الرجل ذو القبعة.. مذكرات زاهى حواس بالإيطالية: كنت أكره الآثار وحولونى للتحقيق لانقطاعى عن العمل!
- كنت «صالح سليم دمياط» ولولا تعرضى لإصابة فى قدمى أثناء دراستى بالجامعة لأصبحت لاعب كرة قدم مشهورًا
- فيلم لـ«كمال الشناوى» وراء دخولى كلية الحقوق لكنى اكتشفت أن السينما لا تقول الحقيقة فحولت إلى «آثار»
- تمثال لـ«أفروديت» غيّر حياتى.. ونصيحة أبى «متحطش صباعك تحت ضرس حد» صنعت شخصيتى
لا يعرف كثيرون أن الصدفة وحدها قادت زاهى حواس إلى عالم الآثار.
كانت «المحاماة» اختياره الأول.. بعد فيلم شاهده فى السينما للفنان كمال الشناوى، قرر أن يكون محاميًا، لكن ما شاهده لم يكن واقعيًا بما يكفى، فاختار، سريعًا، أن يحول أوراقه لكلية الآثار.
ولمن يكن قراره مدفوعًا بشغف تجاه هذا العالم الواسع.. إنها كلية مثل أى كلية أخرى.

ومن هنا كانت دارسته عادية، وبعد التخرج مضى فى مساره الطبيعى، وذهب للوظيفة الحكومية بمصلحة الآثار.
ومثل الكلية، أو الكليتين، كانت الوظيفة «مملة» حتى إنه انقطع عن العمل، إلى أن أجبروه على الخدمة فى موقع أثرى، وهناك سحره تمثال صغير وغير حياته.
ومن هذا التمثال كانت البداية، حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن، فى رحلة استمرت ما يقرب من 60 عامًا، واختار زاهى حواس أن يسجلها، فى مذكراته الصادرة بالإيطالية، تحت عنوان «الرجل ذو القبعة» L’uomo con il cappello، وتقدم «حرف»، هنًا، جانبًا من هذه الرحلة الثرية.


فى قرية «العبيدية»، التابعة لمركز «فارسكور» بمحافظة دمياط، كان مولده، لأب فلاح، أصر على تعليم أولاده ومنعهم من مساعدته فى الأرض.
يسترجع «زاهى» هذه الأيام: «لم يكن أبى يريدنا أن نصبح فلاحين، وكان ممنوعًا علينا أن ندخل الأرض وقت العمل، وكان يمكننا فقط أن نشاهد المزارعين والفلاحين وهم يزرعون ويحصدون، دون أن نعمل معهم».
فى طفولته لم يكن التليفزيون قد ظهر بعد، وكان الجلوس إلى «الشيخ الدسوقى»، أحد مشايخ قريته، يعادل متعة التليفزيون.
يوضح: «كان الشيخ الدسوقى هو التليفزيون بتاعنا، وكنا نذهب للجلوس معه فى منزله المبنى من الطين.. نتلم حواليه أنا وبقية العيال، ويقعد يحكى لينا حكايات عن عنتر بن شداد وكل الروايات القديمة التى تلفت انتباهنا كأطفال».

وفى مكتبة المدرسة عرف متعة القراءة، ودخل إلى عالم إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى، وبعض الروايات المترجمة، أما القرآن، فتعلمه فى الكُتّاب على يد «الشيخ يونس».
كان مصروفه وقتها ٥ صاغ، يشترى منه رواية جديدة من الروايات المترجمة عالميًا كل أسبوع، وباقى الخمسة صاغ يدخل السينما: «كنت كمان أروح وأركب الديزل ببلاش، وكان النيل هو عشقى، وكنت أخذ الكتاب الجديد وأروح أقعد تحت شجرة الجميز أقرأ، ولا أعتقد أنى فى المرحلة الابتدائية تركت كتابًا واحدًا فى المدرسة لم أقرأه».
وفى المدرسة أيضًا، اكتشف فى نفسه مواهب جديدة، ووجد فيها الشغف بالمسرح، ثم بدأت شخصيته العلمية فى التشكل، على يد أستاذه محمد شطا، مدرسه فى المرحلتين الابتدائية والإعدادية، الذى علمه اللغة العربية والجغرافيا والتاريخ.
وقتها كانت متعته الأكبر لعب كرة القدم: «كنت بالنسبة للقرية صالح سليم الكورة، حتى إننى اشتهرت بها على مستوى المحافظة، ولولا تعرضى لإصابة فى قدمى أثناء دراستى بالجامعة لربما كنت سأصبح لاعب كرة قدم مشهورًا».


فى سن الـ١٣، عاش زاهى حواس آلام فقدان الأب، التى يقول عنها إنها كانت أصعب تجارب حياته، نظرًا لعلاقته المتميزة به وذكرياتهما معًا ودورها فى صناعة ملامح شخصيته.
كان والده دائمًا ما يقول له: «ماتحطش صباعك تحت ضرس حد، لأنك وقتها هاتضطر لقطعه أو هو هايقطعه».

وهو ما يفسره «زاهى» بقوله: «كان يريدنى أمينًا حتى لا يستطيع أحد النيل منى، وهذه المقولة بقيت نصب عينى طول عمرى، لذا عندما يتهمنى أى شخص بشىء ما أضحك، لأنى أعرف أننى على صواب».
بعد وفاة الأب، أصبحت الأم وحدها مسئولة عن المنزل وحياة أبنائها، لذا يرى أنها كانت سيدة عظيمة، لم تقصر فى واجبها تجاهه أو تجاه إخوته. ويقول عنها: «ربتنى أنا وإخواتى وما قصرتش مع حد فينا، وبعد وفاة والدى اعتمدت على الأرض اللى سايبها عشان تصرف ع البيت، وخلتنا ما نحتاجش لحد».
علاقته بأمه كانت تحظى بخصوصية شديدة، حتى إنه يتذكر أنها أثناء مرضها الأخير، الذى استمر لمدة ٦ أعوام، كانت قد فقدت الذاكرة تقريبًا، ولم تكن تتعرف على وجوه من حولها، باستثناء وجه واحد، هو ابنها زاهى حواس.


عندما حانت لحظة دخول الجامعة لم يكن لديه أى اهتمام بعالم الآثار، لذا تقدم بأوراقه لكلية الحقوق.
أما لماذا كلية الحقوق؟.. فيجيب: «دخلت السينما فى يوم وأنا صغير مع أصحابى، وشوفت كمال الشناوى بيمثل دور المحامى، وعجبنى، وقلت لازم أطلع زى الشناوى فى الفيلم».
غير أنه بعد أيام فى دراسة الحقوق، اكتشف أنها لم تكن مثيرة للشغف مثل أفلام السينما، فقرر الهروب من ملل الدراسات القانونية، وحول ملفه إلى قسم الآثار اليونانية الرومانية بكلية الآداب، رغم أنه لم يكن يشعر بأى إثارة تجاه هذا المجال.
عند تخرجه عُين مثل زملائه فى مصلحة الآثار، ولم تكن على قدر طموحاته، فقرر ترك العمل بها، وتقدم بأوراقه للحصول على عمل آخر بوزارة الخارجية إلا أنه لم يقبل
يقول: «بعد انقطاعى عن العمل، طلبونى للتحقيق، وأرغمونى على استكمال عملى فى منطقة اسمها كوم أبوبيللو فى صحراء البحيرة، وأثناء وجودى فى خيمة العمل، نادانى بعض العمال وأخبرونى أنهم عثروا على مقبرة».

عند هذه اللحظة تغير المسار: «عندما دخلت المقبرة، وجدت بها تمثالاً، وأثناء تنظيفى له ترددت داخلى مقولة هى: (الآن عثرت على حبى)، ومن يومها عشقت الآثار وأصابنى الشغف بها، بعد فترة من الكراهية».
بعدها بدأت «سنوات الدراسة والتكوين» فى مصر والولايات المتحدة، ويتذكر من هذا السنوات صديقه الدكتور جمال مختار، الذى شغل منصب رئيس هيئة الآثار، بالإضافة إلى أستاذ جامعة أسترالى يدعى أوكونور الذى يقول عنه: «الأستاذ أوكونور هو من تعلمت على يديه فى جامعة بنسلفانيا، وأستطيع أن أقول إنى أصبحت أثريًا بفضل ما تعلمته منه على مدار ٧ سنوات».
حصل زاهى حواس على «زمالة فولبرايت» لدراسة علم المصريات فى جامعة بنسيلفانيا، وحصل على درجة الماجستير فى الآداب فى علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية فى عام ١٩٨٣، وعلى درجة الدكتوراه فى علم المصريات فى عام ١٩٨٧، ثم درس علم الآثار، والتاريخ، والثقافة المصرية فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وجامعة كاليفورنيا، ومن هنا أصبح جاهزًا للانطلاق.


واصل زاهى حواس عمله فى عدد من المواقع الأثرية، وامتدت الرحلة والاكتشافات إلى مقابر بناة الأهرامات فى الجيزة ووادى المومياوات الذهبية فى الواحات البحرية والمدينة الذهبية فى الأقصر، وصولًا إلى أعلى المناصب الرسمية التى شغلها.
ثم دخل إلى عالم مختلف تمامًا من المحاضرات والمؤتمرات والكتب والأفلام الوثائقية، حتى أصبح عالم الآثار، الذى بدأ حياته وسط المواقع والحفائر، شخصية يعرفها جمهور أوسع بكثير من دائرة المتخصصين، وصولًا إلى أعلى المناصب الرسمية التى شغلها.
وفى مذكراته يستعيد لقاءاته وعلاقاته مع رؤساء دول وملوك وعلماء وممثلين، مثل الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما والأمير ديانا، إلى جانب رحلاته ومحاضراته ومؤتمراته الدولية ونشاطه فى نشر المعرفة بالحضارة المصرية.

وبرغم الرحلة الطويلة، والعُمر، يقول إنه لا يزال قادرًا على النزول إلى أعماق تصل إلى٦٠ مترًا تحت الأرض، ولا يزال الاكتشاف القادم قادرًا على أن يشغله كما شغله ذلك التمثال الصغير لـ«أفروديت» فى بداية الطريق.
لذا يتحدث فى مذكراته عن أبحاث جديدة مرتبطة بالهرم الأكبر، واستمرار البحث عن مقبرة نفرتيتى، وكذلك مقبرة كليوباترا ومارك أنطونيو، وهى أهداف لم يقدمها باعتبارها أحلامًا قديمة تخلى عنها، وإنما ملفات أثرية لا يزال يأمل فى الوصول إلى إجابات بشأنها، فالرجل الذى أمضى معظم حياته يستخرج الماضى من تحت الرمال، لا يزال- وهو يروى ما مضى- يتحدث عن أهم اكتشافاته المحتملة بصيغة المستقبل.
أما حلمه الأخيرة أن تعود ٣ قطع إلى البلاد: حجر رشيد الموجود فى المتحف البريطانى، وزودياك دندرة فى اللوفر، ورأس نفرتيتى فى برلين.







