الأربعاء 05 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

صلاح فضل.. عن مغالطات شعبان يوسف حول ماركيز ومحمد إبراهيم مبروك

حرف

ما إن طالعت مقالة فى العدد الأخير من «حرف» (134) لشعبان يوسف عنوانها «محمد إبراهيم مبروك.. عن الذى أدخل ماركيز إلى مصر» فانتابتنى الدهشة على الفور، فما أعلمه ويشاركنى فيه كثرٌ آخرون أنَّ لشيخ النقاد العرب الدكتور صلاح فضل الدور الأبرز نقديًّا فى التعريف بجابريل جارثيا ماركيز وأدب أمريكا اللاتينية فى طوره الحداثى والعصرى فى حقبة سبعينيات القرن العشرين وتعبيد أرض التلقى لاستقبال هذا النوع من الأدب، وكان أستاذنا العظيم صلاح فضل الذى قدَّم ماركيز بعد أن التقاه فى المكسيك أواسط السبعينيات، وكان ذلك فى كتابه المهم منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى الذى كانت طبعته الأولى فى العام 1978م، أى قبل حصول ماركيز على نوبل فى العام ١٩٨٢، فى استعراض فضل الذى كان يجيد الإسبانية باقتدار لرواية ماركيز التى قرأها فى لغتها الأصلية «مائة عام من الوحدة» هذا بحسب ترجمة فضل لعنوان الرواية قبل شيوع عنوان «مائة عام من العزلة» مع ترجمتها إلى العربية بعد ذلك، ثم توالت وتعدَّدت طبعات هذا الكتاب على امتداد أربعة عقود داخل مصر وخارجها، إضافة إلى اختيار فضل للكتاب ضمن ما درسه من مقررات جامعية فى ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

ماركيز
ماركيز


من ناحية مقابلة، فإشكاليات هذا العنوان الذى اختاره شعبان يوسف تتمثَّل فى عدة أمور: أولها أنَّه يُصدِّر إلى القارئ حكمًا قطعيًّا وتلويحًا بامتلاك يقين معرفى بأسبقية الدكتور محمد إبراهيم مبروك فى تقديم ماركيز إلى مصر وبالتالى يضعه- تاريخيًّا فى مركز التأثير فى تقديم ماركيز، وثانيها أنَّه يجعل العلامة الأبرز والعمل الأهم والمنجز الأكبر والوسم الملازم لتجربة الدكتور مبروك يتمثَّل فى تقديمه لماركيز، وثالثها أنَّه يعطى لما يتصوَّره صاحب المقال تقديمًا لماركيز أفضلية نوعية وقيمية فارقة تجعل جهوده هى الأبرز- مقارنة بغيره- فى هذا العمل الذى ينسبه إليه، ورابعها أنَّ هذا العنوان يعد القارئ بكشف جديد، وأيضًا بأن يكون موضوع المقال وهيكله الرئيسى حول ما طرحه العنوان، وخامسها يتعلق بمدى فهم ومقصد كاتب المقال لمفهوم إدخال كاتب لآخر فى بلد ما، أى ماذا يعنى بهذا الإدخال، ذلك المفهوم الذى يقترب من معنى التوطين، هل يقصد التعريف به أم الترويج له، وما شكل هذا التعريف أو الترويج وما آلياته ووسائله؟

صلاح فضل
صلاح فضل


المهم أنَّى تجشمت مهمة قراءة مقال شعبان يوسف ماضيًا فى أزقته ومتاهاته، معافرًا فى دروب حكاياته التى بدت لا علاقة لها بعنوان المقال الذى يعد بتقديم كشف مهم يتجلى فى التعريف بجهد مبروك فى إدخال ماركيز إلى مصر، فوجدت الكاتب يسرد تفاصيل كثيرة ووقائع صغيرة تبدو مجانية، كمهاتفة مبروك ليحيى حقى رئيس تحرير مجلة «المجلة» فى أغسطس ١٩٦٦ وطريقة معاملة حقى لمبروك إنسانيًّا بأنَّ يحيى حقى كان ينادى مبروك بلقب «باشا» ويناديه مبروك بلقب «بك»! وظروف نشر نص قصصى لمبروك بعدها بنحو شهرين فى عدد من أعداد المجلة، وكتابة الناقد الشاب وقتها صبرى حافظ إضاءة نقدية عن قصة مبروك وتنبؤه له بمستقبل واعد فى فن القصة، كل هذا وأكثر فى الفقرة الأولى من المقال ولا نعرف ما علاقة هذا الذى يسرده كاتب المقال بما يفترض أن يكون رأسه وعنوان موضوعه وهو تحقيق ما يزعمه شعبان يوسف بريادة الدكتور مبروك فى تعريف مصر بماركيز! فيمضى كاتب المقال بقارئه فى أحراش من تفاصيل منثورة بعشوائية تفتقد حتى إلى نسق يضمها فى ترابط علِّى، ما يستنزف القارئ ويشتته ويبدد تركيزه ويرهقه فى استجابته القرائية لمقال لم يعثر بعد على علاقة ما يحشوه كاتبه من تفاصيل وأحداث بما وعد به عنوانه، وبالتالى فقد يعرض عن استكمال قراءة المقال.
مضيت فى المقال الذى بدت فقراته تقدم حكايات متناثرة عن الدكتور محمد إبراهيم مبروك وحبه للأدب الروسى وذهابه لحضور محاضرة سارتر فى جامعة القاهرة وأنَّ على شلش قد أدخله بصحبته بعد أن أغلقت الأبواب ثم فقرة عن سجن الدكتور مبروك. 
المهم أنَّ شعبان يوسف بعد عديد من الفقرات التى ضمت هذه الموضوعات المفكَّكة يصل إلى الحديث عن علاقة مبروك بماركيز، فيذهب إلى أنَّ مبروك قرأ ترجمة رواية «مائة عام من العزلة» لماركيز بترجمة صالح علمانى التى صدرت فى طبعتها الأولى عام ١٩٧٩ فى بيروت، ثم أحضر محمد بكر شقيق الكاتبة سلوى بكر نسخًا منها مصورة ووضعها للبيع فى مكتبة مدبولى، ويقول شعبان بالنص عن دور مبروك فى تقديم ماركيز: «فى ذلك التوقيت اقتناها صديقنا محمد مبروك، وقرأها، وما إن قرأها حتى جن جنونه، وصار مسحورًا، وما إن يقابل أحدًا حتى يبادره بالحديث عن تلك الرواية، وشجعه ذلك لكى يسعى لقراءة أدب أمريكا اللاتينية المترجم، ولكنه لم يكتف بذلك الأمر، فسعى لكى يدرس اللغة الإسبانية، ولم يقتصر الأمر على القراءة فقط، بل شرع فى الترجمة، ليصبح أحد مترجمى أدب أمريكا اللاتينية الكبار»، ثم يعود فى الفقرة التالية يتناول كتابة مبروك عن ماركيز فيقول بالنص: «كانت تلك الفترة فقيرة فى الإصدارات الثقافية فى مصر، وكان المثقفون المصريون قد اتخذوا قرارًا لا رجعة فيه، وهو إصدار مجلات ومطبوعات خاصة ومستقلة، ذات طباعة فقيرة، لكنها قادرة على حماية الإبداع المصرى، وشهد عقدا السبعينيات والثمانينيات عددًا من تلك الكراسات والمطبوعات المستقلة، منها مجلات: خطوة، وأدب الغد، وأصوات، وإضاءة ٧٧، وموقف، ومصرية، وآفاق ٧٩»، وغيرها من مجلات مستقلة، ومن هنا انطلق محمد مبروك لإصدار مطبوعة خاصة، وهى مجلة «النديم»، والتى صدرت فى يونيو ١٩٨١، وكان يحيى الطاهر عبدالله قد مات فى حادث أليم، وكان صديقًا حميمًا لمبروك، فكتب مبروك رسالة له، جاءت مؤثرة للغاية، فالاثنان تتشابه حياتهما وظروفهما والانتماء الإنسانى والسياسى والفنى، وصدر غلاف العدد بجملة «رسالة مفتوحة إلى يحيى الطاهر عبدالله»، بث فيها شجونه وأحزانه وهواجسه وكل آماله التى كانت تناوشه وتناوش كل أبناء جيله، ولكن الأهم من ذلك كان مقاله المهم عن رواية ماركيز «ليس لدى الكولونييل من يكاتبه»، وكان عنوان المقال «الجحيم باتجاه المطر»، وفى المقال نقل مبروك كل إعجابه وفتنته وجنونه بالرواية، وكان ذلك المقال هو أول مقال يكتب فى مطبوعة ثقافية مصرية- فى حدود علمى- حتى إشعار آخر، وقبل أن يفوز ماركيز بجائزة نوبل عام ١٩٨٢، وفى العدد الثالث من المجلة، كتب مبروك مقدمة المجلة عن ماركيز تحت عنوان «جابرييل جارسيا ماركيز.. كاتبنا»، ثم ترجم حوارًا معه، كما تتضمن العدد قصتين ترجمهما شوقى فهيم.
إذن، فشعبان يوسف ينسب إلى الدكتور محمد إبراهيم مبروك فضل «إدخال» ماركيز إلى مصر بناء على رواية شفاهية أنَّه قد «جن جنونه» برواية ماركيز وصار يدعو أى شخص أو أى أحد- بتعبير شعبان- لقراءة الرواية، وأيضًا بناء على مقال كتبه مبروك عن الرواية فى مجلة تبدو من مجلات «الماستر» محدودة الانتشار- وقتئذ- بحكم أنَّ مثل هذه المطبوعات كانت تصدر بجهود ذاتية لا عن مؤسسات رسمية حكومية أو كبرى، وتاريخ هذا المقال يضعه شعبان بالتقريب بعد صدور تلك المجلة عام ١٩٨١ وقبل فوز ماركيز بنوبل عام ١٩٨٢، أى أنَّه تاريخيًّا كان بعد صدور كتاب الدكتور صلاح فضل منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى عام ١٩٧٨ بثلاثة أعوام على أقل تقدير، ما يشكِّل مبدئيًّا مغالطة تاريخية واضحة تفضى إلى طمس جهود الدكتور صلاح فضل فى تقديم ماركيز، فضلًا عن التباس مفهوم «إدخال» أى تقديم كاتب معين إلى بلد ما أى توطينه فى ثقافة خاصة، لأنَّ اعتبار الدعوة الشفاهية إلى كاتب معين بمحادثة صاحب هذه الدعوة عن كاتبه المختار إلى كل أحد يقابله لهو أمر لا يمكن ضبطه أو تحديد أثره أو مداه أو نتائجه، أما اعتبار أنَّ مقالًا قد كتبه صاحبه فى مجلة محدودة الانتشار بحكم ظروف إصدارها بمجهودات شخصية بمثابة جسر لإدخال كاتب إلى بلد وتوطينه فى ثقافتها فهو أمر إن لم يكن مغالطة فهو يكشف عن التباس حاد لدى صاحبه، وفيه إجحاف وطمس لجهود الآخرين الذين أسهموا فى تقديم ماركيز، فنجد أنَّ من أبرز الجهود فى هذا الصدد بعد جهد صلاح فضل التأسيسى ترجمة الدكتور سليمان العطار لرواية «مائة يوم من العزلة» التى صدرت عام ١٩٨٢ أى فى توقيت مزامن أو قريب مما زعمه شعبان عن جهد الدكتور محمد إبراهيم مبروك.
ولا يفوتنا أنَّ شعبان يحاول التنصل من المساءلة فى الحكم الذى صدَّره فى عنوان المقالة قائلًا «فى حدود علمى».. وهو ما يتناقض مع عنوانه للمقال الذى يُصدِّر فيه وسم الدكتور مبروك بأنَّه الذى أدخل ماركيز إلى مصر فكيف بعد أنَّ صدر حكم الواثق فى عنوان المقال يعود ليبدى شيئًا من التشكُّك فيما يُصدِّره من معلومات وأحكام بجملة «فى حدود علمى» وبالطبع معظمنا يعرف أنَّ بعض القراء وربما معظمهم قد لا يقدرون على تجشم قراءة مقالة مثل هذه حتى نهايتها، فنحن أمام مقالة طويلة نسبيًّا ومفككة وتعانى ارتباكًا حادًا فى الصياغات وتفتقر إلى القدرة على البناء المنطقى الذى يجعل للمقال نسق يتسم بالتدفق والحيوية لا الاهتراء والتخثر، وبالتالى قد يخرج نسبة من القراء الذين طالعوا عنوان المقالة دونما بلوغ الموضع الذى تعرَّض فيه الكاتب لعلاقة الدكتور مبروك بكتابة ماركيز وشكل ونوعية وأسلوب دعوته إلى قراءته وبالتالى مدى استحقاق ذلك لأن يُعد صاحب ذلك الجهد ذا فضل سبق فى إدخال أى تقديم ماركيز إلى مصر. 
إن خطورة مثل هذه الكتابات التى تصدِّر أحكامًا قطعية مطلقة وفيها مغالطات تعمل على التدليس على القارئ وتبدو محاولة لمحو جهد صلاح فضل العظيم الذى طبع كتابه «منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى بضع طبعات حتى نجد أن الطبعة الأولى من الكتاب التى صدرت عام ١٩٧٨ قد نفدت فى العام التالى للإصدار، وأصدرت دار المعارف الطبعة الثانية من الكتاب فى العام ١٩٨٠ وهو مؤشر على حجم تأثير كتاب صلاح فضل الذى قدم فيه وانتشاره الواسع فى توقيت يسبق ما زعمه شعبان يوسف أنَّ للدكتور مبروك أسبقية فى تقديم ماركيز.
ولا يغيب عنا أنَّ جهد صلاح فضل وقيمة دوره فى تقديم ماركيز لم يكن فى مجرد الإشارة لروايته العلامة، «مائة عام من الوحدة»، التى قرأها فضل فى لغتها الأصلية، الإسبانية مع تعرفه الشخصى إلى ماركيز وزوجته أثناء عمله الأكاديمى بجامعة المكسيك فى النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى، إذ إن فضل صلاح فضل يتمثل فى كونه فاتح طريق فى كتابه، منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى، بتقديمه أحدث ما طرأ على كتابة أمريكا اللاتينية وآدابها فى ذلك الوقت والأسس الفلسفية والملامح الفنية والهوية الجمالية لأسلوب الواقعية السحرية الذى تميز به أدب أمريكا اللاتينية، ومن ضمنه بالطبع كتابات ماركيز بجلاء المكونات الثقافية والأنثربولوجية المشكِّلة لكتابة الواقعية السحرية، وقد حمل هذا الكتاب لصلاح فضل جذور النقد الثقافى للأدب الذى يمزج تفسير ملامحه الفنية وآلياته التعبيرية بالسياقات الثقافية المنتجة له. وبالتالى لم يكن تقديم صلاح فضل النقدى لماركيز مجرد تعريف بروايته «مائة عام من الوحدة» التى غلب فى ترجماتها بعد ذلك بعنوان مائة عام من العزلة عن الأصل الإسبانى «Cien años de soledad» وإنَّما جاء الفضل الكبير والدور المهم لصلاح فضل فى أنَّه قدَّم السياق الثقافى والرحم الفكرى والفلسفى الذى خرجت منه رواية ماركيز، وبالمناسبة فإنَّ هذا الكتاب لفضل منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى الذى قد تزامن معه فى العام نفسه ١٩٧٨ صدور كتاب آخر مؤسس هو نظرية البنائية فى النقد الأدبى، حيث إنَّ نظرية البنائية التى تعنى بالنص الأدبى فى بناه الداخلية وجهازه اللغوى المُشكِّل له هى ابنة ثقافة اليمين الغربى الرأسمالى، بينما يبدو منهج الواقعية وما طرحه فضل فى كتابه، منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى، من رؤى الواقعية الاشتراكية والتروتسكية فى الأدب هو ابن اليسار الثقافى العالمى- إنَّما يكشف هذا عن التوازن المعرفى لصلاح فضل والاتزان المنهجى المتحرِّر من أسر الأحادية المؤدلجة، إذ إنَّ تاريخنا الثقافى بعامة والنقدى بخاصة كان يحفل بكثير من النقاد والأدباء الذين اختاروا الانحياز التام لنسق فكرى مغلق أو تيار أيديولوجى بعينه ورفض ما عداه من مذاهب وتيارات ونظريات، وبالتالى فإنَّ ما قام به شعبان يوسف إنَّما هو جور على جهود صلاح فضل فى تقديم ماركيز إنَّما هو جور على مدرسة صلاح فضل ومنهجيته الأكاديمية المتميزة الهوية فى تقديم أعلام الكتابة وأعمالهم بالتعريف بخلفياتهم الثقافية وجذورهم الفكرية ومدارسهم الفنية.