طبقات الشعراء.. أشعرهم أكذبهم وأشهرهم أكثرهم فسادًا
- المتنبى كان التجسيد الأمثل لـ«الشاعر المبتز».. وإليوت استوحى إحدى شخصيات «الأرض الخراب» من «رفيقه الفرنسى»
- سيمون دو بوفوار تم منعها من التدريس فى الجامعة لأنها كانت تغوى طالباتها لتلبية رغبات عشيقها سارتر
- صلاح جاهين مات مكتئبًا لأنه كان «الأصدق».. وصنعة الأبنودى كفته للتعبير عن طرفى حرب العراق والكويت بأغنية واحدة «اللهم لا اعتراض»
تابعتُ خلال الأسابيع القليلة الماضية ظهور أسماء عدد من المنتسبين إلى الشعر والأدب فى اتهامات بصفحات الحوادث والقضايا، بعضها مخل بالشرف كالنصب أو تجارة المخدرات كما حدث مع «شاعر الآيس» الذى عثرت الشرطة معه على كميات من المواد المخدرة، وقيل إنه يبيعها لأصدقائه من الملحنين والمطربين والعاملين بالوسط الفنى، وبعضها مجرد اتهامات لا دليل عليها كما حدث مع الشاعر اليمنى الذى اتهمته يمنية تحمل الجنسية الألمانية بالحصول منها على أموال بعد وعده لها بالزواج، لكنه تهرب منها عندما طالبته بتنفيذ وعده، وقال إن ما تم بينهما كله كان بالتراضى، وبعضها لا يرقى إلى أكثر من مجرد مساحة اختلاف فى الرأى والذائقة، كما تابع البعض فى سجال عائلة الشاعر السعودى محمد صالح باشراحيل مع عدد من الشعراء المصريين والعرب، لكن توالى مثل هذه الأحداث فى مساحة زمنية ضيقة فتح فى ذهنى مساحة أخرى للابتسام والضحك من المساحة الجديدة التى أصبح الشعراء يحتلونها كمادة للتندر والسخرية بعدما كان يتم النظر إليهم باعتبارهم ضمير الأمة، والمتحدث الرسمى باسم جموع الغاضبين من تشوهات عالمنا الحديث، خصوصًا مع معرفتى بالتاريخ الأسود لفحول الشعراء، وتساؤلى الدائم عن المفارقة بين حقيقة الشاعر أو الكاتب والأديب كإنسان يخطئ ويصيب، وبين ما نتصوره عنه، والصورة الكاريكاتورية التى تقدمها بعض الأعمال الدرامية، الكوميدية على وجه التخصيص عن مجتمع الأدباء والمثقفين، مرة باعتبارهم أشخاصًا بوهيميون يهيمون فى الطرقات بملابس رثة مهلهلة، ويقولون كلامًا لا معنى له، ومرة باعتبارهم أشخاصًا بلا أهداف حقيقية ولا اهتمام بما يصيب الآخرين من أفعالهم، وأحيانًا كأشخاص يتسمون بالعمق ورجاحة العقل وبعد النظر والقدرة على تفسير الغامض من الأمور.. فهل الشعراء هم ورثة الأنبياء، أم أنهم مجرد أفراد كبقية الناس، يخطئون ويصيبون ويقعون فى المحظور برضاهم أو رغمًا عن أنوفهم؟! وما حقيقة العبارة التراثية «أصدق الشعر أكذبه»؟! هل لهذه العبارة من ظلال تمتد إلى شخص الشاعر أم تقف عند حدود منتجه النصى فقط؟! وما أهمية البحث فيما يفعل الشاعر فى حياته؟! والتساؤل عن حقيقة الشاعر أو الكاتب والأديب، وإمكانية الانتساب إلى الشعر والكتابة والأدب والفن، بما تعنيه من طموح أو شوق إلى تحسين حياة البشر على وجه الأرض، أو كشف خباياها، وقراءة أسرارها، وبين إمكانية الخروج الشخصى على ما تعارف عليه العاديون من أعراف وتقاليد، واقتراف ما يصنفونه كخطايا أو جرائم أو مجرد عيوب شخصية.. هل يتسق ما طالعناه جميعًا من أخبار وسجالات مع طبيعة التكوين الشخصى للشاعر والأديب والمفكر أو المنتسب إلى أى منها؟! وهل يمكن أن يتحول الكاتب أو الأديب، الرقيق الحالم بمجتمع أفضل كما قيل لنا، إلى نصاب أو داعر أو تاجر مخدرات أو تاجر رقيق أو مبتز؟!

فى ظنى أنه ربما تكون كثرة من يدعون الانتساب إلى الشعر، واختلاط الجيد بالردىء، سببًا مباشرًا فيما نتابعه ونراه من أحداثٍ عبثية، خصوصًا مع تاريخ الشعر الذى ظل لقرون عديدة يحصره فى زاوية «الصنعة» أكثر من الموهبة أو الفن والقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، لا القدرة على اختيار المفردات ورصها وفق إيقاع متكرر ومنضبط، وفى سياق ما يريد الشاعر الحديث عنه، سواء كان فى أبواب الفخر أم الهجاء أم الغزل.
شخصيًا، وعلى مدى ما يقرب من نصف قرن، عرفتُ الكثير من الشعراء، مصريين وعربًا ومن جميع أركان المعمورة.. قرأتُ بعضهم، وصاحبتُ بعضهم، وسهرتُ مع بعضهم، وتابعت مسيرة بعضهم، وربما كان هذا هو السبب المباشر لدهشتى من حالة الغضب التى انتابت الكثير من الشعراء خلال أزمة جائزة الشاعر السعودى التى قرر الورثة إيقافها بعد سجال أراه عبثيًا أو لمجرد الاستهلاك، وكان هو السبب المباشر، أيضًا، فى عدم اندهاشى من العثور على كميات من المخدرات مع شاعر صار يعرف بعدها باسم «شاعر الآيس»، وبعدها قصة وعد «شاعر التراضى» اليمنى ليمنية مقيمة فى ألمانيا بالزواج، ثم تجاهله لها عندما حان وقت تنفيذ الوعد!!
أعرف أن الحقيقة مؤلمة، وصادمة، لكنه تاريخ الشعراء يستعيد حضوره، فالحقيقة أن رامبو، أشهر شعراء الفرنسية كان بالفعل تاجر رقيق، وأن أبا الطيب المتنبى، أشهر شعراء العربية، كان النموذج الأمثل لشخصية الرجل المبتز، والتجسيد الحى لمسألة «الفُجر فى الخصومة»، لوركا وكفافيس وإدجار آلان بو وتى اس إليوت وأوسكار وايلد كانت لديهم مشاكل تتعلق بالجنس، سواء بالمثلية، أو بالأمراض التى أصابتهم بسببه، وكنتيجة مباشرة لخروجهم عن المعتاد والمألوف من سلوكيات البشر.

والحقيقة أيضًا أن الشعراء لم يكونوا يومًا «ورثة الأنبياء»، بل العلماء كما جاء فى نص الحديث النبوى الشريف، وهو الحديث الذى تناص معه شاعر، فأعاد إنتاج العبارة مستبدلًا الشعراء بالعلماء، لإضفاء بعض من القداسة على صنعة الشعر، فتمسك بها شعراء الأجيال التالية، رغم اختلاف الظروف والأجواء، واختلاف طرق الكتابة والتعبير، وتحول القصيدة من أغراض المدح والهجاء والغزل وتسجيل الأحداث، إلى أغراض قراءة الذات، ومحاولة فهمها فى سياق التحولات النفسية والعصبية والعاطفية، وانتقال فن الشعر من حيز الشفاهة الترفيهى إلى براح الكتابة والتأمل، وقراءة ما تخلفه الحياة فى النفوس والأجساد.. فلم يعد الشعر مجرد صنعة تستوجب الثناء على حرفية صانعها، بل أمر آخر يستعصى على التصنيف، ويستوجب الإنصات والتفكير.
كان الشعر وقتها مجرد صنعة تعتمد على رص الكلمات وفق إيقاع محدد لأغراض معلومة ومحددة لم يخرج شعراء العرب عنها إلا فيما ندر، وهى أغراض الغزل والمدح والهجاء ونقل الأخبار وتقديم المواعظ ودروس التنمية البشرية، فلم يكن الشعر لأوقات طويلة خلت أكثر من مجرد موهبة شكلية لا عمق لها أو فيها إلا فيما ندر، تعتمد على المعارف التى يحصلها ناظم الكلمات، وموهبة موسيقية تؤهله لرص العبارات وفق إيقاع يسهل حفظه وتناقله بين القبائل والأجيال التى تتوارثه، لذا كان من الوارد أن تجد الشاعر المبتز كالمتنبى وغيره، والسكير والعربيد كأبى نواس وأمثاله، وكاتب الحكم والأمثال، واللص والشريف والبين بين.. واللافت فى الأمر أن من انكشفت عوراتهم أمام العامة هم من فاقوا غيرهم فى الموهبة والصنعة والمعرفة وخبرات الحياة، حتى قيل إن «أصدق الشعر أكذبه»، فلو لم يكن المتنبى هو أمهر شعراء عصره، ما عرف العالم اليوم بتوظيفه لهذه «الصنعة» فى ابتزاز كافور الإخشيدى وغيره من الملوك والأمراء والأثرياء، ولما عرفنا أنه النموذج الأمثل للفُجر فى الخصومة، إذا أرضته العطايا مدح مانحها، وقال فيه كل جميل ومبهر، وأضفى عليه من الصفات ما ليس فيه، وإن لم ترضه المنحة ذم مانحها وقال فيه كل نقيصة مشينة، أما متوسطو الموهبة والمعرفة والحضور، فلا يتذكرهم أحد، ولا يعرف بقصائدهم أحد، ولهذا فأغلب ظنى أنه كلما تمكن الشاعر من صنعته، أمكنه تطويعها لنظم ما يريد الذهاب إليه، حق كان أم باطل، حقيقيًا وصادقًا أم كاذبًا ومصطنعًا ولا أصل له، ومنهم من فاق الآخرين موهبة وصنعة كالمتنبى الذى تستعصى قصائده على التجاهل، أو الإرسال إلى مجاهل التاريخ، ولا يمكنك إلا أن تحفظها، وترددها كلما مررت بظروف مشابهة، لم يكن لأشد أعدائه من سبيل إلى محو ما قاله من عبارات موجزة، مكثفة، شديدة الجمال، سريعة الوصول إلى أغراضها، فبقيت قصائده، وعاشت مئات السنين دون أن يقدر أى من الملوك الذين هجاهم محوها.. فى الناحية الأخرى غضت الشعوب الطرف عن محدودى الصنعة والموهبة، ومن لم تكن قصائدهم لتحيا أو يتذكرها أحد.

ربما كان هذا هو سر مقولة «أصدق الشعر أكذوبة»، وربما يكون من المناسب أن أذكر هنا أنه من مفارقات عصرنا الحديث مثلًا، أن صلاح جاهين وصلاح عبدالصبور كانا، فى تصورى، أصدق شعراء جيل الستينيات فى مصر، وأكثرهما إخلاصًا للشعر والأدب، واتساقًا مع ما يكتبون، فماتا مكتئبين، وبقى عبدالرحمن الأبنودى هو أشهر شعراء الستينيات فى العامية المصرية، وأكثرهم حضورًا فى الذاكرة، ولا أظن أننى سوف أكون مغاليًا إذا قلت إنه كان أشعر شعراء جيله، فهل كان أصدقهم؟!
للإجابة على هذا السؤال سوف أقول لك إن أغنية «اللهم لا اعتراض» التى كتبها للمطرب الكويتى عبدالله الرويشد ضمن احتفالات ماسبيرو بالليلة المحمدية بعد احتلال صدام حسين الكويت، كانت تذيعها القنوات التليفزيونية العراقية بنفس كثافة عرضها فى تليفزيون الكويت، وكلاهما كان يراها التعبير «الأصدق» عن قضيته، فلأيهما كتبها عبدالرحمن الأبنودى؟! علم ذلك عنده وحده، وهو الآن بين يدىّ الله.


إذا اعتبرنا أن آفة التفتيش فى الحياة الشخصية للكتاب والفنانين من الأمور التافهة غير المحببة أو غير المجدية، فدعنى أقول لك إنه لم يكن يومًا مجرد أمر يخص العرب دون غيرهم، وحالات الخروج عن التقاليد الثابتة والمتوارثة، وارتكاب الجرائم المؤثمة قانونيًا، وغير المرضى عنها أخلاقيًا، لم يكن فى يوم من الأيام مقصورًا على الشعراء أو الكتاب والأدباء العرب، بل ربما كان الغرب أكثر شفافية فى هذا الأمر، وأكثر دأبًا فى التفتيش عن الحياة الشخصية لكبار الأدباء والمفكرين، ولم يسلم منها أحد من كبار الكتاب فى عالمنا الحديث، حتى إنه صار من المعروف أن حياة الشاعر الأيرلندى الأشهر أوسكار وايلد مرت بمراحل مختلفة، لم يتَّفق المؤرخون بشأنها، لكن الثابت هو أنه اتجه إلى حياة مثلية فى إحدى تلك المراحل على الأقل، وقيل إنه مع قرب انهيار زواجه، وحمل زوجته فى مولودهما الثانى، دخل فى علاقة مع شاب عمره سبعة عشرة عامًا يدعى روبرت روس، ويعتقد كثيرون أن وايلد كان السبب فى تحول الباريسى أندريه جيد إلى المثليّة، لكن الحقيقة أن جيد اكتشف ميوله قبل ذلك، وبدأ فى تقبّل مشاعره، وتلبية رغباته أثناء ترحاله فى شمال إفريقيا وتواجده فى تونس، وقبل أن يلتقى بأوسكار وايلد ويتعرّفا على مثلية بعضهما البعض فى الجزائر، وكلاهما ينتميان إلى عائلتين متماثلتى الظروف، كما أن كلاهما قرر أن يتزوج رغم معرفته بحقيقة ميوله، ولكن جيد لاقى الكثير من الاستنكار عقب دفاعه علنًا عن المثلية فى كتابه الحوارى «كوريدون»، ولم يمنعه من الحصول على جائزة نوبل فى الآداب عام ١٩٤٧.
ورغم أن اسم الكاتبة الوجودية الفرنسية سيمون دو بوفوار عادة ما يقترن باسم جان بول سارتر، لكن علاقتهما المنفتحة الطويلة كانت تحمل بين طياتها الكثير من الأمور المثيرة للجدل، أهمها مثليتها الجنسية، إذ عُرف أنها اتخذت عدة رفيقات، وكانت تستغل منصبها الوظيفى كمدرسة جامعية فى إغواء الطالبات، وقيل إن الأمر تطور فيما بعد إلى أنها كانت تغوى طالباتها وتستدرجهن لتلبية رغبات سارتر، ما أدى إلى مواجهتها لاتهامات رسمية أدت إلى منعها من التدريس.

وفى الصفحة الأولى من ديوان «بروفروك ومشاهدات أخرى»، تجد إهداء الشاعر الأمريكى الشهير «تى اس اليوت» إلى جون فيردينال، الشخص الذى يُعتقد أن إليوت كان على علاقة مثلية به، وهو الشخص الذى التقى به أثناء إقامته فى باريس للدراسة فى السوربون، وتبادلا عدة خطابات، وقيل إن إليوت استوحى منه إحدى شخصيات قصيدته الأشهر «الأرض الخراب»، ولم تقتصر علاقة الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف بالمثلية على روايتها «السيدة دالواى» فقط، إذ كان لفيرجينيا علاقات مع عدة سيدات، ويربط البعض ذلك بالمشاكل النفسية التى مرت بها فى حياتها، مثل وفاة والدتها فى صباها، وتعدى أخاها، غير الشقيق، عليها، على أن أشهر هذه العلاقات التى حظيت بها وأقربها إلى قلبها كانت مع الشاعرة الإنجليزية فيتا ساكفيل ويست، والتى ألهمتها عدة روايات، وربما لهذا قالت ما نصه «النساء فقط هن من يثرن خيالى».







