السبت 26 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

غثاء الكتابة.. ضريبة ألا يكون للأدب «كبير» فى مصر!

حرف

- نجيب محفوظ تحمّل نقد طه حسين وخاطبه بـ«سيدى العميد»

- «الكبير» ليس المتحكم والمسيطر بل المُلهم وصاحب الخبرة والضمير النقدى

- الأديب قبل 2011 حصل على الاعتراف داخل «أندية الأدب» ومن كبار رموز الثقافة

قبل أكثر من نصف قرن، جمعت الإعلامية ليلى رستم، فى أحد لقاءاتها التليفزيونية، الدكتور طه حسين، عميد الأدب العربى، بنخبة من أدباء ومفكرى مصر فى وقتها، فى مشهد جسّد أرقى حوار بين أجيال الأدب والفكر والفنون.

فى هذا اللقاء، الذى ضم إلى جوار طه حسين، 10 من الأدباء، هم: يوسف السباعى، وثروت أباظة، وأمين يوسف غراب، وعبدالرحمن الشرقاوى، ونجيب محفوظ، ومحمود أمين العالم، وأنيس منصور، وكامل زهيرى، وعبدالرحمن صدقى، وعبدالرحمن بدوى- وجّه عميد الأدب العربى نقدًا إلى عدد من الكتّاب الذين كانوا يومها فى بدايات أو مراحل مبكرة من مسيرتهم، ليتحول ذلك اللقاء الأيقونى إلى جلسة اختبار أو تقييم للجيل الأصغر أمام واحد من أبرز رموز الثقافة المصرية.

عندما عاد اللقاء إلى الظهور عبر «يوتيوب»، قبل سنوات، اكتسب حياة جديدة وأصبح من الصعب مشاهدته من دون التوقف أمام صورة تبدو اليوم بعيدة عن المشهد الأدبى الحالى، وتتمثل فى كُتاب يجلسون أمام «الكبير»، يسمعون منه ويناقشونه وربما يختلفون معه، لكنهم يعترفون فى الوقت نفسه بوجود مرجعية أدبية يمكن أن يتحاوروا معها بتقدير وبأدب جمّ لدرجة أن نجيب محفوظ- بجلالة قدره- كان يخاطب طه حسين بقوله: «سيدى العميد»!

وتكاد تكون هذه الصورة غائبة اليوم، ليس لأن مصر لم تعد تنجب كتّابًا كبارًا، ولا لأن الأدب يحتاج إلى «كبير» يحكمه أو يفرض وصايته وسيطرته عليه، وإنما لأن فكرة الكبير كمرجعية وخبرة وضمير نقدى للمشهد أصبحت مفقودة تمامًا، فى ظل فوضوية سوق النشر سواء الورقى أو الفضاء الرقمى الأكثر استباحة، وصعود معايير جديدة للشهرة والانتشار.

فمَن الذى يملك اليوم سلطة أن يقول للكاتب إن ما يكتبه يستحق أن يبقى، أو أن هذا النص لا يزال يحتاج إلى الكثير؟ ومَن يملك القدرة على فرز الغث من السمين فى ساحة تتكاثر فيها الكتابة كما تتكاثر الطفيليات، وفى نفس الوقت تختفى المرجعيات والمعايير التى تنقدها وتمنحها قيمتها؟!

ربما كانت الأجيال ما قبل عام ٢٠١١ تعرف إلى أين تذهب إذا أرادت أن تعرف إن كان ما تكتبه يستحق أن يُقرأ أم لا، حيث لم يكن الطريق إلى الاعتراف الأدبى مفتوحًا بلا أبواب، ولم يكن الكاتب يستطيع ببساطة أن يتجاوز كل مراحل التقييم ليضع نصه أمام الجمهور مباشرة.

كان أمام الجيل، أولًا، أندية الأدب فى قصور الثقافة، حيث يجلس أصحاب التجارب الجديدة إلى جوار كُتاب أكثر خبرة- حتى ولو بمعيار السن- يقرأون نصوصهم وتُناقش أمام آخرين يمكنهم أن يقولوا لهم ما الذى أصابوا فيه وما الذى يحتاج إلى مراجعة.

وكان يمكنه أن يبحث عن جلسات المثقفين فى «وسط البلد»، حين كانت المنطقة تمثل مركزية ثقافية حقيقية، فتتقاطع فيها أسماء الأدباء والصحفيين والناشرين والنقاد، ويصبح الاحتكاك بأصحاب التجارب جزءًا من تكوين الكاتب نفسه.

وكان أمامه، كذلك، الصحف والمجلات المصرية، التى كانت صفحاتها الثقافية والأدبية تتيح للنص أن يمر عبر صحفيين وكتّاب يمتلكون وعيًا أدبيًا وخبرة تمكنهم من الاختيار والرفض، فضلًا عن مسابقات ومشروعات كانت تطلقها مؤسسات الدولة لاكتشاف المواهب ومنحها مساحة للظهور.

صحيح أن تلك المنظومة لم تكن مثالية تمامًا، أو خالية من المجاملات أو الأخطاء أو حتى الاستبعاد غير العادل، لكنها كانت تؤدى وظيفة أساسية تتمثل فى الفرز والاحتكاك والتقييم، وكان الكاتب يواجه فى مرحلة ما عينًا أخرى غير عينه، ورأيًا آخر غير رأى أصدقائه، وربما نقدًا يجبره على إعادة النظر فى النص قبل أن يضعه أمام جمهور أوسع.

ثم تغيرت قواعد اللعبة، فجاء النشر الإلكترونى، ثم مواقع التواصل الاجتماعى، وأصبح الكاتب قادرًا على تجاوز معظم البوابات القديمة والوصول مباشرة إلى القارئ، ولم يعد يحتاج بالضرورة إلى نادٍ أدبى أو صحيفة أو محرر أو مسابقة كى يثبت وجوده؛ فيكفى أن يمتلك حضورًا على «فيسبوك»، وأن يعرف كيف يقدم نفسه ويجمع حوله جمهورًا.

وهنا أصبحت «الدنيا سايحة» بالمعنى الحرفى تقريبًا، فالكاتب والقارئ والناقد والناشر و«الإنفلونسر» فى مساحة واحدة، وكل منهم قادر على الحديث عن الآخر، وأحيانًا على منح نفسه صفة الناقد أو الكاتب أو صاحب الرأى دون المرور بالمسارات التى كانت تمنح هذه الأدوار قدرًا من الشرعية المهنية.

وهذه ليست بالضرورة خسارة؛ فقد حُررت الكتابة من احتكار المؤسسات، ومنحت أصواتًا كثيرة فرصة الظهور بعدما كانت أبواب النشر التقليدى مغلقة أمامها، لكن الوجه الآخر لهذا الانفتاح أن الوصول إلى الجمهور لم يعد يعنى بالضرورة المرور على التقييم، بل أصبح من الممكن أحيانًا أن يصل الكاتب إلى آلاف القراء قبل أن يصل إلى ناقد واحد قادر على أن يقول له بصرامة: «هذا جيد، وهذا ضعيف، وهذا يحتاج إلى إعادة كتابة».

فمَن يُعلّم مَن الآن؟! ومَن يستطيع أن يقول للكاتب: «أكمل، أو غيّر، أو احذف، أو أعد النظر»؟!

والهدف من هذه الأسئلة ليس البحث عن «نوستالجيا» مفقودة عن عبقريات الأجيال القديمة، بقدر ما تبحث عن تفكيك مشهد حالى أشبه بـ«مولد وصاحبه غايب»، حيث غابت المرجعية الأدبية تمامًا، وأصبحت سلطة الاعتراف فى يد المنصات الرقمية وعدد «الفولورز»، وفى يد من يملك سلطة النشر ومن يُحكّم الجوائز، وفى حسابات السوق ونوع الكتابة الذى يبيع والذى لا يبيع، لدرجة وصلت معها الحال بدور النشر إلى أن تقول: «ننشر الرواية فقط ولا ننشر الشعر أو القصة القصيرة»، وكأن الشعر والقصة «جرَبة» أو نوعان لقيطان. 

لا يفسر غياب المرجعية الأدبية وحده ارتباك المشهد؛ فهناك وظيفة أخرى كان يفترض أن تقوم بعملية الفرز، فالناقد، فى أبسط تعريف لأدواره، ليس موظف علاقات عامة للكاتب ولا قارئًا يخرج من كل كتاب بانطباع إيجابى ومديح كما يحدث الآن.

الناقد هو الطرف الذى يضع النص تحت الاختبار ويفككه، ويشير إلى ما فيه من قوة وضعف، ويضعه فى سياقه الأدبى ويمنح القارئ أدوات للحكم عليه، وقد تكون قسوة النقد أحيانًا أكثر نفعًا للكاتب من عشرات عبارات الإطراء الفارغة.

لكن ماذا يحدث حين يصبح الكاتب غير مستعد لسماع النقد؟ أو حين تتحول العلاقة بين الناقد والكاتب من علاقة جدل واشتباك ساخن إلى علاقة مجاملة سواء بدافع الصداقة أو من أجل منفعة متبادلة على حد وصف نجيب سرور: «نفّعنى واستنفع»!

ما يحدث الآن أن الكاتب يريد أن يُحتفى بكتابه، والناشر يريد أن يبيع، والنقاد «مش عايزين يزعلوا حد»، فيجد «الناقد الحقيقى» نفسه أمام شبكة من العلاقات والصداقات والمصالح المهنية تجعل قول الحقيقة الأدبية أكثر كلفة من الصمت، ليصبح النقد الذى «يُطبّل» مُرحّبًا به، بينما النقد الذى يضع الإصبع على موضع الضعف يتحول سريعًا إلى «هجوم» أو «تصفية حسابات» أو «غيرة» أو حتى إساءة شخصية.

وأساس المشكلة ليس فى أن بعض الكتّاب لا يحبون النقد؛ فمن الطبيعى ألا يحب أحد أن يسمع أن عمله الذى قضى شهورًا أو سنوات فى كتابته يعانى عيوبًا جوهرية، لكن أساسها حين يصبح رفض النقد موقفًا من النقد نفسه، وعندما يُطلب من الناقد أن يثبت حسن نيته قبل أن يثبت صحة ملاحظته.

وأتذكر تجربة شخصية عشتها قبل سنوات، حين كتبت مقالا نقدًيا فى جريدة «الدستور»، أنتقد فيه سوء الترجمة لنص روائى مترجم صدر ضمن سلسلة «الجوائز» التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب، فكان رد فعل المترجم غاضبًا، ووصل الأمر إلى التواصل مع عدد من أصدقائى وأساتذتى فى العمل للشكوى منى، ثم التعليق على مقالى بصورة ساخرة عبر صفحته على «فيسبوك».

وهذه الواقعة لا تصلح بالقطع لإثبات ظاهرة عامة، لكنها قد تكشف شيئًا عن طبيعة العلاقة التى يمكن أن تنشأ حين يُنظر إلى النقد باعتباره خصومة مع صاحبه، لا نقاشًا حول عمله.

والخطر هنا لا يقع على الناقد وحده، فالكاتب نفسه هو أول من يدفع الثمن عندما تختفى حوله الأصوات القادرة على الاعتراض، لأن الكاتب الذى لا يسمع إلا المديح قد يخلط بين نجاحه فى بناء جمهور- وما أسهل أن تحظى بجمهور على السوشيال ميديا- وبين نجاح النص نفسه.

وهنا نعود مرة أخرى إلى السؤال الأول الذى يجب أن نوجهه لـ«النقاد الحقيقيين» هذه المرة: إذا لم يعد هناك «كبير» يستطيع أن يقول للكاتب: «أعد النظر»، وإذا أصبح الناقد نفسه مطالبًا بأن يراعى مشاعر الكاتب قبل أن يحاكم النص، فهل يمكن أن تستمر هذه الفوضى فى بلد مثل مصر «سيدة الثقافة»، وأن يتحول الأدب فيه إلى «شغلانة من ليس له شغلانة»، دون تقييم وفرز جاد وحاسم؟

إذا كان «الكبير» قد اختفى كمرجعية، فمن الذى حلّ مكانه؟ ربما لا توجد إجابة واحدة، لأن المشهد الأدبى الحالى لم يعد يمنح الكاتب مكانته بالطريقة القديمة، فهناك من تصنعه أرقام المبيعات التى لا نملك أيضًا الثقة فى دقتها، ومن تمنحه الجوائز وزنًا أدبيًا، ومن يصنعه حضوره أو موقعه الإعلامى، ومن يسبقه عدد متابعيه على مواقع التواصل.

ولا أنكر أن كل هذه أدوات مشروعة لصناعة الحضور، لكن هل الأكثر حضورًا هو بالضرورة الأكثر تأثيرًا؟ وهل الأكثر مبيعًا هو بالضرورة الأكثر أهمية؟ وهل الجائزة تصنع الكاتب الكبير، أم أنها فقط تلفت النظر إلى كاتب المفترض أن يكون كبيرًا بالفعل بالجائزة أو دونها؟!

وبما أن الأدب نفسه أصبح يعيش فى سوق أكثر فوضوية من أى وقت مضى، فإن تعريف النجاح أصبح أكثر التباسًا، فالكاتب يستطيع اليوم أن يبنى جمهورًا ضخمًا من دون أن يمر بالضرورة عبر المؤسسة الثقافية التقليدية، وأن ينشر مع دور النشر التى تبيع إصداراتها بأسعار تليق بالزبون المخملىّ، دون أن تحظى تجربته بقراءة نقدية حقيقية، وأن يتحول إلى شخصية عامة تُعقد له الندوات فى أرقى الأندية الرياضية وداخل منصات «الكمبوندات»، قبل أن تتشكل حول تجربته الأدبية مسافة كافية تسمح بتقييمها. وفى المقابل، قد يظل كاتب آخر بعيدًا عن الضوء رغم امتلاكه مشروعًا أدبيًا جادًا لأنه لم يمتلك الأدوات نفسها لصناعة الانتشار والنجومية.

قد يلقى البعض كل اللوم على «السوشيال ميديا» التى حولت ساحة الكتابة إلى فوضى، لكن ألا يدخل ضعف الخبرات والوعى بالكتابة وفقدان القدرة على الفرز والتقييم لدى القائمين على المنظومة، على الخط؟ وبالتالى انعكاس ذلك على تدمير ذائقة القراء لدرجة تجعلهم ينبهرون بالكتابات الضعيفة؟

هذه هى الضريبة التى يدفعها الأدب فى مصر الآن، عبر أطنان من الأعمال الأدبية التى تصدر سنويًا دون أثر حقيقى، ومئات الآلاف من السطور التى تمدح وتمجّد فيها، والأنكى ظهور الأدباء «البلوجرز» و«الإنفلونسرز» الذى استقطبوا شرائح من القراء المراهقين والناشئة الذين لم يتربوا على الأدب الحقيقى ولم يحتكوا بمجتمعات الثقافة الثقيلة ولم يجدوا «الكبير» الذى يوجههم لقراءة الأعمال الحقيقية، أو وجدوا «كبيرًا» زائفًا وبائسًا يوجههم نحو مزيد من البؤس والانحدار.

هذه الضريبة يدفعها الأدب أيضًا فى اختراع «الورش الأدبية» التى تمثل فى ظاهرها محاولة أخرى لصناعة علاقة بين الكاتب الخبير والكاتب المبتدئ، ومساحة للقراءة والمناقشة والاحتكاك تمنح الكاتب الجديد ما قد يفتقده فى المشهد الثقافى من صحبة أدبية وتوجيه، لتتحول إلى بديل مصغر عن «الكبير» المفقود!

فهل الشخص الذى نراه يقف فى المنتصف، وحوله مجموعة من الكتاب الأصغر سنًا أو خبرةً، ويلقى عليهم منهجًا جاهزًا يحدد لهم فيه كيف تبدأ الحكاية، وكيف تُبنى الشخصية، وأين يجب أن تقع نقطة التحول، وكيف تُدار الحبكة، ومتى ينبغى أن تنتهى القصة، هو «الكبير» حقًا الذى يمتلك المؤهلات لهذا الدور الخطير؟!

ومنذ متى والكتابة تُعامل كأنها عملية تشريح طبية أو معادلة رياضية أو ماكينة يمكن فك أجزائها ثم إعادة تركيبها للحصول على المنتج نفسه، فتُستخرج من الرواية «وصفة»، ومن القصة «تمرين»، ومن الشخصية «تقنية»، وكأن امتلاك مجموعة من القواعد كافٍ لكى يصبح الإنسان كاتبًا؟!

بالتأكيد، للكتابة أدواتها وتقنياتها، ويمكن تعلّم الكثير من أسرار البناء والحرفة؛ لكن الأدب لا يُختزل فى هذه الأدوات، لأن الذى يجعل النص حيًا ليس الطريقة التى بُنى بها بقدر حضور وعبقرية الصوت الذى يكتبه والخبرة الإنسانية التى تقف وراءه واللغة التى لا يمكن تحويلها كلها إلى تعليمات تُلقى فى محاضرات.

وربما لهذا السبب يبدو البحث عن «الكبير» اليوم أكثر صعوبة، وهو ما يدعونا لأن نعيد ونلح فى سؤال: من هو «كبير الأدب» المصرى الآن؟، ومن هو الرمز الحقيقى؟ وهل ما زلنا نمتلك المعايير التى تسمح لنا بأن نعرفه عندما يظهر؟ ربما إذا حققنا وقفة جادة مع أنفسنا، نتوصل إلى إجابة!