو ينظر هناك إلى إسرائيل كدولة دينية فى ظاهرها العام، ومحتلة «فالولايات المتحدة تشتغل أساسًا على الرغبات الإسرائيلية فى هذه الحرب»، بل ومستوطنة، وأكثر من ذلك فهى لا تتورع متى توفرت لها الظروف من تشييد إسرائيل الكبرى فى كل المنطقة.
الغربى عمران: الكل ينتصر لطرف وكأنه جزء من عقيدته فى القتل
روائى يمنى

كلما اندلعت حرب تناوشتنى التساؤلات: لماذا يتفنن الإنسان بقبحه، وبشاعته فى التدمير. تذكرنى دهشة براءة الصغار حين يشعلون المفرقعات، وتماهيهم بمتابعة أضوائها وضجيجها.
الحرب المبررة تثير ألف سؤال وسؤال، لماذا الحرب، ولما البحث عن مبررات إشعالها، والإيغال فى بشاعاتنا، هل يقبع بداخل هذا الشكل الأدمى كائن أعمى دون إحساس، نخفيه وندعى التسامح والجمال وحين يظهر ببشاعته نبحث له عن منطق دينى أو عرقى... إلخ، مصورين الآخر هو القبح والظلال والخطر الداهم.
أكتب وأنا أستحضر نقاشات الناس وهم يتابعون أمام شاشات الأخبار ما يرتكب من فظائع ليست محصورة على سكان دولة أو مجتمع، الكل ينتصر لطرف من أطراف القتال وكأنه جزء منه ومن عقيدته فى القتل والإبادة.
فالقبح لا يقتصر على ذلك المقاتل فى ساحة سفك الدماء وتدمير الممتلكات وانتهاك الكرامة بموجات الاغتصابات. بل يستشرى بين سكان كوكب الأرض بين مؤيد لطرف دون طرف، وأسأل نفسى أمام ما يجرى فى الشرق الأوسط، وأوكرانيا والسودان وبقاع كثيرة من العالم، ألا من حل لكبح جماح روح شريرة تسكننا، لنعش فى سلام بمختلف انتماءاتنا، ألا يتفتق العقل البشرى إلى ما يشفى نهمنا من التدمير، أما من حل لروح القبح الساكنة أعماقنا، هل يأتى يوم وتستأصل ليقف الجميع عند مسببات الاقتتال بوعى إنسانى عقلانى، وعى سلمى، لا تشاطره أهواء دينية أو عرقية، أو مبررات اقتصادية. ليكون دافع الإنسان المحبة لا يتقبل قبح التوحش والأنانية، لتوجه كل القدرات البشرية للتآخى والمحبة الإنسانية والبناء بدل بناء آلات الحرب والدمار. هى الحرب تلك النزعة التى نجد لقبحها مبررات كثيرة، من تدمير نراها أمام أعيننا، دون آمال أن نعيش فى سلام، مستسيغين ما نعيشه ونتابعه من حروب ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فمبررات اشتعالها تقبع فى عقولنا كورم يستشرى ويتحكم بوعينا الزائف، وقد حول تفكيرنا ذكورًا وإناثًا إلى عقول «بلاطجة» تتخفى تحت جلابيب رجال الدين وبدلات الساسة... إلخ.
فهل تصل البشرية يومًا لاستئصال هذا الورم أو النزعة الوحشية، فلا ننشغل ببناء الجيوش، وإنشاء المفاعلات النووية، ولا بناء القدرات التدميرية من أساطيل وصواريخ، ولا نتفاخر باستعراض الجيوش فى ساحات الاحتفالات، أن يستأصل الإنسان من أعماقه ذلك الكائن القبيح، لتصبح تلك البشاعات التى عاشها بنو الإنسان، طى الكتب وفى المتحف، ليشهد الإنسان الصحيح تحرره من قبح التوحش الذى ظل يمتهن الإنسان منذ ظهوره.
مريم هرموش: الأسوأ شعور الشعوب بعجز النظام الدولى
روائية لبنانية
ما يجرى اليوم فى منطقتنا ليس مجرد حرب جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الصراعات، بل مشهد يكشف بوضوح الخلل العميق فى النظام الدولى حين تُختزل العدالة فى ميزان القوة. فالحروب قد تكون جزءًا من تاريخ البشر، لكن الطريقة التى تُدار بها اليوم تطرح سؤالًا أخلاقيًا حادًا حول قيمة حياة الإنسان فى عالم يدّعى الدفاع عن الحقوق والقانون.
فى قلب هذه المأساة يظهر بوضوح الدور الذى تلعبه الولايات المتحدة فى ترجيح كفة القوة العسكرية، عبر دعم غير محدود لإسرائيل، سياسيًا وعسكريًا، بما يسمح باستمرار عمليات التدمير الواسعة دون محاسبة حقيقية. إن هذا الانحياز لا يطيل أمد الحرب فحسب، بل يخلق واقعًا يشعر فيه كثيرون بأن القانون الدولى يُطبَّق بانتقائية، وأن حياة البشر ليست متساوية فى نظر العالم.
المدن التى تُدمَّر، والمنازل التى تتحول إلى ركام، والعائلات التى تُفقد فى لحظات، ليست مجرد تفاصيل جانبية فى معادلة سياسية. إنها جوهر القضية. فالاستهانة بأرواح المدنيين، والتعامل مع أمن البشر وحقهم فى الحياة الآمنة كأثر جانبى للحرب، يكشف عن مستوى خطير من التبلّد الأخلاقى فى إدارة هذا الصراع. لقد أصبح واضحًا أن ميزان القوى، حين يُترك دون ضوابط حقيقية، لا ينتج استقرارًا بل مزيدًا من الفوضى والعنف. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تمنح شرعية أخلاقية لسياسات تقوم على التدمير الواسع والعقاب الجماعى، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن العدالة. إن أخطر ما تخلّفه هذه الحروب ليس الدمار المادى وحده، بل الشعور المتنامى لدى الشعوب بأن النظام الدولى عاجز، أو غير راغب، فى حماية الإنسان عندما تتعارض حياته مع حسابات القوة والنفوذ. وهذا الشعور لا يهدد فقط المنطقة، بل يضعف الثقة بفكرة القانون الدولى نفسها.
محمد أحجيوج: يخيروننا بين طرفين.. ولا أحد مع الإنسان
روائى مغربى

تبدو حالة التشفى عند كثير من العرب، من الهجوم الذى يطال دول الخليج من إيران، أمرًا مستعصيًا على الفهم.
المبرر الأبرز هو الانتقام من التدخلات السافرة لبعض أنظمة الخليج فى بعض الدول العربية، لكن هذا مردود، لأن إيران نفسها تتدخل، بل أكثر، فى دول أخرى. وفضلًا عن ذلك الكويت وسلطنة عمان هما أبعد ما يكون عن التدخل فى شئون أى دولة عربية.
هل السبب هو التطبيع مع إسرائيل؟ أيضًا ليست كل دول الخليج مطبعة مع إسرائيل، وثمة دول عربية أخرى مطبعة بالكامل مع دولة الاحتلال. بل إن البطل المحبوب عند كثير من هؤلاء المتشفين، أردوغان، هو الأكثر تطبيعًا مع إسرائيل من أى دولة عربية.
هل السبب هو القواعد الأمريكية؟ القاعدة الأكبر فى قطر ومع ذلك تعوّد أغلب أولئك العرب على تجاهل ذلك، فى مناسبات متعددة، وهم أكثر من ذلك، يعتمدون قناة الجزيرة مصدرهم الأساسى للأخبار!.
والأهم، لو أن العرب اتحدوا كما يجب وأوقفوا صدام بعيدًا عن الكويت لما تطلب الأمر حضور قواعد أمريكية. أمريكا كانت تترقب تلك الفرصة، لكن الكويت بعد أن تخلى عنها الأشقاء العرب ماذا كان عليها أن تفعل؟.
إسرائيل عدو، والقواعد الأمريكية رمح فى الخصر العربى، وإيران تزعزع استقرار المنطقة بأذرعها الطويلة، و، و، و... لكن: آفة حارتنا هو هذا الاستقطاب الإجبارى، إما أن تكون مع الخليج أو مع إيران. لما لا نستطيع أن نكون مع الإنسان فى كل مكان؟ لا أحد يخرج منتصرًا من هذه النوعية من الحروب إلا المتاجرون فى الدماء البشرية وقوت يومهم. هذا هو السؤال: لما لا نستطيع أن نكون مع الإنسان فى أى مكان وأى زمان؟.
أسامة البيطار: العدالة لا تولد من فوهة المدفع
روائى أردنى

عندما يقف وزير الدفاع الأمريكى أمام الصحافة متحدثًا عن الموت والدمار من السماء طوال اليوم، فإن العبارة لا تبدو مجرد وصف قاسٍ للحرب، بل إعلانًا غير مباشر عن تحوّل أعمق فى الطريقة التى تُفهم بها القوة فى عالمنا المعاصر. فالحروب لم تعد تُبرَّر فقط بلغة الاستراتيجية أو الأمن القومى، بل بخطاب أخلاقى مطلق يمنح العنف شرعية تتجاوز حدود القانون.
هنا يبدأ السؤال الحقيقى الذى يواجه الفكر الإنسانى منذ قرون: ماذا يحدث للقانون الدولى عندما تتحول الحرب من قرار سياسى إلى عقيدة؟.
الحروب ليست مجرد صراع بين جيوش، بل لحظة ينكشف فيها تصور الإنسان عن العدالة، وعن حدود القوة، وعن معنى الأخلاق فى زمن العنف. ففى أوقات السلم يبدو القانون الدولى منظومة مستقرة من القواعد والاتفاقيات، لكن مع أول انفجار للصراع يعود السؤال القديم إلى الواجهة: هل ما زال القانون قادرًا على تقييد القوة، أم أن الحرب تظل المجال الذى تتكلم فيه القوة وحدها؟.
من هنا يصبح دور المثقف فى زمن الحرب دورًا بالغ الحساسية. فالمثقف ليس قائدًا عسكريًا ولا صانع قرار سياسى، لكنه يملك شيئًا لا يقل أهمية: القدرة على الدفاع عن فكرة العدالة عندما تتعرض للضغط.
المثقف الحقيقى لا يبرر العنف باسم الانتصار، ولا يبرر القوة باسم الضرورة، بل يذكّر بأن القانون الدولى- رغم ضعفه أحيانًا- هو المحاولة الإنسانية الوحيدة لوضع حد للفوضى التى يمكن أن تولدها القوة المطلقة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث فى زمن الحرب ليس فقط سقوط الضحايا، بل سقوط المعايير التى تحكم نظرتنا إلى الإنسان وكرامته. فعندما يصبح العنف أمرًا عاديًا، ويتحول القانون إلى خطاب انتقائى، فإن العالم لا يخسر معركة واحدة فحسب، بل يخسر جزءًا من ضميره.
ولهذا تبقى مهمة المثقف، فى كل زمان، أن يذكّر العالم بحقيقة بسيطة: أن العدالة لا تولد من فوهة المدفع، وأن القانون- مهما بدا ضعيفًا أمام القوة- يظل الأمل الأخير فى أن يبقى الإنسان إنسانًا.
سوسن جميل: لا أحد يستطيع التنبؤ بالنظام الدولى الجديد
روائية سورية

ما يشهده العالم اليوم من حروب فى عدة مناطق، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى حروب الشرق الأوسط وآخرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية اليوم على إيران، يكشف عن عالم منقسم للغاية وبلا اتجاه.
العالم كله فى مواجهة الولايات المتحدة، حتى لو كان حليفًا لها فإنه يدفع الثمن، خاصة أوروبا، فكيف بالدول التى تصنفها أمريكا بأنها عدوة؟ أمريكا وإسرائيل تديران العالم، وتدمران النظام العالمى القائم من دون أن يستطيع أحد التكهن بشكل النظام الجديد حتى الآن. كل ما يمكن قوله الآن: إن العالم مكسور.
فى ظروف كهذه، وأمام التحولات الكبرى، خاصة الحروب ونتائجها دائمًا ما يُسأل المثقف عن موقفه ودوره. فى الواقع هذا السؤال يفتح الباب على أسئلة أخرى، ربما أولها السؤال عن الواجب الملقى على المثقف، هل مطلوب منه أن يقترب من أن يكون نبيًا من خلال طروحاته وأن يمتلك الجرأة المطلقة فى انتقاده، أم يكتفى بالحياد الأخلاقى والقيمى؟ وهل يستطيع منع الكوارث الإنسانية والسياسية؟ ومن سيستمع إليه فى فوضى السلاح وضجيج المعارك الذى يكتم كل الأصوات؟.
العالم تغير، دخلت البشرية عصر الذكاء الاصطناعى، صار امتلاك العلم والمعرفة أساس القوة والهيمنة، وبالتالى يبدو السؤال عن دور المثقف فى مجتمعاتنا مثل الدفع إلى لجة عدمية حالكة السواد، نحن لم نعد منتجين للمعرفة منذ قرون، تأخرنا كثيرًا عن ركب الحضارة الإنسانية، ازددنا نكوصًا نحو الماضى، وانزلقنا إلى حروبنا البينية وانزلق عدد كبير من المثقفين إلى مستنقع الاستقطاب السياسى، فصار دوره، من حيث يدرى أو لا يدرى، مساهمًا بطريقة غير مباشرة فى هذه الحروب المدمرة.
هل لا يزال صوت المثقف مسموعًا؟ أرى أن من الضرورى للمثقفين والكتّاب والأساتذة الجامعيين والنخب، أن يعيدوا التفكير فى مواقفهم ودورهم وعلاقاتهم مع مجتمع/ مجتمعات، بل وعالَم يشهد تحولات عميقة من خلال التشكيك فى المفاهيم الرئيسية الموروثة من هذا التاريخ المتغوّل فى وعى شرائح كبيرة، ومن هذه الحضارة المفلسة التى تبدو البشرية غارقة فيها.
إنَّ العدوان الأمريكى- الإسرائيلى على إيران اعتداءٌ يخالف القانون الدولى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خاصةً عندما يأتى بعد ٧٢ ساعة من مفاوضات وصفها المسئولون الأمريكيون بأنها إيجابية!.
الحجّة هى الملف النووى، الذى أعلن ترامب قبل عدة أشهر نهايته عندما نفذت طائرات B٢ ضربتها على مواقع فى الداخل الإيرانى، وهذا دليلٌ آخر على الكذب والتضليل للمجتمع الدولى.
الواضح والأقرب إلى المنطق أن هذه الحرب محاولة أمريكية لجعل سيدةٍ واحدة تتحكم بكل شىء فى الشرق الأوسط، وهى إسرائيل.
فإذا تمكنت أمريكا وإسرائيل من تقليم أظافر إيران، فالدور القادم على دولٍ لديها ثقل عسكرى وجيوسياسى مثل تركيا ومصر، ومن الممكن السعودية.
خاصةً بعد القلق الإسرائيلى بحسب تسريبات ـ من القدرة المتنامية للجيشين المصرى والتركى.
على جميع الدول الشرق أوسطية مراجعة الحسابات، خاصةً الدول الخليجية التى أصبحت سماؤها وأرضها ميدانًا للحرب رغمًا عنها بسبب استضافة القواعد العسكرية الأمريكية.
المنطق الطبيعى الآن هو صناعة حلف عسكرى دفاعى مشترك عربى-إسلامى بقيادة الدول الكبرى، ونسيان الخلافات المذهبية والإثنية التى جعلت من شعوب المنطقة وقودًا لحروب عبثية حسب المزاج الأمريكى والإسرائيلى.
الخطر الإسرائيلى الحالى يمثل تهديدًا حقيقيًا وواقعيًا لكل الدول الشرق أوسطية. فبماذا يُفسَّر كلام السفير الأمريكى فى القدس الذى يبرر التمدد الإسرائيلى بنبوءات توراتية وهمية تمنح إسرائيل حق أرض الميعاد من النيل إلى الفرات؟ وبماذا يُفسَّر كلام ترامب قبل عام عندما قال إن مساحة إسرائيل بسيطة مقارنة بحجم الشرق الأوسط؟ الخطر الإسرائيلى قادم، ودور الجميع قادم إذا بقى التشتت والانبطاح والهرولة نحو اتفاقيات أبراهام.
طارق بكارى: المنطقة أحوج ما تكون لصوت العقل لا الصواريخ والمسيّرات
روائى مغربى

الحرب، أيًّا كانت مبرراتها وشعاراتها، تظلّ فى جوهرها مفسدة كبرى تصيب الإنسان والعمران معًا. فلم تكن الحروب يومًا حلًّا للنزاعات، بقدر ما كانت طريقًا لتكريس الكراهية، وإغلاق قنوات الحوار، وتعميق الانقسام، وإنتاج مآسٍ جديدة.
ومع كل حرب تُشنّ يتكرر المشهد ذاته: الأبرياء هم حطب الحروب، وهم من يدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وبيوتهم ومستقبل بناتهم وأبنائهم.
وأعتقد أن المثقف العربى مطالب اليوم بأن يقف موقفًا واضحًا مما يحدث؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجرد صراع سياسى بائس يتجدد، بل هو فى جوهره مأساة إنسانية تمسّ الكرامة البشرية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن إلا إدانة كل سياسات العدوان والتوسع التى تهدد استقرار الشعوب وأمنها، أيًّا كان مصدرها.
ظفر على: نجنى ثمار التشتت والانقسام
إعلامى عراقى

فى هذا السياق، يبدو النظام الإيرانى الحالى مصدر قلق بالغًا فى المنطقة برمتها، بما يمثله من نظام دينى ذى نزعة توسعية واضحة، مدعومة بأذرع إقليمية جعلت منه فى السنوات الأخيرة عامل اضطراب دائمًا فى محيطه الإقليمى، عبر تدخلات وانتهاكات مباشرة أو غير مباشرة فى عدد من الدول، من بينها بلدى المغرب. إن هذه الاعتداءات الغاشمة ضد دول عربية شقيقة لا يمكن النظر إليها إلا بوصفها انتهاكات صارخة لسيادة تلك الدول وتهديدًا مباشرًا لأمن منطقة مهزوزة أصلًا.
غير أن رفض هذه السياسات لا يعنى الانجرار إلى منطق الحروب المفتوحة أو الرهان على تدمير الدول والمجتمعات، لأن الحروب حين تندلع لا تطيح بالأنظمة وحدها، بل تطال الناس العاديين وتضرب البنية الاجتماعية والإنسانية للشعوب. إن المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى صوت العقل، وإلى إعلاء منطق السياسة والدبلوماسية بدل منطق الصواريخ والمسيّرات والقصف والقصف المضاد.

أحمد الفيتورى: العم سام يرتع فى العالم مثل«كاو بوى» يرعى مواشيه بالسلاح
شاعر وروائى ليبى
الحرب الدائرة اليوم ضد إيران، حلقة من سلسلة الحروب الإمبريالية الأمريكية، الإمبراطورية العظمى التى تؤكد زعامتها للعالم، من خلال مسلسل وجودها الحربى. والعم سام منذ نهاية الحرب الكبرى الثانية، يرتع فى الكرة الأرضية، كـ«ـكاو بوى» يرعى مواشيه تحت السلاح.
وفى كل حرب من تلك الحروب، التى لا تنتهى، ثمة تابع، مثلما أفلام هوليوود التى لا يكون البطل فيها «دون رديف» صغيرًا!
وطبعًا إسرائيل التابع فى الحرب ضد إيران. والمبرر الإعلامى إعادة مسوغ حرب العراق، أى المشروع النووى الإيرانى، ما هو خطر على إسرائيل النووية! لكن المبرر الموضوعى أو المسكوت عنه: التخلص من المشروع الإسلامى، بعد أن استنفذ فوائده بالنسبة للإمبريالية، وأصبح حمله ثقيلًا وتمرده اتسع، فبات المشروع «الإكس باير». ولا ينفع، مع دولة العم سام، قول الشاعر «لا تنه عن خلق وتأتى بمثله»، لأن ذلك من التقاليد الأمريكية، فالعنف جين أمريكى، وأن تكيل بمكيالين، تدعم الأنظمة الفاشية، ثم تعاقب من يخرج منها عن الطوع...وهلم.
والولايات المتحدة تتعامل مع العالم، كحديقة خلفية، فيها تزرع وتقتلع النبت الشيطانى، وقبل فى مطبخها، مهمة الشريف الاستباحة، ما شعارها wanted»» المطلوب أبدًا، ثم يغتال الرئيس، ليقفل الملف، بتهمة موجهة لمجهول.
فهل تنفع أمريكا هذه، فى إحقاق حق مستباح، هى من ساهمت، بشكل وأخر، فى زرع وحصد المُستبيح! ومؤخرًا هذه الدولة العظمى، عبارة عن طائرة مسيرة، تُسير عن بعد السلم والأمن العالميين، هذه الغاية الكبرى، ما تبرر الوسيلة العظمى: الاغتيالات، ثم يرفع الرئيس الأمريكى، العلم على نار، متخذًا ممن يدينه قدوته. حرب أمريكا حرب امبريالية ضد البشرية أمس واليوم وغدًا.







