الحلـو.. مريدو «جار النبى» فى «حرف» : كتابته كافية لإضاءة العالم
- يحزن بشدة بسبب «الحسابات والعلاقات الخفية» التى تحكم الوسط الثقافى
- قادر على التجدد والإبداع رغم المعوقات.. ونقل روح الإبداع إلى الأجيال الجديدة
المحلة احتضنت عددًا من الأسماء البارزة فى الحياة الثقافية المصرية، من بينها جابر عصفور، وعبدالغفار مكاوى، ونسيم حامد زكى، والشاعر محمد صالح، وسعيد الكفراوى، ومحمد سيد سعيد، ومحمد منسى قنديل، وجار النبى الحلو، ورمضان جميل، والمدينة لم تكن مجرد مركز صناعى، وإنما كانت أيضًا بيئة حاضنة للنشاطين الثقافى والفكرى.
وجار النبى الحلو شارك فى الفعاليات الثقافية خلال بدايات تجربته الأدبية، وشارك فى مؤتمر أدباء الأقاليم الذى عقد فى ديسمبر ١٩٦٩، والذى أعتبره من المؤتمرات المهمة فى تاريخ الثقافة الجماهيرية المصرية.
المؤتمر شهد مشاركة عدد كبير من المثقفين والأدباء، من بينهم سمير غريب وزكى عواد وغيرهما، بينما كان جار النبى الحلو فى تلك المرحلة لا يزال فى بدايات تجربته فى كتابة القصة، ويخوض محاولاته الأولى فى تشكيل مشروعه الأدبى.
واستعادة هذه المرحلة تساعد فى فهم البيئة الثقافية التى خرج منها جار النبى الحلو، والتى تداخل فيها النشاط الأدبى مع الحركة الثقافية والسياسية فى مصر، والمحلة لعبت دورًا مهمًا فى تكوين عدد من الأصوات الأدبية والفكرية التى تركت أثرًا فى المشهد الثقافى المصرى.
شعبان يوسف: ابن النشاط الثقافى بالمحلة

اجتمع أحباب الكاتب الكبير جار النبى الحلو وقراؤه وتلاميذه فى ندوة نظمتها جريدة «الدستور» لتكريمه والاحتفاء بتجربته الأدبية والإنسانية الفريدة.
المشهد كان أشبه بعرس ثقافى، حيث توافد المبدعون من مختلف الأجيال ليشاركوا فى هذا اللقاء، ويعبروا عن تقديرهم العميق لمسيرة كاتب منح الأدب العربى حضورًا خاصًا، وترك بصمته فى السرد والخيال القصصى. وتنوعت المداخلات بين شهادات شخصية مؤثرة وانطباعات نقدية، كشفت عن حجم المحبة التى أحاطت بجار النبى الحلو، وعن أثره الممتد فى نفوس قرائه وتلاميذه وأصدقائه.
وفى السطور التالية، تنشر «حرف» أبرز ما جاء فى هذه المداخلات على لسان أصحابها، والتى حملت مشاعر المحبة والوفاء، وأضاءت جوانب متعددة من تجربة جار النبى الحلو الأدبية والإنسانية.
وليد خيرى: قلبه قلب طفل.. ولغته مذهلة

تجربة جار النبى الحل تمثل نموذجًا مميزًا فى الكتابة، سواء على مستوى القصة القصيرة أو الرواية، واستطاع أن يحقق حضورًا خاصًا من خلال أعماله التى تجمع بين البساطة والعمق. ولغة جار النبى الحلو، مذهلة، وفى بدايات قراءتى له فوجئت بأن الكاتب الذى تبدو لغته قريبة من العامية يستخدم مفردات عربية فصيحة وثرية. وهذا الثراء اللغوى يرتبط أيضًا بمفردات الطفولة التى تحضر بقوة فى كتابته، وهو ما يفسر قدرته اللافتة على الكتابة للأطفال.
وعلاقة جار النبى الحلو بالطفولة ليست مجرد توجه أدبى، وإنما تنبع من داخله، إن قلبه قلب طفل، وهو ما يمنحه قدرة على مخاطبة الأطفال بصدق بعيدًا عن التعامل معهم باعتبارهم مجرد جمهور مستهدف.
وتجربة جار النبى الحلو ترتبط كذلك بالنزعة الصوفية، والزهد الحقيقيين، والكاتب لا يكتب عن الشخصيات الصوفية فحسب، بل تظهر الروح الصوفية فى طريقة نظرته إلى العالم وفى سلوكه وكتابته.
وانطلاق تجربته من المحلة يمثل نقطة مهمة، لأنها تؤكد أن المكان الصغير يمكن أن يصبح، فى الكتابة، صورة للعالم كله.
مجدى نصار: جميع شخصياته فنية ومستقلة

تجربة جار النبى الحلو لها خصوصية، واستطاع منذ بدايات نشر أعماله، أن يتجاوز هيمنة الأيديولوجيا التى كانت حاضرة بقوة فى المشهد الثقافى، خصوصًا داخل اليسار، حيث كان السياسى يطغى أحيانًا على البعدين الإنسانى والذاتى. وهذا السؤال يكتسب أهمية خاصة عند قراءة أعمال جار النبى الحلو، خصوصًا فى ضوء التحولات التى شهدها المجتمع المصرى خلال السنوات الماضية، وثورة يناير مثلت لحظة انحسر فيها حضور الخطابين السياسى والإعلامى لصالح ظهور الناس أنفسهم، وهو ما أعتبره قريبًا من طبيعة السرد عند جار النبى الحلو.
والشاعر ينبغى أن يكون ابن تجربته الذاتية، والمقال ابن فكرته، بينما «السرد لا بد أن يكون ابن ناسه» والكاتب الكبير هو الذى يستطيع أن يفسح المجال للشخصيات كى تتقدم إلى واجهة العمل، دون أن يفرض نفسه أو أفكاره عليها. وجار النبى الحلو يحقق هذا الأمر بدرجة لافتة، إذ يكاد يتوارى تمامًا خلف شخصياته، حتى إن القارئ قد يخلط بين الكاتب الحقيقى والشخصيات التى يصنعها، لكنه فى النهاية يكتشف أنه أمام شخصيات فنية مكتملة ومستقلة.
هانى منسى: «شجو الهديل» تكشف قدرته على تحويل التشظى إلى بناء فنى

التجربة الأدبية والإنسانية للأديب جار النبى الحلو رائدة، والرهافة تمثل إحدى أبرز سمات حضوره، سواء فى إنتاجه الأدبى أو فى علاقاته الإنسانية، والمشاعر الصادقة والمحبة الحقيقية التى تحيط بالكاتب أهم من أى احتفاء شكلى أو تكريم.
وقرأت روايته «شجو الهديل» كاملة فى جلسة واحدة، وأعجبت بـالجمال والوداعة والرهافة التى تميز سردها، رغم أن بنيتها الفنية تقوم على تشظٍ واضح فى الأصوات والأحداث.
والرواية تعتمد على تقطيع سردى يشبه المونتاج السينمائى، إذ ينتقل الكاتب بشكل مفاجئ من مشهد إلى آخر، لا باعتباره استرجاعًا زمنيًا تقليديًا، وإنما من خلال الانتقال اللحظى بين المشاهد والشخصيات، وهو ما يمنح النص إيقاعًا خاصًا، ويجعل تعدد الأصوات جزءًا أساسيًا من بنائه.
وتشظى الأصوات داخل السرد يعكس تشظى النفوس والشخصيات التى تعيش داخل البناية التى تدور فيها الأحداث، وهى كتلة خرسانية مكونة من خمسة طوابق، فى مقابل «المنور» الذى يمثل مساحة صغيرة مفتوحة على السماء والطبيعة.
وسام جار النبى الحلو: أنا نجلته وهو ابن قلبى.. ولم يسع وراء الجوائز أو الشهرة

أنا ابنة الأديب المصرى جار النبى الحلو، وهناك علاقة مركبة جمعت بينى وبينه، واحتجت سنوات طويلة حتى أتصالح مع فكرة أن أكون ابنته، وفى الوقت نفسه واحدة من قرائه.
وكانت محاولاتى الأولى للفصل بين كونى ابنة جار النبى الحلو وكونى قارئة لأعماله ترهقنى، حتى فى التفاصيل الصغيرة، مثل الأوراق التى كنت أتركها له وفيها ملاحظات أو طلبات ليقرأها أثناء غيابى، أو محاولتى أن أكون معتدلة فى إظهار محبتى له حتى لا تبدو شهادتى منحازة.
ومع مرور الوقت تصالحت مع حقيقة أنه أبى وكاتب متميز صاحب تجربة خاصة، وظل الأمر حاضرًا حتى فى مسألة اسمى، إذ أصر منذ بدايات نشر أعمالى على أن أكتب اسمى وسام الحلو.
أستعيد بداية علاقتى بالنشر، حين أرسل والدى أول قصة كتبتها إلى مجلة للأطفال وأنا فى التاسعة من عمرى، مؤكدًا لرئيس التحرير أنه لم يتدخل فى كتابتها. ومنذ ذلك الوقت ظللت أنشر باسمى الكامل حتى رسالة الدكتوراه.
تحوّل الأمر مع الوقت من محاولة والدى التأكيد على استقلال اسمى عنه، إلى أن أصبح اسم جار النبى الحلو جزءًا من هويتى التى أعتز بها. وأشير دائمًا إلى أن التاريخ وحده هو الذى يحكم فى النهاية على ما يبقى من أعمال الكاتب، وليس الاسم الذى أحمله.
جار النبى الحلو ظل بالنسبة إلىّ أبى وصديقى وابن قلبى وكاتبى المفضل، وهذه الأدوار لم تنفصل عن بعضها طوال سنوات عمرى. علاقتى به تجاوزت الصورة التقليدية للأب، ووصلت إلى علاقة صداقة وتعلّم ومشاركة فكرية.
أستعيد مشاهد من طفولتى معه، حين كان يصطحبنى من المدرسة، ويحمل عنى حقيبتى، ويسير إلى جوارى كصديق يلعب معى فى الطريق، أو حين كان يحكى لى ما يقلقه ويحزنه، بينما كنت أكبر تدريجيًا لأصبح قادرة على مشاركته الرأى ومساعدته فى حل مشكلاته.
منذ طفولتى منحنى والدى مساحة واسعة لاكتشاف العالم، فلم يكن يهتم فقط بدرجاتى الدراسية، وإنما عرّفنى إلى الفن والأدب والتاريخ، وجعل المكتبة الصغيرة فى منزلنا بوابتى الأولى إلى العالم.
ووالدى لم يكن يسعى وراء الجوائز أو الشهرة، أو تحويل أعماله إلى السينما، أو حتى إعادة طباعة كتبه بصورة متكررة، بل كان يكتب حين يُطلب منه العمل، ويركز على الكتابة نفسها أكثر من السعى إلى ما يمكن أن يترتب عليها من مكاسب أو أضواء.
وما كان يؤلمه فى بعض التجارب المتعلقة بالجوائز لم يكن عدم حصوله على جائزة بعينها، وإنما انكشاف بعض الوجوه والعلاقات الحقيقية، لأنه كان شديد الشفافية والثقة فى الناس، ولم يكن يتصور أن تحكم بعض الحسابات الخفية علاقات الوسط الثقافى.
رشا عبادة: الحزن عنده ليس صاخبًا أو مباشرًا بل يتحرك بنعومة وتلقائية

حدث موقف طريف مع إحدى قريباتى، عندما أخبرتها بأننى ذاهبة للمشاركة فى ندوة عن جار النبى الحلو، حيث وجدت نفسى أمام سؤال ساخر حول جدوى الذهاب إلى مثل هذه الفعاليات.
هذا الموقف جعلنى أتساءل عن دور الكاتب فى جعل الكتابة والقراءة قريبتين من الناس العاديين، وهم الفئة التى ظل جار النبى الحلو يكتب عنها طوال تجربته الأدبية.
الشخصيات العادية فى أعمال «جار» غالبًا ما تتحرك فى عالم تحكمه الاحتياجات المادية والرغبات اليومية، وهذا دفعنى إلى التفكير فى مسئولية الكتاب تجاه إيصال قيمة الأدب إلى هؤلاء الناس، وكيف يمكن أن تصبح المشاركة فى ندوة أدبية أو الذهاب لمناقشة رواية فعلًا من أفعال المحبة، حتى لو لم يكن وراءها أى مقابل مادى.
المحبة نفسها يمكن أن تكون دافعًا كافيًا للقراءة والاستماع والتعرف إلى عالم كاتب أثّر فى القارئ. تجربة جار النبى الحلو كانت بالنسبة إلىّ جزءًا من هذا الأثر، خصوصًا أننى تعرفت إلى كتاباته خلال سنوات الجامعة.
والحزن عند جار النبى لا يأتى بصورة صاخبة أو مباشرة، وإنما يتحرك بنعومة وتلقائية. حزن جار النبى يشبه النهر، قد يقود القارئ إلى الغرق فى النهاية، لكنه فى الوقت نفسه يمكن أن يهديه وردة، فى إشارة إلى قدرته على الجمع بين الألم والجمال داخل المشهد الواحد.
ومن أكثر ما يميز عالم جار النبى الحلو أنه يستطيع جمع تفاصيل تبدو فى البداية عادية أو غير مهمة، مثل وردة ونهر ومعزة وبطانية وبنطلون ومرتبة، ثم يضعها داخل المشهد بطريقة تجعلها تكتسب حياة جديدة.
صفاء النجار: قاوم إغراء القاهرة باستقلال داخلى وزهد حقيقى

قرأت أعمال جار النبى الحلو مبكرًا، وقرأت «حلم على نهر» فى سن صغيرة، واسمه ترك لدىّ انطباعًا خاصًا، وارتبط فى ذهنى منذ البداية بصفة «الحلو»، ويمثل بالنسبة إلىّ «زهرة لوتس مصرية»، فاللوتس زهرة تستطيع أن تنمو فى الماء وعلى أسطح مختلفة، ولا تحتاج إلى تربة خصبة حتى تزدهر، وإنما تحتاج إلى الماء والشمس.
وهذا التشبيه ينطبق على جار النبى الحلو وعلى مجموعة من المبدعين المصريين الذين استطاعوا أن يُنموا ويقدموا إبداعهم رغم غياب البيئة الداعمة، وهم يمثلون طاقة مصرية قادرة على التجدد والحياة والإبداع رغم المعوقات.
وجار النبى الحلو وغيره من الكتّاب الذين لم يغادروا الأقاليم المصرية يمثلون «عُمد» هذه الأقاليم، لأنهم حافظوا على روح الإبداع فيها ونقلوها إلى الأجيال الجديدة، والقاهرة تظل مركزًا ثقافيًا شديد المركزية، ولذلك فإن المبدع الذى يستطيع أن يفرض حضوره من خارجها يمتلك طاقة استثنائية. وبقاء جار النبى الحلو فى المحلة الكبرى كان مهمًا، واختياره عدم الانتقال الدائم إلى القاهرة يمثل فى حد ذاته موقفًا ثقافيًا وإنسانيًا، خصوصًا أن كثيرًا من المبدعين انتقلوا إلى العاصمة بحثًا عن فرص أكبر للحضور والانتشار. وقدرة «جار» على مقاومة إغراء القاهرة تكشف عن استقلال داخلى وزهد حقيقى، والزهد ليس مجرد ابتعاد عن الأضواء، وإنما امتلاك القدرة النفسية على عدم جعل المركز الثقافى شرطًا للوجود أو النجاح.
و«جار» كان يرى العالم من موقعه الخاص، ويتابع ما يحدث حوله دون أن يصبح جزءًا من صخب الحياة الثقافية، وهو ما انعكس على كتابته التى جاءت هادئة وغير صاخبة.
وأبرز ما يميز كتابة جار النبى الحلو هو الرهافة والقدرة على التقاط التفاصيل، وهناك نوع من الكتابة يجعل القارئ يرى العالم بعمق، ولكن دون صخب أو شعارات، وهو النوع الذى ينتمى إليه «جار». والكاتب يكتب من خلال انعكاس شخصيته على نصوصه، ولذلك فإن هدوء «جار» وطيبته وإنسانيته تظهر فى شخصياته ولغته، والشخصيات المنحرفة أو القاسية فى أعماله ليست منحرفة بدافع القوة أو البلطجة، وإنما نتيجة الضعف والانكسار الإنسانى.
والقارئ يستطيع التعاطف مع شخصيات جار النبى الحلو، سواء كانت من الريف أو العمال أو سكان المدن الصغيرة أو ممن انتقلوا إلى القاهرة، لأنها ليست شخصيات تبحث عن البطولة أو جذب الانتباه، وإنما تمثل «روح الناس» روح المصريين العاديين بمختلف أسمائهم وطبقاتهم وخلفياتهم. وهذا ما يجعل أعماله قريبة من القارئ، لأنها لا تقدم شخصيات خارقة أو استثنائية، وإنما بشر عاديون يحملون مشاعر وأحلامًا وانكسارات يمكن التعرف إليها.
مجدى أحمد على: دخل فى حالة انهيار وبكاء شديد أثناء خضوع زوجة صديقه لجراحة

علاقتى بالأديب جار النبى الحلو اتسمت بخصوصية شديدة، ورغم قلة اللقاءات المباشرة بيننا، فإننى أعتبره صديقًا وقريبًا على المستوى الإنسانى والفكرى، وهى علاقة تشكلت بصورة طبيعية دون مقدمات تقليدية للصداقة.
وما جمعنى بجار النبى الحلو لم يكن مجرد علاقة عابرة، بل شعور بالاطمئنان إلى شخصيته، فقد كنت أراه إنسانًا يمكن الوثوق به على المستويات الإنسانية والفكرية والثقافية، وكانت علاقتنا وطيدة رغم عدم وجود ظروف عملية أو لقاءات متكررة تفسر ذلك.
أستعيد موقفًا إنسانيًا مؤثرًا يكشف عن طبيعة جار النبى الحلو، عندما شاهدته فى حالة من الانهيار والبكاء الشديد أثناء خضوع زوجة صديقه لعملية جراحية، وظل هذا المشهد حاضرًا فى ذاكرتى، لأنه كشف لى عن الجانب الإنسانى العميق فى شخصيته، فقد كان إنسانًا نقيًا ونبيلًا وبسيطًا، إلى جانب موهبته الكبيرة.
وأعتبر أن قيمة جار النبى الحلو أكبر بكثير من أن تُختزل فى جائزة، فمنظومة الجوائز فى حد ذاتها لا تصلح دائمًا معيارًا حاسمًا لتقييم الإبداع، خصوصًا عندما تُترك عملية الاختيار لعدد محدود من أعضاء لجان التحكيم. وفكرة أن تجتمع لجنة صغيرة من ثلاثة أو أربعة أشخاص لتقرر بصورة نهائية من يستحق الجائزة ومن لا يستحقها تبدو بالنسبة إلىّ أمرًا عبثيًا، وحصلت أنا نفسى على إحدى الجوائز، لكننى لم أكن أعرف كيف انتهى الأمر بفوزى بها، فى إشارة إلى أن الجوائز لا يمكن أن تكون المعيار الوحيد لقيمة المبدع.
أحمد سراج: أعماله تحتفى بالبسطاء

أعمال جار النبى الحلو تحتفى بالبسطاء ممن يسندون الأرض مما تفعله الريح، وأن عالم «الحلو» ليس من الغريب أن يكون موحلًا فى الأمل.
بعد الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات تبدل وجه المحلة مسقط رأس جار النبى الحلو وهو ما رصده فى أعماله الأدبية- الروائية والقصصية- فبؤرة النص لديه هى البسيط والمهمش.
والنهر هو الأقرب إلى عالم جار النبى، والمحلة هى الجدة الحاكية والمعشوقة الفاتنة، وتمسكه بالمحلة على عكس أقرانه محمد المنسى قنديل، وسعيد الكفراوى، وجابر عصفور وغيرهم ينبع من تمسكه بالحلم، وأن جذوره تمتد للأرض شرقًا وغربًا، وهو ما برز فى «رباعيته» قاصًا تاريخ المحلة منذ الحرب العالمية الثانية حتى سنوات الانفتاح الاقتصادى وما بعدها.
عمر شهريار: تجاهله فى الجوائز صادم

الأديب جار النبى الحلو يمثل أحد أبرز أبناء جيل السبعينيات، ذلك الجيل الذى ظل لسنوات طويلة ينتظر التقدير الذى يليق بمنجزه، بينما عانى من تهميش واضح فى المشهد الثقافى.
أستعيد واقعة حصول جار النبى الحلو على جائزة التفوق قبل نحو ١٠ أعوام، وقتها كنت غاضبًا من عدم حصوله على التقديرية، وكذلك الشاعر محمد فريد أبوسعدة، لأننى كنت أرى أن كليهما يستحق جائزة الدولة التقديرية، باعتبار أن حجم تجربتهما الأدبية يتجاوز مستوى جائزة التفوق. الأزمة لم تكن مرتبطة بجار النبى الحلو وحده، وإنما بجيل كامل من الكتّاب والشعراء والروائيين الذين تأخر الاعتراف الرسمى بهم لسنوات طويلة، بينما بدت الدولة وكأنها توقفت عند جيل الستينيات، وظل جيل السبعينيات ينتظر دوره.
حصول عدد من أبناء هذا الجيل على جوائز الدولة فى السنوات الأخيرة، ومن بينهم أسماء بارزة من الكتاب والروائيين، بدا وكأنه إغلاق متأخر لملف جيل السبعينيات، قبل أن تعود المشكلة مرة أخرى. وقد شعر كثيرون بالصدمة بعد عدم حصول جار النبى الحلو على التقدير الذى كانوا يتوقعونه هذا العام، إذ كان اسمه مطروحًا بقوة لدى قطاعات واسعة من المثقفين، وكان البعض يتوقع أن يأتى فى مقدمة المرشحين.
أنتقد طريقة إدارة منظومة الجوائز، وأعتبر أن قواعد وآليات الاختيار تحتاج إلى إعادة نظر شاملة، خصوصًا جائزة التفوق.
أقترح أن تعاد صياغة الجائزة بحيث تراعى الفروق العمرية، كأن تُقسم إلى فئات عمرية مختلفة، حتى لا يصبح الكاتب الأكبر سنًا فى منافسة غير عادلة مع الأصغر. الجوائز ينبغى أن تكون تعبيرًا عن تقدير الدولة للقيمة الإبداعية، لا نتيجة لحسابات تتعلق بالصداقات أو العلاقات أو التوازنات. تجاوز أسماء ذات تاريخ طويل فى مجالات الأدب والترجمة يثير أسئلة مشروعة حول معايير لجان التحكيم.
هذه المسألة لا تعنينى فقط من زاوية شخصية، فالقضية الأساسية بالنسبة إلىّ هى احترام القيمة الإبداعية وتقدير أصحابها، وليس السعى إلى الجائزة فى حد ذاته.







