الجمعة 07 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

من زينب الغزالي إلى السرورية والقاعدة.. كيف أصبحت المرأة وظيفةً تنظيمية؟

زينب الغزالى
زينب الغزالى

يوافق الثالث من أغسطس ذكرى رحيل زينب الغزالي التي رحلت عام 2005م، تلك المرأة التي وهبت نفسها للمرشد حسن البنا وناضلت حتى صارت مرشدة الأخوات المسلمات في تنظيم الإخوان المسلمين الدولي، لكن أثرها الحقيقي لا يُقاس بتاريخ رحيلها، بل بتاريخ الفكرة التي بقيت حية بعدها. فكم من شخصيات ملأت الدنيا خطابةً ثم انطفأت بانطفاء أصحابها، وكم من شخصيات تركت نموذجًا ظل يعمل في صمت بعد أن غابت، ولعل زينب الغزالي تنتمي إلى الصنف الثاني؛ إذ لم يكن أثرها الأكبر في عدد محاضراتها، ولا في شهرة كتابها، وإنما في أنها أسهمت في بناء نموذج للعمل النسائي ظل حاضرًا في الحركات الإسلامية لعقود طويلة، مع اختلاف البيئات والسياقات.

وحين يُثار الحديث عن علاقة الإسلام السياسي بالمرأة، ينصرف النقاش عادةً إلى قضايا المظهر، والاختلاط، وحقوق المرأة؛ وهي قضايا لا شك في أهميتها، لكنها كثيرًا ما تحجب سؤالًا آخر أكثر عمقاً ينقلنا من القشور الفقهية إلى عمق البنية التنظيمية وسوسيولوجيا الحركات الحركية، وهو: لماذا احتاج الإسلام السياسي إلى المرأة أكثر مما احتاجت المرأة إليه؟ الإجابة عن هذا السؤال تكشف أن التنظيمات الحركية أدركت مبكراً أن الأفكار لا تعيش بالخطب بل بالتربية، والتربية لا تستقر بالمنابر بل بالأسرة، والأسرة لا تُعاد صياغتها إلا عبر المرأة. ومن هنا، لم تكن المرأة مجرد عنصر ملحق، بل كانت شرط البقاء التاريخي للتنظيم، والعمود الفقري الذي استند إليه التنظيم في لحظات التمدد والانكسار على حد سواء.

عندما التحقت زينب الغزالي بجماعة الإخوان، لم تكن فتاة تبحث عن موقع داخل تنظيم ناشئ، بل كانت قد أسست قبل ذلك "جمعية السيدات المسلمات"، واكتسبت حضورًا دعويًا مستقلًا. أدرك حسن البنا قيمة هذا الحضور، فعمل على إدماج هذا الرصيد الدعوي في المشروع الإخواني، لتبدأ مرحلة تحول العمل النسائي من نشاط وعظي تقليدي إلى مؤسسة تربوية حركية متكاملة تُعد الدرس، وتختار العضوات، وتتابع الأسر. ولم يتوقف دور الغزالي عند حدود مرحلة التأسيس الأولى؛ بل أسهمت عقب خروجها من السجن عام 1971 في إعادة تنشيط العمل النسائي الإخواني ضمن مرحلة إعادة بناء وتأسيس الجماعة في عهد الرئيس أنور السادات، وكان حضورها داخل الجماعة آنذاك يتجاوز العمل النسائي، حتى عُدّت في بعض الشهادات من أكثر الشخصيات تأثيرًا في مرحلة إعادة ترتيب البناء التنظيمي بعد سنوات المحنة وضبط شبكاتها الحركية.

وفي هذا السياق، لم يكن كتابها "أيام من حياتي" سيرةً ذاتية، بل كان بمثابة النص التأسيسي الذي شكّل الذاكرة الوجدانية لنساء الإخوان، ورسّخ أدبيات "المحنة" و"الثبات" و"الاصطفاء". إنها الطريقة التي تُبنى بها داخل التنظيمات سرديات "الابتلاء" بوصفها عنصرًا جوهرياً لتعزيز الهوية التنظيمية، وصهر الأفراد، وتحويل المعاناة الشخصية إلى وقود لاستمرار الأيديولوجيا؛ ولذلك أصبح جزءًا من الأدبيات التربوية التي أسهمت في تشكيل الوجدان الحركي لأجيال من المنتسبات إلى الجماعة.

وكشفت محنة الستينيات القاسية في تاريخ الإخوان حقيقة استراتيجية مفادها أن النساء كُنّ أقل عرضة للملاحقة الأمنية من الرجال في ذلك التوقيت. ومن رحم هذه الأزمة، برز دور المرأة كحامية للتنظيم؛ فازدادت أدوارها اضطرارياً في التربية، وربط الأسر، وحفظ الشبكات الاجتماعية والمادية من الانهيار. لم يكن هذا الدور ترفاً فكرياً، بل كان الوظيفة الحيوية التي منعت اندثار البنية الصلبة للتنظيم ووفرت له فرصة توليد نفسه من جديد. ومع التحولات الجيوسياسية في المنطقة وصعود تيارات الصحوة والسرورية في الخليج، لم ينتقل النموذج كأفراد أو تنظيمات هيكلية متطابقة، بل انتقل كوظيفة.

لم تنتقل زينب الغزالي إلى الخليج بشخصها، بل انتقلت بوظيفتها

وهنا أعيد إنتاج دور المرأة كصانعة للبيئة الاجتماعية الحاضنة، وناقلة للفكرة عبر قنوات ناعمة شديدة التأثير. وقد تجلّى ذلك في اتساع المؤسسات التعليمية والدعوية والأنشطة النسائية التي تأثرت بخطاب الصحوة، فتحولت في حالات متعددة إلى بيئات اجتماعية حاضنة للفكرة الحركية، ومحاضن لإعادة تشكيل الوعي النسائي وفق القالب التنظيمي. وهي الظاهرة التي نبه إليها وحللها عدد من الباحثين والمثقفين السعوديين الذين رصدوا كيف تحولت هذه الأدوار التعليمية والاجتماعية إلى أدوات فاعلة لبناء النفوذ الفكري وإعادة صياغة المجال العام، وتناولوها بالتشخيص كما في دراسات الدكتور توفيق السديري، وتقاطعت ملاحظاتهم مع ما رصده لاحقاً الباحث الفرنسي ستيفان لاكروا في كتابه "زمن الصحوة" من منظور أكاديمي.

ومع انتقال بعض الحركات إلى العمل السري أو المسلح في سياقات راديكالية لاحقة، لم يحدث امتداد تنظيمي مباشر، بل حدث اتساع وتطور في طبيعة الوظيفة تبعاً لاحتياجات كل تنظيم وفرضيات بقائه؛ فبينما ركزت تجربة زينب الغزالي على التربية الحركية وصياغة النواة الأسرية، وتكفلت السرورية والصحوة بإعادة إنتاج المجتمع أفقياً عبر التعليم والشبكات الدعوية، فرضت الظروف الأمنية على تنظيم القاعدة الانتقال بالمرأة إلى الدعم اللوجستي والتمويل والإيواء، وصولاً إلى تنظيم داعش الذي بلغت فيه الوظيفة ذروتها العملياتية من خلال الفاعلية المباشرة في التجنيد الإلكتروني والدعاية والضبط الأمني والرقابة عبر تشكيلات مثل كتيبة الخنساء.

ولعل المفارقة تكمن في أن المرأة التي عارضت هذه التيارات كثيراً من صور تمكينها في المجال العام، أصبحت داخل التنظيم إحدى أكثر أدواته تأثيراً؛ فلم يكن الخلاف مع قدرة المرأة على التأثير، وإنما مع الجهة التي تمارس من خلالها هذا التأثير؛ أهو المجتمع والدولة، أم التنظيم؟

لم يكن هذا التحول المتصاعد في الأدوار تطوراً في مفاهيم حقوق المرأة أو إيماناً باستقلاليتها الفردية لدى هذه التيارات، بل كان استجابة براغماتية بحتة لطبيعة الاحتياج الميداني؛ فالتنظيمات تستطيع أن تخسر قياداتها، لكنها تحرص دائماً على ألا تخسر أدواتها التربوية والعملياتية لأنها الضمانة الوحيدة لاستمرار الفكرة. ويبقى السؤال الفلسفي بعد قرابة قرن على مأسسة العمل النسائي الحركي: هل منحت هذه التجارب المرأة شرف الشراكة المستقلة في بناء المجتمع، أم كانت تُمنح أدوارها بمقدار ما تخدم بقاء واستمرار المشروع التنظيمي؟ الإجابة التي تكشفها التحولات الوظيفية تؤكد أن المرأة كانت دائماً هي الإجابة الحركية الذكية على أسئلة البقاء والتغلغل؛ استخدمها الإسلام السياسي لإعادة تشكيل البيئة الاجتماعية المحيطة به، وظلت وظيفتها تدور في فلك التنظيم وجوداً وعدماً. ولعل الذكرى العشرين لرحيل زينب الغزالي تذكّرنا بأن الأشخاص يرحلون، أما النماذج التنظيميّة التي يبتكرونها فقد تعيش عقودًا، ولذلك فإن دراسة زينب الغزالي ليست استدعاءً لسيرة امرأة، بقدر ما هي محاولة لفهم كيف تتحول الأفكار إلى مؤسسات؛ ففي تاريخ الإسلام السياسي، لم تكن المرأة مجرد عضو في التنظيم، بل كانت إحدى وظائفه الاستراتيجية؛ حفظت الفكرة، وأعادت إنتاجها، وضمنت استمرارها من جيل إلى جيل.