الأحد 11 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

فضل «صلاح فضل».. سر وثيقة تجديد الخطاب الدينى المحجوبة

صلاح فضل
صلاح فضل

- بعض العناصر الإخوانية داخل الأزهر أقنعوا الإمام الأكبر بعدم إصدار وثيقة تجديد الخطاب الدينى

- الجماعات الإسلامية تستغل الدين لتحقيق مآربها فى تدمير المجتمعات العربية

- الخطاب الدينى يعانى من تناقض بيّن وتشويه مقصود وتحريف واضح لمبادئه السمحة

- التجديد لا يتأتى بالتخلى عن الأصول والثوابت كما قد يتوهم بعض الناس بل يتم بتعميق الوعى بالمقاصد الشرعية

- يجب اعتماد آليات تأويل النصوص وإعمال العقل واحترام التراث فى الفهم والتفسير والاجتهاد

- النكوص عن التجديد إلى العقم والجمود والموات

- من الضرورى التصدى الحاسم لموجات التكفير العشوائى الحمقاء التى تسمح لأى شخص أن يعلن كفر مخالفيه

- التجديد لا يتم بالطفرة التى تقفز على الواقع ولا بالقطيعة التى تنفصم عن الماضى

- يتطلب تجديد الخطاب الدينى إعادة نظر جذرية فى نظم التعليم المصرية والسعى لتوحيد مكونات العقل

عرفت الدكتور صلاح فضل فى سنوات عمره الأخيرة. 

بالصدفة كنت موجودًا فى صالون الكاتبة لوتس عبدالكريم، ووجدته هناك، جذبنى إليه حديثه المتدفق، وذكرياته التى لا تنقطع، ونميمته التى كان يختزن منها الكثير عن الوسط الثقافى والعلمى فى مصر.

كنت قد تابعت معركته فى مجمع اللغة العربية مع أباطرة المجمع الذين يقاومون التحديث والتطوير، واستضفته فى حلقة كاملة من برنامجى «آخر النهار» تحدثنا فيها، فأدركت جانبًا مهمًا من شخصيته، فهو مقاتل شرس لا يدخل المعارك إلا إذا كان يعرف كيف يربحها.

عرفت الأوساط الثقافية الدكتور صلاح «مارس ١٩٣٨ - ديسمبر ٢٠٢٢» أستاذًا جامعيًا وناقدًا أدبيًا فذًا لا مثيل له، لكننى كنت قد انجذبت إلى شخصيته المجددة، خاصة أنه فى سنواته الأخيرة من حياته حمل على عاتقه عبء الحديث عن تجديد الخطاب الدينى، ودخل معارك عديدة لم يتردد عن خوضها رغم تعرضه لسيل لم ينقطع من الهجوم.

هنا نقدم وجه المجدد من بين وجوه صلاح فضل العديدة، وأستعين فى رحلتى معه بثلاثة كتب له، أحدها صدر بعد وفاته، وثلاثة حوارات صحفية أعتقد أنها كانت الأكثر صخبًا وعنفا ومواجهة، ليس مع المؤسسات التى تعوق تجديد الخطاب الدينى فى مصر فقط، ولكن مع المجتمع كله.

أما الكتب فهى «وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن» و»صدى الذاكرة» وكتابه الذى صدر بعد وفاته وجمعه وأعده الدكتور رضا عطية وكان عنوانه «صلاح فضل سيرة نقدية لي».

أما الحوارات الثلاثة فقد أجراها مع صحف «روزاليوسف» و»البوابة» و»المصرى اليوم» على فترات مختلفة ومتفاوتة.

طوال حياته كان الدكتور صلاح فضل معنيًا بقضايا التجديد، ليس فى الدين فقط ولكن فى الحياة جميعها، من خلال كتاباته وحواراته، وكان أول مرة يكشف عن اهتمامه بتجديد الخطاب الدينى عندما كتب عن قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد التى انفجرت كالقنبلة النووية فى منتصف التسعينات، عندما كتب تعليقًا على مجريات القضية ونشرته وقتها جريدة «أخبار الأدب».

كان هذا هو نص ما كتبه فضل:

تثير قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد بتداعياتها الأخيرة عددًا من الإشكاليات الاجتماعية والفكرية فى حياتنا الثقافية، يجدر بنا أن نرقبها بحذر شديد كى نحافظ على مستوى الصراع الحيوى بين تيارين فى الفكر الإسلامى، وعلى رقى لغة الجدل الحقيقى بينهما حتى يفصل التاريخ لصالح أكثرهما توافقًا مع متطلبات المستقبل واستجابة لآليات التطور الحضارى.

إن القضية التى تدحرجت من مستوى المؤسسات الجامعية والعلمية خلال «حرب اللجان» المختلفة على ترقية الدكتور نصر لوظيفة أستاذ، والمناقشات الفكرية الخصبة التى أثيرت حينئذ حول آرائه واجتهاداته، وتم حينئذ بحنكة شديدة استبعاد عبارات التجريح والتأثيم من التقارير العلمية بما ينبغى لها من الحفاظ على المستوى اللائق بالفكر الدينى والعلمى معًا فى العصر الحديث، وانتهت تلك الجولة الأكاديمية بقبول آخر لجنة علمية لإنتاجه وترقيته بالفعل.

لكن عددًا من المحامين المتمرسين بالتماس الثغرات القانونية وممارسة الحيل القضائية لجأ إلى توجيه ضربة تحت الحزام للباحث المجتهد، فأقام عليه دعوى أمام دوائر الأحوال الشخصية للتفريق بينه وبين زوجته، وكأنه يعمد إلى الإمساك بخصية غريمه فى حركة غير مشروعة فى قوانين اللعب ليوقع به، متجاهلًا أن منطقة الصراع الحقيقى ليست فى شرعية العلاقة الزوجية وإنما فى مدى معقولية الآراء والاجتهادات التى يتقدم بها، ومستغلًا طبيعة الثقافة المحدودة لبعض العاملين فى القضاء الشرعى المنقرض، دخولًا من باب الحسبة الذى أغلق منذ عصر بعيد، لأن وصول القضية إلى «حرب المحاكم» يؤذن بانتقال الصراع من المؤسسات الفكرية إلى القضائية، وهى قادرة بدورها على تصويب أحكامها وترشيدها.

لكن المستوى الثالث الذى توشك القضية على الانحدار إليه وهو «حرب المساجد والمنابر الثقافية» يؤذن بالخطر، لأنه ينتقل بها من المجال الفكرى والفقهى إلى إثارة العوام وتحكيمهم فيما يجهلون.

وبوسعنا أن نغامر بتلخيص المشكلة الفكرية والفقهية الناشبة بين هذين التيارين من مثقفى الإسلام بأنها تدور حول محورين: أحدهما القول بأبدية التشريع الثابت الدينى لجميع الأحوال والنوازل المتغيرة فى العصور المختلفة، وهو المنطق السائد حتى الآن لدى جمهرة العلماء والفقهاء، والآخر الذى بدأ يكتسب أصواتًا جديدة فى مختلف الأقطار العربية يرى «تاريخية التشريع»، وأهمية تكييفه مع متطلبات التطور بما يؤدى أحيانًا إلى تعطيل النص فى الظاهر، وإحلال الاجتهاد محله إعمالًا لروحه ومخالفة لحرفه ومنطوقه.

أما المسألة الثانية وهى مرتبطة بالأولى ونتجة عنها، فهى مشروعية تشغيل «آلية التأويل» لتلك النصوص التى تبدو فى ظاهرها مخالفة لما يقضى به التطور التشريعى للمجتمعات الإسلامية، فالمحافظون الأرثوزكس يرفضون ممارسة هذا التأويل، ويرون فيه إلحادًا وخروجًا عن النص، والمجتهدون الجدد يسهمون فى إثراء الفكر الدينى وإخراجه من مأزق التعارض مع متطلبات الحضارة المعاصرة.

وكما نرى فإن هذا المستوى من الجدل الصحى بين التيارات المختلفة ضرورى لحياتنا الفكرية والاجتماعية، خاصة وأنه يقوى فى موازاة «حركات الإسلام السياسى» التى تستعمل أدوات أخرى فى الصراع هى الاغتيال والذبح وإزهاق الأرواح وترويع الأمن بغية الوصول للسلطة عن غير الطريق الديمقراطى.

أعاد صلاح نشر هذا المقال فى كتابه «صدى الذاكرة» وعلق عليه بقوله:

كانت هذه الوثيقة تجمل رؤيتى لمشكلة إصلاح الخطاب الدينى حينئذ، ولعل ما فيها من أفكار هو الذى قمت بتنميته وتطويره بعد ذلك فى مرحلة إعدادى لوثائق الأزهر فى العشرية الثانية من القرن الجديد، وقد تطورت لديّ هذه الرؤية فى عدد من اللقاءات الإعلامية أشرت فيها إلى أن قائمة النصوص المجمدة وغير المعمول بها حاليًا تشمل كل ما يتصل بالعقوبات البدنية فى الحدود، ونصوص الغنائم والجهاد فى الحروب، وكذلك نصوص الرق وملك اليمين، وجميع ما أسفرت عنه التجربة الحضارية للمجتمعات الإنسانية، وفى مقدمتها مجتمعاتنا الإسلامية العربية التى كانت أسبق إلى تمجيد الحرية وتعظيم الكرامة الإنسانية لبنى آدم كما ينص القرآن الكريم على ذلك.

ويضيف فضل: من هنا جاءت فكرتى الأساسية التى اعتمدت عليها فى تحرير وثائق الأزهر، وهى اعتبار المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان مكملة وشارحة وغير متناقضة على الإطلاق مع النصوص والاجتهادات الفكرية الدينية فى الخطاب المجدد القويم.

قبل أن ننتقل إلى جهود صلاح فضل فى كتابة وثائق التجديد، لابد أن نتوقف عند هذه المفارقة التى أعتقد أن لها دلالة مهمة وتأسيسية، يقول: من الطريف فيما يتعلق بالدكتور نصر أبو زيد أننا قمنا بعد ذلك بصحبة كوكبة من كبار المثقفين المصريين بزيارة لأسبانيا، وكان حينها يقيم فى منفاه الاختيارى فى هولندا، فلاحظت تقواه وورعه وحرصه على أداء الصلوات فى مواعيدها والصيام حتى خلال السفر دون استخدام رخصة الإفطار مثلنا، فعجبت من مفارقات الزمن وكيف أشتط الأصوليون فى اتهامه وهو لم يدخر جهدًا فى تطوير الخطاب الدينى، وإن كان توظيفه لمصطلح الإنتاج النقدى إلى جانب عدم تمرسه بالثقافة الأزهرية ولغتها قد جر عليه وعلى المناخ كله هذه الويلات التى لا زلنا نعانى من آثارها فى تعويق حركة التنوير والعلمانية العربية الرشيدة. 

فى العام ٢٠١١ وجد صلاح فضل نفسه طرفًا أصيلًا فى معركة التجديد التى فرضت نفسها فرضًا على مصر، لكنها كانت بطبيعة الحال فرصة ضائعة لم نستفد منها على الوجه الأكمل.

فى مايو من العام ٢٠١١ شارك صلاح فضل فى اجتماع عقده شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب مع مجموعة من المفكرين والمثقفين، وتم الاتفاق فيه على إصدار مجموعة من الوثائق المعنية بشئون التجديد، وكانت الفكرة الأساسية التى أراد المجتمعون ترسيخها هى أن تؤدى جهود التجديد إلى نوع من التجديد وإجراء إنتخابات حرة ونزيهة، وكان المجتمعون يعرفون أن الجماعات الإسلامية تغلغلت بين الأوساط الشعبية والفقراء، واستطاعت أن تخدعهم بأن الدين هو العلاج الشافى لكل شيء بمفهومهم حتى يمكن أن تقفز على السلطة.

كانت الوثيقة الأولى التى عمل عليها صلاح فضل هى وثيقة «مدنية الدولة».

يحكى صلاح: كانت فورة الثورة وحماس الشيوخ أنفسهم ورؤية المثقفين كفيلة بإنجاز وإنجاح تلك الوثيقة التى اتفقت عليها كل الأحزاب السياسية فى الدولة بمن فيهم جماعة الإخوان والسلفيون ليظهروا حسن نواياهم، وأذكر أن نائب رئيس الوزراء الدكتور يحيى الجمل فى ذلك الحين أعلن أن تلك الوثيقة أصبحت من وثائق الدولة، وأنه يجب الاعتماد عليها لصياغة أى دستور فى مصر، وهى تثبت بعد ذلك كثيرًا من المبادئ التى تراجعت فيها بعد ذلك كل التيارات الدينية.

الوثيقة الثانية كانت وثيقة «الحريات»، وتضمنت حرية العقيدة وحرية البحث العلمى، وحرية الرأى والتعبير، وحرية التعبير الأدبى والفنى، وقد أعلنها الأزهر وأصبحت من وثائقه.

بقيت وثيقتان لم يتم الإعلان عنهما بشكل رسمى.

الأولى كانت وثيقة «المرأة»، وكان الدافع إليها كما يقول صلاح أنه عندما جرت الإنتخابات البرلمانية، وحصلت الجماعات الدينية على نسبة ٧٠ بالمائة من المقاعد، ظهر الوجه القبيح لها، وبدأوا فى أولى ضرباتهم فى محاولات الحد من حقوق المرأة وحرياتها، ودعوتهم إلى تسريح كل العاملات وإعطائهن جزءًا من رواتبهن.

يقول صلاح: بدا أن النكسة الأولى ستكون من نصيب المرأة، فقمنا بإعداد وثيقة عن حقوق المرأة، ولكن بعض عضوات البرلمان الإخوانى حضرن لمناقشة تلك الوثيقة، ورفضن المبادئ التى حرصنا على إبرازها، ودعون إلى مواضيع أخرى تحد من حرية المرأة، وتتحدث عن زيها وتقييد حركتها، وليس عن حقوقها المشروعة وتمكينها كما كنا نريد، وبهذا لم تصدر وثيقة المرأة، فاضطررت إلى إعلانها بجلسة خاصة عقدها المجلس القومى للمرأة، ولكن لم تعلن بالأزهر.

الوثيقة الرابعة كانت بمناسبة دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى لتجديد الخطاب الدينى.

يقول صلاح: اجتمعنا لوضع وثيقة عن تجديد الخطاب الدينى وبذلنا جهدًا كبيرًا فيها، حتى انتهينا إلى صيغة توافقية تحقق الغرض الأساسى منها، ولكن بعض العناصر الإخوانية وبعض العناصر شديدة المحافظة داخل الأزهر أقنعوا وأثاروا المخاوف فى نفس الإمام الأكبر شيخ الأزهر حتى لا يصدر هذه الوثيقة، فأخذ يؤجل ويؤجل ولم تعلن تلك الوثيقة، ولم يكن ذلك بسبب ضغوط من السلطة كما يقول البعض، لأن السلطة هى التى كانت تضغط لصالح تجديد الخطاب الدينى.

فى كتبه الثلاثة «وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن» و«صدى الذاكرة» و«صلاح فضل سيرة نقدية» حرص على نشر وثيقة تجديد الخطاب الدينى التى لم تعلن بشكل رسمى، وأعتقد أن توثيق نصها هنا مهم.. لأنها بالفعل وثيقة تاريخية، وأعتقد أيضًا أننا لا نزال فى حاجة إليها.

صلاح فضل مع توفيق الحكيم وبعض الأصدقاء
صلاح فضل مع توفيق الحكيم وبعض الأصدقاء

وهذا هو نص الوثيقة التى جاءت تحت عنوان «منطلقات تجديد الخطاب الدينى»:

تأسيسًا على مرتكزات الفكر الإسلامى الوسطى التى استقر عليها الأزهر الشريف، ومراعاة لمنجزات التطور الحضارى التى دعمتها الثقافة العربية فى العصر الحديث، واعترافا بضرورة إعمال العقل النقدى وتمكين الفكر العلمى، وتنمية منظومة القيم الروحية السامية، التقت مجموعة من المثقفين وكبار العلماء فى رحاب الأزهر الشريف بقيادة الإمام الجليل، وتدارست ما آلت إليه أحوال الخطاب الدينى من تناقض بيّن وتشويه مقصود وتحريف واضح لمبادئه السمحة، لخدمة أغراض الجماعات التى تستغل الدين لتحقيق مآربها فى تدمير المجتمعات العربية وعداء الحضارة الإنسانية ونقض المواثيق والعهود الدولية، الأمر الذى يمثل تحديًا صارخًا للفكر القويم، وسعيًا لتمزيق شمل الأمة وإهدارًا لطاقاتها، لذلك يتواصى المجتمعون بتحديد عدد من المنطلقات والآليات التى تضمن إصلاح الخطاب الدينى وتجديد الفكر الذى يرتكز عليه على النحو التالى:

أولًا: تحديد مفهوم التجديد باعتباره سنة الله فى خلقه التى فطر الناس عليها، فعندما جعل اللهُ الإنسانَ خليفةً فى الأرض حمله فى الوقت نفسه مسئولية عمارتها وصنع الحضارة فيها، كما نص على ذلك القرآن الكريم فى قوله: «هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها»، وإذا كان التجديد هو طبيعة الحياة وسنتها الكونية ابتداء من أصغر الخلايا إلى أكبر الكائنات، فإن الفكر الإنسانى والدين المنوط به النهوض بالحياة لا يتخلفان عن ذلك، وقد أكد الحديث النبوى الشريف الوارد فى تجديد الدين: «على رأس كل مائة عام...» هذا المعنى، ولا يمكن أن يكون هذا التجديد مجرد أمر شكلى لأن النكوص عنه يؤدى إلى العقم والجمود والموات، حتى يمكن اعتبار التجديد والإسلام وجهين لعملة واحدة بشرط أن نفهم أن التجديد لا يتأتى بالتخلى عن الأصول والثوابت كما قد يتوهم بعض الناس، بل يتم بتعميق الوعى بالمقاصد الشرعية وتنزيل الأحكام على متغيرات الحياة ونوازلها المتجددة بالمرونة اللازمة وأخذ التجارب التاريخية للمسلمين بما تمخضت عنه من خبرة حضارية فى التقدير والاعتبار.

ثانيا: اعتبار وثائق الأزهر الشريف التى صدرت فى الأعوام الماضية بالتوافق بين علماء الأمة ومثقفيها عن طبيعة الدولة ومقوماتها فى الحكم المدنى الدستورى على أسس ديمقراطية، وعن منظومة الحريات الأساسية التى تشمل حرية الاعتقاد وحرية الإبداع الأدبى والفنى، اعتبار هذه الوثائق التى ظفرت بتقدير كل الأوساط العلمية والعالمية، خطوة رشيدة ينبغى الالتزام بمقتضاها فيما يصدر عن جميع المؤسسات الدينية والثقافية من مواقف وبيانات، لأنها تعنى تحديث الخطاب الإسلامى وتتضمن تهيئة المناخ لمزيد من الخطوات الجادة المدروسة.

ثالثًا: اعتماد ما انتهى إليه فكر كبار المجتهدين فى الخطاب الدينى من أئمة الأزهر الشريف وكبار العلماء والمفكرين، دون تراجع عنه أو نكوص عن منجزاته بعدما استقر فى الضمير القومى والوطنى، ابتداء من الرائد رفاعة الطهطاوى إلى الإمام محمد عبده والشيوخ على عبد الرازق والمراغى وشلتوت وعبدالمتعال الصعيدى، وغيرهم من كبار المفكرين أمثال قاسم أمين، وطه حسين وعباس العقاد وأحمد أمين وأمين الخولى وبقية أعلام الفكر والثقافة حتى اليوم، اعتبار ما أسفر عنه هذا التراث الفكرى القريب من خطوات صائبة فى التطور والتحديث، بما تهدف إليه من ترسيخ العقائد الثابتة وتطوير التشريعات المتغيرة واستحداث المبادئ الموائمة لروح العصر وتحولات الزمن وتغليب المصالح العليا للأمة طبقا للأولويات، التى ينبغى مراعاتها تحقيقًا لمقاصد الشريعة ومسايرة لحركة الحياة، ومع اعتماد آليات تأويل النصوص وإعمال العقل واحترام التراث فى الفهم والتفسير والاجتهاد.

رابعًا: وتأسيسًا على ما استقر فى التشريع الإسلامى، وأُثر عن الإمام مالك واحتج به الشيخ محمد عبده من قاعدة ذهبية لحرية الرأى تقضى بأنه إذا صدر رأى من أحد يحتمل الكفر من تسع وتسعين وجهًا ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان ولم يُحْمَلْ على الكفر. واعتدادًا بما انتهت إليه المواثيق والأعراف الدولية من رفض التفتيش عن الضمائر ومطاردة أصحاب الرأى والمخالفين، فإن اتهامات التكفير وإدانة الآخرين فى عقائدهم التى سوغت للجماعات الإرهابية ترويع كل الناس، وهيأت لهم أنهم محتكروا الحقيقة المطلقة، مناقضة لسماحة الإسلام وأصول التشريع فيه. ومن ثم ينبغى إعلان انتهاء عصر التكفير المجانى، واستخدام العقيدة ضد مبادئ الحرية والمواطنة، إقرارًا بشرعية الاختلاف وحكمة الله فى التعدد «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»؛ باعتبار ذلك من أهم تقاليد الفكر الإسلامى المأثورة عن أقطاب التشريع فيه؛ إذ يرد الإمام أبو حنيفة على من يقول له: هذا الذى تفتى به هو الحق الذى لا مراء فيه، فيرد عليه: والله لست أدرى، لعله الباطل الذى لا مراء فيه. ويقول الإمام الشافعى: رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب. وبهذا المنطلق السمح فى التفكير والتشريع جرت تقاليد العلم الإسلامى، فاستوعب الشيخ شلتوت فى موسوعته الفقهية ثمانية مذاهب سنية وشيعية وإباضية اتقاءً للتعصب، ودرءًا للاختصام بين الاتجاهات المختلفة، وتغليبًا لروح التسامح؛ باعتباره أولوية قصوى فى إقامة تلاحم مجتمعى سلمى يجعل الشراكة الوطنية والمساواة الإنسانية سبيلًا صلبًا لمنع كل أنواع التمييز الذى تلفظه الحضارة الحديثة، سواء كان عرقيًا أو دينيًا أو طائفيًا أو نوعيًا، اعتمادًا على المبدأ الأساسى فى جميع النصوص الدستورية، ومن قبلها فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهو المساواة التامة فى جميع الحقوق والواجبات والمسئوليات العامة.

خامسًا: حشد كل طاقات الأمة التى مزقتها الخلافات السياسية، ودمرتها مصالح الجماعات الباغية ومؤامرات القوى المتربصة والاستغلال السيئ المتطرف للمشاعر الكريمة، حشد هذه الطاقات لتنمية المجتمعات وترقية العلوم والفنون والآداب، والدخول الجاد فى سباق الحضارات العلمى وعصر مجتمعات المعرفة والإنتاج والتقدم، مع الحفاظ الواعى على غوالى التراث الحضارى ومنابع القيم الروحية، والحفاظ على ما رسخته التجربة الدينية العميقة لشعوبنا من أخلاقيات رفيعة وشعائر عزيزة وثروة وجدانية متعددة الأبعاد، تعبر عن نفسها فى الطموح المستقبلى حينًا، وفى التوجهات الصوفية حينًا آخر، كما تتجسد كثيرًا فى الفنون والآداب الشعبية إلى جانب التراث القويم؛ فالثقافات العريقة تتميز بالثراء الذى لا يقبل الاختزال، والخصوبة التى ترفض الابتسار والتسطيح.

سادسًا: الالتزام بالضوابط العلمية والشروط المنهجية وثوابت الأصول الدينية فى الاجتهادات الحيوية التى تمس عقائد الناس وشرائعهم، واقتصار الإفتاء على المؤسسات الجماعية المؤهلة له، مع اعتبار اجتهادات الباحثين الأفراد مجرد آراء لا بد أن توضع فى إطارها الصحيح. ودعوة أجهزة الإعلام إلى توخى الدقة والبعد عن الإثارة فى طرحها احتراما لمشاعر الناس واتقاءً للفتنة، مع التمييز الدقيق بين البحث العلمى الذى يقوم به المتخصصون من أهل المعرفة بما ينبغى له من حرية وسعة، والآراء العامة التى تناقش بالبرهان والحكمة، مع مراعاة سياقات الخطاب المختلفة، وتأهيل الدعاة علميًا وثقافيًا لتنقية مفاهيمهم مما يخالف هذه المبادئ وإقناعهم بها فى دورات تدريبية يلتقون فيها بعلماء الاجتماع والاقتصاد والأدب والفن؛ لاستيعاب محصلة التطور الحضارى والارتقاء بمستوى خطابهم ووعيهم وثقافتهم على نبذ التعصب والتطرف والحرص على روح المواطنة وقيمها الأساسية.

سابعًا: التأكيد على اعتبار ما انتهت إليه المواثيق والعهود الدولية من حقوق الإنسان والطفل والمرأة مبادئ ملزمة تتوافق مع جوهر التشريع الدينى وتحقق مقاصده فى احترام الحريات والحفاظ على كرامة الإنسان، وتحقيق خير البشرية، مع مراجعة وتعديل ما سبق التحفظ عليه لأسباب لم تعد قائمة، والعناية على وجه الخصوص بحقوق الأقليات ورعاية المهمشين، واعتبار سبل تحقيق العدالة الاجتماعية بالتنمية الاقتصادية، وضمان حقوق جميع المواطنين فى التعليم الجيد والرعاية الصحية والمسكن الملائم، أولوية قصوى لتحقيق العدالة، بشكل لا يتعارض مع خبرات الشعوب ومنجزات التطور الحضارى، وعلى علماء الأمة دراسة سبل التوافق المنشود باجتهادات صريحة تلائم روح العصر وتحقق حكمة التشريع.

ثامنًا: عقد ندوات علمية متخصصة تدرس أوضاع المجتمعات العربية الحديثة، وما تعانيه من قصور فى فهم الأطر الكلية للتشريع الإسلامى وتاريخه وتطوره، وكيف كان إلغاء الرق نتيجة حتمية لمبادئ الإسلام فى الاعتداد بحرية الإنسان وكرامته، وكيف أدى إطلاق العمل بمبدأ «ادرؤوا الحدود بالشبهات» إلى توقف العمل بكثير من الحدود التى لم يعد فى الإمكان تطبيقها تجنبًا لشبهات فيها، اعترافًا بحكمة التشريع وصواب التطور فى إحلال عقوبات التعزير والحبس محل العقوبات البدنية التى كانت مستساغة فى عصور الرقيق، والعمل على تحرير مقاصد التشريع ورفض «فقه التوحش» الذى ينسب إلى الإسلام التنكيل بأجساد الناس وتعذيبهم وذبحهم والتمثيل بجثثهم؛ تحقيقًا للمبدأ القرآنى الذى يقول «ولقد كرمنا بنى آدم»، ومن تمام التكريم رعاية حرمة الجسد الإنسانى فى الحياة وبعد الموت، بغض النظر عن حالة صاحبه وما يستحقه من عقوبات ملائمة للمصالح المرسلة.

تاسعًا: يتطلب تجديد الخطاب الدينى إعادة نظر جذرية فى أنظمة التعليم المصرية والعربية والسعى لتوحيد مكونات العقل ودعائم الشخصية المصرية بقدر الإمكان، وذلك بعقد الندوات وإجراء البحوث التى تهدف إلى تخفيف حدة الانفصام بين طرائق التعليم المتباعدة فى المعاهد الدينية والمدارس المدنية والتعليم الأجنبى، وذلك لتقريب المسافات بينها وإدماجها تدريجيًا فى منظومة متجانسة لا تلغى تعددها بل تضمن قدرًا من التناغم بين مكوناتها الأساسية فى اللغة والعلم والثقافة؛ بتأسيس قواسم مشتركة بين المستويات المختلفة تحافظ على الهوية وتضمن التفكير العلمى، وترسخ القيم الروحية مع الانفتاح على تقنيات العصر وأدوات النجاح فيه. يتطلب التعليم خطوات جادة وجهودًا مخلصة للارتقاء به وتنظيم مستوياته وضمان اتساقها والتقارب بين مخرجاتها مع اكتساب كل المهارات العملية والعلمية الضرورية.

عاشرًا: وأخيرًا، فإن هذه المنطلقات تمثل عددًا من الأهداف الأساسية لا بد من بحث الآليات والوسائل التى تحققها على المستوى العملى، وتتمثل فيما يلى:

عقد الندوات البحثية المتخصصة وبذل الجهد فيها لتجاوز صعوبات التوافق وإطلاق العنان لحرية اقتراح البرامج الفكرية والعلمية الكفيلة بتجديد الخطاب.

دعوة وسائل الإعلام للارتفاع لمستوى التحدى الذى يواجهه الخطاب الدينى وتقديم الرؤى الناضجة دون استفزاز للمشاعر أو تحريض على التطرف.

استمرار لقاءات كبار العلماء والمثقفين لمناقشة المشكلات التى تنجم عن بعض المواقف المثيرة للخلاف والتوتر، والوصول إلى أسس مشتركة للحوار حولها.

استمرار العمل المشترك الجاد فى مراجعة مناهج التعليم بجميع مستوياته لضمان التزامها بمحددات هذه التوجهات فى كل موادها وأهدافها.

ودارت أيضًا مناقشات موسعة لتعديل بعض الأفكار والعبارات انتهت إلى الصيغة الثالثة على النحو التالى:

تأسيسًا على مرتكزات الفكر الإسلامى الوسطى التى درج الأزهر الشريف على اعتمادها نهجًا وغاية، ومراعاة لمنجزات التطور الحضارى التى دعمتها الثقافة العربية الحديثة، واعترافًا بضرورة إعمال العقل النقدى، وتمكين الفكر العلمى، وتنمية منظومة القيم الروحية السامية، التقت مجموعة من كبار العلماء والمثقفين فى رحاب الأزهر الشريف بدعوة كريمة من الإمام الأكبر شيخ الأزهر لتدارس التحديات التى تواجه الأمة العربية الإسلامية وتعصف باستقرارها، وأهمها:

استباحة الدماء باسم الدين والمضى فى الإرهاب بتكفير الناس وترويعهم، واعتمادًا على بعض المفاهيم المغلوطة التى تساق لتغطية المقاصد الهدامة فى تمزيق وحدة الشعوب وتبديد طاقتها فى حروب أهلية طائفية مدمرة.

النكوص عن مسيرة الحضارات الإسلامية والإنسانية فى العودة لعصور الاسترقاق واتخاذ السبايا والاتجار بالبشر وذبح الأبرياء وجلدهم لترويع الآمنين.

رفع شعارات الخلافة الكاذبة لبث الفتنة وتمزيق الأوطان وإلصاق صفة الإسلام بها مخالفة لكل قيمة فى الإخاء والمساواة والشورى الديمقراطية.

استغلال بعض عناصر التراث الفقهى الخاصة ببعض العصور القديمة لتشويه الخطاب الدينى وتحريفه عن مقاصده العليا وتوظيفه لخدمة الأهداف المعادية للإسلام.

وعكفت هذه المجموعة على إقامة حوار بناء بين مختلف أطيافها لوضع تصور مبدئى لمنطلقات تجديد الخطاب الدينى الكفيل بمواجهة هذه التحديات وصون الفكر الإسلامى من نتائجها الخطيرة، وإطلاق طاقته الخلاقة التى أسهمت فى صناعة الحضارة الإنسانية لبناء مستقبل الأجيال القادمة، وانتهت إلى عدد من التوصيات الأساسية على النحو التالى:

أولًا: تحديد مفهوم التجديد باعتباره سنة الله التى فطر الناس عليها، إذ استخلف الإنسانَ فى الأرض وحمله رسالة عمرانها وصنع الحضارة فيها، كما ورد فى محكم الآيات: «هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها»، وكما أكدت السنة النبوية الشريفة فى الإشارة إلى من يبعثهم الله على رأس كل مائة عام لتجديد الدين، وكما تقتضى طبيعة الحياة التى تناقض العقم والجمود والموت. وقد احتفى الفكر الإسلامى فى مختلف تجلياته بالتجديد حتى ليمكن اعتباره مرادفًا له، على أن نفهم أن التجديد لا يعنى أبدًا التخلى عن الأصول الثابتة كما قد يتوهم بعض المحافظين، بل يتم تعميق الوعى بالمقاصد الكلية والمبادئ الناظمة للأحكام التى تتنزل على متغيرات الحياة، كما يعنى الإفادة القصوى من الخبرات التاريخية للشعوب الإسلامية بما تمخضت عنه من ازدهار حضارى أضاء العالم فى عصور نهضتها وترك معالمه فى تراثها المادى والمعنوى حتى اليوم.

ثانيًا: لأن التجديد لا يتم بالطفرة التى تقفز على الواقع ولا بالقطيعة التى تنفصم عن الماضى، فإنه يجب الاعتداد بما انتهى إليه فكر كبار المجددين فى الإسلام، خاصة فى العصر الحديث، ابتداءً من الرائد الشيخ رفاعة الطهطاوى وامتصاصه الحكيم لصدمة الحداثة، إلى الإمام محمد عبده الذى أبرز عالمية الإسلام وسبقه إلى أعظم القيم المعاصرة، والشيوخ الكبار مصطفى وعلى عبد الرازق وعباس محمود العقاد وطه حسين والشيخ شلتوت وغيرهم من أعلام الدين والفكر والثقافة والنهضة حتى اليوم. اعتبار ما أسفر عنه هذا التراث البناء القريب خطوات صائبة فى التطوير والتحديث، بما تهدف إليه من ترسيخ العقائد الثابتة، وتطوير التشريعات المتغيرة، واستحداث التوجهات الملائمة لروح العصر وتحولات الزمن، وتغليب المصالح العليا للأمة طبقًا للأولويات التى تفرض نفسها، تحقيقًا لمقاصد الشرعية ومسايرة لحركة الحياة. وتبعا لمنطق التراكم المعرفى، فإنه يجب اعتبار اجتهادات العصور السابقة فيما بعد عصر الأئمة الأول غير ملزمة للفكر الحديث، فهى قاصرة على ظروفها وضروراتها، ولكل عصر أطره المعرفية التى يفهم النصوص ويئولها ويجتهد فى تطبيقها طبقًا لمقتضيات تحقيق صالح الأمة وخيرها.

ثالثًا: اعتبار المبادئ الأساسية التى رسختها وثائق الأزهر الشريف فى الأعوام الماضية بالتوافق بين علماء الأمة ومثقفيها الحلقةَ الحديثة فى مسار هذا التجديد، فى تحديدها لمبادئ طبيعة الدولة ومقوماتها فى الحكم المدنى الدستورى على أسس ديمقراطية تحقق جوهر العدالة والحرية والمساواة بعيدًا عن فكرة الخلافة التاريخية، والتزامها بمفاهيم المواطنة والعدالة الاجتماعية ورعاية المهمشين وسياسة التنمية، وكذلك وثائق منظومة الحريات التى تشتمل حرية الاعتقاد وحرية الرأى والتعبير وحرية البحث العلمى والأكاديمى وحرية الإبداع الأدبى والفنى. اعتبار هذه الوثائق التى ظفرت بتقدير كل الأوساط العربية والعالمية من قبيل الخطوات الرشيدة التى ينبغى الالتزام بفحواها فى كل ما يصدر فى الخطاب، وتهيئ المناخ لمزيد من التحديث الضرورى.

رابعًا: ضرورة التصدى الحاسم لموجات التكفير العشوائى الحمقاء التى تسمح لأى شخص أن يعلن كفر مخالفيه واستباحة دمه وماله نقضًا لأصول الدين ومواثيقه المتينة، وإهدارًا لحق المواطنة، وتحقيقًا لمآرب الجماعات المارقة الساعية للسلطة والإفساد فى الأرض. ومن ثم يجب إعلان انتهاء عصر التكفير وبداية عصر التفكير الرشيد، تأسيسًا على ما استقر فى التشريع الإسلامى واعتد به كبار الفقهاء واحتج به الإمام الشيخ محمد عبده بضرورة احترام الاختلاف فى الرأى، حتى لو كان يحتمل الكفر من معظم الوجوه، واعتدادًا بما انتهت إليه المواثيق والعهود الدولية من الاعتراف بتعدد المشارب والتوجهات ورفض نصب محاكم التفتيش للذمم والعقائد والضمائر، قطعًا للطريق على من ينصبون أنفسهم أوصياء على الناس ويتبرعون بإدانة مخالفيهم استغلالًا لحرمة الأديان انتهاكًا لحرية الإنسان. فالإسلام يجعل الشراكة الوطنية والمساواة الإنسانية ورفض التمييز العرقى والدينى والطائفى والنوعى من أبرز ثوابته المستقرة فى النصوص القرآنية والسنة النبوية الشريفة التى سبقت ما انتهت إليه المواثيق الدولية المعتمدة فى هذا الصدد، وانتهاكها جرائم تعاقب بالقانون وتعتدى على صحيح الدين.

خامسًا: ضرورة عقد ندوات علمية متخصصة تدرس أوضاع التشريع فى المجتمعات العربية الإسلامية، وما مر به من تطورات حضارية، مبنية على فهم الأطر الكلية لوجود الأسباب وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، لمواجهة الاتهامات التى ترمى بها هذه المجتمعات من دعاة الغلو والتطرف من عدم تطبيق الشريعة الإسلامية خاصة فى بعض الحدود، نظرًا لجهلهم بالفلسفة الإسلامية وفقه التشريع المحكم فيها، والفرق بين المبدأ الشرعى الثابت بالنصوص القطعية، والحكم الوضعى الذى يضع فى اعتباره الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأمة وأهداف ومقاصد التشريع، فينتهى إلى درء الحدود بالشبهات ووقف العمل ببعضها كما حدث فى التاريخ الإسلامى فى عهده الأول، ويعمل آليات التعزير والحبس فى العقوبات البدنية فيما عدا القصاص، نزولًا على ما تقتضيه موجبات الحفاظ على الكرامة الإنسانية. كما يقر ما انتهت إليه المواثيق الدولية وسبق به الإسلام من تحريم العبودية والرق بجميع أشكاله، ويرفض بقوة ممارسات الجماعات الباغية التى تسبى النساء وتذبح الأطفال وتعتمد أسلوب التنكيل والتطهير زاعمة أن ذلك من شرائع الإسلام وأعرافه.

على علماء الأمة أن يرفعوا راية الاجتهاد، ويدافعوا عن مبادئ السماحة فى الدين، والرحمة فى التشريع، والوعى العميق بتطورات الحياة المعاصرة والتكيف اللازم مع شروطها، مع التسليم المطلق بقدسية النصوص وحقوق التأويل وضرورة التجديد فى الفهم، مع اعتبار الأولوية القصوى لرفع شأن الشعوب الإسلامية، بحشد طاقاتها للتنمية وترقية العلوم والفنون والآداب والدخول الجاد فى سباق الحضارات العلمى، وعصر مجتمعات المعرفة والإنتاج والتقدم، بما يكفله ذلك من تحقيق العدالة الاجتماعية وانتشال الفقراء من وهدة الجوع والحرمان، وجعل التعليم الجيد والرعاية الصحية الحقيقية ومحاربة البطالة أهداف مجتمعاتنا الاستراتيجية، بدلًا من المتاجرة بالدين والمزايدة على مبادئه، وإيهام الناس بأنهم قد تركوه وراءهم وابتعدوا عن أحكامه. فما يراه المسلمون من أسباب الرقى والتطور حسنًا فهو عند الله حسن ما دام لا يتجاوز أسسه الثابتة.

سادسًا: يتطلب تجديد الخطاب الدينى إعادة نظر جذرية فى نظم التعليم المصرية، والسعى لتوحيد مكونات العقل ودعائم الشخصية المصرية بقدر الإمكان، وذلك بعقد الندوات وإجراء البحوث واقتراح التشريعات التى تهدف إلى تخفيف حدة الانفصام بين طرائق التعليم المتباعدة فى المعاهد الدينية والمدارس المدنية والتعليم الأجنبى، فكل منها يخرج عقلًا مختلفًا جدًا، ولا بد من تقريب المسافات بينهما وإدماجها تدريجيًا فى منظومة متكاملة ومتجانسة لا تلغى تعددها بقدر ما تضمن قدرًا من الاتساق بينها والتناغم بين مكوناتها الأساسية فى اللغة والتفكير العلمى والثقافة؛ بتأسيس قواسم مشتركة بينها، تحافظ على الهوية الوطنية وتطلق طاقات الإبداع وترسخ القيم الروحية، مع الانفتاح على تقنيات العصر وأدوات النجاح فيه. يتطلب التعليم خطوات جادة وجهودًا مخلصة للارتقاء به وتنظيم مستوياته وضمان اتساق مخرجاتها مع اكتساب المهارات العلمية والعملية والتواصل المثمر مع حركة البحث العلمى والتربوى.

سابعًا: كما تقتضى تجديد الخطاب الدينى وإعادة تأهيل الدعاة وخطباء المساجد فى الكليات المتخصصة للالتزام بالضوابط العلمية والمنهجية وأصول الخطاب فى عملهم، بحيث يتم تدريبهم دوريًا على استيعاب معطيات الفكر الدينى الوسطى الرشيد والبعد عن التطرف والغلو والتعصب وتوسيع مداركهم بالحوار مع علماء الاجتماع والاقتصاد والأدب والفن والثقافة، لهضم محصلة التطور الحضارى وتنقية خطابهم من الخرافات والأفكار الخطرة على أمن المجتمع وسلامته، وحثهم على مواصلة البحث العلمى فى التاريخ الحضارى للإسلام والحفاظ على مقتضيات التعايش وروح المواطنة وقيمها الضرورية مع العناية بأوضاعهم المادية وتمكينهم من مقاومة إغراءات الجماعات المتطرفة، وطرح مسابقات بينهم فى القراءة المعمقة لأهم كتب المجددين فى الفكر الدينى لإشاعة روح التنافس الإيجابى فى استيعاب أفكارهم وتشجيعهم على الكتابة فيها، بنشر الأبحاث والمحاضرات الفائزة والترويج لتداولها بين كل الدعاة والوعاظ.

وتحقيقًا لهذه الأهداف فى تطوير الخطاب الدينى وتجديده لا بد من مراعاة السبل والوسائل الآتية:

استمرار التعاون المثمر بين كبار العلماء والمثقفين فى تشكيل الفرق البحثية المعنية بمواجهة الخطابات المشوهة لمفاهيم الإسلام ومصطلحاته فى الجهاد ودار الحرب والخلافة ونقض فقه التوحش الهدام وكشف أباطيله منهجيًا وعلميًا.

دعوة وسائل الإعلام لتحرى الدقة والموضوعية فى عرض المواد المتصلة بالخطاب الدينى ومقارعة الحجة بالحجة ونبذ أسلوب التنابذ والتكفير والمزايدة وإقحام الخلافات السياسية فى قضايا العقيدة والفكر والثقافة.

مراجعة مناهح التعليم بشكل منتظم لضمان التزامها بمحددات هذه توجهات فى كل موادها فى المراحل المختلفة، واقتراح التعديلات المنهجية لتقريب مستويات التعليم الدينى والمدنى والأجنبى فى التعليم الأساسى على وجه الخصوص.

استئناف جهود الأزهر الشريف فى التقريب بين المذاهب الإسلامية اتقاءً للفتنة وتوحيدًا للأسس والمبادئ المشتركة بين كل الفرق، والدعوة لعقد لقاءات علمية بين مرجعيات هذه الطوائف لتفويت الفرصة على أعداء الأمة الإسلامية.

حث وزارة الثقافة على تبنى مشروع لنشر كتب رواد تجديد الخطاب الدينى فى طبعات شعبية وإقامة الندوات حولها، مع البعد عن القضايا الإشكالية وتجميع كلمة الأمة على محاربة الاتجاهات المنحرفة المتطرفة.

عندما تقرأ وثيقة تجديد الخطاب الدينى جيدًا، ستعرف لماذا تم حجبها.

لقد ألمح صلاح إلى أن هناك من رأى إخفاء هذه الوثيقة، وأرجع ذلك إلى محافظة المؤسسة الدينية، وإلى بعض المتشددين الذين يعملون فيها، وهذا سبب كاف للحجب، لكنه لم يلتفت إلى أن الوثيقة فى أساسها كانت تخالف ثوابت المؤسسة، فكيف لها أن توافق عليها وهى تقر ما فعله الإمام محمد عبده وعلى عبدالرازق وعبدالمتعال الصعيدى، وقد شنت عليهم حروب عديدة بسبب آرائهم؟

حجب هذه الوثيقة كان سببًا فى استفزاز كبير بدا على صلاح من لهجته الحادة فى مواجهة المؤسسة الدينية وهجومه عليها، لكنه لم ينقطع عن الحديث عن ثوابته فى مسألة تجديد الخطاب الدينى.

فى حواراته الثلاثة التى أجراها صلاح فضل بعد يأسه من إعلان وثيقة تجديد الخطاب الدينى واعتمادها، وضع ما يمكننا التعامل معه على أنها كانت منطلقاته الأساسية لتجديد الخطاب الدينى، ويمكن أن نرصدها فى الآتى:

أولًا: النصوص الدينية فى مختلف الأديان، مثل كل النصوص فى الآداب العالمية، لا تفهم من تلقاء نفسها، وتحتاج إلى من يقوم بتفسيرها وشرحها، وأرى أن التجديد لا بد أن يقوم على تفسير تلك النصوص بما يناسب الحياة التى نعيشها، ويدعو فيها إلى الأخلاق النبيلة والحياة السعيدة بين البشر، ويكون هذا المعنى أساس التفسيرات؛ لأن ما فهمه علماء العصور القديمة لسنا ملزمين به الآن، نظرًا لاختلاف الواقع بين العصور، ولكل عصر طبيعته الخاصة وتطوره الإيجابى، والرسالة الحقيقية للدين هى رسالة خلقية تدعو إلى الفضيلة والنبل قبل أن تكون رسالة طقوس وعبادات، فتلك أمور شكلية.

ثانيًا: النصوص الدينية، سواء القرآن أو الإنجيل وكذلك الأحاديث النبوية، لها تفسيرات عديدة، ويجب عدم غل يد المفكرين والعلماء عن تقديم رؤيتهم فى تفسير النصوص، وإيقاف إرهابهم بقوانين ازدراء الأديان والحبس، فالخطاب الدينى الحديث يجب أن يعتمد على تفسيرات تناسب العصر والبيئة التى نعيش فيها، لا أن تؤكد منطقًا قديمًا لم يعد مناسبًا لحياتنا.

ثالثًا: حتى يتم تجديد الخطاب الدينى، فلا بد من إلغاء كل القوانين التى تسمى ازدراء الأديان والقوانين الملحقة بها، وهى المقيدة لحرية الفكر والتعبير، وتجريم فتاوى التكفير، بحيث نترك الحرية لكل مجتهد من أصحاب الرأى والثقافة لتقديم تفسيرات وتأويلات للنصوص الدينية تتفق مع العصر، وللجمهور الحرية فيما يأخذه أو يتركه، أما أن نكبل المفكرين ونرهبهم من الاقتراب من النصوص الدينية فهو أمر لن يصل بنا إلى الحقيقة.

رابعًا: يحتاج التجديد إلى تثقيف رجال الدين بحيث تساير عقولهم ركب الحضارة والتقدم، لا أن تقف جامدة عند الأطروحات القديمة، فضلًا عن إلغاء التعليم الدينى ودمجه فى التعليم العام، وعلى الدولة أن تفعل ذلك ولا تعتمد على المؤسسات الدينية، سواء الكنيسة أو الأزهر؛ لأن أمر الوصاية القديم، الذى كان يجبر الأشخاص على اعتبار تلك المؤسسات وصية عليه، قد ولى إلى غير رجعة، وبات الأمر مرهونًا بثقافة الأشخاص بعيدًا عن ولائهم لمؤسسة بعينها.

خامسًا: نحتاج إلى إصدار قوانين لإنشاء مكتبات داخل كل المساجد والزوايا مع تغذيتها بكتب تنويرية تدعو للوسطية وتحارب العنف والإرهاب والمعتقدات الخاطئة، حتى نستطيع أن نقضى على بعض الأفكار الهدامة التى تسكن عددًا من مساجدنا، وتكون تلك المكتبات تحت إشراف الدولة ومسئولية إمام المسجد، وأيضًا يتم ذلك فى الكنيسة؛ لأن بها أيضًا من أصحاب الأفكار الغريبة السلبية ما يعكر صفو الحياة، ولا بد من إبعاد تلك الأشياء الهدامة عن حياتنا.

تحدث صلاح فضل كثيرًا فى مسألة تجديد الخطاب الدينى، وله فيها ومعها اشتباكات وتشابكات عديدة، لكن هذا هو صلب ما قاله، وأعتقد أننا فى حاجة إلى إحياء ما كان يراه، ولن يتم إصلاح وتجديد الخطاب الدينى إلا به، فهل يمكن أن نحقق له رغبته بإصدار وثيقة التجديد التى صاغها وكان ينتظر اعتراف الأزهر بها.. أتمنى ذلك، ليس من أجل الدكتور صلاح واعترافًا بفضله.. ولكن من أجلنا نحن.