الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

سامينا على: الكتابة أنقذت حياتى.. والأديان فروع من شجرة واحدة

سامينا على
سامينا على

فى الحوار التالى لـ«حرف»، تتحدث الكاتبة سامينا على، الروائية ومؤلفة كتاب «أجزاء لن تستعيدها أبدًا: سيرة ذاتية عن نجاة غير متوقعة»، عن كواليس إعداد كتبها ورحلتها الكتابية ونصائحها ومصادر إلهامها. 

توفيع كتاب “كل النساء فى عائلتى يغنين
توفيع كتاب “كل النساء فى عائلتى يغنين"

■ ما الذى ألهمك لتأليف الكتب التى نلتِ عنها الجوائز؟

- لقد ألّفت كتابين، وكلاهما حاز على جوائز. الأول رواية بعنوان «مدراس فى الأيام الممطرة»، والثانى سيرة ذاتية بعنوان «أجزاء لن تستعيدها أبدًا: سيرة ذاتية عن نجاة غير متوقعة».

يعود سبب الفارق الزمنى الذى يزيد عن عشرين عامًا بين الكتابين إلى تعرضى لإصابة بالغة فى الدماغ أثناء تأليفى الكتاب الأول. وهذا يعنى أن عودتى للكتابة لم تكن مجرد تعبير عن إبداعى، بل كانت أشبه ببناء مسارات عصبية جديدة فى الدماغ. 

كانت عملية بناء هذه المسارات مؤلمة للغاية؛ إذ كان الصداع يداهمنى بعد دقيقة واحدة فقط من بدء الكتابة. كنت أستمر فى الكتابة حتى أعجز عن إبقاء عينىّ مفتوحتين من شدة الألم، فأدير كرسيى مبتعدة عن المكتب، وأترك جسدى يسقط على الأرض، حيث كنت أبقى منكمشة من شدة الألم. 

وفى السنوات اللاحقة، كلما فكرت فى الكتابة كنت أرى نفسى منكمشة على الأرض بجوار مكتبى، مما جعل العودة أمرًا مستحيلًا. توقفت عن الكتابة لسنوات، وهو أمر محزن للغاية؛ لأن الكتابة كانت هى الوسيلة التى ساعدت فى إعادة تشكيل مسارات دماغى، فى وقت كان فيه أطباء الأعصاب قد فقدوا الأمل فى حالتى.

لقد أنقذت الكتابة حياتى، لكن الصدمة كانت عائقًا لم أستطع تجاوزه. وفى نهاية المطاف أدركت أننى لكى أتمكن من الكتابة مجددًا علىّ أن أعود إلى الأرض؛ كان لا بد لى من خوض غمار تلك الصدمة لأصل إلى الجانب الآخر منها.

وهذا بالضبط ما فعلته من خلال كتابة هذه السيرة الذاتية. قد يبدو أن المحور الأساسى للكتاب هو تعافى دماغى، لكنه فى جوهره ليس سوى رسالة حب لفن الكتابة؛ للكلمات، وللإبداع، وللفن.

■ كيف ترين دور الجوائز فى حياة الكاتب؟

- الكتابة فعل فردى؛ وغالبًا ما أصفها بأنها رحلة طويلة فى الصحراء. إذ ينكفئ الكتّاب على ذواتهم لسنوات طوال أثناء عملهم على تأليف كتاب ما. وتأتى الجائزة بمثابة اعتراف بأن كل تلك السنوات لم تذهب سُدى، وبأن الجمهور يقدّر هذا العمل وقدرته على اصطحاب القراء فى رحلة نحو التعافى.

■ ما المصادر التى اعتمدتِ عليها فى إعداد سيرتك الذاتية؟

- يعد البحث عنصرًا حيويًا فى تأليف الكتب، حتى تلك التى تنتمى إلى أدب السيرة الذاتية. ففى كتابى «أجزاء لن تستعيدها أبدًا»، ولأننى كنت أكتب عن الدماغ والجوانب الطبية للحمل، أجريت مقابلات مع خبراء؛ بمن فيهم أطباء أعصاب، وأطباء نساء وتوليد، وباحث بارز فى مضاعفات الحمل. 

كنت بحاجة إلى معارفهم لإضفاء المصداقية على قصتى الشخصية. وتعد المصداقية إحدى أهم ركائز الكتابة؛ إذ أقول لطلابى فى دورات الكتابة إن عليهم اعتبار «المصداقية» عنصرًا فنيًا جوهريًا لا يقل أهمية عن الحوار، أو وجهة النظر، أو الحبكة، أو التوتر الدرامى. 

فإذا صادف القارئ عبارة تبدو غير دقيقة أو غير صحيحة، فإنه سيبدأ فى التشكيك فى مدى إلمام الكاتب بموضوعه. وفى اللحظة التى يشكك فيها القارئ فى مرجعية الكاتب، يفقد الكتاب جاذبيته؛ إذ يبدأ القارئ فى التساؤل عما قد يكون غير دقيق أيضًا فى السرد، وعندها يضع الكتاب جانبًا. 

لذا، لا بد من البحث، ثم البحث، ثم البحث! فإذا كان مسرح أحداث قصتك مصنعًا للنبيذ فعليك الإلمام بكل تفاصيل ذلك العالم، بما فى ذلك أنواع سدادات الفلين المستخدمة لكل زجاجة ولماذا. وإذا كانت إحدى شخصياتك لاعب تنس محترفًا، فيجب أن تكون على دراية تامة بعقلية هذا اللاعب، ومشاعره، ودوافعه، وبالطبع بكل ما يستخدمه؛ من ملابس يفضلها، ومضارب، ونوع الملاعب التى يلعب عليها. إن تفاصيل كهذه تمنح الكتاب مصداقية، وهذا المستوى من المصداقية هو ما يبعث الحياة فى القصة.

■ أين ولدت ونشأت؟ وكيف أثر ذلك على كتاباتك ورؤيتك للعالم؟

- ولدت فى مدينة حيدر أباد بالهند، ونشأت هناك وفى الولايات المتحدة. لقد نشأت فى ظل ثقافتين ولغتين، متنقلة بين مدينتين مزدوجتين: حيدر أباد وسيكندر أباد فى الهند، ومينيابوليس وسانت بول فى الولايات المتحدة. 

هاجرت عائلتى إلى مينيابوليس فى أوائل السبعينيات، حين كنت فى عامى الأول تقريبًا. لكن والدىّ كانا شديدى الارتباط بالهند، لدرجة أن أمى كانت تصطحبنى أنا وأخوىّ إلى حيدر أباد كل عام، حيث كنا نقضى هناك أشهرًا متواصلة. 

وهذا يعنى أننى تلقيت تعليمى فى كل من حيدر أباد ومينيابوليس. كان الأمر مربكًا وموحشًا؛ فعندما كنت أدخل فصلًا دراسيًا فى حيدر أباد كان زملائى يسخرون قائلين: «لقد عاد الطالب الأمريكى!»، وحين كنت أعود إلى مدرستى فى مينيابوليس، كان زملائى يضحكون قائلين: «لقد عاد الهندى!».

لم يرغب أحد فى مصادقتى؛ لعلمهم أننى سأغادر بعد بضعة أشهر. لذا، لجأت إلى الأدب؛ إذ أصبحت شخصيات الكتب أصدقائى، فصار فقدانهم فقدانى، وصارت صراعاتهم صراعاتى. 

انغمست فى عوالمهم، متحررة من عالمى الخاص الذى كان منقسمًا على ذاته. لكن سرعان ما أدركت أن الكتب نفسها لا تعكس تمامًا مدى انقسام وجودى، ما دفعنى لمحاولة صياغة تجربتى فى كلمات. 

وبما أننى نشأت متعلمة للغتين، الإنجليزية والأوردية، فقد كتبت قصصى بكلتيهما. تكتب اللغة الأوردية من اليمين إلى اليسار، بينما تكتب الإنجليزية من اليسار إلى اليمين؛ وعلى صفحات الورق، كانت اللغتان تتصادمان- تمامًا كما تتقابل طبقات الأرض عند خطوط الصدع- لتحدثا اضطرابات بصرية كانت تمنحنى شعورًا بالرضا؛ لأنها عبّرت أخيرًا عما كنت أشعر به فى داخلى.

■ تبدأ سيرتك الذاتية باللحظة التى اخترت فيها اسم «إسماعيل» لطفلك.. لماذا كان من المهم أن تستهلّى الكتاب بالجانب الروحى؟

- هذه واحدة من أهم الرسائل التى آمل إيصالها من خلال هذه المذكرات. فمع أن القصة المحورية تدور حول تعافىّ من انهيار جسدى شامل «فشل فى أعضاء متعددة، وتلف فى الدماغ، وتضرر فى القلب والأوعية الدموية، وما إلى ذلك»، فإن هدفى الأسمى كان التعبير عن الكيفية التى غيرت بها تجربتى مع الموت، بشكل جذرى، طريقتى فى العيش. 

لقد كشف لى تلف دماغى عن أن جزءًا كبيرًا من هويتنا- أفكارنا حول من نكون ومكاننا فى هذا العالم- ليس فى حقيقته سوى شبكة من الوصلات العصبية فى أدمغتنا. 

وهذه الشبكة هى نتاج ما تلقيناه أثناء نشأتنا من قبل آبائنا ومعلمينا والمجتمعات التى عشنا فيها، بالإضافة إلى تجاربنا السابقة؛ والأهم من ذلك المعنى الذى تضفيه أدمغتنا على تلك التجارب.

ومن أكثر الأمور المؤسفة التى تشربناها جميعًا هى فكرة أن الاختلافات فى لون البشرة، أو الوضع الاقتصادى، أو الخلفية الثقافية، أو الجنس، أو المعتقد الدينى، تجعل بعضنا أدنى منزلة من الآخرين. 

لطالما استخدمت اختلافاتنا كسلاح لبث الانقسام. لكن خوض تجربة الموت ينسف هذه المفاهيم الحاطة من القدر ويجردها من أى معنى. فنحن، فى جوهرنا، لسنا سوى مادة وطاقة، يجمعنا رابط الإنسانية الواحدة فى أعمق مستويات وجودنا.

ويؤكد القرآن الكريم جمال التنوع: التنوع فى الطبيعة، وفى الأعراق، وحتى فى المعتقدات؛ إذ يحتفى بالاختلافات باعتبارها ركيزة أساسية لحياة غنية. 

وفى كتاب «أجزاء لن تستعيدها أبدًا» لا أكتفى بالحديث عن الإسلام والبوذية فحسب، بل أتناول أيضًا تجربتى فى مدرسة كاثوليكية، وحضورى دروس دراسة الكتاب المقدس والمشاركة فى القداسات، كما أشير إلى اليهودية والزرادشتية. 

تتسم كل ديانة من هذه الديانات بالثراء والجمال، ومع أننا ننظر إليها ككيانات منفصلة، إلا أننى أتتبع جذورها عبر التاريخ لأُبين كيف تنبثق هذه الفروع الدينية المختلفة من شجرة واحدة. 

يذكر الكتاب المقدس: «فى البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله». وبالمثل، يشير القرآن الكريم إلى عيسى بوصفه «كلمة الله»؛ كما يؤمن المسلمون بأن القرآن نفسه هو كلام الله. 

فى تصورى، ترتبط مفاهيم الكلمات، والله، والروحانية، والكتب المنزلة، والكتب بوجه عام، ببعضها البعض. لذا، استهلت مذكراتى بهذه الطريقة؛ لتكون دعوة للقراء لدخول عالمى، وتذكيرًا فى الوقت ذاته بما يجمعنا من قواسم مشتركة وروابط متبادلة.

■ كيف غيرت استعادة قدرتك على استخدام اللغة فى الوقت الذى كان فيه ابنك يتعلم كلماته الأولى نظرتك إلى اللغة والأدب، وبالتالى دورك كأم؟

- حين فقدت قدرتى على الكلام والكتابة، فقدت معها أيضًا قدراتى الذهنية العليا؛ كالتفكير، والتخيل، والإبداع، وهى تلك القدرات الجوهرية التى تميز الإنسان عن سائر الحيوانات. 

شعرت حينها بالضياع، وكأننى فقدت مرساتى؛ لقد كانت واحدة من أكثر فترات حياتى قتامة. ومع أننى لا أزال أعانى أحيانًا من نوبات «حبسة كلامية» (aphasia) أثناء الكتابة أو التحدث، فإن فقدانى القدرة على استخدام اللغة الإنجليزية بشكل سليم علمنى القيمة الحقيقية للكلمات. 

تأملى مدى سحر اللغة؛ فنحن قادرون على إصدار أصوات بأفواهنا وألسنتنا تحمل معانى، لا تقتصر دلالتها علينا فحسب، بل تمتد لتصل إلى من حولنا. فكرى كم ستكون تجربتنا فى هذا العالم موحشة ومحدودة الأفق لو عجزنا عن التواصل فيما بيننا، وعن بناء الروابط، سواء عبر الحديث المباشر أو من خلال تدوين الكلمات. فى تلك الحالة، كنت أعيش خلال واحدة من أحلك مراحل حياتى.

ولأننى كنت أعتنى بمولود جديد فى الوقت الذى كنت أتعافى فيه من إصابة فى الدماغ، واجهت خيارًا صعبًا: أى لغة ينبغى أن أستخدمها معه؟ والداى لا يتحدثان معى إلا بالأردية، وهى لغتى الأم؛ وبحكم نشأتى على التحدث بها كان من الطبيعى جدًا بالنسبة لى أن أخاطب ابنى بالأردية. 

بل كان هذا الخيار هو الأسهل أيضًا، نظرًا لأن لغتى الأردية لم تتأثر بالإصابة. لكن، وللسبب ذاته- أى لأن لغتى الأردية ظلت سليمة، بينما تضررت لغتى الإنجليزية «لغتى الثانية»- أدركت أن علىّ إصلاح الإنجليزية من خلال إلزام نفسى بالتحدث بها. 

لذا، اتخذت قرارًا شاقًا بأن أتحدث مع ابنى باللغة الإنجليزية- اللغة التى اكتسبتها لاحقًا- بدلًا من لغتى الأم. كنت أعلم أن هذا يعنى أنه سينشأ دون معرفة اللغة الأردية.

إن هويتى باللغة الأردية تختلف عنها باللغة الإنجليزية؛ لذا ظللت لسنوات طويلة أشعر بأسى عميق لأن ابنى لم يكن يعرف هويتى الكاملة. ما أسعدنى «وأراح بالى» أنه تعلم اللغة الأردية بمفرده حين كان فى الجامعة، فأصبح بإمكاننا الآن التحدث بكلتا اللغتين. 

وفى أول حوار دار بيننا بالأردية أخبرنى بأنه شعر وكأن عالمًا بأكمله قد انفتح أمامه، وأنه اكتشف جوانب فى شخصيتى لم يكن يعلم بوجودها من قبل. وفجأة، وهو فى مقتبل العشرينات من عمره، صار يرى فىّ أمًا مختلفة تمامًا عن تلك التى ربّته.

■ مع أى كاتب تودين تناول العشاء؟

- الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتى روى. فازت روايتها «إله الأشياء الصغيرة» بجائزة «بوكر» للأدب عام ١٩٩٧. إنها تناضل بشجاعة من أجل حقوق الإنسان، وتتبنى موقفًا نقديًا حادًا تجاه الإمبريالية، كما سبق لها أن واجهت الحكومة الهندية. 

لا تخشى «روى» الدفاع عن أولئك الذين لا صوت لهم، وتوظف مكانتها البارزة لخدمة الفئات الأقل حظًا. فى جلسة العشاء تلك سأكتفى بالجلوس، والاستماع، والتعلم، واستيعاب كل ما تقوله.

■ ما الكتاب الذى أخفيته عن والديك؟

- والداى مهاجران من الهند، لذا دفعانى نحو دراسة الطب أو إدارة الأعمال. لم يصطحبانى إلى المكتبات ولم يشجعانى على الكتابة؛ بل على العكس، كانا يغضبان حين يكتشفان أننى أكتب. 

لقد قدّما تضحيات جسيمة من أجل الهجرة، وأرادا منى الاستفادة من الفرص المتاحة فى أمريكا. ونتيجة لذلك، كانت الكتب الوحيدة التى استطعت الحصول عليها فى صغرى هى تلك الروايات التجارية واسعة الانتشار التى كنت أجدها فى متاجر مثل «تارجت»- حيث كانت أمى تتسوق- فكنت أضع كتابًا فى عربة التسوق إلى جانب مسحوق الغسيل. 

كانت اختياراتى تتنوع بين أعمال «فى. سى. أندروز» و«أجاثا كريستى»، وأى شىء يحمل طابع الغموض. لاحقًا، اكتشفت أعمال كاتبات مثل «تونى موريسون»، و«مارياما با»، و«بول مارشال»؛ وهن كاتبات ملونات وضعن تجاربهن الخاصة فى قلب الأدب الأمريكى، الذى كان حينها حكرًا على الرجال البيض، وجعلن من تلك التجارب جزءًا طبيعيًا ومألوفًا فى المشهد الأدبى. 

كان العثور على هؤلاء الكاتبات أمرًا ملهمًا للغاية، وأصبحن بمثابة قدوة لى. وعندما نشرت روايتى «مدراس فى الأيام الممطرة»، كانت تلك المرة الأولى التى تنشر فيها أعمال لامرأة مسلمة من أصول هندية فى الولايات المتحدة. لم يكن بوسعى تحقيق ذلك لولا هؤلاء النساء اللواتى مهّدن لى الطريق.

■ ما أفضل كتاب تلقيته كهدية على الإطلاق؟

- حين كنت فى بداية تعرفى على زوجى أهدانى نسخة من أشعار الرومى. كانت تلك هدية مثالية؛ فهى تجمع بين الأدب والسمو الروحى المفعم بالحب الإلهى. وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم، بعد مرور ٢٠ عامًا.

■ هل تحضّرين لكتاب جديد؟

- لقد عدت إلى كتابة الأعمال الروائية، وأعمل حاليًا على رواية جديدة. لطالما استمددت إلهامى مما يحدث فى العالم؛ سواء ما يمسنى شخصيًا أو ما يدور حولى.

إن العيش فى الولايات المتحدة فى الوقت الراهن يثير فى داخلى مشاعر عميقة ومتنوعة؛ وبدلًا من الاكتفاء بالقلق، أقوم بتوظيف هذا الشعور بالاضطراب والرعب والحزن فى مشروعى المقبل.