سيناريو المستقبل.. وباء عالمى فتاك بتوقيع الـ«AI»
- رواية جديدة تحذر من استخدام «الذكاء الاصطناعى» فى تصنيع الأسلحة البيولوجية
- نماذجه الشهيرة تقدم تعليمات دقيقة لتصنيع أسلحة فتاكة.. ويُسهّل تعديل مسببات الأمراض لتصبح «جراثيم خارقة»
منذ بداية تعلقى بالسينما الأمريكية وحتى الآن، لم يتغير شعورى تجاه فيلم «مهمة مستحيلة» للنجم توم كروز، تلك السلسلة السينمائية التى سأظل أضعها على رأس قائمتى المفضلة.
وبشكل أكثر تحديدًا، أجد الجزء الثانى من سلسلة «مهمة مستحيلة»، الصادر عام 2000، مثيرًا للاهتمام، فعندما شاهدته ظلت ثمة أسئلة تراودنى: ماذا لو سرق عميل مارق مثل «شون أمبروز» فيروسًا مدمرًا يُدعى «كيميرا»، وهدد بنشره وحقن شخصًا ما به مثل «نياه نورديوف»؟ وماذا لو لم يستطع «إيثان هانت» إيقافه والقضاء على هذا السلاح البيولوجى القاتل وإنقاذ العالم؟ وماذا سيحدث حال نجح فى إطلاقه؟
والآن، بعد 26 عامًا على إطلاق «مهمة مستحيلة 2»، تجيب الكاتبة الصحفية الأمريكية آنى جاكوبسن، مؤلفة الكتب الأكثر مبيعًا فى «نيويورك تايمز»، على تلك الأسئلة التى ظلت تطاردنى، فى كتابها الأحدث «الحرب البيولوجية: سيناريو»، الذى يصدر فى يوليو المقبل، عن مجموعة «بنجوين راندوم هاوس» للنشر ذائعة الصيت.


يمثل «الحرب البيولوجية: سيناريو» رواية غير خيالية مدروسة جيدًا، تُقرأ مثل فيلم إثارة مثير، يطرح رؤية استقصائية مثيرة وسريعة الإيقاع حول كيفية تسبب هجوم بيولوجى أو حادث مختبرى فى اندلاع جائحة عالمية، وانهيار كامل للمجتمع البشرى، وما سيحدث فى غضون أيام أو ساعات من إطلاق هذا العامل الحيوى المميت.
يقع الكتاب فى ٤٣٢ صفحة، ويستند إلى عشرات المقابلات الجديدة مع خبراء ذوى مناصب سياسية وحكومية وطبية وعسكرية رفيعة المستوى، وفيه تُحلل آنى جاكوبسن هذا السيناريو الكارثى الذى يعد نقيضًا للحرب النووية.
ففى هذا السيناريو المرعب، لا وجود لـ«سحابة عيش الغراب»، ولا انفجار، بل يبدأ السيناريو الذى قد يُنهى العالم كما نعرفه بشىء صغير وخبيث جدًا، عامل حيوى، سواء بكتيريا أو فيروس، يُحقن فى شخص ما ويُترك لينشر العدوى، أو يتسرب من مختبر تصنيعه. حينها لن يمر سوى أيام قليلة على مثل هذه العدوى العالمية قبل أن تجد البنية التحتية التى بُنيت للتعامل مع أخطر المواقف نفسها فى معركة من أجل البقاء.
هنا تتحول مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا «الحرب النووية: سيناريو»، الصادر عام ٢٠٢٤، إلى سيناريو آخر، هو الحرب البيولوجية، متخيلة التداعيات البائسة والمرعبة لعدوى عالمية، واحتمالية انهيار المجتمع البشرى بسبب ذلك. فإذا كنت قد تساءلت يومًا عما يمكن أن يحدث إذا أطلقت حكومة أجنبية أحد عوامل الحرب البيولوجية، سواء فيروس أو جرثومة، فقد قدمت «جاكوبسن» دليلًا لما سيحدث، بل ووضعت جدولًا زمنيًا يكشف عن الساعات الأخيرة بعد إطلاقه.
وأصابت «جاكوبسن» القراء بالرعب من خلال روايتها السابقة «الحرب النووية: سيناريو»، التى تناولت فيها ما يمكن أن يحدث فى الدقائق الأولى بعد إطلاق صاروخ نووى. بينما تلقى روايتها الجديدة الضوء على كيفية تغير العالم فى الفترة التى تعقب وقوع هجوم بيولوجى واسع النطاق، وما سيحدث حال كان «هناك سلاح خفى بيننا، وقبل أن تدرك أنك ضحية، يكون قد حوّلك إلى قاتل».

ولاستكشاف سيناريو الحرب البيولوجية، استندت الرواية بشكل كبير إلى برامج سرية للأسلحة البيولوجية، ومقابلات مع العلماء الذين بنوها، الذين أكدوا لها أن الأمر سيستغرق أيامًا فقط من بداية العدوى البيولوجية العالمية قبل أن نخوض معركة من أجل الوجود البشرى.
وتتساءل المؤلفة: هل البنية التحتية التى تم إنشاؤها للتعامل مع هذا السيناريو بالذات ترقى إلى مستوى المهمة؟ كيف سيتعامل الناس مع عالم يحتضر ملىء بالموت الجماعى والانهيار المجتمعى والتمردات العنيفة والفوضى، والأرض القاحلة التى اجتاحها السلاح البيولوجى القاتل بدلًا من الحضارة الحديثة.. أو بعبارة أخرى: «ديستوبيا».
ويتتبع السيناريو الذى وضعته المؤلفة فى كتابها عاملين رئيسيين، يُمكن أن يُنهيا الحياة كما نعرفها: تسربٌ عرضىٌّ فى المختبر، أو هجوم بيولوجى مُتعمّد. فعلى عكس القنبلة النووية، التى تُسبب أضرارًا موضعيةً وانفجارًا وإشعاعًا، يعمل العامل البيولوجى كساعةٍ خفيةٍ تدق. فإذا انتشر فيروس شديد الفتك وسريع العدوى، تشير أبحاثها ومقابلاتها مع العلماء إلى أن سلسلة التداعيات الناتجة ستؤدى إلى ذعر عالمى، وخسائر بشرية فادحة، وانتفاضة واسعة النطاق، وفوضى عارمة.
وترى المؤلفة أن سيناريو إطلاق سلاح بيولوجى، سيبدأ تفشى العدوى القاتلة الناتجة عنه فى لوس أنجلوس. ولسبب وجيه، تقول إنها اطلعت لعقود على تقارير خطط عمليات الطوارئ فى لوس أنجلوس لمواجهة «المخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية»، وكانت هناك إخفاقات مروعة، ولا حلول لها، لذلك اختارت هذه المدينة الأمريكية مسرحًا أوليًا لحبكة كتابها الجديد.


ربما يكون الجزء الأخطر فى كتاب «جاكوبسن»، هو الطرح المثير الذى تؤكد فيه أن «الذكاء الاصطناعى» يمكنه الآن تقديم تعليمات دقيقة لصنع أسلحة بيولوجية، موضحة أن نماذج عامة من شركات «ذكاء اصطناعي»، مثل «أوبن أيه آى» و«أنثروبيك»، تشرح تفاصيل تقشعر لها الأبدان حول كيفية تعديل مسببات الأمراض لتصبح «جراثيم خارقة» مقاومة للعلاج، وتجميعها من مواد وراثية خام، ونشرها فى أماكن مزدحمة مثل أنظمة النقل العام أو عبر بالونات الأرصاد الجوية لزيادة الخسائر البشرية إلى أقصى حد مع تجنب الكشف عنها.
وتكشف المؤلفة عن أن بعض الدول أنشأت مكاتب متخصصة فى «الأمن البيولوجى للذكاء الاصطناعى»، وفرقة عمل رفيعة المستوى للأمن القومى، تهدف إلى توحيد جهود خبراء الأمن والعلوم والسياسات لسدّ الثغرات فى قواعد الأمن البيولوجى، الحالية التى تُهدد التطورات فى مجال «الذكاء الاصطناعى» باختراقها.

وتحذر من أن النماذج المتطورة لـ«الذكاء الاصطناعى» قادرة على تدريب المجرمين على استخدام أحماض الفيروسات كأسلحة وتكوين مسببات فيروسات جديدة تعمل كأسلحة بيولوجية صعب السيطرة عليها.
وتسلط «جاكوبسن» الضوء على هذه المخاوف. وكان من ضمن المقابلات التى تضمتها كتابها مقابلة مع سام ألتمان، الرئيس التنفيذى لشركة «أوبن أيه آى» حول هذه الكارثة، فى حال استطاع «الذكاء الاصطناعى» تكوين وتسهيل عمل أسلحة بيولوجية فتاكة.
وتستكشف فى هذا الجزء الأخطر من الكتاب كيف يُسهّل «الذكاء الاصطناعى» بشكلٍ كبيرٍ عمليةَ ابتكارِ ونشرِ الأسلحة البيولوجية المُهندسة، ما قد يُؤدى إلى انتشار وباءٍ عالمىٍّ شديد الفتك، وكيف يصطدم «الذكاء الاصطناعى» وعلم الأحياء. فعلى عكس الأسلحة النووية، التى تتطلب موادًا تناظريةً شديدةَ الحراسة، يُمكن تصورُ الأسلحة البيولوجية باستخدام بياناتٍ متاحةٍ للناس فى العموم.
وتشير إلى أن الأبحاث البيولوجية موجودة إلى حد كبير فى العالم الرقمى، ويمكن لنماذج «الذكاء الاصطناعى» بسهولة توليف البيانات البيولوجية المتاحة للجمهور، ما يرسم فعليًا خارطة طريق لبناء أسلحة كيميائية وبيولوجية.
وتُوضح «جاكوبسن» كيف يُمكن التلاعب بأدوات «الذكاء الاصطناعى» أو اختراقها لتجاوز ضوابط السلامة، ما يُسهّل بشكلٍ خطيرٍ على الجهات الخبيثة، سواء مافيا أو دول مارقة، هندسةَ مسببات الأمراض من خلال خلق أسلحة بيولوجية.
ومن هنا تستطيع أنظمة «الذكاء الاصطناعى» المتقدمة فتح «صندوق باندورا»، وتسهيل إنشاء فيروسات جديدة أو استئصال فيروسات موجودة، ما يمنح أى شخص القدرة على جلب تهديدات كارثية دون الحاجة إلى بنية تحتية على مستوى الدولة.


هناك كثيرون تطرقوا لموضوع الحروب البيولوجية، لكن بشكل تاريخى وأكاديمى، وليس بالشكل الذى قدمته آنى جاكوبسن فى كتابها كسيناريو محتمل.
من أبرز تلك الكتب «عملاء الحرب: تاريخ الأسلحة الكيميائية والبيولوجية»، وهو كتاب تاريخى شامل صدر عام ٢٠٢١ عن دار نشر «رياكشن بوكس» البريطانية، من تأليف إدوارد سبيرز، الأستاذ فى جامعة ليدز شمال إنجلترا، والذى يتتبع تطور الحرب الكيميائية والبيولوجية، ونشرها التكتيكى، وتنظيمها الدولى، منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الوقت الحاضر.
وبحسب مؤلف الكتاب، غالبًا ما تُوصف الأسلحة الكيميائية والبيولوجية بأنها إساءة استخدام للعلم، مؤكدًا أنها لاقت معارضة واسعة النطاق على مر السنين. لكن رغم إدانة الأمم المتحدة والحكومات وجماعات نزع السلاح، لا تزال خيارات حقيقية للدول المارقة والإرهابيين

وفتح الكتاب المكون من ٢٢٤ صفحة آفاقًا جديدة، من خلال تقديم تحليل فى سياقين تاريخى ومعاصر، مقدمًا سردًا زمنيًا شاملًا لأسباب استخدام هذه الأسلحة، أو الاشتباه فى استخدامها، وأماكن استخدامها، وأوقات استخدامها، متتبعًا أصول الحرب البيولوجية منذ بداياتها القديمة، مرورًا بأول استخدام رئيسى للغاز الفيروسى القاتل عام ١٩١٥ فى الحرب العالمية الأولى، وصولًا إلى استخداماتها الحديثة والشكوك المحيطة بها.
وينصح المؤلف فى كتابه الحكومات فى جميع أنحاء العالم بعدم تجاهل التهديد المحتمل للأسلحة البيولوجية والكيميائية، ويذكرهم بأنواع التهديدات التى يُحتمل أن نواجهها فى المستقبل، بالإضافة إلى قوتها التدميرية والنفسية الهائلة.
كما يقدم تحليلًا لأسباب وكيفية استخدام المتحاربين لهذه الأسلحة، وتطويرها، والتحايل على حظرها، إلى جانب الاستجابة الدولية ونزع السلاح والمعاهدات عبر تناول فعالية الردع، وبروتوكول جنيف لعام ١٩٢٥، واتفاقية الأسلحة الكيميائية.
ويُعدّ هذا الكتاب إسهامًا فى النقاش الدائر حول الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وهو فى الوقت نفسه، دراسةٌ تُقدّم كلا النوعين من الأسلحة ضمن سياقاتهما التاريخية الحديثة، ثم تُفصّل التحديات التى شكّلتها خلال فترات السلم والحرب، مقرًّا بأنّ هذه الأسلحة شديدة التنوّع، إذ يُمكن نشرها عبر وسائل إيصالٍ عديدة، بدءًا من الصواريخ والقنابل والقذائف، وصولًا إلى أجهزة الرشّ، والمواد الغذائية المُعالجة، والحشرات، وحتى المظلات.
ويشير المؤلف إلى أنه «إذا كانت الأسلحة الكيميائية قد استُخدمت فى الحروب بين الدول وداخلها، فقد تجلّت الإمكانات العسكرية للأسلحة البيولوجية بكل الوسائل المتاحة باستثناء الحرب»، مشيرًا إلى أن الإرهابيين استخدموا كلا النوعين من الأسلحة لإلحاق الخسائر البشرية والاقتصادية، ونشر الذعر والاضطراب على نطاق واسع.
ومن خلال استعراض الصورة المشئومة للأسلحة الكيميائية والبيولوجية، يكشف المؤلف عن النقاشات الدائرة حول استخدامها، والادعاءات المتعلقة بتطويرها واستخدامها سرًا، والتى تحولت بين الحين والآخر إلى معارك دعائية.

كما يتناول محاولات ردع اللجوء إلى الحرب الكيميائية والبيولوجية خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وكبح انتشار هذه الأسلحة فى السنوات الأخيرة، وتعزيز نزع السلاح الدولى.
ويسعى الكتاب إلى توضيح مدى نجاح هذه المبادرات السياسية والدبلوماسية فى ضوء حالة عدم اليقين الناجمة عن التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة فى السنوات الأخيرة، وانتشار الخبرات العلمية والقدرات الصناعية فى معظم أنحاء العالم النامى.
كما أظهر الكتاب خصائص الأسلحة البيولوجية، محذرًا من أنها تتمتع بجاذبية خاصة كأسلحة عسكرية، فبسبب فعاليتها الشديدة، لا يلزم سوى كميات صغيرة منها لإحداث التأثير، وتتكلف أقل من الأسلحة الكيميائية أو النووية، وباعتبارها كائنات حية، يمكنها إلحاق الأذى أو القتل على مسافات أبعد بكثير من العوامل الكيميائية.
وعلّق القاضى ويليام وبستر، حين كان مديرًا لوكالة المخابرات المركزية «CIA» قائلًا: «إن عوامل الحرب البيولوجية، بما فيها السموم، أشد فتكًا من أشد عوامل الحرب الكيميائية فتكًا، وتوفر أوسع تغطية جغرافية لكل رطل من حمولتها مقارنةً بأى نظام أسلحة آخر».







