السبت 06 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

سيدة الروسى.. رولا عادل: الترجمات العربية القديمة «يشوبها بعض التحريف» بسبب «اللغة الوسيطة»

حرف

- القارئ العربى ظل سنوات طويلة مهتمًا بالأدب الروسى القديم فقط

- أعمل على مشروع لترجمة الأدب الروسى الكلاسيكى لمؤلفين مجهولين

- الجميع كان ينظر إلى الأدب الروسى باعتباره «أدبًا نفسيًا» فقط

- الترجمة مدارس.. وهناك من يقرأ النص ويفهمه ثم يكتبه بأسلوبه

نشرت المترجمة رولا عادل رشوان العديد من الترجمات العربية للأدب الروسى ورواده فى الفترة الأخيرة، منها «الأيام الأخيرة فى حياة تالاستوى» و«أيامى مع جوجول» و«جوركى.. سيرة ومسيرة»، مرورًا برواية «يهوذا» لـ«ليونيد أندرييف»، قبل ترجمتها الأخيرة «بحثًا عن قاتل» للكاتب أندريه. إيه. زارين.

ولأن الأدب الروسى له حضور قوى فى الثقافة المصرية، ويعتبر واحدًا من أهم الروافد التى تعلم منها الأدباء المصريون عبر الأجيال، التقت «حرف» المترجمة رولا عادل رشوان للحديث معها عن هذه الأعمال، ورؤيتها للترجمات العربية القديمة للأدب الروسى، إلى جانب العديد من الموضوعات الأخرى المتعلقة بالترجمة بصفة عامة.

■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟

- تخرجت فى كلية الألسن قسم اللغة الروسية، ثم بدأت التدرّب فى وزارة الخارجية، ومن بعدها العمل فى مجال السياحة، لكنه لم يروقنى كثيرًا، فلجأت إلى الترجمة التى استهوتنى منذ سنوات دراستى الأولى.

عملت فى الترجمة العامة لدى شركات ومؤسسات مصرية وعربية حتى عام ٢٠١٩، حينها قررت ترجمة كتابى الأول «بابا ياجا- حكايات شعبية روسية»، والذى حصل على جائزة أفضل كتاب مترجم من المركز القومى للترجمة، فى مسابقة الترجمة التى أقامها معرض الكتاب فى ذلك العام بالتعاون مع المركز، ومنذ ذلك الوقت وأنا أعمل بصفة دائمة فى مجال الترجمات الأدبية. 

■ قلتِ فى حوار سابق إن الترجمات العربية للأدب الروسى «يشوبها بعض التحريف».. لماذا يفعل المترجمون ذلك فى رأيك؟

- قصدت بهذا الترجمات القديمة، مثل ترجمات سامى الدروبى وصياح الجهيم، لأنهم كانوا يترجمون الأدب الروسى عن لغة وسيطة هى الفرنسية، ما أدى إلى فقد بعض الجمل بل والفقرات بسبب تعدد اللغات المترجم منها.

والترجمة مدارس، فهناك من يقرأ النص ويفهمه ثم يكتبه بأسلوبه، وهناك من ينقله كما كتبه مؤلفه، وهناك من يحذف جملًا لدواعى تكرار فى رأيه، أو لصعوبة ما فى الجمل الطويلة أو المعقّدة، راغبًا فى إيصالها للقارئ العربى سهلة وسلسة. والتحريفات تتم حين يضع بعض المترجمين رأيهم فى النص.

■ للأدب الروسى حضور خاص فى الثقافة المصرية.. كيف ترينه الآن مقارنة بالماضى؟

- أظن أن القارئ العربى قد بدأ منذ فترة ليست طويلة فى الاهتمام بالمؤلفات الروسية الجديدة، ولا أقصد بالجديدة المعاصرة، وإنما أقصد العناوين الجديدة لمؤلفين لم يكن يعلم عنهم شيئًا. وللأسف يحدث هذا ببطء، فالقارئ العربى ظلّ لفترة متشبعًا بما قرأه بالفعل من الأدب الروسى، أو استهواه محتواه القديم، فلم يعد مهتمًا بالمواضيع الجديدة التى طرحت مؤخرًا.

والجميع كان ينظر إلى الأدب الروسى باعتباره أدبًا نفسيًا، أو الأدب الذى يحكى المآسى الشخصية والنفسية أو السياسية والاجتماعية وخلافه. لكن الأدب الروسى شأنه كما شأن جميع الآداب الأخرى فى مختلف اللغات، يحوى مواضيع اجتماعية وسياسية ونفسية، ويحكى عن الفانتازيا والخيال العلمى والأدب البوليسى والقوطى.. إلى آخره. بخطوات بطيئة كما أسلفت، صار القارئ العربى يعود إلى اهتمامه بالأدب الروسى مستطلعًا العناوين المترجمة حديثًا بحثًا عن جديد.

■ بصدور آخر ترجماتك وهى رواية «بحثًا عن قاتل» للكاتب الروسى أندريه. إيه. زارين، قلتِ إن لديك مشروعًا كبيرًا لترجمة الأدب الروسى.. ما تفاصيل هذا المشروع؟

- بدأت مشروعى لترجمة الأدب الكلاسيكى لمؤلفين مجهولين، لا يقلون إبداعًا أو عظمة عن أولئك الذين عرفهم القارئ العربى منذ بداية انتشار الأدب الروسى المترجم. تطوّر المشروع عبر السنوات بفكرة راودتنى تلو الأخرى، كان آخرها حين فكرت فى إجابات القارئ العربى عمّا يستهويه من الأدب العربى مثلًا، فتجده يقول إنه يهوى الأدب المعتمد على الحكايات التاريخية، أو السير الذاتية والغيرية والفانتازيا والأدب البوليسى وخلافه، لكن حين تسأله عن الأدب الروسى، تجده يقول إنه بالفعل يحب «الأدب الروسى»، وإنما دون تحديد أى من المواضيع تهمّه. يعود ذلك إلى أنه لم يطّلع إلا على مواضيع محدودة تكاد تكون متشابهة.

وهكذا قررت أن أترجم الأدب الروسى فى مختلف مواضيعه، وأبديت اهتمامًا خاصًا بفن القصّة القصيرة التى لم يصل منها إلى القارئ العربى إلا عبر ترجمات تشيخوف مثلًا. كذلك أبدى مؤخرًا اهتمامًا بـ«النوفيلات» أو الروايات القصيرة، وهو صنف أبدع فيه الكُتَّاب الروس ولم يصل إلينا منه- كالعادة- سوى النذر اليسير.

■ ترجمتِ أعمالًا يكتبها آخرون عن الكُتَّاب الروس مثل «أيامى مع جوجول» و«الأيام الأخيرة فى حياة تالاستوى» و«جوركى سيرة ومسيرة».. ما الدافع؟

- فى الواقع، أظنّ أن هذا حدث دون إرادة منّى. لطالما أحببت القراءة فى أدب السير الذاتية والغيريّة. هكذا وجدت نفسى مهتمّة بترجمتها عن الأدب الروسى، ولم أفطن إلى أننى فعلت هذا إلا بعد أن أصدرت بالفعل ٣ ترجمات لسير غيرية عن «تولستوى» و«جوركى» و«جوجول».

تقدّم السير الذاتية عبرًا وحكايات كما يفعل الأدب، وتمنحنا صورة تاريخية عن حال المجتمعات فى القرون السابقة تاريخيًا واجتماعيًا وسياسيًا. بالتالى أرى أن أدب السير الذاتية يضم فى نفسه مواضيع مختلفة.

فى «أيامى مع جوجول» مثلًا، رأينا كيف كان المجتمع الأدبى يتعامل مع قامة بحجم «جوجول» بقلة من تقدير أحيانًا. كذلك نعرف عن الأزمات الاجتماعية والدينية التى واجهته وأثرت فيه، إلى جانب حدث مثل حرق واحد من أهم كتبه، حين استولت عليه النزعة الدينية وظنّ فى نفسه رسولًا للإله على الأرض أرسل للتبشير.

وفى «الأيام الأخيرة فى حياة تالاستوى» نجدنا أمام شهادة من طرف ثالث فى معركة شهيرة تاريخيًا بين «تولستوى» وزوجته، هو مؤلف الكتاب، وأقصد هنا محرر «تولستوى» وصديقه الأقرب.

نعرف عبر شذرات من حكايات الصديق، وبضع مقتطفات من رسائل «تولستوى» ويوميّاته كيف شعر فى خضم المعركة، وكيف تصرّف فيها ونازعته الهواجس، واحتقاره لطبقة النبلاء التى كان واحدًا منها، وعطفه على الفقراء، والذين أهدى إليهم ضيعته كميراث بعد وفاته، فى وصيّة أودعها ابنته وصديقه، خوفًا من زوجته التى أدارت أعماله ووصفته بالسفيه المبذر لثروته، وحاربته طويلًا، وصولًا إلى الأيام الأخيرة فى حياته بعد هروبه من منزله ووفاته وحيدًا فى محطة قطار.

■ ما الترجمة التى تعملين عليها الآن؟

- أعمل الآن على ترجمة لمجموعة قصصية لـ«ليونيد آندرييف»، وهو واحد من كُتَّابى المفضّلين فى فن القصة القصيرة، وإن كانت مواضيعه حاثة على التشاؤم أحيانًا، لكنى أراه فيلسوفًا عظيمًا يجب أن ينقل تراثه القصصى كله إلى العربية.

■ درج الجميع على معرفة «تولستوى» باسمه هذا.. لماذا أدرجته فى الكتاب باسم «تالاستوى»؟

- كما ترى، تجدنى فى إجاباتى أكتب اسمه «تولستوى» كما اعتاد الجميع تسميته، أما تسميته فى الكتاب بـ«تالاستوى» فجاءت من أجل التوافق مع بقية الأسماء الواردة فى الكتاب. أعنى أنه فى روسيا تسمى العائلة باسم الأب باختلاف نهاياتها. تجد مثلًا أن اسم الأب «أندريه»، فيكون اسم ابنه «أندرفيتش» أو «أندريفسكى»، فى حين تأتى أسماء الزوجات والبنات على النهاية التالية «أندريفنا» أو «أندرفسكايا».

هكذا كان اسم الزوجة والبنات فى الكتاب ينتهى إلى اسم عائلتهن باعتبارها «تالاستايا»، لهذا صعب علىّ كتابة اسمه على نحو «تولستوى»- بالضمّ- مختلفًا عن أسماء عائلته.

على كل حال، كان اختيارًا مهمًا لظرف الكتاب على الرغم من الانتقادات التى وجّهت لكتابة اسمه على تلك الشاكلة. لكنّى ما زلت أراها ضرورية، وتلك اختيارات تخضع لاختيار المترجم ورؤيته.

■ ترجمتِ أيضًا بعض الأساطير والقصص الروسية.. فيم تختلف عن الترجمات الأدبية؟

- أعتقد أن الاختلاف يكمن فى كيفيّة تحرى النصوص الأصلية من الموضوعة، فالأساطير الشعبية لها رواة متعددون ونسخ مختلفة. اخترت أقربها إلى الخلفية الروسية اجتماعيًا، ومن حيث الطبيعة الروسية الباردة وما شابه. تطلّب هذا بحثًا طويلًا، لقلّة الموارد المتوافرة عبر الإنترنت، وهو تقريبًا المورد الوحيد المتوافر للأعمال الكلاسيكية، فضلًا عن مكتبة كلية الألسن العريقة، التى لجأت لها حينها حين عجز الإنترنت عن إيفائى بما أحتاج ضمن مخطط الكتاب.

■ عرجت أيضًا على تاريخ روسيا فى «الأميرة تاركانوفا.. فصل مظلم فى تاريخ روسيا».. ماذا تقولين عن هذا الكتاب؟

- هذا واحد من أقرب الترجمات إلى قلبى، لأن الأدب المعتمد على التاريخ هو الأقرب لذائقتى القرائية، ولأن مؤلفه اضطلع بحكى التاريخ عبر رواياته، مضيفًا إليه- بالطبع- بعض الحواشى الأدبية، دون الإخلال بالأصل التاريخى.

هذا كتاب مهمّ فى نسخته الروسية، لأنه سلّط الضوء على مؤامرات البلاط الملكى، وقصّة أميرة ورثت العرش وجرى التخلّص منها، فذهبت سيرتها واختفت إلا عن المطّلعين على تاريخ البلاط الروسى.

الروايات مهمة فى إيصال التاريخ بشرط ألا يعتمدونها كمصدر تاريخى بحت، وإنما كشعاع ضوء يسلّط على الحكاية التاريخية الضائعة، وليبحث الراغب فى المعرفة عن المزيد كيفما أراد فيما بعد للوصول إلى التفاصيل الموثوقة.

■ يستخدم الكثيرون «الذكاء الاصطناعى» فى الترجمة الآن.. كيف ترين ذلك؟

- تطوّر «الذكاء الاصطناعى» كثيرًا عن بداياته، وأظنّه يبلى بلاء معقولًا فى الترجمات العادية أو الأدبية البسيطة، لكنه لا يزال عاجزًا فى الترجمات المتخصصة التى تستدعى إلمامًا بصوت الكاتب وأسلوبه، وسياق الكتاب، وكذا بعض الأساليب الأدبية التى تستدعى مفردات أدبية بارعة، أو بحث مطوّل عن كيفية اختيار مفردة دون غيرها.. أعلم هذا بالتجربة الشخصية.

ما زلت أستخدم «الذكاء الاصطناعى» طوال الوقت فى إجراء تجارب عن تطوّره، والبحث عن الفروق بين ترجمته البسيطة غير المتكلفة، أو المتقعرة بطلب المستخدم، والأخرى التى أصنعها أنا بوعى ومفردات وبحث وطول معرفة بالكاتب وأسلوبه وصوته الخاص.

■ هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعى محل المترجم يومًا ما؟

- الحكم فى المسألة يظل للقارئ. هناك القارئ الراغب فى الاطلاع على المحتوى بأى كيفية طالما كان مفهومًا، وهناك القارئ المحبّ للأدب ومتذوّقه، الذى يستطيع التفريق بين الكتابة السهلة، والأخرى المبدعة. وأنا رهانى على الأخير.