شخصيات محمود عوض المتمردة.. أنبياء وصحابة ومفكرون بقلم كاتب علمانى
- كانت جريمة قاسم أمين فى كتابه «تحرير المرأة» أنه طلب الحرية للمرأة فى مواجهة الرجل
- كانت جريمة على عبدالرازق فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم» أنه طلب الحرية للدين فى مواجهة الملك
- من الطبيعى أن الإنسان فى لحظات ضعفه يزداد تمسكه بالدين
- المسلم تدهور حاله حينما أصبح مجردًا من حرية القول والعمل ومجردًا من الأمن والأمل
- شخصيات محمود عوض مختلفة من حيث العصر والبيئة والوسيلة
- يحتاج كل مجتمع إلى عدد من أعضائه يقومون بمهمة دق جرس الخطر
- عمر بن الخطاب کان محبًا للغناء ومتذوقًا للشعر وبعد خلافته استمر متذوقًا للشعر
- خالد بن الوليد لم يعتبر الجندية حرفة أو وظيفة تبدأ بميعاد وتنتهى بميعاد ولكنها أسلوب كامل للحياة
هل يمكن لمن كتب عن أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ أن يكتب عن النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته الكرام؟ وأن يجرب قلمه فى الحديث عن مفكرين وأدباء وفقهاء ومتمردين بنفس البساطة والانطلاق والتلقائية.. والحرية أيضًا؟
كان هذا أول سؤال يتبادر إلى ذهنى وأنا أقرأ مجموعة المقالات التى كتبها الكاتب الصحفى محمود عوض «ديسمبر 1942 - أغسطس 2009» ونشرها فى كتابه «من وجع القلب»، وتناول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضى الله عنهما.. ثم معاوية بن أبى سفيان.
أعرف أن أجيالًا صحفية عديدة تحتفظ لمحمود عوض باحترام وتقدير شديدين، وتحفظ له دوره فى صناعة صحافة شديدة الرقى والجاذبية والرشاقة، ورغم مشاركتى من يتحدثون عن دور عوض الصحفى فى تقديرهم له، إلا أننى أعتبر أهم ما كتبه كان مجموعة البورتريهات لشخصيات ثقافية وفكرية ونشرها فى كتبه التى نعرفها أو لا نعرفها.

فى كتابه «شخصيات» يكشف محمود عوض عن بداية اهتمامه بالكتابة عن رموز الفكر والأدب والثقافة.
فقد استدعاه إحسان عبدالقدوس عندما كان رئيسًا لتحرير أخبار اليوم - ظل فى المنصب من 1966 وحتى 1974 - ودار بينهما هذا الحوار:
إحسان: ممكن تفكر فى موضوع تكتب عنه فى الصفحة الأخيرة هذا الأسبوع؟
عوض: أى صفحة أخيرة؟
إحسان: الصفحة الأخيرة من أخبار اليوم.
عوض: إن كاتبها الثابت هو أنيس منصور.
إحسان: أعرف ذلك.. ولكنى أريدك أن تكتبها هذا الأسبوع؟
عوض: لماذا؟
إحسان: لأن أنيس اختفى ولا أدرى أين هو.. ولا متى سيرسل مقاله الأسبوعى؟
عوض: صحيح اليوم هو موعد تسليم مقالات الصفحات الثابتة من الجريدة، ولكن أنيس دقيق فى مواعيده كساعة سويسرية، وربما تستطيع انتظار مقال أنيس حتى صباح الجمعة.
إحسان: أنا هنا رئيس عمل ولست زعيم قبيلة.. أريد مقالًا منك للصفحة الأخيرة غدًا.
خرج محمود عوض من مكتب إحسان مباشرة إلى منزل أم كلثوم، وفى اليوم التالى عاد بمقال عن الست، ونُشر فى العدد الذى صدر بعد يومين من أخبار اليوم، وفى الأسبوع التالى عاد له بمقال عن طه حسين، وعندما ظهر أنيس منصور، لم ينقطع عوض عن كتابة مقالاته عن الشخصيات، فكتب عن الشيخ الباقورى.. وتوالت الكتابات بعد ذلك عن عبدالوهاب وأم كلثوم وتوفيق الحكيم وحسن عباس زكى والدكتور أحمد زكى وعبدالخالق حسونة.
يوضح لنا محمود عوض منهجه فى تناوله للشخصيات التى يكتب عنها، يقول: كان كل شخص يمثل بالنسبة لى معنى أريد أن أقوله، وبقدر إحساسى بالمعنى كان يأتى انفعالى بالشخص، بعضهم كان الانفعال يبدأ معه بالاختلاف، وبعضهم بالموافقة التى تتحول بعد الفحص إلى اختلاف.
حدد محمود عوض ما يبحث عنه إذن، المعنى الذى تحمله كل شخصية، أما أنا هنا فأبحث تحت جلد شخصياته عن هذا المعنى، وقد تكون قراءتنا لها معنى ما يضيف لنا جميعًا.

فى كتابه «شخصيات» يبدأ محمود عوض بطه حسين الذى يصفه بالمشاغب.
ويقول عنه: إن طه حسين فى حديثه يعطينى انطباعًا غير عادى، إننى أحس أنه لم يكن أبدًا مجرد شخص يريد أن يكون كاتبًا أو أديبًا أو مفكرًا، هذا رجل أراد أن يعيش، يعيش عصره ومجتمعه، وتحدياته، يعيش بكل الحب الطبيعى للحياة والحرية والفرصة والتجربة والتضحية، نعم، طه حسين أراد فى بدايته أن ينزع السلاسل من عقل مصر، من عقل الجيل الذى عاصره وخرج عليه وتمرد ضده، إنه فى تمرده كان جادًا، وفى حديثه كان نموذجًا عصريًا للأديب والفنان الذى جاء به القرن العشرون، أديب لا يعتمد على الأفيون مثل كولريدج، ولا على الحشيش مثل سيد درويش، أديب لا يعتمد فى عمله على خمسين ألف فنجان قهوة مثل بلزاك، ولا يعيش فى غرفة مغلقة هربًا من دائنيه مثل بروست، أديب يأخذ الأدب بجدية، وفنان يعطى فنه بغير مخدر أو خمر أو شذوذ، نعم كان طه حسين قاسيًا على نفسه أولًا، لكى يكون قاسيًا على مجتمعه.
ويتساءل محمود عوض: ما هى مهمة المفكر؟

ويجيبنا وهو لا يزال فى محراب طه حسين، يقول: هل المفكر مهمته أن يؤلف كتابًا أو كتابين، يرفع شعارًا أو شعارين، ثم يستدير بعد ذلك إلى حياته هادئ النفس مستريح البال، هل المفكر مهمته أن يصفق للسيف طالما هو بعيد عن رأسه؟ لا.. ليس المفكر كذلك أبدًا، طه حسين لم يكن كذلك أبدًا، لقد أعطانا طه حسين من أفكاره وكتبه الكثير، ومع ذلك فإننا نظلمه كثيرًا لو قسناه فقط بكتبه، إننى أحس دائمًا أن حجمه الحقيقى أكبر من كتبه، طه حسين ليس كتابًا صدر، ولا هو شعار تردد، طه حسين فارس، مفكر كالفارس، إن حياته وفكره لم يكونا أبدًا شيئين منفصلين، إن حياته تفسر أفكاره، وأفكاره تفسر حياته، لا ازدواج أو انفصال فى الشخصية، لا نفاق، لا شهرة عن طريق النفاق، لا مركز كسبه على جثة غيره، ولا نقطة سجلها على حساب مبادئه، ربما من أجل هذا أقول: إن حياة طه حسين سوف تكون هى نفسها أحسن وأعظم كتاب يصدر عن طه حسين.

وعندما تحدث عن الشيخ أحمد حسن الباقورى أخذ من كلماته المعنى الذى يلخصه، يقول الباقورى:
تسألنى عن نظرة الناس إلى الدين فى هذا العصر، وأنا أرد عليك بأنه حدثت فى التاريخ الإسلامى انطلاقات عديدة من قيود الدين، فالدين يقف دائمًا حاجزًا بين الإنسان وشهواته، وإذا نظر الناس إلى الدين نظرة ذاتية فقد يجدون فيه من القيود ما يودون الانطلاق منها، ولكننا يجب ألا ننظر إلى الدين منقطعًا عن البيئة التى يعيش فيها والعصر الذى يخاطبه، ففى عصرنا تنوعت صور الشهوات التى يشهدها الإنسان فى العالم كله، وبرغم ذلك نجد فى مجتمعنا حرصًا شديدًا على متابعة البرامج الدينية فى الإذاعة مثلًا، فالنظرة النسبية للأمور تلطف حدة مشاعرنا وأحكامنا، وهى تؤكد أن المشاعر الدينية فى هذا القرن تنفذ إلى نفوس الناس من خلال العقبات الكثيرة التى أنتجتها الحضارة المعاصرة.
من الطبيعى أن الإنسان فى لحظات ضعفه يزداد تمسكه بالدين، فالإنسان ضعيف فى حد ذاته، وضعفه هذا يدفعه إلى البحث عن القوة الأعلى منه، وتقربه إلى الله يتزايد فى فترات ضعفه.
وأنت تلاحظ مثلًا أن النكسة التى أصابتنا بعدوان إسرائيل هى من أبرز أسباب الاحتماء بالله وبالدين فى مجتمعنا.
وأنت تسألنى عن الدين فى حياة أولادى.. حسنًا.. أنت تعلم أن لى بناتًا ثلاثًا، إنهن طبعًا يؤدين فريضة الصيام أما الصلاة.. آه.. فعلًا.. إنهن كشأن معظم الناس دائمًا، لا يتذكرنها إلا وقت الشدة.. وهو أمر يؤسفنى.
ثم.. ماذا؟ هل هذا يذكرك بسؤالى عن طريقة تربيتهن؟ لا.. لا تجد حرجًا يا أخى، ولكننى أقول لك إن سيدنا عليًا بن أبى طالب كان يقول: الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم وأمهاتهم، وقد هزمنى هذا العصر أحيانًا فى تربية أولادى، وهزمته أنا أحيانًا أخرى، فلسوء الحظ مثلًا واحدة من بناتى تدخن السجائر، ولحسن الحظ مثلًا أن بناتى - بمن فيهن هذه التى تدخن - يتمسكن تمامًا بأهداب الدين.
ويقول عوض للباقورى: إن الدكتور طه حسين سبق أن قال لى فى حديث سابق: إن إنشاء كليات الطب والهندسة والمعاملات فى جامعة الأزهر هو اتجاه غير سليم، أدى إلى تطوير التعليم الأزهرى إلى أسوأ وليس إلى أحسن.
ويرد الباقورى: إن فائدة وجود كليات الطب والهندسة والزراعة فى جامعة الأزهر يعرفها أستاذنا - أستاذنا بحق - الدكتور طه حسين، فهو يعلم قطعًا أن بعثات التبشير المسيحية قد نجحت فى أنحاء كثيرة من آسيا وإفريقيا بسبب ثقافة المبشرين، فالمبشر لم يعد لاهوتيًا فقط، بمعنى أنه لم يعد رجلًا متفرغًا لشئون الدين وحدها، وإنما إلى جانب درايته الدينية فهو خبير فى الطب أو الهندسة أو الزراعة مثلًا.

فالحياة الروحية لم تعد منفصلة عن الحياة العملية كما كان الناس يتصورون من قبل، والإسلام بالذات يمزج بين الحياة الروحية والحياة العملية ولا يفصل بينهما، وحينما طورنا الأزهر فإن الدكتور طه حسين - كما بلغنى وقتها - كان من أول الذين أخذ رأيهم فى هذا التطور وأقروه ورحبوا به، وقد أنشأنا فى جامعة الأزهر كليات للطب والهندسة والزراعة والتجارة إلى جانب دراسات الأدب، واللغة العربية والشريعة والسنة النبوية، وقد كان للتطوير هدفان: أولًا تحقيق مبادئ الفكر الإسلامى ذاته، فمن يدرس تاريخ الأمة الإسلامية يرى أن الطبيب كان عالمًا بالكتاب والسنة مع أنه طبيب، والرحالة كان عالمًا بالكتاب والسنة وهو رحالة، والمؤرخ كان عالمًا بالكتاب والسنة وهو مع ذلك مؤرخ، وخُذ مثلًا على ذلك أن الذى اكتشف البحيرات الإفريقية التى ينبع منها نهر النيل كان رجلًا عربيًا مسلمًا، كما ذكر الدكتور جوستاف لوبون فى كتابه «حضارة العرب».
وسيجريد هونكه المستشرقة الألمانية لها كتاب بعنوان «شمس الله تشرق على الغرب» أو «أثر الحضارة العربية فى أوروبا» تثبت فيه أن كل علماء الأمة العربية كانوا أطباء ومهندسين وصيادلة وفلكيين ورياضيين، إلى جانب أنهم كانوا فقهاء فى كتاب الله وأئمة فيه.
والهدف الثانى لتطوير الأزهر هو إحياء ماضى الأمة العربية، فالأزهر بوصفه حامل رسالة الإسلام كان هو المكان المفضل لابن الهيثم، وبالمناسبة فإن ابن الهيثم هو أول من اخترع نظارة للقراءة، وكان يلقى دروسًا منتظمة فى الأزهر.
بعد ذلك يسير الحوار بين عوض والباقورى على النحو التالى:
عوض: كيف ترى حياتك منذ أصبحت أحد رجال الدين فى مصر؟
الباقورى: ولكننى لست رجل دين، فأنا لم أتخصص فى الدين ولكن فى اللغة العربية والأدب العربى.
عوض: طبعًا.. ولكنك تخرجت فى الأزهر.

الباقورى: فعلًا تخرجت فى الأزهر، والناس ينظرون إلى رجال الأزهر على أنهم رجال دين، وهذا خطأ يجب تصحيحه، إن رجل الدين واسطة بين الناس وربهم، وهذا المفهوم لا يعرفه الإنسان، الإسلام يفرض على أتباعه أن يعملوا فى الدنيا من أجل الدين، وكل مسلم مسئول عن الإسلام، ولا واسطة بين المسلم وبين الله.
عوض: أنا لا أقصد واسطة، بل أقصد الرجل الذى تقتصر معلوماته على الشريعة الإسلامية.. ألا يعتبر رجل دين؟
الباقورى: حتى فى هذه الحدود لا يوجد فى الإسلام رجل دين، إنما توجد دراسات دينية، وكل الذى يمتاز به الدارس فى الأزهر مثلًا هو حصوله على دراسات فنية يستخرج بها أحكامًا شرعية من كتاب الله وسنة رسوله، تستطيع إذن أن تسميه فنيًا، فنيًا فى استخراج أحكام الدين من أصول الإسلام.
عوض: حسنًا.. هل ترى فى حياة الرجل الفنى فى أحكام الدين الإسلامى ما يميزها عن حياة الرجل العادى؟
الباقورى: إيه يا أخى.. الدين يُسر لا عسر.. كيف تتصور حياة رجل الشريعة؟
عوض: أنا لا أتصور.. أنا أسأل فقط.
الباقورى: دعنى أفسر لك الأمر، عندما اتصل الشرق الإسلامى بالغرب المسيحى أخذنا نحن المسلمين كلمة «رجل دين» من الحضارة الغربية وأطلقناها على أقرب الناس إلى الدين فى مجتمعنا وهم رجال الأزهر، وهذا مفهوم خاطئ، إن تطوير الأزهر سيؤدى حتمًا إلى تصحيح هذا المفهوم، ولكن لا بد أن نتوقف نحن عن اعتبار شخص ما متفرغًا فى الدين، وعن توقع شكل خاص لحياة هذا الشخص يميزه عن حياة باقى الناس.

ويتحدث محمود عوض مع حسن عباس زكى رجل الاقتصاد والذى عُرف فى الأوساط السياسية خلال الستينيات بالتصوف، ويسأله: هل ترى أن تمسك الناس بالدين قد أصبح أقوى عندهم بعد نكسة يونيو ١٩٦٧؟
ويقول حسن: ليس بالضبط.. فالإيمان الدينى عند الشعب العربى بصفة عامة كان موجودًا دائمًا، ربما لا تظهر قوته الحقيقية إلا عند الأزمات، ولكنه موجود دائمًا، وفى حالات التحدى يكون الإيمان الدينى هذا الشعاع الهابط من السماء، عاملًا أكبر فى تقوية هذه الأمة ونصرها، إن هذا الإيمان جعل الشعب العربى يقف ضد الصليبيين فى القرن الثالث عشر ويأسر لويس التاسع فى موقعة المنصورة، وهذا الإيمان نفسه هو الذى وحّد الشعب ضد سلالات المغول فى القرن السادس عشر، وضد جيوش نابليون فى أواخر القرن الثامن عشر، كما أنه أرغم جيوش العثمانيين لرأى الشعب فى أوائل القرن التاسع عشر، وجعل رشيد تمزق جيوش بريطانيا أشلاء، لقد عرف الشعب قوة الإيمان خلال هذه المعارك كلها، وعرفه أيضًا فى الكفاح ضد الاحتلال البريطانى سنة ١٨٨٢، وضد جنود الاحتلال سنة ١٩٣٥ وسنة ١٩٥١، إن التاريخ يثبت لنا أن الإيمان بالله قد جلب لنا النصر دائمًا.
قال عوض لحسن عباس زكى: سيدى.. إننى أتفق معك من حيث الواقع التاريخى، ولكننى أختلف معك بشدة فى نقطة أخرى، فأنا أرى أن المشكلة ليست فى أن نؤمن بالله أو لا نؤمن، يزيد إيماننا أو ينقص، ولكن المشكلة هى أننا نتطلع إلى الله كثيرًا ليقوم عنا بأداء واجباتنا، وحينما نهزم فليس هذا بالضرورة لأن إيماننا قد أصبح أقل، ولكن لأننا فى الواقع أسوأ أعداء لأنفسنا، إننا فى الواقع نحن الذين كنا نهزم أنفسنا بأكثر مما هزمنا الآخرون، هذه هى المشكلة كما أراها يا سيدى، قائمة طويلة بالواجبات نعفى أنفسنا منها وننسبها إلى الله، ما ظلمنا الله بذلك ولكننا ظلمنا أنفسنا.
ويرد حسن: إن هذا ليس بديلًا لذلك، فالإيمان بالله ليس بديلًا عنه القيام بواجبنا، بل إن قيامنا بواجبنا هو جزء من إيماننا بالله.. أليس كذلك؟
قال عوض: ليس كذلك أو - على الأقل - ليس هذا ما نفعله، فنحن دائمًا فى واحد من الطرفين، منتهى الإيمان أو منتهى الكفر.
بالمنطق نفسه تعامل محمود عوض فى كتابه «أفكار ضد الرصاص» مع أربع شخصيات هم قاسم أمين وعبدالرحمن الكواكبى وعلى عبدالرازق وطه حسين، ولكن هذه المرة من خلال محاولات إعدامهم معنويًا عقابًا على أربعة كتب قاموا بتأليفها، كانت قفزة فى عالم التجديد والتحديث.

يبدأ عوض تقديمه لكتابه بقوله: فى الصفحات التالية سوف تجد أربع جرائم قتل، إنه قتل مع سبق الإصرار والترصد، قتل مع التعمد، قتل مع التنفيذ، إنه ليس تفكيرًا فى قتل، ليس شروعًا، ليس محاولة، إنه قتل، ومع ذلك فإن الجانى يخرج بعد كل جريمة بغير عقاب.
ويضيف: إن القتيل معروف، وأداة القتل مضبوطة، وسبب القتل واضح، والشهود موجودون، والقاتل معترف، ومع ذلك فإن جريمة القتل يتم تسجيلها فى النهاية ضد مجهول، إن القتيل ليس شخصًا عاديًا، والقاتل ليس شخصًا واحدًا، القتيل هو كتاب، مجرد كتاب، مجرد حبر على ورق، لكن إذا كان القتيل هو مجرد كتاب، فإن القاتل لم يكن مجرد شخص، إن القاتل فى كل مرة كان مجموعة أشخاص، أحيانًا أغلبية، إن السكين ربما تحمله فى النهاية أكثر من يد واحدة «السلطان - الملك - رئيس الوزراء - الحكومة»، ولكنهم فى النهاية سلطة واحدة لها تفكير السلطة وأسلحة السلطة وجبروت السلطة.
ويحدد محمود عوض هدف الجريمة، فالهدف فى كل مرة هو هدف عاجل، إعدام كتاب ومصادرة رأى، لكن بعد هذا هناك هدف آجل وهو إعدام الحرية، فأى محكمة عندما تقرر إعدام مجرم - قتل مجرم - فإنها لا تقصد بذلك تصحيح الجريمة التى ارتكبها، وإنما تقصد بالدرجة الأولى أن تحذر الآخرين من سلوك طريقها، وحينما قررت السلطة فى المجتمع المصرى إعدام الكتب الأربعة فإنها تعرف بالضبط أسباب هذا الإعدام.

يحدد عوض أسماء الكتب الأربعة وجريمة أصحابها.
فقد كانت جريمة قاسم أمين فى كتابه «تحرير المرأة» أنه طلب الحرية للمرأة فى مواجهة الرجل، وكانت جريمة عبدالرحمن الكواكبى فى كتابه «طبائع الاستبداد»، أنه طلب الحرية للشعب فى مواجهة السلطان، وكانت جريمة على عبدالرازق فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم» أنه طلب الحرية للدين فى مواجهة الملك، وكانت جريمة طه حسين فى كتابه «فى الشعر الجاهلى» أنه طلب الحرية للأدب فى مواجهة السياسة.

يدافع محمود عوض عن المجددين، ويلخص القضية بقوله: إن جوهر القضية هو نفسه فى كل مرة، ومعنى العقوبة هو نفسه فى كل حالة، لقد تم التشهير بقاسم أمين، وقتل الكواكبى، وعزل على عبدالرازق وفصل طه حسين من الجامعة كإجراء نهائى، وقبل ذلك أعلن المجتمع حكمه على الأربعة بأنهم خونة وزنادقة وملحدون وفاجرون.

لم يتعجب عوض مما جرى، فكما يقول: السلطة فى المجتمع العربى كانت لها دائمًا مقاييسها الخاصة التى تخفيها دائمًا وتعلنها أحيانًا، إنها تعتبر أن الخوف صبر، والجمود عقل، والتطور جنون، والتجديد إلحاد، والحرية كفر، والتفكير جريمة، والضعف نعمة، والجُبن قيمة، والشجاعة رذيلة، والصمت حكمة، والجهل فضيلة، والتمرد زندقة، والاختلاف خيانة، والظلام نور، والظلم عدل، والطغيان قوة، والإرهاب قانون، والحاكم إله، والمرأة حيوان، والشعب عبيد، والتاريخ أسطورة، والماضى مقدس، والحاضر مقبول، والمستقبل ملعون.
يمسك محمود عوض بفكرة قاسم أمين التى تمثل معناه الحقيقى.
يقول: يناقش قاسم أمين أصل الحجاب وتاريخه، إنه لا يجد نصًا فى الشريعة يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة، كل المسألة أنه عادة تمكنت فى الناس باسم الدين، والدين منها براء.

ويضيف: إنه يقدم الدليل بعد الدليل على تحرير نظرة الدين إلى المرأة، وبعد أن يجرد الحجاب من هذه الحماية الوهمية، يرد نظرة المجتمع إلى الحجاب، إن المجتمع يرى أن الحجاب مانع للفتنة، هنا يتساءل قاسم أمين: أحذف الفتنة إذن من الحجاب؟ هل اعتبرت عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة حتى أبيح للرجال أن يكشفوا وجوههم لأعين النساء، ومنع النساء من كشف وجوههن لأعين الرجال؟ إن أسباب الفتنة ليست فيما ظهر من أعضاء المرأة وما خفى، بل فيما يصدر عنها من أفاعيل فى أثناء سيرها، والنقاب من أشد أعوان المرأة على ذلك، إنه يخفى شخصيتها، ولو كان وجهها مكشوفًا فإن كرامتها ونسبتها إلى عائلتها يشعرانها بالحياء والخجل فى كل عمل يتوهم منه أدنى رغبة منها فى استلفات الأنظار.
كان قاسم أمين - كما يقول عوض - يرى أن الحجاب رمز لانعزال المرأة عن المجتمع، إنه مانع عظيم يمنعها من الارتقاء، إنه سجن إجبارى تقضى المرأة حياتها داخله باسم العفة، فهو يقول: لا أدرى كيف نفتخر بعفة نسائنا ونحن نعتقد أنهن مصونات بقوة الحراس وارتفاع الجدران، أيقبل من سجين دعواه أنه رجل طاهر لأنه لم يرتكب جريمة وهو فى السجن؟
ويمسك عوض بمنهج قاسم أمين فى حديثه عن الحجاب، وينقل عنه ما يقوله: إنى لا أقصد رفع الحجاب دفعة واحدة، والنساء على ما هن عليه اليوم، فإن هذا الانقلاب ربما تنشأ عنه مفاسد جمّة لا يتأتى معها الوصول إلى الغرض المطلوب، كما هو الشأن فى كل انقلاب فجائى، وإنما الذى أميل إليه هو إعداد نفوس البنات فى زمن الصبا إلى هذا التغيير.
لم يكن قاسم أمين غافلًا عن مجتمعه، ولكنه كان مصلحًا يعرف ما الذى يريده، فالمجتمع لن يتغير مرة واحدة، ولذلك يلخص عوض معنى قاسم أمين بقوله: إن قاسم متواضع فى طلباته، إنه لا يدعو إلى السفور ولكنه يدعو إلى الحجاب الشرعى، إنه لا يهاجم الحجاب وربما يعتبره أصلًا من أصول الأدب، إنه لا يطالب بنزعه، وإنما يريد التمسك به، إنه يرى تحصين المرأة بالتربية السليمة، ولكنه يطالب بتعليمها حتى الابتدائى، إنه يرى إعطاء المرأة فرصة للعمل كالرجل، ولكنه يشترط أن يكون ذلك فى حالات الضرورة القصوى كفقرها أو وفاة زوجها أو عدم زواجها، وهذا ما قاله قاسم أمين فى كتابه «تحرير المرأة» قاله بحسن نية، بكل التمنيات الطيبة للمرأة والمجتمع.

ويضع عوض يده على جوهر تجربة عبدالرحمن الكواكبى صاحب كتاب «طبائع الاستبداد»، فعندما وصل إلى سن العشرين أصبح يتكلم الفارسية والتركية بالإضافة إلى العربية، وبالإضافة إلى دراسة الكتب الدينية والتاريخية وقوانين الدولة العثمانية، عمل فى وظائف عديدة، عمل صحفيًا وكاتبًا ورئيسًا للبلدية ثم محاميًا وقاضيًا للحاجات وتاجرًا، وفى كل وظيفة يعمل بها كان يرى الاستبداد والطغيان حوله فى كل مكان، إن الولاة والحكام يستخفون بالشعب ويضربونه بالنعال، إن الشعب عندهم لا فائدة منه سوى دفع الضرائب، إنهم ينشرون فيه الرشوة والفساد، يحكمونه بالسيف والجواسيس، يستعبدون الناس ويخرقون القانون ويدوسون العدالة ويتجاهلون الحقوق ويستغلون الدين ويفسدون الأخلاق ويراقبون الصحف ويحجبون الحرية، إنهم يذلون الغنى ويستعبدون الفقير ويسجنون الأحرار ويعدمون المتمردين.
يصف عوض حال الكواكبى، فهو يصطدم بنتائج هذا كله فى كل تجارة يعمل بها أو وظيفة يشغلها، إنه دائمًا يصطدم بالإدارة الفاسدة والموظف المرتشى والوالى المستبد والحاكم الظالم، إنه يصطدم ولكنه فى الوقت نفسه يفكر، إن الكواكبى لم يكن مجرد فرد يعمل ويعيش، يعيش ويأكل، يأكل وينام، إنه يعمل ويعيش ويتأمل، إنه يتأمل حال هؤلاء الحكام الذين يراهم أمامه، وهذا الشعب الذى خرج منه، إنه يتأمل حال المسلمين فى ماضيهم وحاضرهم.. لماذا ضعفوا؟ لماذا استكانوا؟ لماذا تدهوروا؟ لماذا هُزموا؟ لماذا هم راضون عن هزيمتهم؟ لماذا يستسلمون لمن يستبد بهم؟ لماذا؟ لماذا؟ أسئلة كثيرة شغلت بال الكواكبى فى تلك الأيام، كل سؤال يجر سؤالًا آخر، كل مرض يكشف عن مرض آخر.
هنا نصل إلى جوهر ومعنى الكواكبى كما يرصده محمود عوض، يقول: بدأ الكواكبى يضع يده على بعض الإجابات، هناك أشياء كثيرة يراها سببًا لتدهور حال المسلمين، أسباب دينية أهمها الإيمان بالقضاء والقدر، أسباب خلقية أهمها استيلاء اليأس على النفوس وإهمال طلب الحقوق جبنًا وخوفًا، وأسباب سياسية أهمها فقدان المسلمين الحرية بجميع أنواعها: حرية التعليم وحرية الخطابة وحرية البحث العلمى.
يقول الكواكبى: إن المسلم تدهور حاله حينما أصبح مجردًا من حرية القول والعمل، ومجردًا من الأمن والأمل، وحينما فقد المجتمع حريته فقد أمله وبطل عمله وماتت نفسه وفسد عقله واختل قانونه وسئم حياته، فاستولى عليه الفتور واستسلم للاستبداد.

وبعد أن يستعرض محمود عوض قصة الشيخ على عبدالرازق وما جرى منه وله بعد كتابه «الإسلام وأصول الحكم» يصل إلى نتيجة مهمة، وهى أن الإسلام ينادى بالحرية ويقوم على الحرية.
يقول: يوم كانت لنا حرية كانت لنا إمبراطورية، ويوم فقدنا هذه الحرية أصبحت تستعمرنا كل إمبراطورية، إن الحرية ليست مجرد حرية فى مواجهة الآخرين، إنها أولًا حرية فى مواجهة أنفسنا، نحن أسوأ أعداء لأنفسنا، لقد أصبحت السلطة مُغرية وأصبح السلطان مخيفًا، يوم كان السلطان خادمًا للشعب انتشر الإسلام، وحينما أصبح الشعب خادمًا للسلطان خسر الإسلام، هذه هى الحقيقة التى تقف خلف كل الصراع بين على عبدالرازق ومعارضيه.
ويضيف عوض: حينما كان الدين عبادة كانت أرضه أمانًا، وحينما أصبح الدين تجارة أصبحت أرضه بغير أمان، إنها بغير أمان لأن المفاهيم انقلبت، والقيم تدهورت والسيف طغى والسلطان ظلم والحرية اختفت، إن الحاكم لم يعد خادمًا، أصبح ذئبًا، والشعب لم يعد سيدًا، أصبح أغنامًا، إن النفاق لم يعد غيبًا، أصبح مطلبًا، إن الرأى لم يعد اجتهادًا، أصبح جريمة، لهذا كان عنف المعركة ضد على عبدالرازق، معركة عنيفة شرسة ضارية.
أما فضل على عبدالرازق، والذى هو فى الوقت نفسه معناه، فيقول عنه عوض: إن على عبدالرازق يجىء ليسهم مع قليلين قبله فى فتح باب الاجتهاد فى الدين، فى إبداء الرأى، فى المطالبة بحرية الرأى، إنه يواجه كل هذا الرصيد المتعفن الذى ترسب عند المتاجرين بالإسلام طوال عشرة قرون سابقة، إنه يواجه الطابور وحده، السلطان وحده، إنه لأول مرة يجرد الخلافة من عباءتها الواسعة التى ارتدتها طوال فترة الانحلال والتدهور، الدين لله والسلطان للدنيا، الدين نقدسه والسياسة نراجعها، الدين نؤمن به والسلطان نحاسبه.
ويدخل محمود عوض مرة أخرى إلى عالم طه حسين، ولكن هذه المرة من خلال كتابه «فى الشعر الجاهلى»، ليبلور معنى العميد من زاوية جديدة.
يقول لتكثيف هذا المعنى: كانت المشكلة مع طه حسين أنه أراد إعادة النظر فى واحدة من الأفكار الجاهزة مقدمًا فى مصر، أراد إعادة النظر فى الأدب، لقد فعل ذلك بعد أن شرب القدر الذى أراده له المجتمع من أفكاره، تعلم فى الكتاب والمدرسة والأزهر والجامعة، ولكنه سافر بعد ذلك إلى أوروبا، ترك الماضى فى مصر وسافر إلى أوروبا، هناك رأى، حضارة أخرى وتفكير آخر، هناك أيضًا استطاع أن يفكر لماذا لا تكون لنا نفس الحضارة ونفس التفكير، كان ماضينا عظيمًا، فلماذا لا يكون حاضرنا أعظم.
ومن هنا- وكما يقول عوض- رأى طه حسين الصورة بوضوح، رآها لأن كل من يسافر بعيدًا عن بلده يتعود أن ينظر إلى الأشياء من بعيد، من مسافة، فمن بعيد تبدو تفاصيل الصورة تافهة، وتبقى فقط الخطوط الأساسية، من بعيد تختفى الشجرة الواحدة، وتظهر الغابة كلها، من بعيد يبدو الفارق أوضح، والرغبة فى تعويضه والتفوق عليه، لهذا عاد طه حسين إلى بلده مدرسًا فى الجامعة، مدرسًا يريد من طلبته أن يفكروا بحرية، حتى تنهض بلدهم بعظمة، عاد يؤلف «فى الشعر الجاهلى».
عندما كان محمود عوض فى بيت طه حسين يحاوره ليكتب عنه ضمن الشخصيات التى ضمنها فى كتابه « شخصيات» تذكر ما حدث معه على هامش كتابه «فى الشعر الجاهلى».

يقول: لقد تحركت الحياة، تحركت لكل ما تحمله فى أحشائها، لقد مضت الأزمة، مضت بكل من تصرف فيها كجبان أو كبطل، لم يبق فى النهاية سوى شىء واحد، أن ما بدا فى لحظة شريرًا مؤلمًا قذرًا، أصبح فى النهاية مصدر التفكير والمراجعة والفحص، فحص أفكار المجتمع أولًا بأول، فى النهاية يظل لنا الدرس بكل قوته، لا شىء يجب إعفاؤه من المراجعة، لا شىء ولا أحد، بما فى ذلك طه حسين نفسه الذى أثار كل هذه الزوبعة، وقبل أن أخرج من بيت طه حسين كان سؤالى الأخير له بسيطًا: هل تغير شىء؟ وتمتم طه حسين، بأسف كثير وخيبة بالغة: لم يتغير شىء كثير.. وحتى هذه الإجابة كانت مجاملة من طه حسين.
يعود محمود عوض مرة أخرى ليدافع عن المجددين فى كتابه «متمردون لوجه الله»، وهو الكتاب الذى كتب فيه عن ابن حزم وابن تيمية ورفاعة الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى وعبدالله النديم.
يقدم عوض لكتابه بكلمة أبدع فى صياغتها، يقول: من يصبح حرًا مرة.. يظل حرًا طوال العمر.
لم يدخل عوض إلى الكتابة عن شخصياته الجديدة من أرضية شخصية بل لسبب موضوعى تمامًا، يقول: يحدث أحيانًا أن تستسلم مجتمعات بأكملها لمرض اسمه الرضا عن النفس، وفى مثل تلك اللحظات يحتاج كل مجتمع إلى عدد من أعضائه يقومون بمهمة دق جرس الخطر، جرس الإنذار، الإنذار ضد خطر الاستسلام للأمر الواقع، والرضا بما هو قائم، والإيمان بأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان.
عن مثل هؤلاء الأفراد الذين يواجهون مجتمعات بأكملها بالحقيقة يتحدث محمود عوض، ويقول: حديثى عن أهمية أن يتمرد الإنسان ضد فساد ونفاق عصره ومجتمعه، ضد الرضا عن النفس، ضد الاستسلام إلى الواقع، ضد مبدأ إنقاذ ما يمكن إنقاذه، الذى يتحول دائمًا إلى التفريط بما يمكن التفريط به، والقضية بهذا المعنى هى قضية كل فرد، وكل مجتمع، وكل عصر.
يقدم عوض أبطاله هذه المرة قبل أن يفرد لكل منهم فصلًا فى كتابه، يقول: إننى أتحدث هنا عن الذين أعطوا للإنسان صورة جديدة عن نفسه، وسماء مرتفعة يحلق إليها، أتحدث عن الذين تمسكوا دائمًا باثنين على الأقل من المثل العليا: الحقيقة والحرية، إننا بغير حرية لا نستطيع السعى إلى الحقيقة، وبغير الحقيقة، تصبح حياتنا مجرد تسجيل أقدمية زمنية.
يعتبر عوض شخصيات كتابه الخمس حالات للفحص والاختبار، مجرد نماذج لما يمدنا به التاريخ، حالات فيها من الشمول بقدر ما فيها من الخصوصية، فنحن نحتاج إلى التاريخ فى شموله، ليس لكى نكرره، ولكن لكى نفهمه، نحن لا نريد أن نعيد التاريخ، ولا نريد أن نتجاهله كالفوضويين، ولا أن نتعسف فى تفسيره كالماركسيين، نحن لا نريد إعادة كتابة التاريخ، وإنما نريد أولًا أن نفهمه.
قد لا تبدو شخصيات عوض مترابطة زمنيًا، فبعضها عاش فى القرن الحادى عشر «ابن حزم» أو الثالث عشر «ابن تيمية» أو القرن التاسع عشر «رفاعة الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى وعبدالله النديم».
يعترف عوض بأن شخصياته مختلفة، من حيث العصر والبيئة والوسيلة والحدود الزمنية والعقلية والسياسية، لكنها تتفق فى أشياء أخرى أكثر أهمية، فمن الناحية المبدئية هم ولدوا وعاشوا فى عصر من الخطر الحاسم، خطر الغزو من الخارج، أو خطر الانهيار من الداخل، إن ابن تيمية مثلًا ولد وعاش فى عصر جاءت فيه أوروبا إلينا حاملة سلاحها لكى تغزونا، فى أول حرب عالمية حقيقية يعرفها التاريخ، ليس هذا فقط، بل جاء المغول والتتار يزحفون لغزو أراضينا، فأصبح مجتمعنا، سواء نظرنا إليه فى إطار عربى أو فى إطار إسلامى محاصرًا بخطرين من الشمال والشرق.

فابن حزم ولد وعاش فى ظل خطر يهدد الدولة العربية الإسلامية فى الأندلس، خطر التفكك والانقسام، خطر الانهيار من الداخل، وهو ما حدث فعلًا فيما بعد.
ورفاعة الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى وعبدالله النديم، ولدوا وعاشوا فى قرن عاد فيه الخطر من جديد، عادت أوروبا إلينا، وهى فى هذه المرة أكثر تفوقًا، لكى تسوى حساب هزائم القرن الحادى عشر.
يقول عوض: فى كل تلك الحالات كان العصر هو عصر تحدٍ، وكانت هذه الشخصيات الخمس هى تعبير عن نوع استجابتنا لهذا التحدى، ومن ناحية أخرى فإن ما يربط بين هذه الشخصيات الخمس هو أنهم كانوا متمردين على واقع مجتمعنا، متمردين لوجه الله، ليس لحساب أنفسهم، ولا لحساب فئة هنا أو هناك، ولكن لحساب مجتمعهم بأكمله، لقد رأوا الواقع أمامهم مخيبًا للآمال، إنهم فى تمردهم هذا، كانوا فى الحقيقة أكثر إيمانًا بمجتمعنا من السلطة القائمة فيه، أكثر إيمانًا بقدرتنا على تغيير الواقع بهدف تغييره، لكى يصبح محققًا لكل الآمال، إنهم فى تمردهم هذا كانوا فى الحقيقة أكثر إيمانًا بمجتمعنا من السلطة القائمة فيه، أكثر إيمانًا بقدرتنا على تغيير الواقع، وإعادة صناعته، والارتفاع إلى مستوى تحدياته، ربما من أجل هذا حاربتهم السياسة دائمًا بضراوة، فالسلطة السياسية رأت فى هؤلاء الناس تحديًا لها، وتعرية لضحالتها، وكشفًا للكسل العقلى، بل الإنغلاق العقلى الذى أصيبت به، لهذا فإنهم جميعًا من البداية لم يكونوا على وفاق مع السلطة السياسية، وهم فى النهاية ليسوا من النماذج التى ترضى السلطة.
يقترب عوض أكثر من شخصياته المتمردة، يقول: كان عيب ابن حزم مثلًا فى رأى معاصريه أنه «لا يزف آراءه بتدريج ولا يلطف بما عنده من تعريض»، أما ابن تيمية فعيبه أنه «كان فيه قلة مداراة وعدم تؤدة ولم يكن من رجال الدول»، والطهطاوى كان يعوذه « ذكاء من يعاشر السلطان أو يتصل بالحكم، وهو ضرب من الذكاء لا يألفه العلماء»، وكل تلك هى فى النهاية نفس العيوب التى تحدث عنها معاصرو الأفغانى وعبدالله النديم، ومع ذلك فإن هؤلاء الأشخاص الخمسة كانوا يرون أن إرضاء ضميرهم والقلق على بلدهم، هو أهم ألف مرة من إرضاء حاكمهم، إن ابن حزم عندما يقول «أغضب الناس ونافرهم، ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق»، إنما يعبر عن نفس المبدأ الذى آمن به عبدالله النديم، حينما كتب بعدها بثمانية قرون «اتبع الحق وإن عز عليك ظهوره».
يصل عوض إلى نقطة اتفاق أخرى بين الشخصيات الخمس، وهذه النقطة هى الثمن.
يقول: إنهم جميعًا نذروا حياتهم من البداية لقضية عامة، هى نهوض هذا المجتمع، لقد تمردوا على الواقع الموجود، ولم يكن تمردهم هذا مجرد كلمة، ولا مجرد نزوة عابرة، أو نوعًا من إبراء الذمة، لا.. لا.. هؤلاء ليسوا متمردين مزيفين، هؤلاء متمردون دفعوا فى تمردهم عمرًا كاملًا، إن بعضهم دخل السجن ثلاث مرات «ابن حزم» أو أربع مرات «ابن تيمية»، أو عاش فى المنفى بعيدًا عن وطنه «جمال الدين الأفغانى وعبدالله النديم والطهطاوى»، ومع ذلك مع وجود هذا الخطر على حياتهم الشخصية، فإنهم لم يترددوا لحظة واحدة، لم ينتبهم الشك فى صحة قضيتهم، ولا اهتز إيمانهم بمجتمعهم، ولا اشتروا السلامة بالتراجع، فى الواقع إن ثلاثة منهم حملوا السلاح فعلًا فى سبيل قضيتهم، لقد عاشوا وماتوا ربما حتى بغير أن يروا انتصارهم الأخير، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نفهم مصر المعاصرة بغير أن نفهم عبدالله النديم والأفغانى والطهطاوى، ولا نستطيع أن نفهم المجتمع السعودى المعاصر والحركة الوهابية التى قام عليها بغير أن نفهم ابن تيمية، ولا نستطيع أن نفهم سقوط الأندلس بغير أن نفهم ابن حزم.

إن أصحاب الشخصيات الخمس هم إذن جزء من عدم رضائنا عن أنفسنا الذى يجب أن نعبر عنه، بأكثر مما هم جزء من راحة بالنا التى استسلمنا إليها، لقد كانوا أكثر وعيًا بتحديات عصرهم، ومن ثم أكثر إلحاحًا على الاستجابة لها، كانوا أسبابًا ونتائج معًا للعصر الذى شاهدوه، لقد آمنوا بأن الإنسان ليس هو ما يأكله، وإنما الإنسان هو ما يتمرد عليه، وما يحارب من أجله.
ثم شىء آخر، إن أصحاب هذه الشخصيات الخمس، لم يموتوا، إنهم ما زالوا أحياء بيننا، ليس بأشخاصهم ولكن بنماذجهم، ما زال بيننا ابن حزم وابن تيمية والأفغانى والطهطاوى وعبدالله النديم، آلاف من عبدالله النديم، إن وجودهم هو فأل طيب للمستقبل، ولكن فشلهم سوف يكون نذير شؤم للواقع.
وكما تعامل محمود عوض مع الشخصيات الفنية، وشخصيات المفكرين والمثقفين والأدباء والاقتصاديين، فإنه تعامل مع شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وشخصيات الصحابة، راح يبحث عندهم عن المعنى.
يرسم محمود عوض صورة للرسول يهتم فيها بملامحه الإنسانية، وهو فى ذلك يترجم حاجته وحاجة المسلمين المعاصرين إلى هذه الصورة تحديدًا.
فالرسول صلى الله عليه وسلم صادق فى حديثه، أمين فى معاملته، كريم فى أخلاقه وفى طباعه، لم يكن يتكلم إلا عن ضرورة، إنه متواصل الأحزان دائم التفكير، ليست له راحة، لا يتكلم فى غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بألفاظ سليمة المخرج، واضحة النبرات، دمث، ليس بالمتكبر ولا بالمتصاغر، يعظم النعمة وإن قلت، ولا يذم منها شيئًا ولا يمدحه، إذا تعرض للحق لم يعرفه أحد، إذا غضب لحق لا يقيم شيئًا حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار فبكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا مزح غض طرفه، قليل الضحك، كثير الابتسام، قريب من قلوب جلسائه.
ويتحدث عوض عن مجلس رسول الله، يقول: كان مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك الحرمات، ولا ترتكب الزلات، مجلس يتفاضل الناس فيه بالتقوى، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب، وكان الرسول فى هذا كله دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، إنه ليس فظًا ولا غليظًا ولا عيابًا ولا مداحًا، إنه لا يقطع على أحد حديثه، ولا يقبل ثناء إلا مقتصد، لا يغضبه شىء بسيط ولا يستفزه، يتحدث بحسنى، يستمع بصبر، يناقش بهدوء، يستمع باهتمام، إنه قدوة، والقدوة يجب أولًا أن تكون قدوة فى الأخلاق.
ويجاور عوض بين محمد الذى هو نبى وإنسان، ويقول: الإنسان قد يطغى، وقد يظلم، وقد يسىء التصرف، الإنسان قد ينادى بشعار ثم لا يطبقه، قد يدعو لمبدأ ثم لا يمارسه، وقد ينطق بالعدل، لكنه يتصرف عن هوى، لهذا فإن محمدًا كان حريصًا على أن يسد هذه الفجوة، إن له معركة لنشر رسالته، ولكن معركته الأولى هى أولًا مع نفسه، إن دعوته، رسالته، مبادئه، لا قيمة لها.. ما لم يكن هو أولًا خاضعًا لها ومطبقًا لتعاليمها.
ويمسك عوض بتنوير الرسول لأصحابه وعدم تضليله لهم أو استغلالهم.
يقول: عندما مات ابنه إبراهيم، كسفت الشمس، ساعتها قال الناس: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم، ولكن الرسول يقوم فى المسجد ويقول بأعلى صوته: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعو الله وصلوا وتصدقوا.

يعلق محمود عوض على هذه الواقعة بقوله: إن محمدًا أب وموت ابنه إبراهيم بالنسبة له صدمة لا يعرفها إلا كل أب، ولكن محمدًا هو صاحب رسالة، إنه يرفض وهمًا خلقته المصادفة، يرفض إطراء لا يحتاج إليه، يرفض مديحًا لا يريده، إنه صاحب دعوة، وصاحب الدعوة نموذج، والنموذج الأصيل يريد لأمته الصراحة لا النفاق، إنه يستمد قوته من عقول الناس، لا من أوهامهم ونفاقهم.
ويبرز عوض ما يرى أن الرسول يريده لأمته، يقول:
الرسول يريد لأمته المعرفة والعلم، يقول: «إذا أتى علىّ يوم لا أزداد فيه علمًا فلا بورك فى طلوع شمس ذلك اليوم» ويريد الرحمة: «ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء»، ويريد العزة: «من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منى»، ويريد الأصالة: «اتقوا المهلكات.. شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».
ويجمل عوض ما يرى أن الرسول يريده لأمته، فهو يريد لها القوة، العدل، التواضع، الصراحة، الشجاعة، الإيمان، العلم، العمل، العزة، الحلم، الأخلاق، النظافة.
وينتقل بنا محمود عوض من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- يكتب عنه مقالًا يختار له عنوان دال هو «تقرير عن نزاهة الحكم».
يلخص لنا عوض عمر بن الخطاب ببراعة مستهلًا مقاله بالإشارة إلى أنه بحكم إنسانيته، کان محبًا للغناء ومتذوقًا للشعر، وبعد خلافته استمر متذوقًا للشعر، لكن فيما يفيض من وقت بعد مواجهة مسئوليات الحكم، وهو فى الحكم اشتهر بحزمه وعدله واستقامته، لكنه من اللحظة الأولى أدرك أن استقامة الحاكم لا تنفصل عن استقامة معاونيه، واستقامة المعاونين لا تنفصل عن محاسبتهم، لأن الاستقامة ليست مجرد بداية، إنها امتحان يتجدد أمام الناس يومًا بعد يوم.
ويمسك محمود عوض بالقاعدة المهمة التى وضعها عمر بن الخطاب فى مباشرة الحكم والمسئولية عن رعيته.
فذات يوم سأل عمر مَن حوله: هل إذا وليت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل بينكم، أكون قد استوفيت مسئولیتی؟ قالوا: نعم، لكنه استدركهم قائلًا: أبدًا.. حتى أنظر فيما يعمله وأراجع مدى استمراره فى استقامته، فإذا أصاب فهذه كفاءته، لكنه إذا أخطأ فتلك مسئوليتى.
اهتم عوض بتاريخ عمر بن الخطاب كله، أفاض فى الحديث عنه، لكننى توقفت عند ما كتبه عن عام الرمادة.
يقول عوض: أمسك المطر عن شبه الجزيرة العربية كلها تسعة أشهر كاملة، هلك فيها الزرع والضرع والحرث والنسل، ماذا يصنع عمر؟ طبعًا هو يدعو الله، ثم ماذا؟ يدبر الناس فينظم لهم الطعام فى حصص شهرية كنظام البطاقات التموينية الذى عرفته تاليًا كل دولة تواجه لحظات من الشدة، لكن هذا يتطلب أولًا معرفة المستحقين للحصص الغذائية، إذن لا بد من إحصائهم، ومن هنا كان هذا أول إحصاء شامل لأعداد المسلمين، ثم ماذا أخيرًا؟ أن يبدأ أمير المؤمنين بنفسه فيخضع للقيود الصارمة التى فرضها، أن يقتسم مع الناس جوعهم.
ويضيف: لقد تساءل عمر كيف يعنينى شأن الرعية إذا لم يمسنى ما يمسهم؟ إنه رفض امتيازات السلطة، ووسائل المنصب، وما دام الناس يجوعون فهو يجوع، إن الناس حرموا من السمن واللبن واللحم، إذن على الخليفة أن يعيش محرومًا مثلهم.
لم يكن هذا فقط هو المهم عند محمود عوض، كان هناك ما فعله عمر ويعتبر الأهم.

يقول: فعل عمر بن الخطاب ما هو أكثر، إن عقاب السارق هو حد من حدود الله، الآن يقرر عمر أن يوقف تنفيذ حد السرقة، لأنه استشار واجتهد ورأى أن إقامة حد السرقة فى هذه الظروف الطارئة من الشدة والمجاعة سيكون بلاء للمسلمين فوق بلاء، الآن يعتبر عمر فى المجاعة ضرورة تقتضى تعطيلًا مؤقتًا لحد السرقة، إن الحدود تدرأ بالشبهات، ولم يكن هذا ابتعادًا عن حد من حدود الله، فقط كان اجتهادًا حكيمًا فى التطبيق.
ومن عمر بن الخطاب إلى خالد بن الوليد الذى اختصره محمود عوض فى كلمة واحدة وهى «المحارب» الذى لا يعتبر الجندية حرفة أو وظيفة تبدأ بميعاد وتنتهى بميعاد، ولكنها أسلوب كامل للحياة، نظام كامل من التفكير.
الحرب عند خالد، كما يراها محمود عوض، صاعقة تصيب هدفها فى غمضة عين؛ لهذا كان يحرص دائمًا على أن يبدأ ويفاجئ، ويتحرك بسرعة، إنه يركز مجهوده فى هجوم عنيف، كاسح، شرس يفاجئ به عدوه، إن التقدم والتراجع والالتفاف هى أعمال تنطلق منه كخبطة سيف حادة، قاطعة، حاسمة، وإن قائدًا بهذا الفهم لروح القتال لا يمكن أن تصيبه الهزيمة.
ويرى عوض أن خالدًا بن الوليد نموذج فى قيادته، إنه إنسان بين جنوده، محارب أمامهم، شرس على عدوهم، لا يدافع أبدًا، ولكنه يهاجم دائمًا، لا ينتظر ولكن يبادر، لا يتوقف ولكن يتقدم، لا الزوجة ولا الأسرة ولا الأطفال تستطيع أن تمنع خالدًا من اقتحام ميدان القتال، إنه محارب، والمحارب كالطبيب يعيش دائمًا فى حالة طوارئ.
ويتعامل محمود عوض مع معاوية بن أبى سفيان بمنطقه ومنهجه، وهو ما يجعله لا يتعامل معه إلا على أنه رجل سياسة.
يصف عوض معاوية، فيقول عنه: كان ذكيًا إلى درجة الدهاء، مناورًا إلى درجة الخديعة، ناعمًا إلى درجة الالتواء، مطيعًا إلى درجة الممالأة، هادئًا إلى درجة التربص، مرنًا إلى درجة التقلب، طموحًا إلى درجة الجشع، لماحًا إلى درجة اكتشاف مكان الضعف فى نفوس البشر، مصانعًا إلى درجة المكيدة، مجاريًا لمن فوقه، متسلطًا على من تحته.
ولأنه بالنسبة له رجل سياسة، فهو يحكم عليه بمعايير السياسة، ففى الحياة العادية نستطيع أن نحكم على الإنسان بنوع أصدقائه، وفى السياسة نستطيع أن نحكم على السياسى بنوع حلفائه ومعاونيه.
كان معاوية- كما يرى عوض- من هذه الناحية واضحًا، فهو يخاطب فى الناس جيوبهم، ويحثهم على نصرته هو شخصيًا، ويعدهم بالثواب فى هذه الدنيا.. الآن ونقدًا، إنه ينمى فى الناس أطماعهم، ويتحدث معهم بمنطق المصلحة المشتركة، ويعدهم باقتسام الغنائم، ويضع تحت تصرفهم عينة من الرشوة وعربونًا للتحالف. يقول: هذه بروفة مبكرة لماكيافيللى، حيث الغاية تبرر الوسيلة، هذه أيضًا بروفة مبكرة لنوع من الحكام السياسيين سوف يتكرر ظهوره كثيرًا فى التاريخ العربى، سياسيون يرفعون أقدس الشعارات، بينما تحركهم أسوأ الدوافع، ويجمعون حولهم أسوأ بطانة.

ويلخص عوض معاوية فى أنه رجل لكل العصور، أو حاكم لكل العصور، إنه يمثل قوة العقل البشرى، بمثل ما يمثل ضعف المشاعر الإنسانية، إن المشاعر الإنسانية والدوافع البشرية هى من النوع المعقد جدًا، بحيث لا يمكن تفسيرها أحيانًا بالمنطق، ولكن يمكن تفسيرها غالبًا بالمصلحة، معاوية يؤمن بالمصلحة، إن الغاية عنده تبرر الوسيلة، والولاء لشخصه أهم من الولاء لمبدأ، إنه سوف يجرب كل وسيلة فى الحصول على هذا الولاء، الإقناع والإرهاب والأطماع والرشوة والخديعة وكل شىء.. كل شىء. ويخرج عوض من ذلك إلى أن السلطة أصبحت بالنسبة لمعاوية هى الهدف، والاستمرار فيها هو الجائزة.
قد يعجبك ما قاله محمود عوض فى شأن شخصياته المتمردة أو لا يعجبك، قد تقتنع بما ذهب إليه أو لا تقتنع، لكنك ستقف متأملًا قراءته لهذه الشخصيات بهذا المنهج ومن خلال هذه المداخل المختلفة، وهو ما أراه تجديدًا مبكرًا فى تناولنا للشخصيات العامة، فحياتهم مهمة وسيرتهم ملهمة، لكننا فى النهاية لا بد أن نقف عند المعنى الأسمى لما يمثلونه، وأعتقد أن محمود عوض كان بارعًا تمامًا فى تحقيق ذلك.







