الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

أجزاء لن تستعيدها أبدًا.. رحلة كاتبة للعودة من الموت

حرف

- سامينا على أصيبت بتلف دماغى أدخلها فى غيبوبة أثناء ولادة طفلها

- بعد نجاتها من الموت لم تعد تتذكر زوجها أو طفلها أو حتى اللغات

مُنظِّمة معارض، ومتحدثة عامة، ناشطة عالمية فى مجال حقوق المرأة، ولدت فى الهند، تتناول أعمالها مواضيع الإيمان، والنوع الاجتماعى، والهوية، والصمود. يتمحور عملها حول إيمانها بأن السرد الشخصى يمثل قوة حيوية لتحقيق الحرية الفردية والسياسية للمرأة، كما تؤمن بقدرة وسائل الإعلام- بنمطيها التقليدى والحديث- على العمل كمنصات للتغيير الاجتماعى. 

أشرفت على تنظيم المعرض العالمى الرائد «مسلمة: فنون وأصوات النساء المسلمات» عام ٢٠١٣، وهو معرض افتراضى عالمى أقيم لصالح «المتحف الدولى للنساء» (IMOW)، الذى أصبح الآن جزءًا من «الصندوق العالمى للمرأة». وفى عام ٢٠٢١ دخل «الصندوق العالمى للمرأة» فى شراكة مع «المعهد النسوى» للحفاظ على هذا المعرض الرقمى. ومن خلاله سلطت الضوء على الأبعاد المتعددة لحياة النساء، بهدف تبديد المخاوف والمفاهيم الخاطئة حول المسلمين والإسلام، سواء داخل المجتمعات المسلمة أو خارجها. حيث ضم هذا المعرض الرائد مجموعة متنوعة من الأعمال التى تشمل الفنون البصرية، والشعر، والأغانى، والأفلام القصيرة، والأعمال الأدبية، والتصوير الفوتوغرافى، والمقابلات. 

وهى أيضًا إحدى المؤسسات المشاركة لمنظمة «بنات هاجر»، وهى منظمة نسوية للمسلمات الأمريكيات. وحظيت محاضرتها على منصة TEDx فى جامعة نيفادا، بعنوان «ما الذى يقوله القرآن حقًا عن حجاب المرأة المسلمة؟»، بمتابعة واسعة، بأكثر من ٨ ملايين مشاهدة حول العالم. 

سامينا على هى سفيرة ثقافية سابقة لوزارة الخارجية الأمريكية، وتحدثت فى مؤتمر «مبادرة نوبل للنساء» عام ٢٠١٧، وهو تجمع دولى أسسته نساء حائزات على جائزة نوبل للسلام، وجامعات هارفارد وييل وروتشستر، ولدى منظمات منها أوكتا. 

عملت أيضًا كمدونة لدى منصتى «هاف بوست» و«ذا ديلى بيست». كما نشرت أعمالها فى صحف ومجلات عدة، منها «نيويورك تايمز»، و«سان فرانسيسكو كرونيكل»، و«هافينجتون بوست»، و«ذا ديلى بيست»، ومجلة «تشايلد». 

وأُدرج مقالها «عمل الحب» ضمن المختارات الأدبية «كل نساء عائلتى يغنين: مقالات حول المساواة والعدالة والحرية» الصادرة عام ٢٠١٨. تقيم فى كاليفورنيا، وتلقى محاضرات عالمية حول حقوق المرأة، والدين، والعدالة الطبية، والهجرة، والبقاء.

حازت على ٥ جوائز عن كتبها المنشورة، حيث نالت روايتها الأولى «مدراس فى الأيام الممطرة»، الصادرة عن دار نشر «بيكادور» التابعة لماكميلان الأمريكية فى ٣٠٩ صفحة عام ٢٠٠٥، جائزة مؤسسة «رونا جافى» للكتاب فى فئة الرواية، وجائزة «أفضل رواية أجنبية أولى» لعام ٢٠٠٥ من فرنسا.

بجانب جائزة أفضل رواية أولى من مجلة «بوتس آند رايترز»، كما وصلت إلى القائمة النهائية للمرشحين لنيل جائزة «بين/همنجواى» فى فئة الرواية.

وجائزة «رونا جافى» هى جائزة أدبية أمريكية مرموقة كانت تمنح سنويًا للكاتبات الصاعدات فى مجالات الرواية، الشعر، والنثر الإبداعى. تأسست الجائزة عام ١٩٩٥ على يد الروائية الأمريكية الراحلة رونا جافى. وكانت تمنح كدعم مالى «وصل إلى ٣٠٠٠٠- ٤٠٠٠٠ دولار فى سنواتها الأخيرة» لست كاتبات واعدات سنويًا لمساعدتهن فى التفرغ ومواصلة مسيرتهن الأدبية فى مراحلها الأولى.

أما جائزة الرواية الأجنبية الأولى فهى جائزة أدبية فرنسية أُنشئت عام ١٩٩٨ كجائزة مكملة لجائزة الرواية الأولى، حيث تمنح لأفضل رواية أولى لمؤلف أجنبى نشرت مترجمة إلى الفرنسية. ويتم اختيار الفائزين من قِبل لجنة من النقاد الأدبيين الفرنسيين «برئاسة شارل دانتزيج، والرئيسة الفخرية آنيك جيل».

وتعد جائزة «بين/همنجواى» للرواية الأولى جائزة أدبية أمريكية سنوية، تمنح تكريمًا لرواية أولى أو مجموعة قصصية متميزة، كتبها مؤلف لم يسبق له نشر عمل روائى طويل.

تأسست الجائزة عام ١٩٧٦ على يد مارى ويلش همنجواى، تخليدًا لذكرى زوجها إرنست همنجواى، ودعمًا للأصوات الأدبية الصاعدة. حيث يحصل الفائز على جائزة نقدية قدرها ١٠٠٠٠ دولار أمريكى. كما يحصل الفائزون والمتأهلون للتصفيات النهائية على فرصة إقامة أدبية فى مؤسسة «يوكروس» فى ولاية وايومنج، لدعم تطوير أعمالهم الجديدة.

أما سيرتها الذاتية بعنوان «أجزاء لن تستعيدها أبدًا: سيرة ذاتية عن نجاة غير متوقعة»، الصادرة عن دار نشر «كاتابولت» الأمريكية المستقلة فى ٢٧١ صفحة عام ٢٠٢٥، فقد حازت جائزة الأدب الأمريكى الآسيوى- الباسيفيكى فى فئة الأعمال غير الخيالية. وتمنح هذه الجائزة سنويًا «رابطة أمناء المكتبات الأمريكيين من أصول آسيوية/محيط هادئ». والتى تأسست عام ١٩٨١، وأصبحت جزءًا من «جمعية المكتبات الأمريكية» عام ١٩٨٢.

تكرّم هذه الجوائز الأعمال الأدبية التى تتناول تجارب وثقافات الأمريكيين من أصول آسيوية، والسكان الأصليين لهاواى، وشعوب جزر المحيط الهادئ، أو التى يبدعها أفراد من هذه الخلفيات.

تشمل فئات الجوائز الأعمال الروائية وغير الروائية الموجهة للبالغين، والكتب المصورة، وأدب الأطفال واليافعين. كما يشترط أن تتناول الكتب التراث الثقافى للأمريكيين من أصول آسيوية/محيط هادئ، وأن تكون مكتوبة باللغة الإنجليزية ومنشورة للتداول العام داخل الولايات المتحدة.

تقدم رواية «مدراس فى الأيام الممطرة» قصة قوية ومثيرة، تسلّط الضوء على القيود التى تفرضها التوقعات المجتمعية الخاطئة على كل من النساء والرجال. وعلى الرغم من أن كل شخصية فى الرواية تعتقد أنها تمثل نموذجًا للمسلم الحق، إلا أن أحدًا منهم لا يلتزم بالمقاصد الحقيقية للدين. 

وتكون النساء هن من يدفعن الثمن الأغلى فى نهاية المطاف. تجد بطلة الرواية «ليلى» نفسها عالقة «بين أنقاض ثقافية»، وعليها أن تفصل الخرافات عن الثقافة، والتقاليد الأبوية عن رسالة الإسلام القائمة على المساواة؛ حتى وإن تطلب ذلك منها التخلى عن زوجها وأمها، وعن كل ما عرفته وألفته فى حياتها.

أما كتاب «أجزاء لن تستعيدها أبدًا» فيروى قصة نجاة سامينا على فى عمر التاسعة والعشرين، بينما كانت شابة تعكف على تأليف روايتها الأولى، حيث كادت أن تفقد حياتها أثناء وضع مولودها. 

وبمعجزة ما، نجت من نوبات التشنج الحملى «الإكلامبسيا» التى هددت حملها، لكنها أصيبت بتلف دماغى جسيم أدخلها فى غيبوبة تزامنت مع لحظة الولادة. وحين استعادت وعيها لم يتبق فى ذاكرتها سوى ذكرياتها الأكثر عمقًا؛ إذ بدا لها زوجها غريبًا، ولم تعد تتذكر أنها أنجبت طفلًا، كما تلاشت قدرتها على استخدام أى لغة أخرى غير لغتها الأم، الأردية.

أجمع الأطباء على أنها لن تتعافى أبدًا، ناهيك عن استحالة عودتها للكتابة.

وبناء على نصيحة دعتها لتصور دماغها كأحجية تحطمت أجزاؤها، شرعت «على» فى رحلة طويلة وشاقة لمحاولة ترميم ذاتها؛ فبدأت تتعلم المشى والنطق وإنجاز المهام البشرية الأساسية جنبًا إلى جنب مع طفلها الوليد. وفى غضون ذلك، حاولت التوفيق بين هويتها السابقة- ككاتبة وزوجة- وهويتها الجديدة كأم.

ورغم نجاتها المعجزة، كان الانفصال بين ذاتها القديمة وذاتها الجديدة أمرًا بالغ القسوة. فقد استغرق الأمر ثلاث سنوات حتى بدأت تشعر بأن حياتها عادت إلى طبيعتها نوعًا ما، وسبع سنوات حتى تماثلت للشفاء تمامًا وتمكنت من بناء رابطة كاملة مع ابنها.

تدمج «على» قصة «موتها» وتعافيها مع مسار موازٍ يتناول علاقتها بنشأتها الإسلامية وتقلبات صلتها بإيمانها، متضمنة تأملات حول التصورات الدينية للموت، والحياة الآخرة، والبعث، وتناسخ الأرواح. 

وبفضل طابعها الشخصى العميق واحتفائها بإنسانيتنا المشتركة، يبرز الكتاب كعمل أدبى مفعم بالحيوية، يتسم بالبحث العميق، ويقدم فى نهاية المطاف تجربة ملهمة فى أدب السيرة الذاتية.

تقول المؤلفة فى مذكراتها: «تخيلى أحجية الصور المقطوعة»، هكذا نصحنى طبيب الأعصاب فى صباح يوم خروجى من المستشفى. «فكرى فى الكيفية التى يجب أن تتطابق بها كل قطعة مع الأخرى بدقة تامة حتى تكتمل الصورة وتصبح ذات معنى.. هكذا كان دماغك قبل وقوع الضرر؛ كل قطعة- أى كل خلية عصبية- كانت تعمل فى تناغم تام مع القطع الأخرى، فى عملية بالغة الدقة والتعقيد. والآن، تخيلى أن هذه الأحجية قد تبعثرت. هذا هو حال دماغك اليوم؛ قطع صغيرة منفصلة عن بعضها.. جزر صغيرة من الخلايا العصبية داخل كل نصف من نصفى الدماغ، تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى. ومهمتك، بدءًا من هذا اليوم، هى إعادة تجميع أكبر عدد ممكن من قطع هذه الأحجية».

تضيف: تكشف صور الرنين المغناطيسى لدماغى ما لم يذكره طبيب الأعصاب؛ فبما أن الخلايا العصبية لا تتجدد، يظل الضرر القديم ماثلًا للعيان فى هيئة بقع داكنة- تشبه بقع الصدأ- فى مناطق من دماغى توقفت فيها الخلايا عن العمل. إنها أجزاء منى لن أستعيدها أبدًا.

تتحدث عن فكرة كتابتها لمذكراتها فتقول: على مدى خمسة عشر عامًا جلست لأكتب هذه القصة من بدايتها إلى نهايتها. فبسبب إصابة فى الدماغ تلاشت أجزاء من حياتى؛ إذ اختفت ذكريات، وانقطعت صلاتى بأشخاص عرفتهم وأحببتهم يومًا ما. سلبتنى تلك الإصابة إحساسى بذاتى، ومعتقداتى وقيمى، وروابطى بالإسلام وبالهند، بل وحتى شغفى بالكلمة المكتوبة. وحين حملت بابنى، لم أدرك أن منحه الحياة سيتطلب منى التخلى عن حياتى الخاصة.

تضيف: كيف يمكن للمرء أن يفهم حياته إذا كانت بعض أجزائها مفقودة؟ تشير كلمة «سيرة ذاتية» أو مذكرات إلى سرد لذكريات المؤلف الشخصية؛ لكننى لا أملك ذكريات مباشرة عن الحدث الأكثر تأثيرًا فى حياتى. بل إن ما تبقى لدى من ذكريات- وهما لقطتان خاطفتان فقط من الأيام الخمسة التى قضيتها فى غيبوبة- يثير فى نفسى من الرعب ما يجعلنى أعجز عن تفسير ماهية ما أتذكره.. لذا، وبينما أجلس إلى مكتبى مجددًا لمحاولة كتابة هذه القصة، أجد نفسى أستلهم نهجًا من دماغى ذاته؛ فتمامًا كما اضطر الدماغ إلى تشكيل مسارات عصبية جديدة لتجاوز مناطق الخلايا الميتة، يبدو أن سردى للقصة لا يستقيم إلا بربطه بقصص الآخرين؛ وذلك لتخطى تلك الفجوات فى ذاكرتى وإدراكى. 

وتواصل: أستعين هنا بما رواه لى «سكوت» ووالداى عن تلك الأيام التى كنت فيها فاقدة للوعى، وبما استطعت استخلاصه حول مرضى من ملفاتى الطبية الضخمة، بل وحتى بتلك الحكايات الكبرى التى نشأت على سماعها حول ما يعنيه أن أكون فتاة مسلمة صالحة تنتهى بها الرحلة فى الجنة. والآن، وبعد أن وقفت على أعتاب الموت، كيف سأشرح لابنى تلك المفاهيم ذاتها عن الملائكة، والدار الآخرة، والجنة والنار؟ لقد نسجت قصتى الشخصية عبر هذه القصص الأخرى، محاولة بذلك استعادة تلك الأجزاء الضائعة من ذاتى، على أمل أن أستعيد اكتمالى من جديد.

تتساءل: كيف نقيس مدى تعافينا؟ فى الحقيقة، لقد أنقذت كتابة روايتى حياتى. ورغم أننى لم أكن أدرك ذلك فى البداية، إلا أن العمل المتكرر على قصة تستند إلى تجربتى الشخصية أجبر عقلى على استخراج ذكريات دفينة، وتصور مسار للمستقبل من خلال التخطيط ورسم أحداث القصة، ومطابقة الكلمات التى كنت أكتبها أو أنطقها بدقة مع الأفكار التى تدور فى ذهنى. لقد كان السرد هو السبيل الذى مكننى من استعادة ذكرياتى وإعادة بناء عقلى. وهو الذى منحنى الإيمان لأتمسك بالحياة فى لحظات بدا فيها أنه لم يتبق شىء يمكن التمسك به. فالسرد هو ما يشكل القصص التى نرويها لأنفسنا حول هويتنا، وحول ما نحن قادرون على تحقيقه.

اقرأ الحوار مع الكاتبة:

سامينا على: الكتابة أنقذت حياتى.. والأديان فروع من شجرة واحدة