الخميس 23 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

الغواية.. نسمة يوسف إدريس: نعيش فى «زمن اللخبطة» فلماذا لا «ألخبط» القارئ؟

نسمة يوسف إدريس
نسمة يوسف إدريس

- استلهمت رواية «غواية» من عجوز فى ميدان التحرير

- بدأت كتابة الرواية منذ 7 سنوات كاملة

- أخطط لكتابة جزء ثان من الرواية عن «أبناء روحية»

- القارئ ليس طفلًا فى المرحلة الابتدائية.. وقارئى تحديدًا ناضج وواع

طرحت الدكتورة نسمة يوسف إدريس، فى يناير الماضى، روايتها الجديدة «غواية»، عن دار «الشروق» للنشر والتوزيع، وفيها تناقش حياة سيدة تدعى «روحية»، ولدت فى بيت أرستقراطى، ومع ذلك أصر والدها على خروجها من المدرسة لتتزوج.

الرواية تدور أحداثها ما بعد ثورة 1952، وتستمر أحداثها حتى ثورة 25 يناير 2011، لتكشف عن تحولات التاريخ المصرى، وتعرّج على الكثير من المشاهد المهمة بين هذين التاريخين، وتأثيرها على الأفراد والمجتمع، لتبدو «روحية» فى النهاية معادلًا موضوعيًا لمصر ذاتها، ولمحاولاتها التحرر والخروج للبراح، عبر لغة مكثفة وبسيطة.

فى الحوار التالى مع «حرف»، تتحدث نسمة يوسف إدريس عن رواية «غواية»، ومشروعها الجديد لاستكمال العمل برواية أخرى تتحدث عن «أبناء روحية»، وحياتهم بعد 25 يناير 2011، وما فعلته جماعة «الإخوان» فى هذه الفترة.

■ كيف جاءت فكرة رواية «غواية»؟

- جاءتنى فكرة رواية «غواية» من ميدان التحرير، حيث كنت فيه وقت اندلاع ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ووقتها حدث شىء غريب، تلاقت عيناى مع عينى امرأة كبيرة فى السن بقلب الميدان، نظرت لى بقوة، فحدث ما يشبه لقاء روحانيًا بيننا، هذه المرأة هى التى أوحت لى، أو بمعنى أدق «أغوتنى» أن أدون الحكاية الخاصة بها.

■ منذ لقائك بهذه السيدة فى ميدان التحرير وحتى صدور الرواية مرت فترة كبيرة جدًا.. لماذا؟

- بالنسبة للفترة الزمنية الكبيرة، أنا بدأت أكتب فى الرواية منذ ٧ سنوات كاملة، لأن كل شىء لدىّ يأخذ الكثير من الوقت، فى التفكير، وحتى حينما تقدمت برسالتى للحصول على درجة الدكتوراه، أخذت منى ما يقرب من ٣ سنوات، أفكر فى الفكرة نفسها لحين البدء فى تنفيذها.

بالنسبة لرواية «غواية»، الأحداث تبلورت فى هذه السيدة، وكذلك الأفكار، بداية من البحث عن ماهية وحقيقة معنى الحرية، هل هى الحرية الفكرية، أم حرية جسدية، أم حرية وجودية؟ استغرقت وقتًا طويلًا جدًا لكى ألمس كل تلك الخيوط، ومعانى الحرية، ومفاهيم ومعنى الوطن.. لذلك كله أخذت الرواية كل هذا الوقت.

■ الرواية تسير فى خطين متوازيين.. تاريخ مصر ما بعد ثورة ٢٣ يوليو، وقصة «روحية» و«خيرت» وتحولاتها بعد ٢٥ يناير.. باستخدام هذه التقنية، ألم تخشى غياب القارئ عن بعض التفاصيل، خاصة أنك ذكرت تاريخ مصر بتكثيف شديد؟

- بمنتهى الأمانة أنا تعمدت «لخبطة» القارئ قليلًا، لأننا فى الأساس والحياة الحقيقية التى نعيشها نعانى من تضارب الآراء وكل شىء. لا يوجد شىء «يمشى على راحتنا أو على هوانا» كما يُقال، ولا نفهم كل شىء.

ولأن الفن فى الأساس هو تعبير عن الحالة التى نعيشها، كان لا بد أن يكون هناك شىء من «اللخبطة». غير منطقى أن الفن، الذى يعكس الحياة، يكون منطقيًا ومريحًا ومتسلسل الأحداث.

المعنى يتغير مع تغير القارئ، وكل قارئ يفهمه بطريقته الخاصة، والنفحات التاريخية تلمس كل قارئ بشكل مختلف، وهذا عرفته من القراء أنفسهم؛ لذا ما تقوله حدث عن عمد وقصد كامل، بعد تجربة عشتها مع القارئ، وأشعر بأنها والحمد لله وجدت صدى كبيرًا.

■ أنهيت مأساة «روحية» بـ«ثورة يناير».. هل أردتِ أن تقولى: «مأساتها تشبه مأساة مصر التى أدت للثورة»؟

- قصدت تمامًا أن تكون «روحية» رمزًا لمصر، حياتها مع زوجها «خيرت»، وتاريخها معه، وعلاقتهما المتشابكة والمحبطة فى نفس الوقت، تشبه كثيرًا تاريخ مصر المعاصر، من ٢٣ يوليو ١٩٥٢ حتى ٢٥ يناير ٢٠١١، مع تحفظى على كلمة «مأساة»؛ لأنها ليست «مأساة»، ويمكن أن نقول بدلًا عنها «معاناة» أو «حبكة درامية» لكنها ليست «مأساوية».

■ لماذا تستخدمين لغة تشبه حكيًا شفاهيًا كأنك تهمسين فى أذن القارئ؟

- بالنسبة للغة فهذا أيضًا أمر متعمد، وملحوظة ذكية جدًا أشكرك عليها. حاولت فى الحقيقة أن أكون وكأننى أهمس فى أذن القارئ، أو أحاول أن أوحى إليه بأشياء، أو بالحكاية ككل، لأننى كما قلت أولًا، أو كما فى العنوان المكتوب «الغواية»، فأنت طوال الوقت تحاول غواية القارئ لأنه يفهم تمامًا، والحكى فن الغواية، أنت تغوى القارئ كى يفهم نفسه أكثر، ويفهم القصة وتاريخ مصر، تغويه بأشياء كثيرة، ليس إغواءً جسديًا بل عقلى، وبالتالى كل قارئ سيغوى حسب قدرته ورؤيته وعقله.

■ رغم تربيتها فى بيت أرستقراطى، أصر والد «روحية» على عدم إكمالها تعليمها، وتزويجها.. ما الذى قصدته من ذلك؟

- بالنسبة لمفهوم التحضر، أو بمعنى أدق مفهوم التحرر، فهو فى رأيى ليس له علاقة أبدًا بالطبقة، وبالتالى يمكن أن تجد أحدهم من طبقة غير أرستقراطية، وطريقة تفكيره متحررة جدًا. يدخل فى ذلك الكثير من العوامل، مثل طريقة تربيته، مدى علاقته بذاته وعلاقاته بالأهل.

لكن والد «روحية» تقليدى جدًا، ومتمسك بالمظاهر الخارجية للتربية، ووالدتها نفس الأمر، ولا أحد يتساءل عن ماهية القرارات التى يتخذانها، أو علاقاتهما بأبنائهما، هما كمعظم المجتمعات العربية والمصرية، يؤديان دوريهما فقط، ولا توجد أى وقفة مع النفس، وسؤالها لماذا يفعل ذلك؟ وما تأثير هذه القرارات على الأبناء؟

هذا يشكل مأساة كبيرة جدًا فى حياتنا جميعًا كأسر ومجتمعات وبلد، فلا يوجد أحد يفعل أى شىء لمجرد أنه مقتنع به، ولكن كله يقلد بعضه البعض، مثل الببغاوات، وهذا ينتج عنه أفراد تعساء جدًا بسبب تعنت الأنظمة معهم، ومن ضمنها النظام الأسرى.

■ من يقرأ الرواية سيظن أن الغواية هنا جسدية، وإنما هى أكبر بكثير مما تمثله هذه الكلمة.. كيف ترين هذا؟

- كما قلت لك سابقًا، الغواية هنا ليست غواية الجسد وإنما هى غواية الروح، غواية الأفكار، حالة من التحرر، محاولة من البطلة للتحرر من كل ما يحاول تشكيلها فى هوية لا تحبها رغمًا عنها. هى نفسها حين كتبت بالقلم «الروج» على المرآة كانت هناك روح محبوسة أو سجينة فيها.

الرواية تعتبر تجسيدًا لروح «روحية» التى تحاول غوايتها بعيدًا عن الذات المتحجرة أو المفتعلة، التى تشكلت من خلال تربيتها وقيم مجتمعها. الروح دائمًا ما تغوى، كل إنسان حسب تطلعاته وأفكاره، والتطلعات الحقيقية لـ«روحية» أنها ترى نفسها فراشة أو «باليرينا»، فروحها تغويها بالحرية.

نسمة يوسف إدريس فى حفل توقيع للرواية

■ استدعيت الكثير من الرموز للتدليل على الحدث وما تودين قوله بدون ثرثرة، مثل لوحة «العشاء الأخير» وغيرها.. هل عنيت إدراج الرمز بما له من دلالة تاريخية يعرفها القراء؟

- من ناحية الأسلوب الذى كتبت به الرواية، فهو كما قلت أنت، أعتمد فيه على الرمزيات مثل لوحة «العشاء الأخير» وغيرها للتدليل على بعض الأمور فى الرواية، وذلك لأن الرواية تعتمد أسلوبًا مكثفًا. وأنا أكتب أحاول بقدر الإمكان تفادى الكثير من التفاصيل، وأعتمد على خيال القارئ وإشراكه فى الرواية، وتحصيله للتاريخ وللأخبار وللأحداث التى يعرفها هو من قبل.

شىء متوقع أن القارئ ليس طفلًا فى المرحلة الابتدائية، بل شخص ناضج طالما يمارس هذا الفعل، فعل القراءة، وأنا أجزم أن أى قارئ يُشَد لروايتى هو قارئ ناضج وعاقل وواع جدًا بتاريخ مصر وظروفها وتحولاتها، وحيثيات كل هذه الأمور.

بالتالى، أنا لا أحتاج لأن أفسر لهذا القارئ كل صغيرة وكبيرة، وفى مقابل ذلك، أمنحه معطيات يمكنه أن يفهم منها ما يشاء، بمعنى أننى أكتب الكثير من الدلالات ويفهم القارئ ما يفهمه. لوحة «العشاء الأخير» مثلًا ترمز أكثر ما ترمز للخيانة، ترمز إلى مقولة «حاميها حراميها»، فمن يحمى هو من يخون العهد فى الرواية.

■ هل فكرت فى عمل جديد تطرحينه للنشر خلال العام المقبل؟

- أعمل على عملين الآن وليس عملًا واحدًا، فقد انتهيت من «كورس أونلاين» مبنى على النظرية الكمية والمفاهيم المصرية القديمة، وأعتقد أن هذا مهم فى تغيير الوعى الشخصى للأفراد وتنظيمه. فى نفس الوقت أكتب كتابًا بالإنجليزية عن توأم الشعلة، أو رحلة توأم الشعلة

والحقيقة أنا فى كل مرة أجرب شيئًا جديدًا، أكتب مسرحية أو رواية أو قصة قصيرة، لكن هذه المرة الأمر يختلف قليلًا، وهناك احتمال كبير أن أصدر كتاب توأم الشعلة كما قلت بالإنجليزية، وأترجمه إلى العربية فيما بعد.

هناك احتمال ثالث أفكر فيه الآن، وهو أن اكتب الجزء الثانى من رواية «غواية»، أكتب عن «ما بعد الغواية»، وفى هذا الجزء الجديد أتحدث عن أولاد «روحية» الأربعة، وما حدث لهم بعد 25 يناير.