الطريق إلى مكة.. عمرو سليم يزور الكعبة بـ«دراجة هوائية»: خدت الثواب كله
- وثقت تجربتى فى كتاب «الطريق إلى مكة» الصادر عن دار «أطياف»
- تحويل التجربة لعمل أدبى تخليدًا للرحلة.. فما يخطه قلمك يعيش للأبد
- لم أحذف أى مشهد فى الرحلة وحرصت على وصف أدق التفاصيل
يركب دراجته الهوائية منذ عام 2018، ويتجول بها ليس بين المدن والمحافظات المصرية فحسب، بل أيضًا خارج مصر، فى تجربة فريدة، كان أبرز مشاهدها السفر إلى المملكة العربية السعودية بالدراجة لأداء العمرة وزيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوى.
إنه الرحالة وكاتب الرحلات عمرو سليم، الذى ما إن رأى الكعبة لأول مرة، بعد أن سافر هناك بالدراجة، إلا ووصف ذلك بأنه «لحظة خارج إطار الزمن واللغة»، بعد سنوات من خوض تجربة الترحال والسفر داخل مصر.
ومع تفرد تجربته هذه، التقطتها دار «أطياف» للنشر، وأصدرتها له فى كتاب قيّم يحمل اسم «الطريق إلى مكة»، وهو الذى يدور حوله حوار «حرف» مع الكاتب والرحالة عمرو سليم فى السطور التالية.

■ متى بدأت فكرة التجوال بين المدن والمحافظات عبر الدراجة الهوائية؟
- بدأت فكرة الترحال والتجوال فى مدن ومحافظات مصر منذ عام ٢٠١٨، حينما قررت أن أكتشف العالم بشكل مختلف عبر خوض المغامرات. حينها علمت أن الكنز فى الرحلة وليس فى الوصول، فى الرفقاء الذين تعرفت عليهم فى رحلتى. عندما أرى الناس على طبيعتهم يساعدونك دون أن تكون بحاجة لتلك المساعدة، تعبيرًا عن حبهم وتعاونهم وكرمهم، وهو النهج السائد بين المصريين فى كل المدن.
■ لماذا قررت تطوير الفكرة إلى السفر بالدراجة الهوائية خارج مصر؟
- بعدما انتهيت من الترحال فى مدن مصر، رغبت فى التعرف على ثقافات جديدة وعادات مختلفة، لذا قررت أن أتخطى حدود مصر لأرى بعينى وأسمع بأذنى، لأرى المحبة بين الشعوب والترحاب والكرم، وزيارة معالم سياحية جميلة وجديدة.
■ ما الدول التى سافرت إليها عبر الدراجة؟
- زرت ٤ دول عربية بدأت بالأردن، ثم السعودية وتونس والجزائر.
■ ما أبرز الملامح التى رصدتها للقاهرة وغيرها من المدن التى زرتها عبر الدراجة؟
- القاهرة مدينة صاخبة شامخة تشعر فيها بالدفء وتحن إليها كطفل تحتضنه أمه. مهما زرت مدنًا جميلة يأخذنى الحنين للعودة إليها وكأنى قطعة منها. زرت العديد من المدن داخل وخارج مصر، مثل الأقصر وأسوان ودهب وسيوة وعمان والمدينة المنورة وبنزرت ووهران. لكن القاهرة لها طابع خاص، قد تراها مزدحمة، لكن بها سكون لا يعرفه إلا من عشقها. هى المدينة التى لا تنام دومًا، منيرة ومشرقة ليل نهار.
■ هل هناك مواقف معينة لا تنساها من رحلاتك؟
- مواقف لا حصر لها، وكل موقف له درس مُستفَاد، وكل درس عبرة فى الحياة، فالحياة والترحال هما «المدرسة الحقيقية» التى تتعلم فيها وترى فيها الحقائق.
أتذكر هنا موقفًا لطيفًا حدث لى فى السعودية، هو تعطل الإطار الداخلى للدراجة، ما دفعنى للسير مسافة ٢ كم حتى أجد مكانًا به ظل لأستطيع تغيير الإطار بعيدًا عن حرارة الشمس، وعندما وصلت إلى مدينة «أبيار الماشى»، وبدأت فى تغيير الإطار اكتشفت أن منفاخ الهواء معطل.
بعدها بادر رجل طيب من أهل المدينة بتوصيلى إلى محطة وقود لنفخ الإطار، وهناك التقيت رجلًا مصريًا، حينما رأى دراجتى وملابسى التى تحمل اسم بلدى مصر، انتظرنى وقدم لى يد المساعدة، فى دليل جديد يؤكد ثقتى بأن الله هو رفيقى فى رحلاتى.
■ ما الذى دفعك لزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة؟
- كنت أسير ولا أنظر خلفى، لا أرى سوى حلمى الذى أسعى إليه وأخطط لنجاحه يومًا تلو الآخر، وفى لحظة ما، وجدت أننى فى حاجة إلى وقفة مع النفس وخلوة مع الله، لذا بعد الانتهاء من زيارة مدن مصر قررت زيارة الأردن لكى أكتشف الترحال والمغامرة خارج حدود بلدى.
بعد ذلك طرأت لى فكرة جميلة، لماذا لا أجمع بين زيارة مدينة جميلة مثل المدينة المنورة، وبيت الله الحرام فى مكة المكرمة، من خلال هوايتى المفضلة المتمثلة فى الترحال واكتشاف العالم من فوق الدراجة الهوائية.
قد يبدو الأمر سهلًا، لكن أنا وحدى من أعلم أنه كان شبه مستحيل، لكننى سعيت إليه كثيرًا، وطرقت أبوابًا كثيرة وكانت تغلق فى وجهى، وكأن الله يبعث لى رسالة مفادها: ستأتيك هذه الزيارة فى الوقت الذى أريد لا فى الوقت الذى تريده، وهو ما حدث بالفعل.
■ ما المشاعر التى انتابتك خلال هذه الرحلة التى أديت فيها العمرة؟
- هذه الرحلة مختلفة عن رحلاتى السابقة والقادمة. كانت رحلة روحية أكثر منها جسدية. انتابتنى فيها مشاعر السكينة والوحدة والأنس بالله، والخلوة معه، كنت أشعر بالصحراء المتسعة كأنها رفيقتى ودليلى إلى الوصول.
كانت رحلة بحث عن اليقين والإيمان والذات، تركت جسدى وكل مشاعرى السابقة وتحركت بروحى لأثبت لنفسى أننى أستطيع، وأخبر العالم بأنه لا مستحيل فى هذه الحياة، وأنه ما دامت الشمس تشرق فأنت تستطيع تحقيق المزيد من الأشياء والأحلام.
وكما سبق أن ذكرت، أدركت أن الكنز فى رفقاء الطريق، وفى الأيام العصيبة التى مررت بها، وفى حرارة الشمس التى كان يحرقنى لهيبها، ورياح الصحراء التى تقلع خيمتى فى المساء. قد تبدو الرحلة شاقة ومرهقة، لكنها كانت ممتعة ومليئة بالذكريات الطيبة.

■ وما الأثر النفسى والروحى الذى ترسخ لديك خلال هذه الرحلة؟
- تركت هذه الرحلة آثارًا نفسية وروحية كبيرة فىّ. امتزجت الروح والسكينة بالمشقة والتعب خلال أيام طويلة قضيتها تحت السماء فى الصحراء، لكننى ارتويت عندما رأيت القبة الخضراء للمسجد النبوى، وزيارة الروضة الشريفة. هنا توقف الزمان عن الحركة، وخرجت من عالم اليقين للخيال كأننى طائر يسبح فى الفضاء ويحلق بعيدًا.
لن أنسى النوم فوق سطح المسجد النبوى، والإفطار مع شروق الشمس فى المدينة المنورة، وابتسامة المارة لك، وزيارة المعالم السياحية الدينية هناك مثل مسجدى «قباء» و«القبلتين»، وجبل «أحد» الذى قال عنه النبى «يحبنا ونحبه»، مرورًا بمدينة «بدر»، والصلاة فى مسجد «العريش» الذى صلى فيه النبى أثناء غزوة «بدر»، إلى جانب أول نظرة للكعبة المشرفة، وارتداء ملابس الإحرام بعد رحلة طويلة لا تُقاس بالمسافات ولا بالزمن، كأنك تنزع تعب الطريق ومشقته، وتنال المكافأة هنا.
لا أنسى كذلك مسجد «الغمامة» الذى يبعد أمتارًا عن المسجد النبوى، والصعود إلى غار «حراء» حيث كان يتعبد النبى نزل عليه الوحى، والسعى بين «الصفا والمروة» وأنت تتذكر السيدة هاجر وهى تسعى بسيدنا إسماعيل، بالإضافة إلى الناس الذين جاءوا من كل مكان لا تجمعهم أرحام، وألوانهم وألسنتهم مختلفة، لكن جمعتهم المحبة.
كل هذه آثار تركت فى روحى علامات لا تنسى ولا تمحى، وأثرًا نفسيًا جميلًا لا يزول بمرور الزمن، فى مكان تجمع فيه ملايين البشر، وكل منهم مشغول بعبادته، والجميع سواء كأسنان المشط.

■ وماذا عن التحديات والصعوبات التى واجهتك خلال رحلاتك؟
- واجهتنى تحديات كثيرة، مثل طبيعة الطريق فى الأردن من مصاعد وجبال، والبحث عن أماكن للمبيت، والمسافات الصحراوية الفارهة بين المدن فى السعودية، وقلة الخدمات على الطريق، وعدم توافر المياه بكميات مناسبة، وحرارة الشمس القاسية، رغم أننى قمت بالزيارة فى فصل الشتاء، إلى جانب التجهيزات البدنية للرحلة، والمتعلقات التى أرتديها، والحاجة إلى صيانة الدراجة، والمأكل والمشرب والملابس.
■ فى رحلتك تلك قابلت بشرًا ذوى ثقافات وقناعات متباينة.. كيف استقبلوا تجربتك؟
- فى رحلتى فى المملكة السعودية قابلت أصحاب ثقافات وجنسيات مختلفة، من مصر وسوريا والسعودية والهند وسويسرا وإنجلترا، وكانوا جميعًا فى حالة فخر كبير بى، ودعموا رحلتى بكلمات راقية، وقدموا لى مساعدات عديدة، من ماء وعصائر وحلوى.
لكل منهم رد فعل مختلف، لكنهم جميعًا أظهروا محبة صادقة، بدءًا من رجل المقهى الذى التقيت به فى سفاجا، وحتى صديقى الذى أوصلنى إلى المطار فى نهاية الرحلة، مرورًا بكثيرين استضافونى فى بيوتهم دون معرفة سابقة.
■ هل هناك من ترك أثرًا خاصًا لديك من بين هؤلاء بصورة أكبر من الآخرين؟
- كثيرون، من بينهم صديقى السورى الذى استضافنى فى منزله، ورجل سعودى أنقذ رحلتى بتحويل العملة الأجنبية إلى الريال السعودى، ورجل الأمن فى الحرم المكى الذى تركت معه دراجتى حتى أنتهى من مناسك العمرة، وأول رجل التقيت به فى السعودية على بعد أمتار من الميناء، ورجل مصرى أصيل أصر على استضافتى فى منزله ودعمنى إلى نهاية الرحلة، وآخر شحنت دراجتى إلى مصر من خلاله بعد أن رفضوا صعودها معى فى الطائرة.
■ هل يمكن اعتبار رحلتك للعمرة عبر الدراجة استعادة لرحلة الحج البرية عبر الجمال والقوافل البرية قديمًا؟
- نعم، بالطبع، لأن الهدف لدىّ ليس أن أصل، ولكن أن أكتشف الطريق، وأرى بعينى معادن الناس، الطريق مهما كان شاقًا وصعبًا فهو ممتع.
■ هل فكرت فى التراجع عن أى من رحلاتك؟
- لم أتراجع يومًا فى أى من رحلاتى، لأننى أتخذ القرار بعد تفكير عميق. من الممكن أن أتراجع فى تخطيط معين للرحلة، لا قرار خوض الرحلة بأكملها. رحلة العمرة تحديدًا كانت تمثل لى رحلة إنسان خرج ليكتشف ذاته، ويبحث عن الحقيقة وعن نفسه التائهة. رحلة روحية وخلوة مع النفس وأنس بالله. وبصفة عامة، علمتنى رحلاتى الصبر حتى النهاية، وعدم الاستسلام للمصاعب، والمثابرة حتى آخر نفس، وأن كل شىء مهما طال لا بد له من نهاية.
■ ما الذى منحته لك الدراجة دونًا عن غيرها من وسائل السفر فى رحلاتك؟
- الدراجة كانت الأداة التى اكتشفت بها الرحلة والطريق، اكتشفت بها ذاتى ونفسى وقوتى على التحمل. رأيت من فوقها العالم من منظور مختلف، كنت أنا وهى روحان فى جسد واحد، أشعر بها كما كانت تشعر بى، أرى أنينها وأسمعه فى المصاعد وحرارة الشمس القاسية، وأشعر بها عندما تقسو علينا الصحراء بليلها البارد. كانت هى الجندى المجهول فى الرحلة. الحقيقة أنها هى من قامت بالرحلة وليس أنا!
■ هل كنت تكتب يومياتك أولًا بأول أثناء الطريق، أم استعنت بالذاكرة بعد العودة؟
- لم أكتب يوميات أولًا بأول، بل أستمتع بالرحلة، ثم أعتمد على الذكريات والصور التى كنت قد التقطتها أثناء رحلاتى.
■ لماذا قررت تحويل هذه التجربة الشخصية الخاصة إلى كتاب؟
- تحويل التجربة إلى عمل أدبى هى تخليد للرحلة، فما يخطه قلمك يعيش أبد الدهر، ويظل ذكرى تتوارثها الأجيال، ومن الممكن أن يكون مرجعًا لكل من أراد خوض مثل هذه التجربة الخالدة والفريدة.
■ هل كان هدفك كتابة «أدب رحلة» بالمعنى التقليدى، أم توثيق تجربة إنسانية وروحية مختلفة؟
- كان لدىّ الهدفان معًا، أولًا استكمال أعمالى الأدبية ككاتب لأدب الرحلات، وثانيًا توثيق وتخليد الرحلة الروحية كتجربة إنسان خرج للسير عكس التيار، والبحث عن ذاته واكتشاف نفسه من خلال رحلة بالروح قبل أن تكون بالجسد.
■ هل هناك تفاصيل أو مشاهد حذفتها من الكتاب رغم أهميتها؟
- لا، لم أحذف أى مشهد فى الرحلة، بل كنت حريصًا على وصف أدق التفاصيل ليعيش القارئ معى المغامرة منذ أن كانت حلمًا يراود فكرى، ويأتينى فى أحلامى، وأجلس ساعات أخطط له، حتى أصبح حقيقه ملموسة، وتحول إلى عمل أدبى أشارك فيه القراء بكل تفاصيله.
■ما الذى تعلمته من هذه الرحلة؟
- تعلمت أن الرحلة والكنز فى الطريق والرفقاء، وفى اكتشاف الذات وقوة التحمل وجلد النفس والبساطة، واليقين بالله ولطفه. مكة هى البداية وليست النهاية، ومنها بدأت رحلتى الحقيقية مع نفسى وروحى.







