المحرر العام
محمد الباز

دم راضية أحمد.. سارة عبدالعزيز: طلبت من علاء عبدالهادى علاج والدتى فرد بعد وفاتها بـ10 أيام!

سارة عبدالعزيز
سارة عبدالعزيز

- ابنة الكاتبة الكبيرة: جثمانها احتجز فى المستشفى بسبب مديونية

- عندما واجهت علاء عبدالهادى وسألته عن «وديعة القاسمى» هرب من القاعة

- والدتى من أهم الأقلام النسائية ولم يقم لها تأبين لائق من «الثقافة»

ناشدت المخرجة والكاتبة سارة عبدالعزيز، ابنة الكاتبة الراحلة راضية أحمد، الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، بفتح ملفات النقابة العامة لاتحاد كُتَّاب مصر، خاصة علاج الأعضاء، بعدما راحت والدتها ضحية لـ«الإهمال والتقاعس».

وكشفت ابنة الكاتبة الكبيرة الراحلة، فى حوارها التالى مع «حرف»، عن تفاصيل ما تعرضت له والدتها من إهمال فى المستشفى، وتقاعس اتحاد الكتاب عن علاجها، مشيرة إلى أن رئيس الاتحاد، علاء عبدالهادى، رد على طلبها بعلاج والدتها بعد وفاتها بـ10 أيام.

كما تكشف فى الحوار عن تفاصيل الفيلم الروائى القصير المستوحى من إحدى قصص والدتها بعنوان «يا هذا دعها تخلع ملابسها»، مؤكدة أن إنتاجه تعطل أكثر من مرة لأسباب رقابية وإنتاجية. 

راضية أحمد

■ أنتِ بصدد إخراج فيلم روائى قصير مستوحى من إحدى قصص والدتك الكاتبة الراحلة راضية أحمد «يا هذا دعها تخلع ملابسها».. حدثينا عن عالمها فى سطور؟

- سأتحدث عنها هنا بعين القارئة المحايدة والكاتبة وليس بعين الابنة. أعتقد أن راضية أحمد من أهم الأقلام النسائية التى كتبت برهافة وجرأة معًا عن المرأة، خاصة الفقيرة المعدمة، متطرقة إلى جروحها وآلامها.

تطرقت إلى عوالم جريئة وقضايا حساسة جدًا فى وقت مبكر، مثل الختان فى نصها البديع «الكانون»، واضطهاد المجتمع للسيدة التى لا تنجب فى قصة «لذة سرية»، و«مونولوجات» المرأة المطلقة فى «منزل يليق بمطلقة»، وقضايا أخرى كثيرة، فضلًا عن براعتها فى الكتابة عن نساء القرية والريف بتفاصيل مدهشة لم يتطرق لها أحد قبلها.

راضية أحمد

■ لماذا تعطل إنتاج الفيلم إذن؟

- للأسف الفيلم تعطل أكثر من مرة، وفى كل مرة بسبب جرأة ما يطرحه من موضوعات، وتطرقه إلى مناطق شائكة. المرة الأولى عندما تقدمت به فى المعهد العالى للسينما منذ سنوات طويلة، ثم عندما تقدمت به لإحدى قنوات دعم الأفلام فى الأردن عام ٢٠١٥، مع فريق عمل كان من ضمنه مهندسة الصوت عبير حافظ.

وأخيرًا قررت إنتاجه بشكل مستقل، وبالفعل بدأت تحضير «لوكيشن» خاص فوق بناية قديمة بوسط القاهرة، و«بروفات» مع الممثلة التى رشحت لتقديم الدور، وبعد اقترابنا من تصوير العمل بأيام تعطل العمل به.

راضية أحمد 

■ هل صحيح أن الممثلة التى عُرض عليها الفيلم رفضته بسبب عنوانه؟

- حدث هذا بالفعل، ورغم رمزية العنوان اعتذرت الممثلة المرشحة للدور، بل إن أكثر من ممثلة اعتذرت أيضًا بسبب اسم العمل وجرأته، حتى اقتنعت ممثلة أؤمن كثيرًا بها وبقدرتها على تجسيد الشخصية، وأحبت العمل والنص جدًا، لكنها تراجعت فى آخر لحظة بعد «بروفات» عديدة وقبيل أسبوع واحد فقط من بدء التصوير.

■ القصة نفسها أحدثت صدمة عند نشرها.. بمَ تفسرين ذلك؟

- المجموعة القصصية الأولى للكاتبة راضية أحمد صدرت تحت عنوان «حلم دافئ»، التى نشرت بها قصة «يا هذا دعها تخلع ملابسها»، فى منتصف التسعينيات، وحينها أحدثت ضجة كبيرة بسبب جرأتها.

القصة تدور عن أم وحيدة، امرأة من طبقة أقل من متوسطة، تقبل على ممارسة البغاء لأول مرة ولكنها تخفق، إذ إن الرجل الذى يأتى إلى مسكنها الصغير لإقامة علاقة معها يستمع لبكاء صغيرها من غرفة مجاورة فيصيبه السأم والكآبة ويرحل فى النهاية.

القصة رفعت الستار عن انهيار ما فى المجتمع، خاصة أن التى تمارس الرذيلة هنا ليست فتاة ليل محترفة، بل سيدة عادية قادتها الظروف والفقر وجوع ابنها لممارسة ذلك الانحراف لأول مرة، فى مشهد شديد الإيلام.

■ تعرضت الكاتبة راضية أحمد لتجاهل من قبل اتحاد الكتاب، ما أسباب تخلى الاتحاد عنها؟ 

- كانت الكاتب راضية أحمد من الأعضاء النشطين جدًا فى اتحاد الكتاب، منذ تسعينيات القرن الماضى وحتى رحيلها. والأزمة لا تتعلق بالتجاهل بقدر التقاعس عن أداء واجبات رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، خاصة فى ملف علاجها، وبالطبع المرض لا ينتظر.

وبعد تجاهل لفترة ليست بالقصيرة، اختاروا لها مستشفيات غير مؤهلة بشكل كافٍ لحالات مثل حالتها، خاصة المستشفى الأخير الذى رقدت به وشهد وفاتها، علاوة على رد رئيس اتحاد كتاب مصر، علاء عبدالهادى، بعد رحيلها بـ١٠ أيام، فى مشهد يعكس استهتار تعس بكاتبة كبيرة.

■ حدثت مشادة بينك وبين رئيس اتحاد الكتاب فى الجمعية العمومية للنقابة التى انعقدت فى نهاية العام الماضى ٢٠٢٥.. ما كواليسها بالتفصيل؟ 

- لم تكن مشادة بقدر مواجهة علنية بأخطائه وتقصيره فى ملف علاج أعضاء اتحاد الكتاب، ووالدتى خاصة، إلى جانب رده الذى أتى متأخرًا بعد رحيلها بـ١٠ أيام. وعندما سألته عن وديعة الشيخ سلطان القاسمى، حاكم إمارة الشارقة، المخصصة لعلاج أعضاء الاتحاد من ريعها، هرب من القاعة. بعدها عاد وسألنى عن طلباتى فقلت فتح تحقيق فى وفاة راضية أحمد، وطبعًا هذا لم يحدث حتى الآن.

راضية أحمد

■ ذكرتِ أن والدتك توفيت إثر إصابتها بتسمم دم فى المستشفى المتعاقد معها اتحاد الكتاب، هل يعنى هذا تسبب إدارة الاتحاد فى موتها؟

- أولًا لنتفق أن الموت والحياة قدر، لكن نعم من الأسباب القوية لرحيل أمى إصابتها بتسمم دم خلال وجودها فى المستشفى الأول، ثم تخلى اتحاد الكتاب عنها تمامًا فى الجلطة الثانية التى أصيبت بها، ما أدى إلى تقصير المستشفى فى العلاج بشكل جيد بسبب مديونية مالية. 

وللأسف اُحتجز جثمان أمى فى المستشفى لحين سداد المبلغ، وفى ذلك الوقت كنا نمر بفترة انهيار اقتصادى، فى ظل رحيل والدى، وبعدها مرض والدتى لأشهر طويلة، لتتثاقل علينا الديون بسبب ذلك.

■ هل طالبت الكاتبة راضية أحمد بحقها فى العلاج من «وديعة القاسمى» المخصصة لعلاج أعضاء اتحاد الكتاب؟ وماذا كان رد الاتحاد؟

-  نعم، فى أكثر من مناسبة طالبت والدتى بحقوق الكُتَّاب بشكل عام، والعلاج من أموال وديعة الشيخ سلطان القاسمى خاصة.

■ ناشدتِ وزيرة الثقافة بالنظر فى أسباب تقصير اتحاد الكتاب بحق والدتك، هل التقصير كان متعمدًا، أم تعرض له أغلب الأعضاء؟

- نعم ناشدت الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، وما زلت أناشدها بالنظر فى ملف الكاتبة راضية أحمد، عضو اتحاد كتاب مصر، وما تعرضت له من ظلم وإقصاء غير مبرر، سواء فى ملف علاجها أو تقديرها أدبيًا.

ورغم موهبتها الكبيرة، لم يقام للكاتبة راضية أحمد تأبين لائق من قبل وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب. وخلال حياتها لم تحظ بجائزة واحدة أو تُرجم لها كتاب، رغم أن أعمالها نالت تقديرًا فى الخارج.

أعمال والدتى نُوقشت من خلال رسالة دكتوراه فى جامعة «شيكاغو» بالولايات المتحدة لباحثة أدبية شهيرة، وبينما حظى كثيرون من أبناء وبنات جيلها من الكتاب بالتقدير، بعضهم مستحق والأكثر غير ذلك- لم تنل هى ما تستحقه من تقدير.

من المفترض أننا فى عصر مختلف، ويجب أن نتجاوز معايير التقدير فى الماضى، التى لم تكن تعتمد فقط على الموهبة  والكفاءة. ووفقًا لما أراه، وزيرة الثقافة الحالية مهتمة بفتح ملفات الفساد فى الوزارة، لكن أين هى من ملف راضية أحمد؟ أوجه لها نداءً من خلال جريدة «حرف» لتلتفت لهذا الملف ولكل ملفات الكتاب الكبار المهدورة حقوقهم.

وبالنسبة لسؤالك هل التقصير متعمد أم موجه لمعظم أعضاء اتحاد الكتاب، أعتقد أن هذا يحدث مع كل الأعضاء للأسف، لكن راضية أحمد واجهت تمييزًا كبيرًا وتقصيرًا أكبر.

■ هل طلبتِ من إدارة اتحاد الكتاب نقل والدتك لمستشفى آخر للعلاج؟ وماذا كان الرد؟ 

- كان هذا هو طلبى الرئيسى، أن تنقل إلى مستشفى كبير تابع لوزارة الدفاع لأن حالتها كانت مركبة وخطيرة، ما بين جلطة فى المخ، وتسمم دم أسفر عن التهاب رئوى وكلوى حاد، لكن الرد جاءنى بعد الوفاة!

الكاتبة راضية أحمد مع الكاتبة والباحثة الأمريكية كارولين سامور

■ أشرتِ إلى أن الكاتبة راضية أحمد كانت من المعارضين لمنظومة العلاج باتحاد الكتاب.. ما أسباب رفضها هذه المنظومة؟ 

- كانت معارضة قوية لكل ملفات الفساد فى جميع قطاعات وزارة الثقافة، ربما لهذا حُجِب عنها الكثير من المؤتمرات والجوائز وفرص الترجمة، وتعرضت لحملات هجوم وحروب كبيرة بسبب شجاعتها. 

وبالنسبة لمنظومة العلاج على وجه التحديد، كانت تكافح من أجل علاج زملائها من الكتاب وأعضاء الاتحاد على نفقة الدولة، والكثيرون منهم خضع لعمليات جراحية فى مستشفيات تابعة لوزارة الدفاع بفضل سعيها، وهم يشهدون بذلك.

رحلت راضية أحمد فى نفس سنة رحيل زوجها، الدكتور عبدالعزيز المجدى، بعد أن أصيبت بجلطة فى المخ حزنًا عليه، ولأنها امرأة فائقة الجمال ومحافظة ومحاربة قوية لكل أشكال الفساد، واجهت حروبًا وهجومًا كبيرًا طوال حياتها.

منذ أشهر قليلة، كانت هناك حالة وفاة فى العائلة، وعندما نزل شقيقى إلى القبر ليتمم مراسم الدفن مع أفراد العائلة، فوجئ بأن جسد والدتى ما زال كاملًا كما هو، رغم مرور سنوات على رحيلها.. وهنا السؤال: هل نالت راضية أحمد الشهادة بسبب كل ما تعرضت له؟!

■ هل لكِ اهتمامات بالكتابة مثل والدتك؟

- نعم لى نصوص نُشرت فى مجلات أدبية، ومجموعات قصصية ورواية لم تُنشَر بعد، وحصلت على منح لكتابة السيناريو من وزارة الثقافة لكتابة أفلام روائية طويلة، كان آخرها سيناريو عن قصة «الوناسة» للكاتبة راضية أحمد، وهى درة أدبية وإبداعية كتبتها عن عالم الريف الذى عشقته بصورة كبيرة.

مختارات من أعمال الراحلة:

يا هذا دعها تخلع ملابسها.. من مجوعة «حلم دافئ» 1996

لذة سرية.. من مجموعة «فرح العوانس» 2004

الوناسة.. من مجموعة «فرح العوانس» 2004