الأحد 09 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

اشتباه عنصرى أم أزمة ثقة؟!.. وقف صفقة نشر رواية بـ2.4 مليون دولار لأن كاتبها أسود أم لاحتمال كتابتها بالـAI؟!

حرف

- 14 ناشرًا وقعوا فى غرام الرواية ثم انفضوا عنها لـ«عدم القدرة على التحقق من أصالتها»

- وكلاء المؤلف قالوا إنها «رواية مذهلة».. وبعد مزاد الناشرين قرروا إنهاء علاقتهم بالمؤلف بحجة غياب «الثقة الكاملة»

- المؤلف ينفى استخدامه أى تطبيقات ذكية ويتهم دور نشر عالمية: 3 مؤلفين سود أُلغيت عقودهم لاحقًا بسبب شكوك حول استخدامهم الذكاء الاصطناعى!

- دينيس دا ألا ميريلا: لماذا يرغب أشخاص لا يطيقون التفكير فى القراءة أن يصبحوا كُتّابًا محترفين؟

يبدو أن المشاكل الحقيقية للاستعانة بأدوات «الذكاء الاصطناعى» فى الأدب والإبداع، بدأت فى اتخاذ أشكال وصيغ جديدة لم تكن متوقعة، وبدأت فى الكشف عن نفسها بقوة، ولكن دون حسم، ودون رأى نهائى، والأرجح أن هذه المشاكل سوف تبقى معنا لزمن طويل مقبل، وستتخذ أبعادًا جديدة، خصوصًا بعد وصولها مرحلة الاتهامات المتبادلة بين المؤلفين والناشرين ووكلاء الأدباء والكتاب.

لم تمضِ أسابيع على حجب عدد من الجوائز العربية والدولية غير المشهورة بسبب ضعف الأعمال المقدمة لها، والاشتباه فى استعانة مؤلفيها بأدوات الذكاء الاصطناعى، حتى جاءت هذه الواقعة لتفتح أبوابًا أكثر سخونة فى معايير الحديث عن «الذكاء الاصطناعى»، وأهمية الثقة بين الناشر والمؤلف، واحتمالات الخطأ فى الاستدلال على درجة الاستعانة بهذه التطبيقات الجديدة فى الكتابة والتأليف، وبناء الشخصيات أو تطوير القصة.

هنا وكيل أعمال يعلن تراجعه عن الترويج للرواية الأولى لأحد المؤلفين بعد حصوله على عرض مليونى لإنتاجها ونشرها فى الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا رد من المؤلف بأن المسألة كلها مجرد أداء «عنصرى» ضد الكتَّاب من ذوى البشرة السوداء.. هنا حماس كبير للرواية، ثم قرار معلن بوقف التعامل مع المؤلف!! وهنا أحلام بمبالغ مالية قادرة على نقل كاتب غير معروف إلى خانة «الأكثر مبيعًا» والأكثر شهرة، لكنها تتبخر فى لحظة واحدة لمجرد «عدم اليقين أو القدرة على التحقق»، وهنا أكثر من أربعة عشر ناشرًا كشفوا عن حماسهم للمخطوطة التى قرأها نقادهم ومستشاروهم، لكنهم توقفوا عن المزايدة على شراء حقوقها بعد ساعات معدودة من تداول معلومات الاشتباه فى استعانة مؤلفها بأدوات غير بشرية فى تطوير الرواية.. وهنا قصة بدأت فصولها للتو لكننا لا نعرف إلى أين سوف تنتهى، وإلى أين تقود مجتمع الكتابة والقراءة حول العالم.

مخطوطة مبهرة.. وقع فى غرامها الجميع

بعد ترحيب كبير، وإشادات بالغة الاحتفاء بمخطوطة الروائى جيرى فالادى البوليسية الأولى «اتصل بى.. سوف أخفى الجثة»، تراجع وكلاؤه عن الاستمرار فى الاتفاق مع دور النشر المرشحة لإتمام الصفقة، برغم تلقيهم عرضًا وصل إلى ٢.٤ مليون دولار من دار «مينوتور» التابعة لجموعة «ماكميلان» الأمريكية، ضمن مزاد ضم ١٤ دار نشر، بسبب شكوك فى استعانته بالذكاء الاصطناعى فى تطوير المشروع، وأنهم «لم يعودوا قادرين على التحقق من كيفية تطور المخطوطة»، وهى الرواية التى كان من المقرر نشرها عام ٢٠٢٨.

فى رسالة بالبريد الإلكترونى إلى الناشرين، قالت شركة «يوروبا كونتنت»، وكلاء فالادى فى الولايات المتحدة، إنه «أنتج مخطوطة رائعة أبهرتنا وأبهرت كبار خبراء النشر حول العالم»، وجاء فى الرسالة أنهم قاموا بفحص المخطوطة معه أثناء عملية التقديم، ووثقوا بتأكيداته بأنه لم يتم استخدام الذكاء الاصطناعى فى كتابة أو تحرير المخطوطة، وقيل إن الوكيلة البريطانية ساندى هودجمان من وكالة «هودجمان ليتيرارى» حصلت على عدة عروض بمئات الآلاف من الدولارات من خلال عملية تنافسية مماثلة. ولكن الوكالة الأمريكية سرعان ما أضافت فى نفس الرسالة: «للأسف، لم نعد قادرين على التحقق من كيفية تطور المخطوطة بالكامل من بدايتها إلى اكتمالها»، ومن ثمة تحركوا لسحب الكتاب من المزاد الذى أداره مارك جيرالد، الذى قال لمجلة «ذا بوكسيلر» إنه قرأ الرواية لأول مرة فى يونيو الماضى، واصفًا إياها آنذاك بأنها «رواية رائعة للغاية»، و«الجميع وقع فى غرامها»، و«أنه كتابٌ يُناسب جميع الأذواق». ووفقًا لجيرالد «فضّلت يوروبا عدم استخدام برامج كشف الذكاء الاصطناعى عندما أبدى أحد المحررين مخاوفه، فى منتصف عملية تقديم الكتاب، بشأن وجود دلائل على احتمال استخدام الذكاء الاصطناعى فى العمل، لأن تفسير فالادى للمسألة كان واضحًا وموثوقًا، ولكن بعد اجتماع عُقد فى ٢٩ يوليو، شهد الأمر تغييرات فى بعض جوانب قصة فالادى، فقررت الوكالة إنهاء علاقتها بالمؤلف لضرورة الثقة الكاملة»، وأضاف جيرالد: «نشعر بالأسف الشديد لنشرنا هذا العمل وما أثاره من ضجة، الكتاب بحد ذاته عبقرى، ومهما كانت طريقة كتابته، فهو مذهل».

ادعاءات وأدلة براءة

فى بيانٍ مرسل إلى صحيفة «الجارديان»، البريطانية، رفض فالادى مزاعم استخدامه الذكاء الاصطناعى، وقال «إن رد الفعل يعكس تحيّزًا عنصريًا فى مجال النشر، حصل ثلاثة مؤلفين سود على عقود نشر رئيسية هذا العام، ثم أُلغيت أو عُطّلت جميعها لاحقًا بسبب شكوكٍ حول استخدامهم الذكاء الاصطناعى. يبدو أن هناك افتراضًا مُقلقًا مفاده أنه عندما يُنتج كاتب أسود عملًا يجذب انتباهًا كبيرًا، فمن المستحيل أن يكون هذا العمل من إبداعه. فى الوقت نفسه، هناك كُتّاب بيض مشهورون ذكروا علنًا استخدامهم الذكاء الاصطناعى فى كتاباتهم، وما زالوا يحققون نجاحًا كبيرًا».

فالادى لم يذكر أسماء مؤلفين آخرين، لكن مؤلفين أمريكيين مثل جامير نذير، مؤلف رواية «الأفعى فى البستان»، وميا بالارد، مؤلفة رواية «فتاة خجولة»، وهالا ميكايلا وولف، المعروفة باسم «إتش إم وولف»، مؤلفة رواية «داجرماوث» الرومانسية الشهيرة، وجميعهم من ذوى البشرة الملونة، واجهوا اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعى هذا العام، ونفى معظمهم هذه الادعاءات، فقالت بالارد إن الأمر قد يكون متعلقًا بمحرر وظفته هو من استخدم الذكاء الاصطناعى، أما نذير فقال إنه يكتب بمساعدة صوتية تعمل بالذكاء الاصطناعى لأسباب صحية.

وقال فالادى: «فى حالتى، بدأت الشائعات تنتشر، وفى غضون ست ساعات، تخلت عنى وكالتى، وتوقفت الصفقات، وصدرت بيانات صحفية»، وأضاف أن أدوات الكشف عن الذكاء الاصطناعى «معروفة على نطاق واسع بإنتاج نتائج إيجابية خاطئة»، وقال إن «الرواية مرت على قراء أوليين، وقراء ثانيين، ومحررين، وفرق اقتناء فى العديد من دور النشر.. لو أظهرت المخطوطة علامات حقيقية على أنها مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعى، فمن الصعب تصديق أن كل هؤلاء المحترفين ذوى الخبرة لم يلاحظوا ذلك».

جيري فالادى
جيري فالادى

وأشار مراقبون إلى أنه فى محادثة سابقة مع الصحفى المتخصص فى شئون الترفيه جيف سنايدر، قال فالادى إنه يملك «أدلة تثبت براءته»، وقال: «كنت على وشك النجاح، ثم فجأة ظهرت شائعات، ولم يسألنى أحد عن أى شىء. لا أعرف لماذا لم تدعمنى وكالتى»، وأضاف: «عندما يحدث شىء من هذا القبيل، يحاول الجميع حماية أنفسهم وسمعتهم. لو كان الأمر يتعلق حقًا بالذكاء الاصطناعى، فهل كان كبار الناشرين فى العالم سيشاركون فى المزاد؟! لدى إحساس بأن هذا وكيل مستاء، أو شخص بدأ هذه الشائعة فى محاولة لإنقاذ نفسه». فالادى الذى أشار إلى تلقيه اتصالات من بعض نجوم هوليوود لإنتاج الرواية، قال: «صفقات كتابى.. كل شىء ضاع حرفيًا خلال ساعات، ولم يهتم أحد بسماع روايتى، لدى أدلة بحق السماء. يمكنكم التحقق من البيانات الوصفية، هناك أوقات راجعت فيها مخطوطات كتبتها فى الماضى، منذ عام ٢٠١٧ ويظهر أنها مولدة بالذكاء الاصطناعى فى وقت لم يكن متاحًا للجمهور كما هو الآن»، وأضاف أن «مجرد قولى إنى غير مذنب لا يعنى أن الناس سيصدقوننى، فكروا فى الأمر، رجل أسود وقّع عقدًا يغيّر حياته، ثم ماذا حدث؟ بدأ شخص ما بنشر شائعات، وفجأة.. كل هذه الأشياء حدثت خلال الساعات الست الماضية. كيف لا يكون هذا أمرًا منسقًا؟ أعنى، هيا.. لقد خسرت الكثير بالفعل، ليس لدى أحد أتصل به، لا أصدقاء لى فى هذه الصناعة، لا أعرف أى شىء، كل ما فعلته هو أننى كتبت مخطوطتى، وأثارت حروبًا مزايدة مجنونة فى دول متعددة.. لا يهمنى ما يكتبه الصحفيون الآخرون؛ ما يهمنى هو ما تفكر فيه أنت يا جيف فعلًا، كان بإمكانى أن أقول لك لا تعليق، أو ألا أقول أى شىء دون محامٍ، لكن ليس لدىّ أحد يساعدنى على إثبات براءتى»!

ميا بالارد
ميا بالارد

بحثًا عن الجمال الغائب

من جانبه، قال الكاتب البرتغالى دينيس دا ألا ميريلا: «مع تصاعد الجدل حول الذكاء الاصطناعى، وجدت نفسى أعود إلى سؤال أكبر كنت أطرحه فى بداية مسيرتى، لماذا يرغب أشخاصٌ لا يطيقون حتى مجرد التفكير فى القراءة، فضلًا عن الكتابة، فى أن يصبحوا كُتّابًا محترفين؟ الآن أكثر من أى وقت مضى، أجد هذا السؤال فى غاية الأهمية.. فالكتابة باستخدام الذكاء الاصطناعى ليست مشكلة فى حد ذاتها، إنما المشكلة فى ادعاء أنها من عمل الإنسان، ما يجعل الكاتب محتالًا»، ويوضح دا ألا ميريلا موقفه مما حدث مع فالادى قائلًا: «أرى أن اتهام أى شخص باستخدام الذكاء الاصطناعى تحسمه مسألة الإثبات، ومن يتحمل عبء تقديمه، لكننى أعتقد أننا نغفل جوهر هذه اللحظة، والفرصة التى تتيحها لصناعة الأدب، لإعادة هيكلة نفسها، فهناك كم هائل من الأعمال الرديئة التى تُقدم للقراء، هذه الأعمال الرديئة موجودة منذ زمن طويل قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعى فى التأثير على حياتنا، وأنا لا أقرأ لأكتشف ما إذا كان العمل مكتوبًا بواسطة الذكاء الاصطناعى أم لا، بل أقرأ لأستمتع، ولأروى فضولى، لا شىء يُثير حماستى بقدر ما تُثيرها حجةٌ مُحكمةٌ مكتوبة برشاقة وجمال، تُشبه الجمل التى تُشكّل هذه الحجج لحنًا عذبًا فى ذهنى، كما يحدث حين يُردّد مُغنو الأحجار فى (سيد الخواتم) نداءاتهم، فيُجيب عقلى، ولكن لو كانت هذه النداءات كتبت بواسطة الذكاء الاصطناعى، فسوف يصعب مُتابعة هذا اللحن».

ويلخص الكاتب ذو البشرة السمراء الأمر بقوله: «أظن أن سبب عودتنا المستمرة إلى هذا المأزق، هو أن الناس، حتى أولئك الذين يدّعون قراءة الكتب وشراءها، لم يعودوا يُنصتون إلى جمال الجمل والعبارات، استمعتُ ذات مرة إلى بودكاست لمراجعة كتاب، حيث ذكر أحد المُحررين أنه قرأ رواية (حياة صغيرة) لهانيا ياناجيهارا فى أمسية واحدة، فشعرتُ بالأسف الشديد لأن هذا الشخص ظنّ أن هذه هى الطريقة المثلى للاستمتاع بكتابٍ يبلغ قرابة ٩٠٠ صفحة.. لقد طغى الطابع التجارى على عالم النشر بشكلٍ مُفرطٍ على حساب الفن؛ نسى الكثيرون أن للجمل جمالًا وبلاغة، بل إن بعضهم لم يتعلّم كيف يُنصت إليها. وكثيرون لا يُدركون حتى إنهم يُنصتون إليها، ولهذا لن نتمكّن أبدًا من الجزم ما إذا كان فالادى قد استخدم الذكاء الاصطناعى فى كتابة الكتاب. لكن على الأقل كان ينبغى أن نكون قادرين على تمييز نوع اللحن الذى تُغنيه هذه الجمل، لا يوجد هنا عبء إثبات، هناك كتابة رديئة وكتابة جيدة، وكتابة راقية وأخرى مبتذلة، ونحن أحيانًا ما ندفع ثمنًا باهظًا للأشياء المبتذلة، إما إذا كان هذا هو الحال مع رواية فالادى الأولى التى بلغت قيمتها مليونى دولار، فلا داعى للقلق.. إليكم كيف أتوقع أن تتطور الأمور، سيستمر من يستطيعون سماع اللحن فى اللجوء إلى الكتابة للسبب الذى يدفعهم إليها دائمًا، بحثًا عن جمل وعبارات تُثير اهتمامهم، أما الآخرون، فسيظلون محرومين إلى الأبد، ولن يفهموا أبدًا سرّ هذا الغضب تجاه الأعمال المكتوبة».