متاهة الإفرنجى.. أيمن رجب طاهر: أسرى الحملات الصليبية اكتشفوا أكاذيب اضطهاد المصريين للمسيحيين
- الحملة الصليبية الأولى ارتكبت مذابح بحق أهل بيت المقدس
- فوجئوا بالواقع المصرى الحضارى بعد هزيمتهم فى المنصورة وفارسكور
- الرواية شاهدة على افتراءات لويس التاسع بحق أهل مصر
- العلّامة قاسم عبده قاسم مرجعى الأساسى فى تجهيز الرواية
وصل الروائى والقاص أيمن رجب طاهر إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العام الماضى بروايته «المشعلجى»، ليعود فى عام 2026 بروايته الجديدة «الإفرنجى»، الصادرة عن دار كيان للنشر والتوزيع.
فى هذا العمل، يناقش رجب طاهر الحملات الصليبية على مصر وأسر الملك لويس التاسع فى دار ابن لقمان بالمنصورة، لكنه يختار أن يكتب الرواية من منظور مغاير، عبر ما يُعرف بـ«الرواية الضد»، إذ لم يتناول شخصية عربية عاشت الحملة، بل شخصية إفرنجية جاءت مع الحملة، هى «جيروم» مساعد المؤرخ الشهير جوانفيل، مؤرخ الملك لويس.
وعلى لسان هذه الشخصية، يسوق الكاتب الكثير من المعلومات المستقاة من مصادر متعددة عن الحملات الصليبية، ليبدو وكأنه لا يؤرخ فقط لأسر الملك لويس، بل ينطلق من حملته الأخيرة ليعيد قراءة مجمل الحملات الصليبية على مصر، وسط حبكة متخيلة وأحداث درامية عن تلك الحقبة.
حول رؤيته لهذا العمل الجديد، أجرت «حرف» مع الروائى أيمن رجب طاهر الحوار التالى.

■ بداية.. كيف جاءت فكرة رواية «الإفرنجى»؟ وكيف عملت عليها؟
- جاءت فكرة الرواية من خلال قراءاتى للعديد من الأعمال الإبداعية - الروائية والمسرحية - التى تناولت حوادث ووقعات حملات الإفرنج على منطقة الشرق الأوسط والشام تحديدًا ثم مصر فى مراحل تالية؛ للسيطرة على بيت المقدس.
ووجدت الكُتّاب والمبدعين استفاضوا فى وصف تلك الحروب والمعارك التى خاضها ملوك أوروبا بوصفهم غزاة محتلين للأرض العربية والمحاولات اليائسة فى التصدى لتلك الموجات المتتالية من وجهة نظر هؤلاء المدافعين، فكانت فكرة «الإفرنجى» نابعة من منطلق «الرواية الضد»، أى التى يرويها أحد أفراد هؤلاء الغازين من الإفرنج أثناء قدومه مع حملة لويس التاسع على دمياط للاستيلاء عليها ثم التحرك لإسقاط القاهرة، حيث تم صدهم قبالة المنصورة بعد معركتها الشهيرة التى خاضها جيش مماليك السلطان نجم الدين أيوب.

■ يعتمد تكنيك الرواية على سرد قصة «جيروم» مساعد «جوانفيل» الذى أُسر ضمن الحملة، وقد اخترت أن تقدّم العمل من خلال «الرواية الضد»، أى أن تروى الحدث بلسان شخصية إفرنجية لا عربية. هذا الخيار يبدو أكثر مشقة وتعقيدًا.. لماذا لجأت إلى هذا التكنيك؟
- فى الحقيقة هذا التكنيك له عدة أسباب منها، أولًا: التعرف على وجهة نظر الآخر الإفرنجى بوصفه على قناعة تامة أنه إنما جاء ليخلص مملكة السماء من العرب المضطهدين أهلها وهذا على ما سمع من خطب قادته.
ثانيًا: نظرة ذلك الإفرنجى للآخر العربى بعد أن عاش قرابة خمس سنوات سواء فى المدن المصرية «دمياط، المنصورة، القاهرة، منطقة سيناء» أو المدن الشامية «الخليل، بيت لحم، القدس، عكا»، وتغير فكرته عن ذلك العربى بوصفه هو المعتدى إلى معتدى عليه.
ثالثًا: دحض مفتريات أولئك الملوك والنبلاء والقادة الأوروبيين فى ذلك الوقت المدعين أن ذلك الشرقى لا ذاكرة ولا تاريخ ولا علم أو ثقافة أو معرفة لديه سوى اضطهاد من هم على غير دينه، ولقد عاش الإفرنجى جيروم حياة آمنة بين جموع المصريين وصلى فى كنيسة الفسطاط المعلقة القريبة من جامع عمرو بن العاص، ورأى اليهود سواء فى معبد موسى بن ميمون أو معبد ابن عزرا، ورأى الإفرنجى بنفسه حرية العبادة بين كل من يعيش من مسلمين ومسيحيين ويهود وعمق أواصر الحياة الحقيقية بين نسيج المجتمع المصرى فى ذلك الوقت.

■ فى رواياتك السابقة مثل «المشعلجى» و«أنسباى» و«حيدر بن زرع النيل» كان البطل ابن المكان الذى تنتمى إليه الرواية، بينما فى «الإفرنجى» اخترت أن يكون البطل أجنبيًا لا يعرف مصر، واعتمدت معرفته بها على تعلم اللغة العربية من سراج القرطبى كما ورد فى النص. هذا الاختيار يفرض رؤية مغايرة تحمل الكثير من الدهشة والمعرفة الجديدة.. لماذا فضّلت أن يكون بطلك إفرنجيًا بدلًا من شخصية عربية عاشت الأحداث؟
- شخصية سراج القرطبى أيضًا هى الشخصية التى مارست الفعل العكسى، ففى الوقت الذى سقطت فيه ممالك وحواضر الأندلس الكبرى كقرطبة وإشبيلية ومن قبلها طليطلة وهاجر أهلها إلى غرناطة ولاذوا بالمغرب، هاجر سراج إلى الشمال وتخطى جبال «البيرانير»، واستقر فى تلك البلدة النائية بطلوشة، وكأنه يريد أن يثبت لهذا العالم أنه يستطيع أن يعلمهم ما لم يتوصلوا إلى تعليمه، ولجأ إليه موريس والد جيروم ليتعلم ابنه من هذا المهاجر القرطبى القادم من معاقل العلم بالأندلس الكثير والكثير من الصناعات كصناعة الوراقة والزجاج وأيضًا مداواة المرضى. ومن خلال عشرته معه تعلم لغته الغربية واشتهر بذلك مما حدا بجوانفيل مؤرخ الملك لويس التاسع بالاستعانة بجيروم ليكون مساعده فى ترجمة ما يسمعه أو يراه أثناء الحملة على مصر، ففضلت هذا الإفرنجى ليكون شاهدًا على افتراء لويس ومساعديه وأكاذيبهم بشأن أهل مصر والشام من أنهم أناس لا يعرفون شيئًا عن الحضارة.

■ «جوانفيل» شخصية حقيقية فى الحملات الصليبية كما ذكرت، وكان كاتب ومؤرخ الملك لويس التاسع، لماذا عمدت على ابتكار شخصية مساعدة له هى «جيروم» ولم تكتب على لسان جوانفيل مباشرة؟
- كما قلت، جان دى جوانفيل شخصية حقيقية أسر مع ممن أسروا أثناء حملة لويس وفى الوقت الذى سجن لويس بدار ابن لقمان، احتجز جوانفيل وعشرات القادة وآلاف الجند الناجين بعد معركة المنصورة وفارسكور فى المحابس والكثير منهم أرسلتهم شجرة الدر وقادة المماليك إلى القاهرة لإشعال حماسة الناس هناك ليزداد عدد المتطوعة المساعدين للجيش المصرى، فلم يُرسل جوانفيل إلى القاهرة فكان لا بد من ابتكار شخصية أخرى يمكن إرسالها إلى القاهرة مع من بعثوا مع أسرى الإفرنج ليطاف بهم فى أزقة ودروب القاهرة والفسطاط ويستقر بهم الحال فى أقفاص، وتبدأ رحلة المعرفة فى تلك المدينة العظيمة بالنسبة لجيروم وغيره من رفاق الأسر: صديقه بيتر الفرنسى، الإنجليزى ماكدونالد أحد جند فرقة الدوق وليم، التاجر اللومباردى ديميتريو، ثم انضم إليهم شيفال طبيب من عكا ذو أصول إفرنجية قديمة.

■ أوردت الكثير من المراجع فى آخر الرواية، هذا يعنى أنك ظللت تعمل عليها لوقت طويل.. حدثنا عن هذا الأمر؟
- حقيقة أمضيت الكثير من الوقت فى الإعداد لرواية «الإفرنجى» وقراءة العديد من الكتب التاريخية وخاصة مجموعة العلامة د. قاسم عبده قاسم أستاذ تاريخ العصور الوسطى «تأليفًا وترجمة» والتى تناولت تلك الحقبة التى استمرت ضرباتها قرابة قرنين من الزمان منذ الحملة الصليبية الأولى ١٠٩٦م إلى أن تم إجلاؤهم من عكا نهائيًا فى عهد الأشرف خليل بن قلاوون ١٢٩١م.

■ جاءت اللغة فى رواية الإفرنجى كأنها تواكب تلك الفترة التى عملت عليها وهى فترة دخول الصليبيين لدمياط والمنصورة، ما هى الرؤية التى كانت لديك للغة فى «الإفرنجى»؟
- بكل تأكيد يلزم أن تكون لغة الرواية سواء السرد أو الحوار مشبّعة بما كان يستخدم فى تلك الفترة من أسماء المدن والقرى والشوارع التى دارت فيها الأحداث، والملابس المميزة والشخوص البارزة والنقود المستخدمة وأسماء طوائف الحِرف والصناعات والأعشاب الشافية للأسقام، إلى غير ذلك مما كان يستعمل فى تلك الأيام.

■ عمدتَ فى روايتك إلى تغيير الصورة النمطية التى روّجتها الحملات الصليبية عن العرب، باعتبارهم بلا ذاكرة ويضطهدون المسيحيين، وذلك من خلال أسرة مصرية ترعى «جيروم» قبل رحيله إلى عكا ولقائه صديقه «شيفال». هل كانت هذه بالفعل الرؤية التى اعتنقها أبناء الحملات الصليبية؟
- منذ الحملة الصليبية الأولى بقيادة بطرس الناسك، مرورًا بالحملات المتتالية حتى عام ١٠٩٩م، حين حاصر الإفرنج بيت المقدس بقيادة الدوق جود فرى واقتحموها وأسقطوها، ارتكبوا مذابح بحق أهلها وأسسوا مملكة بيت المقدس الصليبية. وقد غذّى القادة والنبلاء والملوك عقول جنودهم بأنهم قادمون لمحاربة «أعداء بربرة» لا يعرفون سوى اضطهاد من يخالف ملتهم. لكن هذه الرؤية بدأت تتغير مع التجربة الإنسانية التى عاشها الشاب «جيروم»، خاصة بعد إصابته فى قدمه واضطراره إلى بترها، ما أجبره على المكوث فى الفسطاط لأسابيع حتى يتعافى قبل اللحاق بمعلمه جوانفيل فى دمياط. وخلال تلك الفترة، اكتشف جوانب مختلفة من الحياة المصرية، وتبدلت نظرته تدريجيًا. وعندما علم أن الملك لويس وحاشيته قد رحلوا إلى عكا بعد تنفيذ شروط شجر الدر وقادة الجيش، أصر على اللحاق بهم هناك، أملًا فى العودة مع سفن الملك إلى موطنه فى بلدة «طلوشة» بالجنوب الفرنسى.

■ فى روايتك بدا وكأنك استعرضت تاريخ الحملات الصليبية على مصر بأكمله، من خلال مناقشات «جيروم» مع أسرى آخرين، وكأن العمل يحيط بهذه الحقبة على اتساعها. هل قصدت فعلًا أن تكون الرواية شاملة لكل تلك الفترة؟
- جلّ الأسرى كانوا مغررًا بهم منذ الدعوة الأولى لتلك الحروب عبر أبواق الكرادلة والنبلاء عام ١٠٩٥م، حيث تناقلت الذاكرة الجمعية للشعوب سير الملوك وقادة الحملات وأضافت عليها أساطير وحكايات من بعض العائدين من تلك الأرض البعيدة.
ومن هنا جاءت الرواية لتستعرض، عبر سرديات الأجداد للأبناء والأحفاد، وقائع وأحداث تلك الحملات حتى اصطدم هؤلاء الجنود بالواقع المعيش بعد هزيمتى المنصورة وفارسكور.
عندها بدا لهم أن كل ما رُوى مجرد تُرّهات أشاعها آخرون لدفع البسطاء إلى المشاركة فى الحروب بتلك البلاد البعيدة، بينما لم يجدوا حقيقة لاضطهاد أهل الكتاب كما صُوِّر لهم.

■ حكيت قصة غزو «لويس» لدمياط والمكيدة التى دبرت له فى المنصورة، ما هى حدود تدخلك فى التاريخ؟
- وقائع تلك الحملة التى قادها الملك لويس الملقب بالقديس مستقاة بأكملها من كتب التاريخ ولا تدخل لى فى ذلك تاريخيًا، وإنما استعنت بالحقائق التاريخية فى إفساح المجال لحياة الشخوص المتخيلة.

■ كيف ترى واقع الرواية التاريخية فى الوقت الراهن؟ وبمَ تفسر انتشارها الكبير بين القرّاء؟
- أرى أن الرواية التاريخية العربية اليوم قد قطعت أشواطًا مهمة من النضج الفنى، إذ فتحت أمام المتلقى نوافذ يطل منها على تفاصيل الحياة اليومية فى زمن مضى، سواء لدى الخاصة والحاكمين أو العامة والمحكومين. فهى لم تعد مجرد تجميع معلومات، بل منحت القارئ فرصة لرؤية الماضى من خلال اللغة والسرد والوقائع، واتجه بعض الكُتّاب إلى الاهتمام بالمهمشين، أى كتابة التاريخ من أسفل، فنقلوا حياة الناس العاديين وتجاربهم ومشاعرهم وكفاحهم من أجل لقمة العيش، فى تجربة إنسانية فريدة.
هذا التحول جعل الرواية التاريخية أكثر جذبًا، لأنها تقدم التاريخ بشكل محسوس وملموس، لا كأسماء وأعلام فقط، بل كحياة كاملة تُستعاد عبر السرد. وقد بلغت الرواية التاريخية اليوم ذروة حضورها، بعدما أصبح الزمن محكمة والقارئ قاضيها، يقرأ السياقات بوعى ويصدر أحكامه من زوايا متعددة.
أما انتشارها الكبير، فيعود إلى أنها تمنح القرّاء فرصة الغوص فى عوالم مختلفة وتجربة المغامرات التى مرت بها الشخصيات التاريخية، كما أن الحنين إلى الماضى ساهم بشكل ملحوظ فى توسيع قاعدة قرائها، باعتبارها جسرًا يصل بين الماضى والحاضر ويمنح المتلقى متعة الاكتشاف وإعادة التأمل.







