الأحد 20 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

The Animals of Ancient Egypt.. كتاب جديد يتتبع حيوانات الفراعنة المُنقرضة

حرف

- الفيل: كان موجودًا فى مصر فى عصور ما قبل التاريخ ثم اختفى من البيئة المصرية.

- الزرافة: عاشت فى مصر فى الفترات المبكرة ثم اختفت محليًا.

- الأسد: عاش فى مصر وظهر كثيرًا فى الفن والرمزية الملكية لكنه تراجع تدريجيًا حتى اختفى من البرية المصرية.

- فرس النهر: تذكر مصادر متحف المتروبوليتان أن آخر أفراس النهر البرية فى مصر شوهدت فى النصف الأول من القرن التاسع عشر. 

- المها أبوحراب: كان من حيوانات المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية فى مصر القديمة، ثم اختفى محليًا.

- الهرتبيس: نوع كبير من الظباء كان موجودًا فى مصر ومصورًا فى الفن القديم لكنه اختفى من البرية المصرية.

- أبومنجل المقدس: سُجل للمرة الأخيرة فى البلاد عام 1891.

حين رسم المصرى القديم طائرًا يُحلّق بين نباتات البردى على ضفاف النيل، أو غزالًا يركض فى الصحراء، أو أسدًا يواجه الصياد، لم يكن يتخيل أن هذه الصور ستتحول بعد آلاف السنين إلى ما يشبه أرشيفًا للحياة البرية فى مصر؛ فمن بين الحيوانات التى سجّلها الفن المصرى القديم أنواع لا تزال تعيش بيننا، وأخرى تقلص نطاق وجودها، بينما اختفت أنواع تمامًا من البرية المصرية، ولم يبق حضورها القديم إلا فى العظام والصور والتماثيل والمومياوات.

هذه المقارنة بين الماضى والحاضر ينطلق منها كتاب «حيوانات مصر القديمة.. آنذاك والآن» The Animals of Ancient Egypt: Then and Now، لعالم الطبيعة ريتشارد هوث، وعالمة المصريات سليمة إكرام، والصادر عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة فى أبريل 2026، فى 160 صفحة تضم نحو 200 صورة ملونة.

ويجمع الكتاب بين علم الحيوان وعلم المصريات، متتبعًا أكثر من 60 نوعًا من الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات والأسماك واللا فقاريات التى لا تزال مسجلة فى مصر الحديثة، ويقارنها بصورها وحضورها فى مصر القديمة. 

وتفتح هذه المقارنة الباب أمام سؤال: ماذا حدث للأنواع التى عرفتها مصر قديمًا ثم اختفت؟ مع الإشارة إلى أن انقراض بعض الأنواع يعنى أنه «لم تعد لها جماعات طبيعية حرة تعيش وتتكاثر فى البرية كما كان الحال قديمًا، مع وجود أفراد منها اليوم فى حدائق الحيوان أو السفارى بالطبع».

يبدأ الكتاب من سؤال: إذا كانت عشرات الأنواع استطاعت البقاء فى مصر حتى اليوم، فأين ذهبت الحيوانات الأخرى التى سجلتها آثار مصر القديمة؟

والإجابة تبدأ من حقيقة أساسية: مصر لم تكن دائمًا البيئة نفسها التى نعرفها الآن؛ فالتغيرات المناخية التى شهدتها شمال إفريقيا عبر آلاف السنين غيرت توزيع المياه والنباتات والمراعى، وتحولت مناطق كانت أكثر رطوبة إلى أراضٍ صحراوية شديدة الجفاف، ومع تغير الموائل تغيرت الحيوانات القادرة على العيش فيها.

وتكشف الأدلة الأثرية والفنية عن عالم كان أكثر ثراء بالحيوانات الكبيرة، إذ عرفت البيئة المصرية فى فترات مختلفة «الفيلة والزراف والأسود وأفراس النهر والمها والهرتبيس» وغيرها من الحيوانات التى لم تعد تعيش اليوم بصورة طبيعية حرة داخل مصر.

ويشير المؤلفان إلى ضرورة توضيح معنى «اختفت»؛ فالزرافة أو الأسد، على سبيل المثال، قد يراهما المصرى اليوم داخل حديقة حيوان أو متنزه للحياة البرية، لكن وجود حيوان داخل منشأة مغلقة لا يعنى أن النوع ما زال جزءًا من الحياة البرية المصرية.

الاختفاء هنا يعنى «الانقراض المحلى»؛ أى أن الحيوان لم تعد له جماعات برية طبيعية تعيش وتتكاثر بحرية داخل مصر، وليس أنه انقرض من العالم أو أصبح من المستحيل العثور عليه داخل البلاد.

وهذا الفارق يجعل القصة أكثر إثارة؛ فبعض الحيوانات التى نذهب اليوم إلى مكان مخصص لرؤيتها كانت أسلافها يومًا جزءًا من المشهد الطبيعى المصرى.

من بين الحيوانات التى فقدتها البيئة المصرية فى وقت مبكر الفيل والزرافة، وتشير السجلات الأثرية والبيئية إلى وجودهما فى مصر خلال فترات مبكرة، عندما كانت الظروف الطبيعية مختلفة، قبل أن يتراجعا ويختفيا من البرية المصرية.

لكن اختفاء الحيوان من الطبيعة لم يؤدِ بالضرورة إلى اختفائه من الفن المصرى؛ فالزرافة على سبيل المثال استمرت معروفة للمصريين من خلال علاقاتهم بالمناطق الإفريقية الواقعة إلى الجنوب، وظهرت فى المادة الفنية حتى فى فترات لم تعد فيها جزءًا طبيعيًا من الحياة البرية داخل مصر.

ومن هنا لا يستطيع الباحث أن يفترض أن كل حيوان رسمه المصرى القديم كان يعيش بالضرورة بجوار منزله؛ فالحيوانات نفسها يمكن أن تكشف عن التجارة والبعثات والعلاقات بين مصر ومناطق أخرى.

كان الأسد حيوانًا حقيقيًا فى البيئة المصرية قبل أن يتحول بالنسبة إلينا إلى صورة مرتبطة بالآثار والرموز الملكية.

عرف المصرى القديم قوة الأسد وخطورته، واستعار منه رمزية السلطة والحماية، فظهر فى الفن والتماثيل والمعتقدات، وارتبط بالملوك وعدد من المعبودات، لكن الأسود تراجعت تدريجيًا مع تغير البيئة وتقلص الموائل والفرائس والضغط البشرى، حتى اختفت من البرية المصرية.

والمفارقة أن صورة الأسد استمرت حاضرة بقوة فى الثقافة المصرية بعد غياب الحيوان نفسه؛ فقد اختفى صوته من الطبيعة، لكن صورته بقيت على الحجر آلاف السنين.

إذا كان اختفاء الفيلة والزراف يعود إلى زمن بعيد، فإن «فرس النهر» يقدم قصة مختلفة تمامًا، وفق ما يرصده مؤلفا الكتاب، فالحيوان الضخم، الذى نربطه اليوم بوسط وجنوب إفريقيا، كان يعيش فى نهر النيل، وكان المصرى القديم يعرفه عن قرب، لا باعتباره رمزًا دينيًا فقط، وإنما كحيوان حقيقى يمكن أن يمثل خطرًا على الإنسان والزراعة.

فأفراس النهر تخرج ليلًا للتغذية، ويمكنها إتلاف المحاصيل، كما أن قوتها جعلتها حيوانًا خطرًا، ولذلك ظهرت مشاهد صيدها والسيطرة عليها فى الفن المصرى.

وفى الوقت نفسه حملت دلالات أخرى؛ فارتبطت أنثى فرس النهر بالحماية والأمومة من خلال الإلهة تاورت، فى مثال واضح على أن المصرى لم ينظر إلى الحيوان من زاوية واحدة.

ومع اتساع النشاط البشرى وتقلص موائله والصيد، أخذ وجود فرس النهر فى مصر فى التراجع، لكنه لم يختفِ فى العصر الفرعونى، بل ظل موجودًا حتى زمن قريب نسبيًا، إذ شوهدت آخر أفراس النهر البرية فى مصر فى أوائل القرن التاسع عشر.

لم تقتصر الحيوانات التى اختفت من البيئة المصرية على الأنواع التى عاشت حول النيل، فقد كانت الصحارى والمناطق شبه الصحراوية فى مصر القديمة أكثر تنوعًا فى الحياة البرية مما تبدو عليه اليوم، وعاشت فيها أنواع من الظباء والحيوانات الكبيرة التى أصبحت مشاهد صيدها جزءًا مألوفًا من الفن المصرى القديم.

ومن أبرز هذه الحيوانات «المها» و«الهرتبيس»، وهما من الحيوانات التى تتغذى أساسًا على النباتات والأعشاب، وكان «المها» يتميز بقرونه الطويلة، وظهر فى عدد من المشاهد والآثار المصرية القديمة، كما كان من الحيوانات التى اصطادها المصريون أو احتفظوا بها. 

أما «الهرتبيس»، وهو نوع من الظباء الإفريقية الكبيرة يتميز بوجهه الطويل وقرونه المنحنية، فقد كان هو الآخر معروفًا فى مصر القديمة وظهر فى مشاهد الصيد والحياة البرية، قبل أن يختفى من البيئة المصرية.

ويرتبط تراجع هذه الحيوانات بتحولات أوسع شهدتها البيئة المصرية على امتداد آلاف السنين، مع تغير المناخ وتراجع المراعى ومصادر المياه، إلى جانب الضغوط البشرية والصيد، وهى عوامل أعادت تدريجيًا رسم خريطة الحياة البرية فى مصر.

من أكثر الحالات إثارة «أبومنجل المقدس»، وهو واحد من أشهر الطيور المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة، واقترن بصورة الإله تحوت، وعُثر على أعداد هائلة من مومياواته فى المواقع الأثرية.

ورغم حضوره الطاغى فى آثار مصر، لم يعد أبومنجل المقدس جزءًا من الحياة البرية الطبيعية فى البلاد، وتشير البيانات التى يعرضها الكتاب إلى أن آخر تسجيل له فى مصر يعود إلى عام ١٨٩١.

وهنا تتجسد المفارقة بأوضح صورة: طائر يمكن العثور على مومياواته وصوره فى مصر بأعداد هائلة، لكنه اختفى من سمائها منذ أكثر من قرن.

فى مقابل الحيوانات التى اختفت من البرية المصرية، تكشف المقارنة بين الماضى والحاضر عن جانب آخر لا يقل إثارة؛ فعدد من الحيوانات التى شاهدها المصرى القديم ورسمها على جدران المقابر والمعابد، أو استخدم صورها فى الكتابة والرموز، لا يزال يعيش فى مصر حتى اليوم بعد مرور آلاف السنين.

وهذه هى الفكرة الأساسية التى يقوم عليها كتاب «حيوانات مصر القديمة.. آنذاك والآن»، إذ يتتبع المؤلفان أكثر من ٦٠ نوعًا من الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات والأسماك واللا فقاريات، لا تزال مسجلة فى مصر الحديثة، وفى الوقت نفسه يمكن العثور على حضور لها فى الفن والآثار المصرية القديمة. 

ويضع الكتاب الماضى والحاضر وجهًا لوجه؛ فيعرض صورة حديثة للحيوان ومعلومات عن حجمه وسلوكه وموطنه وانتشاره، ثم يعود إلى مصر القديمة ليتتبع صوره والدور الذى لعبه فى حياة المصريين ومعتقداتهم.

ومن أبرز الأمثلة «التمساح النيلى»، أحد أشهر حيوانات مصر القديمة، والذى ارتبط بالإله «سوبك»، وعُثر على تماسيح محنطة فى عدد من المواقع الأثرية. 

ورغم اختفائه من معظم مجرى النيل فى مصر الحديثة، فإنه لم يختفِ من البلاد، إذ لا تزال التماسيح تعيش فى بحيرة ناصر فى جنوب مصر.

كما استطاعت بعض الغزلان وحيوانات الصحراء البقاء، رغم أن انتشارها وأعدادها لم تعد كما كانت فى الماضى، وهو ما يكشف عن أن بقاء النوع لا يعنى بالضرورة استمرار وجوده بالكثافة نفسها أو فى الأماكن ذاتها؛ فقد تنكمش جماعاته إلى مناطق محدودة بينما يختفى من أجزاء واسعة كان يعيش فيها قديمًا.

أما الطيور، فتمثل ربما أوضح جسر بين مصر القديمة والحديثة، ومن بينها «الرفراف الأبقع»، الطائر المميز بلونيه الأبيض والأسود، والذى يعيش بالقرب من المياه ويصطاد الأسماك، ولا يزال من الطيور التى يمكن مشاهدتها على امتداد النيل والترع والمسطحات المائية المصرية، بعد آلاف السنين من تسجيل المصريين القدماء صورته.

ومن الأنواع التى تربط الماضى بالحاضر أيضًا «الرخمة المصرية»، وهى من الطيور الجارحة التى عرفها المصرى القديم واستخدم صورتها فى الكتابة الهيروغليفية، ولا يزال النوع مسجلًا فى مصر الحديثة، وإن تعرضت أعداده لتراجع كبير وأصبحت مشاهدته أقل شيوعًا.

وتتسع قائمة الطيور التى استطاعت الاستمرار لتشمل أنواعًا من البوم والصقور والبط والإوز والطيور المائية والصحراوية، وهى مجموعات ظهرت بكثرة فى مشاهد المقابر، خصوصًا المناظر التى تصور النيل والمستنقعات والصيد. 

بل وجاءت بعض الرسوم دقيقة إلى درجة تسمح لعلماء الطبيعة اليوم بالتعرف إلى الأنواع التى صورها الفنان المصرى القديم، بل والتمييز فى بعض الحالات بين الذكر والأنثى من تفاصيل الشكل والريش.

ولا يقتصر الناجون على الثدييات والطيور؛ فهناك أيضًا زواحف وأسماك وكائنات أصغر استمرت فى البيئة المصرية، وهو ما يجعل المقارنة التى يقدمها الكتاب أشبه برحلة بين مصرين: مصر التى شاهدها الفنان القديم وسجّل حيواناتها على الحجر، ومصر الحديثة التى ما زال جانب من هذا العالم الطبيعى يعيش فيها حتى الآن.

وبهذا لم تكن رحلة الحيوانات المصرية عبر آلاف السنين واحدة؛ فمنها ما اختفى تمامًا من البرية المصرية، ومنها ما بقى لكنه انحسر إلى مناطق محدودة، ومنها ما استطاع الاستمرار حتى يومنا هذا. ولذلك يمكن للمصرى اليوم أن يشاهد طائرًا فوق النيل أو حيوانًا فى الصحراء، ثم يدخل إلى مقبرة أو متحف ليجد النوع نفسه وقد سجله فنان عاش قبل آلاف السنين، وكأن جزءًا من العالم الطبيعى الذى أحاط بالمصريين القدماء لا يزال حيًا بيننا.